النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الطهارة
وأنس بن مالك،(١) والمغيرة بن شعبه، (٢) وأبو موسى،(٣) وفعله
الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه. (٤) وقال عمر بن
الخطاب: من لم يطهره المسح على العمامة، فلا طهره الله. (٥)
قال: والمسح على العمامة سنة من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار.
وحكاه عن ابن أبي شيبة، وأبي خيثمة زهير، وسليمان بن
(١) أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى: ٢٨٩/١، والطبراني في الأوسط: ٥٩/٥،
وأبو يعلى في مسنده: ١١٨/٧، وابن المنذر في الأوسط ٤٦٨/١، وعبد
الرزاق في مصنفه ١٨٩/١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢٩/١.
(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه: ٢٣٠/١-٢٣١ في كتاب الطهارة، ٢٣ -باب
المسح على الناصية والعمامة.
(٣) أخرجه: الطبراني في الأوسط: ٢٤/٢ ثم قال: لا يروى هذا الحديث عن أبي
موسی إلا بهذا الإسناد، تفرد به عیسی.
(٤) أخرجه: ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢٨/١، وابن المنذر في الأوسط: ١/ ٤٦٧.
(٥) ذكر ابن حزم في كتابه المحلى: ٢/ ٦٠ أنه رواه من طريق ابن أبي شيبة عن
أبي جعفر عبد الله بن عبد الله الرازي عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه به.
وذكر ابن قدامة في المغني: ١/ ٣٨٠، وابن تيمية في شرح العمدة - الطهارة -
ص: ٢٦٣ أن الخلال رواه بإسناده.
وروى ابن المنذر في الأوسط ٤٦٧/١، وابن أبي شيبة في مصنفه ٢٩/١ ما
يدل على جواز المسح.

٢٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
داود الهاشمي،(١) مذهباً لهم.
ورواه أيضاً عمرو بن أمية الضمري،(٢) وبلال.(٣)
فأما حديث سلمان. (٤)
(١) في الأصل جاء اسمه هكذا: سلمان بن داود الهاشم. والتصويب من مصادر
الترجمة.
(٢) أخرجه البخاري: ٣٦٩/١ مع الفتح في كتاب الوضوء، ٤٨- باب المسح على
الخفين.
(٣) أخرجه: مسلم: ٢٣١/١ في كتاب الطهارة، ٢٣ - باب المسح على الناصية
والعمامة.
(٤) هكذا في الأصل. ولا يوجد بياض كما ذكر في المطبوع. والكلام ظاهر
الانقطاع. والله أعلم.

٢٤٣
كتاب الطهارة
وقال في أثناء باب التوقيت في المسح، (١) بعد قول الحافظ
زكي الدين: " لا يصير سنة، [٢٤/ ب] هذا آخر كلام البيهقي".(٢)
قال ابن القيم: وقد أعل أبو محمد بن حزم حديث خزيمة
هذا، بأن قال: رواه عنه أبو عبد الله الجدلي، صاحب راية الكافر
المختار، لا يعتمد على روايته(٣).
وهذا تعليل في غاية الفساد، فإن أبا عبد الله الجدلي؛ قد
وثقه الأئمة أحمد، ويحيى، وصحح الترمذي حديثه، ولا يعلم أحد
(١) سنن أبي داود: ١٠٩/١ الباب رقم (٦٠). عند حديث إبراهيم التيمي عن
أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
« المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة)).
وأخرجه الترمذي في جامعه: ١٥٨/١ في أبواب الطهارة، ٧١ - باب المسح
على الخفين للمسافر والمقيم. عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن
أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة به مثله. وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحیح.
وابن ماجه في سننه: ١٨٤/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٨٦ - باب ما جاء في
التوقيت في المسح للمقيم والمسافر. عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون
عن خزيمة به، وليس فيه ذكر التحديد للمقيم.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٤٢.
(٢) في مختصر سنن أبي داود: ١١٧/١:" قال البيهقي: وحديث خزيمة بن ثابت
إسناده مضطرب، ومع ذلك فما لم يرد لا يصير سنة. هذا آخر كلام البيهقي ".
(٣) المحلى ٨٩/٢.

٢٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
من أئمة الحديث طعن فيه(١).
وأما كونه صاحب راية المختار، فإن المختار إنما أظهر الخروج
لأخذه بثأر الحسين، والانتصار له من قتلته.
وقد طعن أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل، ورد روايته بكونه
كان صاحب راية المختار أيضاً (٢)، مع أن أبا الطفيل كان من
الصحابة، ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار، وما يسره فَرَدُّ
رواية الصاحب والتابع الثقة بذلك، باطل.
وأيضاً فقد روى ابن ماجه هذا الحديث عن علي بن محمد عن وكيع
عن سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن خزيمة.(٣)
فهذا عمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله الجدلي، وكلاهما
ثقة صدوق.
وقد قيل: إن عمرو بن ميمون رواه أيضاً عن أبي عبد الله
الجدلي عن خزيمة.
فإن صح ذلك،(٤) لم يضره شيئاً، فلعله سمعه من أبي عبد الله
فرواه عنه، ثم سمعه من خزيمة فرواه عنه.
(١) انظر: ميزان الاعتدال ١١٩/٤، وتهذيب التهذيب ١٤٨/١٢-١٤٩.
(٢) المحلى ٣/ ١٧٤.
(٣) وقد سبق تخريجه.
(٤) وقد صح ذلك، فقد أخرجه هكذا الترمذي كما سبق.

٢٤٥
كتاب الطهارة
وقال شمس الدين بن القيم بعد قول الحافظ زكي الدين في
آخر باب التوقيت في المسح (١): "وقال الدارقطني: هذا إسناد لا
يثبت "(٢).
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف فیه علی یحیی بن أيوب
اختلافاً كثيراً، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن:
مجهولون کلهم.
وقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق يحيى بن عثمان
ابن صالح ويحيى بن معين، كلاهما عن عمرو بن الربيع بن طارق
أخبرنا يحيى(٤) بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن
(١) سنن أبي داود: ١٠٩/١- ١١٠ في الباب رقم (٦٠). عند حديث يحيى بن
أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قطن عن أبي
بن عمارة أنه قال: (( يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوماً؟
قال: يوماً. قال: ويومين؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت)).
وأخرجه ابن ماجه في سننه: ١٨٥/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٨٧- باب ما
جاء في المسح بغیر توقیت. من طریق یحیی بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين
عن محمد بن يزيد عن أيوب بن قطن عن عبادة بن نُسَي عن أبي بن عمارة به.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٢٨.
(٢) في السنن ١٩٨/١ بعد روايته له.
(٣) مختصر سنن أبي داود: ١٢٠/١.
(٤) في المطبوع: محمد. وهو خطأ.

٢٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يزيد بن أبي زياد - قال يحيى شيخ من أهل مصر - عن عبادة بن
نسي.(١) الحديث، قال الحاكم: هذا إسناد مصري، لم ينسب واحد
منهم إلى جرح، وهذا مذهب مالك، ولم يخرجاه. (٢)
والعجب من الحاكم كيف يكون هذا مستدركاً على
الصحيحين، ورواته لا يُعرفون بجرح ولا بتعديل؟! والله أعلم.
(١) في الأصل: نس. والتصويب من مصادر التخريج والترجمة.
(٢) انظر: مستدرك الحاكم: ١/ ١٧٠-١٧١.
وخالفه الذهبي فقال: بل مجهول.

٢٤٧
كتاب الطهارة
وقال في أثناء باب المسح على الجوربين، (١) بعد قول الحافظ
زكي الدين عقب حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه مسح على الجوربين (٢):" وليس بالمتصل ولا
بالقوي".(٣)
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: وقال النسائي: ما نعلم
أن أحداً تابع هزيلاً (٤) على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة (( أن
(١) سنن أبي داود: ١/ ١١٣ الباب رقم (٦١).
عند حديث المغيرة بن شعبة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ
ومسح على الجوربين والنعلين)).
قال أبو داود: وروي هذا أيضاً عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه مسح على الجوربين. وليس بالمتصل ولا بالقوي.
وأخرجه الترمذي في جامعه: ١/ ١٦٧ في أبواب الطهارة، ٧٤ - ما جاء في
المسح على الجوربين والنعلين. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه في سننه: ١٨٥/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٨٨- باب ما جاء في
المسح على الجوربين والنعلين.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٤٣.
(٢) حديث أبي موسى هذا أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار: ١ / ٩٧،
والبيهقي في السنن الكبرى: ٢٨٤/١-٢٨٥. من طريق المعلى بن منصور عن
عيسى بن يونس عن أبي سنان عن الضحاك عنه.
(٣) مختصر سنن أبي داود: ١/ ١٢١.
(٤) في الأصل: هذيلاً. بالذال، هنا وفي جميع المرات التي يُذكر فيها، والتصحيح
E

٢٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
النبي صلى الله عليه وسلم [٢٥/أ] مسح على الخفين))(١).(٢)
وقال البيهقي: قال أبو محمد - يعني يحيى بن منصور -: رأيت
مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأدوي،
وهزيل بن شرحبيل؛ لا يحتملان هذا، مع مخالفتهما جملة الذين رووا
هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا يترك
ظاهر القرآن بمثل: أبي قیس، وهزیل.
قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس
الدغولي (٣)، فسمعته يقول: سمعت علي بن مخلد بن شيبان(٤)
يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن
=
من بعض مصادر التخريج، ومن مصادر ترجمته.
وهو: هُزَيْل بن شرحبيل الراوي عن المغيرة بن شعبة (( أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين )).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣٦٧ مع الفتح، في کتاب الوضوء، ٤٨-باب
المسح على الخفين.
ومسلم في صحيحه ٢٢٨/١-٢٢٩ في كتاب الطهارة، ٢٢ - باب المسح على
الخفین.
(٢) انظر قول النسائي في السنن الكبرى له ١/ ٩٢.
(٣) في الأصل: الدغورا. والتصويب من سنن البيهقي.
(٤) في المطبوع: سنان. وهو خطأ.

٢٤٩
كتاب الطهارة
مهدي، قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني (١) بحديث أبي قيس عن
هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه، أو كلمة
نحوها.(٢)
وقال عبد الله بن أحمد: حدثت أبي بهذا الحديث، فقال أبي:
لیس یروی هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي: أبى عبد الرحمن
بن مهدي أن يحدث به، یقول هو منکر.(٣)
وقال ابن البراء: قال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة
في المسح، رواه عن المغيرة: أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل
البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح
على الجوربين، وخالف الناس. (٤)
وقال المفضل بن غسان(٥): سألت يحيى بن معين عن هذا
الحديث، فقال: الناس كلهم يروونه على الخفين، غير أبي قيس.
قال ابن المنذر: يروى المسح على الجوربين، عن تسعة من
(١) في الأصل: لو رجل حدثني. والتصويب من المصارد الآتية.
(٢) انظر: سنن البيهقي: ٢٨٤/١.
وذكرها الزيلعي في نصب الراية: ١٨٥/١.
(٣) سنن البيهقي: ٢٨٤/١.
(٤) المصدر السابق.
(٥) في المطبوع: الفضل بن عتبان. وهو خطأ.

٢٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: علي، وعمار، وأبي مسعود
الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي
أوفى،(١) وسهل بن سعد. (٢)
وزاد أبو داود: وأبو أمامه، وعمرو بن حريث، وعمر، وابن
عباس، فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً. (٣)
والعمدة في الجواز على هؤلاء رضي الله عنهم، لا على
حديث أبي قیس.
مع أن المنازعين في المسح متناقضون، فإنهم لو كان هذا
الحديث من جانبهم، لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة،
ولا يلتفتون إلى ما ذكروه ههنا من تفرد أبي قيس، فإذا كان الحديث
مخالفاً لهم، أعلوه بتفرد راويه، ولم يقولوا زيادة الثقة مقبولة، كما هو
موجود في تصرفاتهم.
والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به
(١) في الأوسط لابن المنذر ذكر مكان عبد الله بن أبي أوفى: أبا أمامة. ثم رواه
عنه - أي عن أبي أمامة - مسنداً.
(٢) الأوسط: ١/ ٤٦٢.
(٣) انظر ما ورد عن الصحابة مسنداً في: مصنف عبد الرزاق: ١٩٩/١-٢٠١،
ومصنف ابن أبي شيبة: ١٧١/١-١٧٣، والأوسط لابن المنذر: ٤٦٢/١-
٤٦٣، والسنن الكبرى لليبهقي: ٢٨٥/١.

٢٥١
كتاب الطهارة
لنفسك، فإن في كل شيء وفاء وتطفيفاً.
ونحن لا نرضى هذه الطريقة، ولا نعتمد على حديث أبي
قيس، وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية
أبي قیس، وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله.
وإنما عمدته هؤلاء الصحابة، وصريح القياس، فإنه لا يظهر
بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.
والمسح عليهما [٢٥/ ب] قول أكثر أهل العلم، منهم من
سمينا من الصحابة، وأحمد (١)، وإسحاق بن راهويه(٢)، وعبد الله بن
المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري،
وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف(٣).
ولا نعرف في الصحابة مخالفاً لمن سمينا.
وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود، فرواه
البيهقي من حديث عيسى بن يونس عن أبي سنان عيسى بن سنان
عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى قال: (( رأيت رسول
(١) انظر: مسائل الكوسج المسألة رقم: (٢٣)، وانظر: المغني لابن قدامة
٣٧٣/١-٣٧٤.
(٢) انظر: مسائل الكوسج المسألة رقم (٢٣).
(٣) انظر ذلك عنهم في: المغني لابن قدامة ١/ ٣٧٣ -٣٧٤. وانظر عن بعضهم في:
مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٧١ -١٧٣.

٢٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الجوربين والنعلين)).(١)
وهذا الحديث له علتان ذكرهما البيهقي:
إحداهما: أن الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من
أبي موسى.
والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف. (٢)
قال البيهقي: وتأول الأستاذ أبو الوليد حديث المسح على
الجوربين والنعلين، على أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه
جورب على الانفراد ونعل على الإنفراد.(٣)
قلت: هذا مبني على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله،
والشأن(٤) في ذلك والظاهر أنه مسح على الجوربين الملبوس
عنهما (٥) نعلان منفصلان، هذا المفهوم منه، فإنه فصل بينهما
وجعلهما سنتين، ولو كانا جوربين منعلين، لقال: مسح على
الجوربين المنعلین.
وأيضاً: فإن الجلد الذي في أسفل الجورب لا يسمى نعلا في
(١) سبق تخريجه في أول الباب.
(٢) انظر: سنن البيهقي: ٢٨٥/١.
(٣) المصدر السابق.
(٤) في المطبوع: والبيان.
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: عليهما.

٢٥٣
كتاب الطهارة
لغة العرب، ولا أطلق عليه أحد هذا الاسم.
وأيضاً: فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك، أنه مسح
على سيور النعل التي على ظاهر القدم مع الجورب، فأما أسفله
وعقبه فلا.
وفيه وجه آخر: أنه يمسح الجورب وأسفل النعل وعقبه،
والوجهان لأصحاب أحمد(١).
وأيضاً: فإن تجليد أسافل الجوربين، لا يخرجهما عن كونهما
جوربین، ولا يؤثر اشتراط ذلك في المسح، وأي فرق بين أن یکونا
مجلدین أو غير مجلدين.
وقول مسلم رحمه الله: لا يترك ظاهر القرآن بمثل: أبي قيس،
وهزیل، جوابه من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر القرآن لا ينفي المسح على الجوربين، إلا
كما ينفي المسح على الخفين، وما كان الجواب عن موارد (٢)
الإجماع، فهو الجواب في مسألة النزاع.
الثاني: أن الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه
وسلم وعرفوا تأويله، مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة
بظاهر القرآن ومراد الله منه، والله أعلم.
(١) والمذهب أنه لا يسن. انظر: المبدع ١٤٧/١، والإنصاف ١٨٥/١.
(٢) في المطبوع: مورد.

٢٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب كيف المسح،(١) بعد قول الحافظ زكي
الدين في آخر حديث [٢٦ / أ] المغيرة بن شعبة، حاكياً عن الترمذي
أنه سأل أبا زرعة ومحمداً عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح. (٢)
قال إبراهيم: حديث المغيرة هذا قد ذكر له أربع علل:
أحدها: أن ثور بن یزید لم يسمعه من رجاء بن حيوة، بل
قال: حُدِّثْتُ عن رجاء.
(١) سنن أبي داود: ١١٦/١، الباب رقم (٦٣).
عند حديث ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن
المغيرة بن شعبة قال: (( وضأت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك،
فمسح أعلى الخفين وأسفلهما )».
ثم قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء.
وأخرجه: الترمذي في جامعه: ١٦٢/١ في أبواب الطهارة، ٧٢ -باب ما جاء
في المسح على الخفين أعلاه وأسفله. ثم قال: وهذا حديث معلول؛ لم يسنده
عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل
عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور
عن رجاء بن حيوة قال: حُدّثت عن كاتب المغيرة - مرسل - عن النبي صلى
الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه المغيرة.
وأخرجه: ابن ماجه في سننه: ١٨٣/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٨٥- باب في
مسح أعلى الخف وأسفله.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٣٠.
(٢) مختصر سنن أبي داود: ١٢٤/١ -١٢٥.

٢٥٥
كتاب الطهارة
قال عبد الله بن أحمد في كتاب العلل: حدثنا أبي قال: وقال
عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال:
حُدِّثتُ عن رجاء بن حيوية عن كاتب المغيرة (( أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم مسح أعلى الخفين، وأسفلهما)).(١)
العلة الثانية: أنه مرسل، قال الترمذي: سألت أبا زرعة
ومحمداً عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك
روى هذا عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن [كاتب المغيرة مرسل
عن ](٢) النبي صلى الله عليه وسلم(٣).
العلة الثالثة: أن الوليد بن مسلم لم يصرح فيه بالسماع من
ثور بن يزيد، بل قال فيه: عن ثور، والوليد مدلس، فلا يحتج
بعنعنته ما لم يصرح بالسماع.
العلة الرابعة: أن کاتب المغيرة لم يسم فیه، فھو مجهول. ذکر
(١) الحديث مرسلاً رواه أيضاً من طريق الإمام أحمد: الدارقطني في السنن
١/ ١٩٥، والخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ١٣٥، وابن حزم في المحلى ١١٤/٢.
ورواه مرسلاً من غير طريقه: ابن عبد البر في التمهيد: ١٤٧/١١-١٤٨ من
طريق ابن وضاح قال: حدثنا الحكم بن موسى قال حدثنا الوليد بن مسلم
عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة مرسلاً.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من المطبوع.
(٣) قاله الترمذي في السنن بعد روايته للحديث، كما سبق.

٢٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
أبو محمد بن حزم هذه العلة(١).
وفي هذه العلل نظر:
أما العلة الأولى (٢): وهي أن ثوراً لم يسمعه من رجاء(٣)، فقد
قال الدارقطني في سننه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
حدثنا داود بن رشید حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن یزید، قال:
حدثنا رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة،
فذكره،(٤) فقد صرح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال، فانتفى
الإرسال عنه.(٥)
وأما العلة الثالثة: وهي تدليس الوليد، وأنه لم يصرح
بسماعه، فقد رواه أبو داود عن محمود بن خالد الدمشقي حدثنا
(١) المحلى ٢/ ١١٤.
(٢) في المطبوع: أما العلتان الأولى والثانية.
وهي زيادة من الطابع الأول، أراد بها توضيح المعنى، دون أن يشير إلى أنها
من عنده.
(٣) في المطبوع: وهما أن ثوراً لم يسمعه من رجاء وأنه مرسل.
وهي زيادة زادها الطابع الأول، لبيان وتوضيح كلام ابن القيم !! وهذا لو
احتيج إليه لكان ينبغي بيانه في الهامش، وليس في الأصل، ودون أي إشارة
إلى ذلك.
(٤) سنن الدار قطني: ١/ ١٩٥.
(٥) وهذه العلة الثانية.

٢٥٧
كتاب الطهارة
الوليد حدثنا (١) ثور بن يزيد (٢). فقد أمن تدليس الوليد في هذا.
وأما العلة الرابعة: وهي جهالة كاتب المغيرة، فقد رواه ابن
ماجه في سننه،(٣) وقال: عن رجاء بن حيوة عن وراد كاتب المغيرة
عن المغيرة.
وقال شيخنا أبو الحجاج المزي: رواه إسماعيل بن إبراهيم
ابن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن وراد عن المغيرة، تم
كلامه(٤).
وأيضاً: فالمعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورّاد، وقد خرج له
في الصحيحين، وإنما ترك ذكر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم
التباسه بغيره، ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه ورّاد
کاتبه.
وبعدُ فهذا حديثٌ قد ضعفه [٢٦/ ب] الأئمة الكبار:
البخاري، وأبو زرعة، والترمذي، وأبو داود، والشافعي، ومن
المتأخرين: أبو محمد ابن حزم، وهو الصواب؛ لأن الأحاديث
(١) في سنن أبي داود: أخبرنا.
وقد سبق تخريجه.
(٢) سنن أبي داود ١١٦/١، وقد سبق تخريجه في بداية الباب.
(٣) وقد سبق تخريجه.
(٤) كلامه في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ٨/ ٤٩٧-٤٩٨.

٢٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الصحيحة كلها تخالفه.
وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثر، فمنها ما هو مؤثر
مانع من صحة الحديث، وقد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله،
وخالفه من هو أحفظ منه وأجل، وهو الإمام الثبت: عبد الله بن
المبارك، فرواه عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن كاتب المغيرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم(١).
وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم، فالقول ما
قال عبد الله.
وقد قال بعض الحفاظ (٢): أخطأ الوليد بن مسلم في هذا
الحديث في موضعين:
أحدهما: أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة، وإنما قال:"
حُدِّثْتُ عنه".
والثاني: أن ثوراً لم يسمعه من رجاء.
وخطأ ثالث: أن الصواب إرساله.
فميّزِ الحُفّاظ ذلك كلّه في الحديث وبيّنوه، ورواه الوليد
معنعنا من غير تبيين، والله أعلم.
(١) كما سبق عن كتاب العلل لعبد الله بن أحمد عن أبيه، وكما رواه ابن حزم في
المحلی من نفس الطريق.
(٢) ممن قال ذلك ابن حزم في المحلى ٢/ ١١٤.

٢٥٩
كتاب الطهارة
وقال في آخر باب تفريق الوضوء،(١) بعد قول الحافظ زكي
الدين: " في إسناده عنه ابن الوليد، وفيه مقال".(٢)
قال ابن القيم: هكذا علل أبو محمد المنذري وابن حزم هذا
الحديث؛ برواية بقية له، وزاد ابن حزم تعليلا آخر: وهو أن راويه
مجهول لا يدری من هو (٣).
والجواب عن هاتين العلتين:
أما الأولى: فإن بقية ثقة في نفسه صدوق حافظ، وإنما نقم
عليه التدليس مع كثرة روايته(٤) عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا
صرح بالسماع؛ فهو حجة.
وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له، قال أحمد في مسنده:
حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا بقية حدثني يحيى بن سعيد عن
(١) سنن أبي داود: ١٢١/١، الباب رقم (٦٧).
عند حديث بقية عن بجير عن خالد عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه
لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد
الوضوء والصلاة)).
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٦١.
(٢) مختصر سنن أبي داود: ١/ ١٢٨.
(٣) انظر المحلى ٧١/٢.
(٤) في الأصل: رواته، ولعل الصواب ما أثبته.

٢٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
خالد بن معدان عن بعض أصحاب(١) النبي صلى الله عليه وسلم
فذكر الحديث، وقال: فأمره أن يعيد الوضوء.(٢)
قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال:
جید(٣).
وأما العلة الثانية: فباطلة أيضاً على أصل ابن حزم، وأصل
سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في
الحديث؛ لثبوت عدالةٍ جميعهم، وأما أصل ابن حزم فإنه قال في
كتابه [٢٧ / أ] في أثناء مسألة: كل نساء النبي صلى الله عليه وسلم
ثقات، فواضل عند الله عز وجل، مقدسات بيقين. (٤)
(١) في الأصل: "أزواج". وهو سهو.
والتصويب من مصدر التخريج.
(٢) مسند الإمام أحمد: ٤٢٤/٣.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٨٦/١.
(٤) المحلى لابن حزم: ٨٦/٣.