النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب الطهارة
تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة، وبهجتها، وما
أودعته من الحكم والمصالح والعدل والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفواً تنظر إليها نظر متكىء على
أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي، لا يسلكها في العالم إلا
الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها (١) من أقرحت(٢) قلبه الأقوال
المختلفة، والاحتمالات المتعددة، والتقديرات المستبعدة، فإن علت
همته، جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية وخدمته(٣) بها، وجعله
أصلاً محكماً يرد إليه متشابهها، فما وافقه منها قبله، وما خالفه
تكلف له وجوهاً لردّ(٤) الجميل، فما أتعبه من شقي، وأقل فائدته.
ومما يفسد قول المحددين بقلتين أن النبي صلى الله عليه وسلم
نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول، هكذا
لفظ الصحيحين: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري،
ثم يغتسل فيه»(٥)، وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين
(١) في المخطوط بعد هذه الكلمة زيادة (إلا). ولعلها سهو من الناسخ.
(٢) في المطبوع: "أفرحت". بالفاء الموحدة. والصواب ما في المخطوط.
(٣) الكلمة في الأصل لعلها هكذا، وقد تكون: وحدّ منه.
وفي المطبوع كتبت: "وخدمه".
(٤) في المطبوع: بالرد غير.
(٥) سبق تخريجه.

١٨٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث.
فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم، وإن جوزتموه خالفتم
الحديث، فإن جوزتم البول والغسل، خالفتم الحديث من الوجهين
جميعاً.
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير
ولم يتغير، جوزتم له الغسل فيه، لأنا لم نعلل النهي بالتنجيس، وإنما
عللناه بإفضائه إلى التنجيس، كما تقدم، فلا يرد علينا هذا.
وأما إذا كان الماء كثيراً، فبال في ناحية ثم اغتسل في ناحية
[١٦/ أ] أخرى لم يصل إليها البول، فلا يدخل في الحديث؛ لأنه لم
يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر،
أن لا يغتسل فيه أبداً، وهو فاسد.
وأيضاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغسل فيه بعد
البول، لما يفضي إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه(١)، وذلك لما
(١) أخرجه: أبو داود في سننه ٢٩/١ في كتاب الطهارة، ١٥ - باب البول في
المستحم.
والترمذي في جامعه ١/ ٣٣ في أبواب الطهارة، ١٧ - باب ما جاء في كراهية
البول في المغتسل، وقال: هذا حديث غريب.
والنسائي في المجتبى ١/ ٣٧ في كتاب الطهارة، ٣٢- كراهية البول في المستحم.
=

١٨٣
كتاب الطهارة
يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في
الوسواس، كما في الحديث: ((فإن عامة الوسواس منه))، حتى لو
كان المكان مبلطاً لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء، لم يكره
ذلك عند جمهور الفقهاء.
ونظير هذا منع البائل أن یستجمر أو يستنجي موضع بوله،
لما يفضي إليه من التلوث بالبول، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم
بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه
بعلة عامة تتناول ما لم ینه عنه.
والذي يدل على ذلك أنه قيل له في بئر بضاعة: أنتوضأ منها
وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وعذر الناس؟ فقال:
((الماء طهور لا ينجسه شيء)) (١).
==
وابن ماجة في سننه ١١١/١ في كتاب الطهارة وسننها، ١٢ - باب كراهية
البول في المغتسل.
كلهم عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا
ییولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه، فإن عامة الوسواس منه».
وصححه الحاكم في المستدرك ١/ ١٦٧-١٦٨، ووافقه الذهبي.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم: ٢٢، دون قوله («فإن عامة
الوسواس منه».
(١) أخرجه: أبو داود في سننه ١/ ٥٣-٥٥ في كتاب الطهارة، ٣٤ -باب ما جاء في
=

١٨٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة
النجاسة، مع كونه واقفاً، فإن بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على
عهده صلى الله عليه وسلم بالمدينة ماء جار أصلاً.
فلا يجوز تحريم ما أباحه وفعله قياساً على ما نهى عنه،
ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا وهذا، هذا في موضعه،
وهذا في موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعضها ببعض، فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذکروه له، دلیل
على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير، ونهيه عن
الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه، لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه
بالبول، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره.
فاستعملنا السنن على وجوهها، وهذا أولی من حمل حديث
بئر بضاعة على أنه كان أكثر من قلتين؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه، ولا دل كلامه عليه بوجه، وإنما
علل بطهورية الماء، وهذه علة مطردة في كل ماء قل أو كثر، ولا يرد
=
بئر بضاعة.
والترمذي في جامعه ٩٥/١-٩٦ في أبواب الطهارة، ٤٩- باب ما جاء أن الماء
لا ینجسه شيء، وقال: هذا حديث حسن.
والنسائي في سننه ١/ ١٩٠ -١٩١ في کتاب المياه، ١ م باب ذكر بئر بضاعة.
وصححه الألباني في الإرواء برقم: ١٤.

١٨٥
كتاب الطهارة
المتغير؛ لأن ظهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها، فلا يدخل في
الحدیث علی أنه محل وفاق فلا یناقض به.
وأيضاً: فلو أراد صلى الله عليه وسلم النهي عن استعمال
الماء الدائم اليسير، إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت، لأتى بلفظ يدل
عليه، ونهيه عن الغسل فيه بعد البول، لا يدل على مقدار ولا
تنجیس، فلا يحمّل ما لا يحتمله.
ثم إن كل من قدّر الماء المتنجس بقدر خالف [١٦/ ب]
ظاهر الحديث، فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدروه بما لا يتحرك
طرفاه، وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه، وأصحاب
القلتين خصوه بمقدار القلتين.
وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره، ولم يخصه ولم
يقيده، بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده، منع من
جوازهما (١) ، وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر، ولم يمنع
من بوله في مکان واغتساله في غيره.
وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم،
لوقوع النجاسة فيه فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما
قال به، وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث؛ لأنه إن عمم النهي
(١) في المطبوع: جوازها.

١٨٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
في كل ماء، بطل استدلاله بالحديث، وإن خصه بقدر، خالف
ظاهره، وقال ما لا دليل عليه، ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك
القدر، وهذا لا يقوله أحد، فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث
على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير.
وأما من قدره بالحركة، فيدل على بطلان قوله أن الحركة
مختلفة اختلافاً لا ینضبط، والبول قد یکون قليلاً و کثیراً، ووصول
النجاسة إلى الماء أمر حسي، وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى
أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات.
فيا لله العجب حركة الطهارة ميزان وعيار(١) على وصول
النجاسة وسريانها، مع شدة اختلافها، ونحن نعلم بالضرورة أن حركة
المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول، ونعلم أن
البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان
هكذا لم يجز أن يجعل حداً فاصلاً بين الحلال والحرام.
والذين قدروه بالنزح أيضاً قولهم باطل، فإن العسكر العظيم
مکنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه.
وأما حديث ولوغ الكلب، فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به
علينا، فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قيده أو خصصه، فخالف
(١) في المطبوع: ومعيار.

١٨٧
كتاب الطهارة
ظاهره، فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب؛ كان
احتجاجه باطلاً، فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة،
فهو حجة عليه في العدد والتراب، فأما أن يكون حجة له فيما وافق
مذهبه، ولا یکون حجة عليه فیما خالفه فكلا.
ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه، وأين في
الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟!
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر وهو أنه إذا كان الماء رقيقاً
جداً وهو منبسط انبساطاً لا تبلغه الحركة، أن يكون طاهراً، [١٧/أ]
ولا يؤثر الولوغ فيه، وإذا كان عميقاً جداً وهو متضايق، بحيث تبلغ
الحركة طرفيه، أن يكون نجساً، ولو كان أضعاف أضعاف الأول،
وهذا تناقض بین لا محيد عنه.
قالوا: وإن احتج به من يقول بالقلتين، فإنه يخصصه بما دون
القلتين، ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار، ومعلوم أنه
ليس في اللفظ ما يشعر بهذا بوجه، ولا يدل عليه بواحدة من
الدلالات الثلاث.
وإذا كان لا بد لهم من تقييد الحديث وتخصيصه ومخالفة
ظاهره، كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد في الآنية
المعتادة، التي يمكن إراقتها، وهو ولوغ متتابع في آنية صغار، يتحلل
من الكلب في كل مرة ريق ولعاب نجس، يخالط الماء، ولا يخالف

١٨٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
لونه لونه، فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء؛ وإن
لم تُر، فأمر بإراقته وغسل الإناء.
فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به، وليس في حمله
عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي
تتخذ للاستعمال، فيلغ فيها الكلاب، فإن كان حمله على هذا
موافقةً للظاهر، فهو المقصود، وإن كان مخالفةً للظاهر، فلا ريب أنه
أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة، فيكون أولى على
التقدیرین.
قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام
من النوم، فالاستدلال به أضعف من هذا كله، فإنه ليس في الحديث
ما يدل على نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته، والقول
بنجاسته من أشذ الشاذ.
وكذا القول بصيرورته مستعملاً ضعيف أيضاً: وإن كان
إحدى الروايتين عن أحمد واختيار القاضي وأتباعه، واختيار أبي
بكر وأصحاب أحمد، فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء،
وقد بيّنا أن النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول،
فكيف بغمس اليد فيه بعد القيام من النوم.
وقد اختلف في النهي عنه:
فقيل: تعبّد، ويرد هذا القول أنه معلل في الحديث بقوله:

١٨٩
كتاب الطهارة
«فإنه لا يدري أين باتت يده)).
وقيل: معلل باحتمال النجاسة، كبثرة في يديه، أو مباشرة
اليد لمحل الاستجمار؛ وهو ضعيف أيضاً؛ لأن النهي عام للمستنجي
والمستجمر، والصحيح وصاحب البثرات، فيلزمكم أن تخصوا
النھي بالمستجمر، وصاحب البثور، وهذا لم يقله أحد.
وقيل: وهو الصحيح، إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على
يده، أو مبيتها عليه، وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع
[١٧/ ب] الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنه قال: ((إذا
استيقظ أحدكم من نومه، فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان
يبيت على خيشومه))، متفق عليه(١).
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه ٦/ ٣٩١ مع الفتح، في كتاب بدء الخلق، ١١-
باب صفة إبليس وجنوده.
ومسلم في صحيحه ٢١٢/١-٢١٣ في كتاب الطهارة، ٨- باب الإيتار في
الاستنثار والاستجمار.
والنسائي في المجتبى ١/ ٧١-٧٢ في كتاب الطهارة، ٧٣ -باب الأمر بالاستنثار
عند الاستيقاظ من النوم وفي الكبرى ٨٣/١، وابن خزيمة ٧٧/١، وأحمد
٣٥٢/٢، وأبو عوانة ٢٠٩/١، والبيهقي ٤٩/١.
كلهم عن أبي هريرة، ولكن بلفظ: ((فليستنثر)). ولفظة: ((فليستنشق)) في هذا
الحديث رواها ابن حزم بسنده في المحلى ١/ ٢٠٩.
قال ابن حجر في الفتح ٣٩٥/٦: "وقوله: ((فليستنثر)) أكثر فائدة من قوله:
=

١٩٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال هنا: ((فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)) فعلل بعدم
الدراية لمحل المبيت، وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على
الخيشوم، فإن اليد إذا باتت ملابسة للشيطان، لم يدر صاحبها أين
باتت، وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سر يعرفه
من عرف أحكام الأرواح، واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها،
فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام العبد لم يرَ في ظاهر
جسده أوسخ من خیشومه، فيستوطنه في المبيت.
وأما ملابسته ليده، فلأنها أعم الجوارح كسباً وتصرفاً
ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف،
والعمل بها، ولهذا سميت جارحة، لأنه يجرح(١) بها، أي: يكسب،
وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء، وهي كما ترى وضوحاً وبياناً،
وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار، والمقصود أنه لا دليل لكم في
الحديث بوجه ما، والله أعلم.
((فليستنشق))؛ لأن الاستئثار يقع على الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق
ولا يستنثر، والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق؛ لأن حقيقة الاستنشاق
جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه، والاستئثار إخراج الماء، والمقصود من
الاستنشاق تنظيف داخل الأنف، والاستنثار يخرج ذلك الوسخ من الماء، فهو
من تمام الاستنشاق".
(١) في المطبوع: يجترح.

١٩١
كتاب الطهارة
وقد تبين بهذا جواب المقام(١) الثاني والثالث.
فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر، فنقول:
وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس
الجلي، فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين، ويقولون:
القیاس الجلي مقدم علیه.
وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة
بالاتفاق، فلأن يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى.
ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما، فتقديم
القياس ههنا متعين لقوته ولتأيده بالعمومات، ولسلامته من
التناقض اللازم لمن قدم المفهوم، كما سنذكره، ولموافقته لأدلة
الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين.
فالمصير إليه أولى لو كان وحده، فكيف بما معه من الأدلة،
وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس
الجلي، واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل
منطوقه، وعدم براءته من العلة والشذوذ؟!
قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت
عنها، فدعوى لا دليل [١٨/أ] عليها؛ فإن الاحتجاج بالمفهوم
(١) في المطبوع: المقامين.

١٩٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يرجع إلى حرفين: التخصيص والتعليل، كما تقدم، ومعلوم أنه إذا
ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم، بقيت دعوى العموم باطلة؛
لأنها دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها.
وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن
كل فرد فرد (١) من أفراد المسكوت؛ لجواز أن يكون فيه تفصيل،
فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتا لجميعها
بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به الدلالة (٢) على
ثبوت الحكم له مطلقاً، وثبوته للمفهوم بشرط، فيكون المنفي عنه
الثبوت المطلق، لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم
وهو من عوارض الألفاظ ؟! وعلى هذا عامة المفهومات.
فقولُه تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾(٣)،
لا يدل المفهوم على أن بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له.
وكذا قوله: ﴿فَكَّاتِيُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾(٤)، لا يدل
على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقاً.
(١) هكذا في المخطوط: "فرد فرد". وهي الصواب. وإنما نبّهت لئلا يُظن أنها خطأ
مطبعي أو نحوه.
(٢) في المطبوع: لدلالته.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.
(٤) سورة النور، الآية: ٣٣.

١٩٣
كتاب الطهارة
وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾(١).
ونظائرہ أکثر من أن تحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضاً؛ فإنه
يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقاً؛
لجواز ثبوته بوصف آخر.
وإذا ثبت هذا، فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه،
ومفهومه لا عموم له، فبطل الاحتجاج به منطوقاً ومفهوماً.
-وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد؛
کنصب الزکوات، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه لو كان هذا مقداراً فاصلاً بين الحلال والحرام،
والطاهر والنجس، لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم بيانه
بياناً عاماً متتابعاً تعرفه الأمة، كما بيّن نصب الزكوات، وعدد الجلد
في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإن هذا أمر يعم الابتلاء به
كل الأمة.
فکیف لا یبیّنه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية،
فيجيبه بهذا؟! ويكون ذلك حداً عاماً للأمة كلها، لا يسع أحداً
جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا یکون شائعاً بينهم، بل يحالون فيه على
(١) سورة النور، الآية: ٣٣.

١٩٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه، قد خالفته العمومات والأدلة
الكثيرة، ولا یعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه.
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلُ
قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتْقُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ
لَكُمْ مَا حَرْمَ عَلَيْكُمْ﴾(٢)، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة،
[١٨/ ب] منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام، لم يكن في هذا
الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم؛
فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه کثیر
من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء. فلم يحصل لهم بيان، ولا
فصل الحلال من الحرام.
والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق.
ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد
فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حداً فاصلاً؟! فتبين أنه
ليس في المنطوق ولا في المسكوت(٣) فصل ولا حد.
الثالث: أن القائلين بالمفهوم، إنما قالوا به إذا لم يكن هناك
سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٩.
(٣) في المطبوع: المسكوت عنه.

١٩٥
كتاب الطهارة
التخصيص به، لم يكن المفهوم معتبراً، كقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾(١) فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو
الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: ﴿لا
تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةٌ﴾(٢) ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع في الجواب
لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال، نعم
لو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا اللفظ، ابتداء من غير
سؤال، اندفع(٣) هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة حضرها وبدوها، على اختلاف
أصنافها، إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف
يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟! فإن الناس
لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين، ولا طولها ولا
عرضها ولا عمقها(٤)، فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه
قلتان؟! وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب، وتكليف ما لا
يطاق؟!
(١) سورة الإسراء، الآية: ٣١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٠.
(٣) في المطبوع: لاندفع.
(٤) في المطبوع العبارة: [ولا طولهما، ولا عرضهما، ولا عمقهما] بالتثنية.

١٩٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان.
قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية، فإنها مضبوطة لا يُزاد
عليها ولا يُنقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد
الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم، لم يستقر لهم قدم
على قولٍ واحدٍ في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن
قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة،
وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديداً !!
فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت
أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة؟! ومعلوم أن الحدود
الشرعية [١٩ / أ] لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جداً:
منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس، وإذا
بال فیه لم ينجسه.
ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة، فوقعت في قلتين
إلا رطلاً مثلاً أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم
ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة،
فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول، وطهارة الثاني.
وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع

١٩٧
كتاب الطهارة
في قلتين إلا نصف رطل أو رطلاً فتنجسها.
إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان
ملزوماتها.
وأما جعلكم الشيء نصفاً، ففي غاية الضعف، فإنه شك من
ابن جريج، فيا سبحان الله يكون شکه حداً لازماً للأمة، فاصلاً بين
الحلال والحرام؟!
والنبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لأمته الدين، وتركهم
على(١) البيضاء ليلها كنهارها (٢)، فيمتنع أن يقدر لأمته حداً لا
سبيل لهم إلى معرفته، إلا شك حادث بعد عصر الصحابة يجعل
نصفاً احتياطياً؟! وهذا بيّن لمن أنصف.
والشك الجاري الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم، قد
بيّن لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين، فكيف يجعل شكهم حداً
فاصلاً فارقاً بين الحلال والحرام؟!
(١) في المطبوع: [على المحجة] بزيادة "المحجة". ولا حاجة لزيادة مثل هذه
الزيادات !!.
(٢) جاء ذلك في حديث العرباض بن سارية المشهور، وفيه: ((قد تركتكم على
البيضاء ليلها كنهارها ... )) الحديث.
أخرجه: ابن ماجه في سننه ١٦/١، في المقدمة، ٦ - باب اتباع سنة الخلفاء
الراشدین المهدیین. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم (٤١).

١٩٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم جعلكم هذا احتياطاً باطل؛ لأن الاحتياط يكون في
الأعمال التي يترك المكلف منها عملاً لآخر احتياطاً، وإنما(١)
الأحكام الشرعية والإخبار عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،
فطریق الاحتیاط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به، ولا يثبت إلا ما
أثبته(٢).
ثم إن الاحتياط في ترك هذا الاحتياط؛ فإن الرجل تحضره
الصلاة وعنده قلة قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منه
مناف للاحتياط.
فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجیسه بالدلیل
الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة؛ لأن هذا
لما كان طاهراً قطعاً وقد شككنا هل حكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم بتنجيسه أم لا؟ والأصل الطهارة.
وأيضاً: فأنتم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء، أن يعدل
إلى التيمم، بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرمون عليه الوضوء
(١) في المطبوع: وأما.
(٢) وأكثر الناس -وللأسف- يخالفون هذا، فيجعلون من الاحتياط ذريعة إلى رد
السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمن يؤخر أذان المغرب
في رمضان، ويزعم أن تأخيره ذلك إنما هو احتياط لصوم الناس، مع أن السنة
هي تعجيل الفطر، وغير ذلك من الأمور، والله المستعان.

١٩٩
كتاب الطهارة
هنا بالشك؟ !!
وأيضاً: فإنكم إذا نجستموه بالشك، نجستم ما يصيبه من
الثياب والأبدان والآنية، وحرمتم شربه والطبخ به، وأرقتم
[١٩/ ب] الأطعمة المتخذة منه، وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من
الحلال، بمجرد الشك، وهذا مناف لأصول الشريعة، والله أعلم.

٢٠٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب النهي عن ذلك(١)،(٢) قبل باب الوضوء
بماء البحر بعد قول الحافظ زكي الدين: "ولا أراه يصح عن الحكم
ابن عمرو"(٢)، يعني ((نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ
الرجل بفضل طهور المرأة)) (٤).
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: وقال الترمذي في كتاب
العلل: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا
الحديث، يعني: حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو، فقال:
لیس بصحیح، قال: وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب(6)
(١) أي: النهي عن الوضوء بفضل المرأة.
انظر: سنن أبي داود ١/ ٦٣، وهو الباب رقم (٤٠).
(٢) سنن أبي داود ١/ ٦٣، الباب رقم: ٤٠. عند حديث الحكم بن عمرو رضي
الله عنه الآتي.
(٣) مختصر المنذري ١/ ٨٠.
(٤) حديث الحكم بن عمرو هذا أخرجه بالإضافة إلى أبي داود:
الترمذي في جامعه ١/ ٩٣ في أبواب الطهارة، ٤٧ - باب ما جاء في كراهية
فضل طهور المرأة، وقال: "هذا حديث حسن".
وابن ماجه في سننه ١٣٢/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٣٤ - باب النهي عن
ذلك.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٧٥.
(٥) وهو ما أخرجه ابن ماجه في سننه ١٣٣/١ عنه قال: ((نهى رسول الله صلى