النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الطهارة
الصحيح هو موقوف، ومن رفعه، فهو خطأ، تم كلامه(١).
وقال أبو عبيد: حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو
عن معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس أنه قال:
أترون هذا الشیخ - يعني نفسه - فإنه قد رأى نبيكم صلى الله عليه
وسلم وأکل معه، قال عاصم: فسمعته يقول: "لا بأس بأن يغتسل
الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا
يقربه"(٢).
فهذا هو الذي رجحه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن
قوله: "فسمعته يقول"، من كلام عبد الله بن سرجس؛ فوهم فيه،
=
الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل الرجل،
ولكن يشرعان جميعاً)). ثم قال: الصحيح هو الأول -أي حديث الحكم بن
عمرو السابق- والثاني وهم.
(١) علل الترمذي الكبير ١٣٤/١.
(٢) الطهور لأبي عبيد ص: ١٥١ - ١٥٢.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٠٧.
ورواه الدارقطني في سننه ١١٧/١ ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى
١/ ١٩٢-١٩٣ عن عبد الله بن سرجس قال: تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل
غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها. ثم
قال الدارقطني: " وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب". أي من
المرفوع.

٢٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وإنما هو من قول: عاصم بن سليمان، يحكيه عن عبد الله.
وقد اختلف الصحابة في ذلك:
فقال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن المسعودي عن مهاجر أبي
الحسن قال حدثني كلثوم بن عامر بن الحرث قال: "توضأت جويرية
بنت الحارث، وهي عمته، قال: فَأردتُ أن أتوضأ بفضل وضوئها،
فجذبت الإناء ونهتني، وأمرتني أن أهريقه، قال: فأهرقته"(١).
وقال: حدثنا الهيثم بن جميل عن شريك عن مهاجر الصائغ
عن ابن لعبد الرحمن بن عوف أنه دخل على أم سلمة، ففعلت به
مثل ذلك(٢).
فهؤلاء ثلاثة عبد الله بن سرجس وجويرية وأم سلمة.
وخالفهم في ذلك ابن عباس، وابن عمر.
قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن أبي
يزيد(٣) المديني عن ابن عباس أنه سئل عن سؤر المرأة؟ فقال: ((هي
ألطف بناناً وأطيب ريحاً))(٤).
(١) الطهور لأبي عبيد ص ١٥٠. وأخرجه: ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٨/١،
وكذا عبد الرزاق في مصنفه مختصراً ١/ ١٠٦.
(٢) الطهور لأبي عبيد ص: ١٥١.
(٣) في المطبوع: زید.
(٤) الطهور لأبي عبيد ص: ١٥٤.
=

٢٠٣
كتاب الطهارة
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن
عمر: «أنه كان لا يرى بأساً بسؤر المرأة، إلا أن تكون حائضاً أو
جنباً))(١).
واختلف الفقهاء أيضاً في ذلك على قولين:
أحدهما: المنع من الوضوء بالماء الذي تخلو به.
قال أحمد: وقد كرهه غير واحد من الصحابة(٢). وهذا هو
المشهور من [٢٠ / أ] الروايتين عن أحمد، (٣) وهو قول الحسن(٤).
والقول الثاني: يجوز الوضوء به.
وهو قول أكثر أهل العلم(٥).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠٦/١-١٠٧، وابن أبي شيبة في مصنفه
٣٨/١.
(١) الطهور لأبي عبيد ص: ١٥٤.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠٧/١، ١٠٨، وابن المنذر في الأوسط
٢٩٣/١، ٢٩٥، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٨/١.
(٢) انظر لقول الإمام أحمد هذا: المغني ٢٨٣/١.
(٣) وعليها المذهب. انظر: المغني ١/ ٢٨٢-٢٨٣، والإنصاف ٤٨/١.
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٥) وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
انظر: حاشية ابن عابدين ١٣٣/١، والتمهيد لابن عبد البر ١٦٤/١٤-١٦٥،
والمجموع للنووي ٢/ ١٩١.

٢٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
واحتجوا بما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة»(١).
وفي السنن الأربعة (٢) عن ابن عباس أيضاً أن امرأة من نساء
النبي صلى الله عليه وسلم استحمت من جنابة فجاء النبي صلى الله
عليه وسلم يتوضأ من فضلها فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: ((إن
الماء لا ينجسه شيء». وفي رواية: ((لا يجنب))(٣).
(١) صحيح مسلم ١/ ٢٥٧ في كتاب الحيض، ١٠ - باب القدر المستحب من الماء
في غسل الجنابة.
(٢) في المطبوع: الأربع.
(٣) أخرجه: أبو داود في سننه ١/ ٥٥-٥٦ في كتاب الطهارة، ٣٥ - باب الماء لا
يجنب.
والترمذي في جامعه ١/ ٩٤ في أبواب الطهارة، ٤٨- باب ما جاء في الرخصة
في ذلك، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ١/ ١٨٩ - ١٩٠ في كتاب الطهارة، قبل الباب الأول.
وابن ماجة في سننه ١٣٢/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٣٣ - باب الرخصة
بفضل وضوء المرأة.
ولفظ: ((إن الماء لا ينجسه شيء)) للنسائي.
واللفظ الثاني للباقين.

٢٠٥
كتاب الطهارة
وقال في آخر باب الإسراف في الماء(١)، بعد قول الحافظ
زكي الدين: "وأخرجه ابن ماجه مقتصراً منه على الدعاء"(٢).
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: وفي الباب حديث أبي بن
كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن للوضوء شيطاناً
يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء))، رواه الترمذي وقال: غريب،
ليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث، لا نعلم أحدا أسنده غير
خارجة - يعني ابن مصعب - قال: وقد روي هذا الحديث من غير
وجه، عن الحسن قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله
(١) سنن أبي داود ٧٣/١، الباب رقم (٤٥). عند حديث عبد الله بن مغفل
الآتي.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٨٧.
يعني حديث عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر
الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أيّ بُني، سل الله الجنة، وتعوّذ به من
النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه سيكون في
هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء».
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١٢٧١/٢ في كتاب الدعاء، ١٢- باب كراهية
الاعتداء في الدعاء، مقتصراً على الدعاء كما قال المنذري.
وصححه الحاكم في المستدرك ١٦٢/١، وتعقبه الذهبي فقال: فیه إرسال، ثم
صححه الحاكم في المستدرك أيضاً ١/ ٥٤٠، ووافقه الذهبي.
وصحح الحديث الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ٨٧.

٢٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
عليه وسلم شيء، وخارجة ضعيف ليس بالقوي عند أصحابنا،
وضعفه ابن المبارك. قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد
الله بن مغفل. آخر كلامه (١).
والذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية شيطان
الصلاة الذي يوسوس للمصلي فيها خنزب .
رواه مسلم في صحيحه من حديث عثمان(٢) بن أبي العاص
(٣)
الثقفي (٣).
(١) جامع الترمذي ١/ ٨٤-٨٦ في أبواب الطهارة، ٤٣- باب ما جاء في كراهية
الإسراف في الوضوء بالماء.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١٤٦/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٤٨ - باب ما
جاء في القصد في الوضوء، وكراهية التعدي فيه.
(٢) في الأصل: "عمارة"، والتصويب من مصادر التخريج.
(٣) صحيح مسلم ١٧٢٨/٤ -١٧٢٩ في كتاب السلام، ٢٤ - باب التعوذ من
شيطان الوسوسة في الصلاة من ثلاثة طرق، كلها عن عثمان بن أبي العاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة ٥١/٥، ٧٦/٦، وعبد الرزاق ٨٥/٢، ٤٩٩، والحاكم
في المستدرك ٢٤٤/٤، وابن حزم في المحلى ٢٤٩/٣ كلهم عن عثمان بن أبي
العاص.

٢٠٧
كتاب الطهارة
وقال في أثناء باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه
وسلم(١) عند حديث زر بن حبيش أنه سمع علياً، وسئل عن
وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وقال: مسح رأسه
حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا كان وضوء
رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢).
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: حديث زر عن علي هذا
فيه المنهال بن عمرو، كان ابن حزم يقول: لا يقبل في باقة بقل، ومن
روايته ردّ(٣) حديث البراء الطويل في عذاب القبر(٤).
والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره(٥).
(١) سنن أبي داود ١/ ٨٣ في الباب رقم (٥٠)، ومختصر سنن أبي داود ١/ ٩٢.
(٢) وأخرجه غير أبي داود: الإمام أحمد في مسنده ١/ ١١٠ دون لفظ: "ثلاثاً
ثلاثاً".
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١١٤.
(٣) ساقطة من المطبوع.
(٤) قال في المحلى ٢٢/١: "ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد
إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوي".
وسيأتي مزيد بيان من ابن القيم في الكلام على حديث البراء هذا في كتاب
السنة، ٢٧ - باب في المسألة وعذاب القبر.
(٥) تاريخ ابن معين رواية الدوري ٤٠٧/٣. وانظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٧٠،
وتهذيب التهذيب ٢٨٤/١٠.

٢٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والذي غرّ ابن حزم شيئان:
أحدهما: قول عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركه شعبة على
عمد(١).
والثاني: أنه سُمع من داره صوت طنبور، وقد صرح شعبة
بهذه العلة، فقال العقيلي عن وهب(٢) قال سمعت شعبة يقول:
أتيت المنهال بن عمرو فسمعت عنده صوت طنبور، فرجعت ولم
أسأله. قیل: فهلا سألته، فعسی کان لا يعلم به(٣) .
وليس في شيء من هذا ما يقدح فيه.
وقال ابن القطان: ولا أعلم لهذا الحديث علة (٤). [٢٠/ ب]
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٤٢٧.
(٢) في الأصل: "وهيب"، والتصحيح من الضعفاء الكبير، وتهذيب الكمال
٤٨٩/١٢.
(٣) الضعفاء الكبير للعقيلي ٤/ ١٣٨٠.
(٤) في بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٦١-٣٦٢، ونصّ كلامه: "ولا أعلم لهذا الحديث
علة غير ما ذكرت، فاعلمه".

٢٠٩
كتاب الطهارة
وقال في أثناء باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه
وسلم(١) بعد قول الحافظ زكي الدين في آخر حديث ابن عباس (٢):
(١) سنن أبي داود ٨٤/١-٨٦، الباب رقم (٥٠).
(٢) الحديث هو: عن ابن عباس قال: دخل عليّ عليٌّ -يعني ابن أبي طالب- وقد
أهراق الماء، فدعا بوضوء، فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال:
يا ابن عباس ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلت: بلى، قال: فأصغى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ
بها على الأخرى، ثم غسل کفیه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في
الإناء جميعاً فأخذ بها حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه
ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية ثم الثالثة، مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة
من ماء فصبها على ناصيته، فتركها تسْتنّ على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى
المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً فأخذ
حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل
ذلك قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. قال: قلت: وفي النعلين؟
قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين».
قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة يشبه حديث علي، لأنه قال فيه
حجاج بن محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة. وقال ابن وهب
فيه عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثاً.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ١/ ٨٢-٨٣.
وابن خزيمة في صحيحه ٧٩/١.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٠٨.

٢١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
"قال ابن وهب فيه عن ابن جريج: ((ومسح برأسه ثلاثاً))(١))((٢).
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: هذا من الأحاديث
المشكلة جداً(٣).
وقد اختلف مسالك الناس في دفع إشكاله:
- فطائفة ضعفته منهم البخاري.
والشافعي قال: والذي خالفه أكثر وأثبت منه، وأما
الحديث الآخر -يعني هذا- فليس مما يُثبت أهل العلم بالحديث لو
انفرد (٤).
وفي هذا المسلك نظر، فإن البخاري روی في صحيحه حديث
ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي، وقال في آخره: ثم أخذ
غرفة من ماء؛ فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ
غرفة أخرى فغسل بها يعني رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت
(١) حديث ابن وهب عن ابن جريج عن محمد بن علي بن حسين عن أبيه عن
جده عن علي، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦٣.
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٧٣ مختصراً دون محل الشاهد.
(٢) مختصر سنن أبي داود ١/ ٩٥.
(٣) أي حديث عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب، والإشكال فيه في كونه
لم یغسل قدميه، کما سیتبین مما يأتي.
(٤) اختلاف الحديث للشافعي ص١٧١. وانظر كلامه أيضاً في السنن الكبرى
للبيهقي ١/ ٧٤.
هـ ــ

٢١١
كتاب الطهارة
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأً(١).
- المسلك الثاني: أن هذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ
بأحادیث الغسل.
وکان ابن عباس أولاً يذهب إليه؛ بدليل ما روى الدار قطني
حدثنا إبراهيم بن حماد حدثنا العباس بن يزيد حدثنا سفيان بن
عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، أن علي بن الحسين أرسله
إلى الربيع بنت معوذ يسألها عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
فذكر الحديث، وقالت: ثم غسل رجليه، قالت: وقد أتاني ابن عم
لك - تعني ابن عباس - فأخبرته، فقال: ما أجد في الكتاب إلا
غسلين ومسحين(٢).
ثم رجع ابن عباس عن هذا لما بلغه غسل النبي صلى الله
علیه وسلم رجليه، وأوجب الغسل(٣).
فلعل حديث علي وحديث ابن عباس كان (٤) في أول الأمر،
(١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ مع الفتح، في كتاب الوضوء، ٧ - باب غسل الوجه
باليدين من غرفة واحدة.
(٢) سنن الدارقطني ١ / ٩٦.
وأخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٣٥٨-٣٦٠.
(٣) سيأتي عن ابن عباس قريباً ما يدلّ على وجوب الغسل.
(٤) في المطبوع: كانا. وهو خطأ.

٢١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم نسخ.
والذي يدل عليه أن فيه أنه مسح عليهما بدون حائل، كما
روى هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال:
قال لنا ابن عباس: أتحبون أن أحدثکم کیف کان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يتوضأ، فذكر الحديث قال: ((ثم اغترف غرفة
أخرى، فرش على رجله وفيها النعل، واليسرى مثل ذلك، ومسح
بأسفل الكعبين »(١).
وقال عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن ابن عباس توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره
قال: ((ثم أخذ حفنة من ماء فرش على (٢) قدميه، وهو منتعل))(٣).
- المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة:
فروي عنهما هذا.
وروي عنهما الغسل، كما رواه البخاري في الصحيح عن
(١) أخرجه أبو داود في سننه ١/ ٩٥ في كتاب الطهارة، ٥٢- باب الوضوء مرتين.
وصححه الحاكم في المستدرك ١/ ١٤٧ على شرطهما، ووافقه الذهبي على
مسلم.
(٢) ساقطة من المطبوع.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٥/١، بلفظ: "فأخذ ملئ كفه ماء
فرش به على قدميه وهو منتعل".

٢١٣
كتاب الطهارة
عطاء بن يسار عن ابن عباس [٢١/أ] فذكر الحديث وقال في آخره:
(«أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم
أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله -يعني اليسرى-)»(١).
فهذا صريح في الغسل.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس عن
محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس به،
وقال: ((ثم غرف غرفة ثم غسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة
فغسل رجله اليسرى )»(٢).
وقال ورقاء عن زید عن عطاء عنه: ألا أريكم وضوء رسول الله
صلى الله عليه وسلم فذكره، وقال فيه: ((وغسل رجليه مرة مرة))(٣).
وقال محمد بن جعفر عن زيد ((وأخذ حفنة فغسل بها رجله
اليمنى، وأخذ حفنة فغسل رجله اليسرى )) (٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة ١/ ١٧، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٧٣/١.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٧٣/١.
وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ١٦٣/٩، بلفظ: ((أن النبي صلى الله
عليه وسلم توضأ مرة مرة».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ١٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٧٣ -
واللفظ له -.

٢١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قالوا: والذي روى (أنه رش عليهما في النعل) هو هشام بن
سعد؛ وليس بالحافظ، فرواية الجماعة أولى من روايته.
على أن سفيان الثوري وهشاماً أيضاً رويا ما يوافق الجماعة،
فرويا عن زيد عن عطاء بن يسار قال: قال لي ابن عباس ألا أريك
وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ مرة مرة، ثم غسل
رجلیه وعلیه نعله(١).
وأما حديث علي رضي الله عنه فقال البيهقي: روينا من
أوجه كثيرة عن علي أنه غسل رجليه في الوضوء(٢). ثم ساق منها:
حدیث عبد خیر عنه أنه دعا بوضوء، فذكر الحديث، وفيه:
ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى، ثم غسلها بيده
اليسرى ثم قال هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم(٣).
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧٣/١.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٧٤/١.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٧٤.
وأخرجه: أبو داود في سننه ١/ ٨١-٨٢ في كتاب الطهارة، ٥٠- باب صفة
وضوء النبي صلی الله عليه وسلم.
والترمذي في جامعه ٦٨/١ في أبواب الطهارة، ٣٧ -باب ما جاء في وضوء
النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان؟ وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
والنسائي في المجتبى ١/ ٧٣، (٧٦)- عدد غسل الوجه.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (١٠٢).
=

٢١٥
كتاب الطهارة
ومنها حدیث زر عنه أنه سئل عن وضوء رسول الله صلى الله
عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه: ((وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً)(١).
ومنها حديث أبي حية عنه رأيت علياً توضأ الحديث، وفيه
وغسل قدميه إلى الكعبين، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان
طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢).
وأخرجه أيضاً: ابن خزيمة ٧٦/١، والطحاوي ٣٥/١، والدارقطني ٨٩/١،
٩٠، ١٠٥، وأحمد ١١٠/١، ١٢٢، ١٣٩، ١٣٥، وغيرهم.
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٧٤/١ -٧٥.
وأخرجه أبو داود في سننه ١/ ٨٣ في كتاب الطهارة، ٥٠-باب صفة وضوء
النبي صلی الله علیه وسلم.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١٠٥.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٧٥.
وأخرجه: أحمد ١/ ١٢٧.
وأبو داود في سننه ١/ ٨٣-٨٤ في كتاب الطهارة، ٥٠ - باب صفة وضوء النبي
صلی الله عليه وسلم.
والترمذي في جامعه ٦٧/١-٦٨ في أبواب الطهارة، ٣٧ -باب ما جاء في
وضوء النبي صلی الله عليه وسلم کیف کان.
والنسائي في المجتبى ١/ ٧٤-٧٥ في كتاب الطهارة، ٧٩ -عدد غسل اليدين،
وفي ١/ ٨٤-٨٥ في كتاب الطهارة، ٩٣-عدد غسل الرجلين.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١٠٧.

٢١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن علي وابن عباس، وكان
مع أحدهما رواية الجماعة؛ فهي أولى.
- المسلك الرابع: أن أحاديث الرش والمسح إنما هي وضوء
تجديد للطاهر، لا طهارة رفع حدث؛ بدليل ما رواه شعبة حدثنا
عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي
أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى
حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء، فأخذ منه بحفنة(١)
واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب
فضله وهو قائم، ثم قال: إن أناساً يكرهون الشرب قائماً وإن
رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال: هذا
وضوء من لم يحدث.
رواه البخاري بمعناه(٢).
قال البيهقي: في [٢١/ ب] هذا الحديث الثابت دلالة على
أن الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح
(١) في المطبوع: حفنة. وهو كذلك في السنن الكبرى للبيهقي.
(٢) صحيح البخاري ١٠/ ٨٣-٨٤ مع الفتح، في كتاب الأشربة، ١٦-باب
الشرب قائماً.
واللفظ الذي ساقه ابن القيم رحمه الله إنما هو عند البيهقي في السنن الكبرى
١ / ٧٥.

٢١٧
كتاب الطهارة
على الرجلين إن صح، فإنما عنى به: وهو طاهر غير محدث، إلا أن
بعض الرواة كأنه اختصر الحديث، فلم ينقل قوله: "هذا وضوء من
لم يحدث"(١).
وقال أحمد حدثنا ابن الأشجعي عن أبيه عن سفيان عن السدی
عن عبد خير عن علي: إنه دعا بكوز من ماء، ثم قال: ثم توضأ وضوءاً
خفيفاً، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما لم يحدث، وفي رواية: للطاهر ما لم يحدث(٢).
قال(٣): وفي هذا دلالة على أن ما روي عن علي في المسح
على النعلين، إنما هو في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه
من حدث يوجب الوضوء، أو أراد غسل الرجلين في النعلين، أو
أراد المسح (٤) على جوربيه ونعليه، كما رواه عنه بعض الرواة مقيداً
بالجوربین، وأراد به جوربین منعلین(٥).
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٧٥.
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده ١/ ١٢٠، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى
١ / ٧٥.
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٧٥
عن إبراهيم بن أبي الليث عن الأشجعي به.
(٣) أي: البيهقي.
(٤) الأصل: (مسح) بدون ال التعريف، والتصويب من السنن الكبرى.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٧٥-٧٦.

٢١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قلت: هذا هو:
- المسلك الخامس: أن مسحه رجليه ورشه عليهما، لأنهما
کانا مستورتین بالجوربین في النعلین.
والدليل عليه: ما رواه سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن ابن عباس: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ
مرة مرة، ومسح على نعليه))(١).
لکن تفرد به رواد بن الجراح عن الثوري، والثقات رووه عن
الثوري بدون هذه الزيادة.
وقد رواه الطبراني من حديث زيد بن الحباب عن سفيان،
فذكره بإسناده ومتنه، ((وأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على
النعلين))(٢).
وروى أبو داود من حديث هشيم عن يعلى بن عطاء عن
أبيه، أخبرني أويس بن أبي أويس الثقفي(٣)، قال: (( رأيت رسول
(١) رواه ابن عدي في الكامل ١٧٧/٣، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى
٢٨٦/١.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٦/١ من طريق الطبراني.
(٣) هو أوس بن أبي أوس الثقفي، كما في مصادر التخريج والترجمة.
وانظر: الإصابة ١/ ١٥٠، والجرح والتعديل ٣٠٣/٢، وتهذيب التهذيب
٣٨١/١-٣٨٢.

٢١٩
كتاب الطهارة
الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه وقدميه))(١).
فقوله: (مسح على نعليه)، كقوله: (مسح على خفيه)،
والنعل لا تكون ساترة لمحل المسح إلا إذا كان عليها جورب، فلعله
مسح على نعل الجورب، فقال: (مسح على نعليه).
- المسلك السادس: أن الرِّجْلَ لها ثلاثة أحوال:
حال تكون في الخف؛ فيجزي مسح ساترها.
وحال تكون حافية؛ فيجب غسلها.
فهاتان مرتبتان، وهما: كشفها، وسترها، ففي حال كشفها،
لها أعلى مراتب الطهارة؛ وهي الغسل التام، وفي حال استتارها: لها
أدناها؛ وهي المسح على الحائل.
ولها حالة ثالثة: وهي حالما تكون في النعل، وهي حالة
متوسطة بين كشفها، وبين استتارها بالخف، فأعطيت حالة متوسطة
من الطهارة؛ وهي الرش، فإنه بين الغسل والمسح.
وحيث أطلق لفظ المسح عليها في هذه الحال، فالمراد به
الرش؛ لأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى.
وهذا مذهب كما ترى لو كان يعلم به(٢) قائل معين، ولكن
(١) سنن أبي دواد ١/ ١١٣-١١٤ في كتاب الطهارة، ٦٢ - باب.
ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٦/١.
(٢) في المطبوع: له.

٢٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يُحكى عن طائفة [٢٢/ أ] لا أعلم منهم معيناً، وبالجملة فهو خير
من مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو:
- المسلك السابع: أنه دليل على أن فرض الرجلين المسح،
وحكي عن داود الجواري وابن عباس، وحكي عن ابن جرير: أنه
خیر بین الأمرین.
فأما حکایته عن ابن عباس، فقد تقدمت.
وأما حکایته عن ابن جرير، فغلط بيّن، وهذه كتبه وتفسيره
كله يكذب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهة، لأن ابن جرير
القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة؛ يوافقه في اسمه، واسم
أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم.
فهذه سبعة مسالك للناس في هذا الحديث.
وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
مثل: عثمان بن عفان، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد بن عاصم،
وجابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والربيّع بنت معوذ، والمقدام
بن معدي كرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وجد طلحة بن مصرف،
وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي، وغيرهم رضي الله عنهم، لم
يذكر أحد منهم ما ذكر في حديث علي وابن عباس، مع الاختلاف
المذكور عليهما، والله أعلم.