النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب الطهارة مسلم بن خالد عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني، ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً))، وقال في الحديث: بقلال هجر (١). وقال ابن جريج: أخبرني محمد عن (٢) يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجساً ولا بأساً))، قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر، قال: قلال هجر، قال: فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين(٣). قال ابن عدي: محمد هذا هو محمد بن یحی یحدث عن یحیی ابن أبي کثیر ویجیی بن عقيل(٤). قالوا: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها لهم في حديث المعراج وقال في سدرة المنتهى: ((فإذا نبقها مثل قلال هجر))(٥)، فدل على أنها معلومة عندهم، وقد قال يحيى بن آدم (١) الأم ١/ ٤٣. (٢) في المطبوع: أن. وهو كذلك في السنن الكبرى للبيهقي. (٣) الدارقطني ٢٤/١-٢٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٦٣/١، والخلافيات ١٨٢/١. وجاء فيها "فرقين"، بدل: "قربتين". (٤) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٤/١. (٥) أخرجه: البخاري في صحيحه ٣٤٨/٦-٣٥٠ مع الفتح، في كتاب بدء الخلق، ٦ -باب ذكر الملائكة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما. ١٦٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ووكيع وابن إسحاق: القلة الجرة، وكذلك قال مجاهد: القلتان الجرتان(١). -وأما كونها متساوية المقدار، فقد قال الخطابي في معالمه: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان (٢). وهو حجة في اللغة. - وأما [١٢/ ب] تقديرها بقرب الحجاز، فقد قال ابن جريج: رأيت القلة تسع قربتين. وابن جريج حجازي، إنما أخبر عن قرب الحجاز، لا العراق، ولا الشام، ولا غيرهما. -وأما كونها لا تتفاوت، فقال الخطابي: القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوة على مثال واحد(٣). يريد أن قرب كل بلد على قدر واحد لا تختلف، قال: والحد لا يقع بالمجهول(٤). = وأخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٤٥ -١٤٧ في كتاب الإيمان، ٧٤-باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات، عن أنس بن مالك بلفظ: «وإذا ثمرها كالقلال». (١) انظر ذلك عنهم وعن غيرهم في: السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٤/١، والجعدیات للبغوي ٨١٥/٢. (٢) معالم السنن ٣١/١. (٣) معالم السنن ٣١/١. (٤) معالم السنن ٣١/١. ١٦٣ كتاب الطهارة -وأما كون المفهوم حجة فله طريقان: أحدهما التخصيص. والثاني التعليل. أما التخصيص فهو أن يقال: تخصيص الحكم بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق. وأما التعليل: فيختص بمفهوم الصفة، وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له، فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوي؛ لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلا لم یکن شرطا له. -وأما تقديمه على العموم، فلأن دلالته خاصة فلو قُدِّم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خُصّ به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما؛ كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته(١)، وبحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند (١) الأمر بالغسل، أخرجه: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣٣٠ مع الفتح، في كتاب الوضوء، ٣٣ - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. ومسلم في صحيحه ٢٣٤/١ في كتاب الطهارة، ٢٧ - باب حكم ولوغ الكلب. كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأما الأمر بالإراقة، فقد أخرجه: مسلم في صحيحه ٢٣٤/١ في كتاب الطهارة، ٢٧ - باب حكم ولوغ الكلب عن أبي هريرة رضي الله عنه. ١٦٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية القيام من نوم الليل(١).(٢) -وأما تقديمه على القياس الجلي فواضح، لأن القياس عموم معنوي، فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنوي بطريق الأولى. ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القیاس کخروجها من مقتضى لفظ العموم. -وأما كون المفهوم عاماً فلأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق، بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة السكوت (٣) إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعین بقید عن جميعها. -وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد، فلأنه عدد (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٦/١ مع الفتح، في کتاب الوضوء، ٢٦-باب الاستجمار وتراً. ومسلم في صحيحه ٢٣٣/١ -٢٣٤ في كتاب الطهارة، ٢٦ - باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً. كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) فإن الإناء الذي يلغ فيه الكلب، والإناء الذي تغمس فيه الید، عادة ما يكونا دون القلتين. (٣) في المطبوع: المسكوت. وهو خطأ. ١٦٥ كتاب الطهارة صدر من الشارع فكان تحديداً وتقييداً كالخمسة الأوسق(١). والأربعين من الغنم، والخمس من الإبل، والثلاثين من البقر وغير ذلك(٢)، إذ لا بدّ للعدد من فائدة، ولا فائدة له إلا التحدید. (١) قال ابن الأثير في النهاية ١٨٥/٥: "الوَسْق: ستون صاعاً، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلاً عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصّاع والمد. والأصل في الوَسْق: الحِمْلِ. وكلّ شيءٍ وَسَقْتُه فقد حَمَلته. والوَسَق أيضاً: ضمّ الشيء إلى الشيء".ا.هـ (٢) أما الخمسة أوسق والخمس من الإبل. فأخرجها: البخاري في صحيحه ٣٦٣/٣ مع الفتح، في كتاب الزكاة، ٣٢ -باب زكاة الورق. ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٧٣ في كتاب الزكاة، قبل الباب الأول. كلاهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وأما الأربعين من الغنم فأخرجها: البخاري في صحيحه ٣٧١/٣-٣٧٢ مع الفتح، في كتاب الزكاة، ٣٨-باب زکاة الغنم، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وأما الثلاثين من البقر فأخرجها: أبو داود في سننه ٢/ ٢٣٤-٢٣٥ في كتاب الزكاة، ٤ - باب زكاة السائمة. والترمذي في جامعه ٣/ ٢٠ في كتاب الزكاة، ٥- باب ما جاء في زكاة البقر، وقال: حديث حسن. والنسائي في المجتبی ٢٦/٥ في کتاب الزكاة، ٨- باب زكاة البقر. وابن ماجه في سننه ١/ ٥٧٦-٥٧٧ في كتاب الزكاة، ١٢ -باب صدقة البقر. = ١٦٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية -وأما الجواب عن المعارض، فليس معكم إلا عموم لفظي أو عموم معنوي، وهو القياس وقد بينا تقديم المفهوم عليهما. -وأما جعل الشيء نصفاً، فلأنه قد شك فيه، فجعلناه نصفاً. احتياطياً، والظاهر أنه لا يكون أكثر منه، ويحتمل النصف فما دون فتقديره بالنصف أولى. - وأما [١٣/أ] كون ما وجب به الاحتياط يصير فرضاً؛ لأن هذا حقيقة الاحتياط كإمساك جزء من الليل مع النهار، وغسل جزء من الرأس مع الوجه. فهذا تمام تقرير هذا الحديث سنداً ومتناً ووجه الاحتجاج به. -قال المانعون من التحديد بالقلتين أما قولكم: إنه قد صح سنده، فلا يفيد الحكم بصحته؛ لأن صحة السند شرط أو جزء سبب للعلم بالصحة، لا موجب تام، فلا يلزم من مجرد صحة السند صحة الحديث ما لم ينتفٍ عنه الشذوذ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحدیث: أما الشذوذ: فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنُّصُب في = کلهم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. وصححه الألباني في الإرواء ٢٦٩/٣. ١٦٧ كتاب الطهارة الزكاة، فكيف لا يكون مشهوراً شائعاً بين الصحابة؟! ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه، أعظم من حاجتهم إلى نصب الزكاة، فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كل مسلم. فيكون الواجب نَقْلُ هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غسله ونقل عدد الركعات ونظائر ذلك. ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غیر عبيد الله وعبد الله، فأین نافع وسالم وأیوب وسعيد بن جبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم؟ ومن البعيد جداً أن تكون هذه السنة عند ابن عمر، وتخفى على علماء أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها ويديرونها بينهم، ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا. فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر، لكان أصحابه وأهل المدينة أَقْوَلُ الناس بها وأرواهم لها. فأي شذوذ أبلغ من هذا؟! وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر، عُلِمَ أنه لم يكن فيه عنده سُنّة من النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا وجه شذوذه. وأما علته فمن ثلاثة أوجه: ١٦٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه، واختلف فيه على عبيد الله أيضاً رفعاً ووقفاً. ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية وقفه(١). ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب(٢). قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم یکن یحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولکن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنه ذلك عنه. قلت: [١٣/ ب] ويدل على وقفه أيضاً أن مجاهداً وهو العلم المشهور والثبت، إنما رواه عنه موقوفاً، واختلف فيه على عبيد الله وقفاً ورفعاً. العلة الثانية: اضطراب سنده كما تقدم. العلة الثالثة: اضطراب متنه فإن في بعض ألفاظه ((إذا كان (١) انظر ترجيح ابن تيمية لوقفه في الفتاوى ٣٥/٢١. وفي الفتاوى ٢١/ ٤١ ما يدل على غير ذلك حيث قال: "وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يُحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه". (٢) السنن الكبرى ١/ ٢٦٢. ١٦٩ كتاب الطهارة الماء قلتين» وفي بعضها: ((إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث)) والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدم. قالوا: وأما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، وممن ضعفه حافظ الغرب أبو عمر بن عبد البر(١) وغيره، ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة. قالوا: وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء أصلاً، وأما ما ذكره الشافعي فمنقطع، وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل. فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحد الفاصل بين الحلال والحرام الذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع، وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله (١) في التمهيد ٣٢٩/١، حيث قال: ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث، إلى أن القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه. ومن يضعف هذا الحديث الإمام عبد الله بن المبارك، كما نقل ذلك عنه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٧٠-٢٧١، وممن ضعفه ابن العربي في أحكام القرآن ١٤٢٥/٣. ١٧٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية عليه وسلم؟! قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم نبق السدرة بها، وما الرابط بين الحكمين، وأي ملازمة بينهما، ولكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثّل لهم بها، وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد؟! والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؟! وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها، حيث أطلقت العلة، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها، والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنما مثّل النبي صلى الله عليه وسلم بقلال هجر لأنه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعي الجوزة(١)، دون النخل وغيره من أشجارهم، لأنه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم، وهكذا التمثيل (١) رواه أحمد في مسنده ١٨٣/٤، والطبراني في المعجم الكبير ١٢٧/١٧، وفي الأوسط ١٢٦/١-١٢٧، وصححه ابن حبان إذ أخرجه في صحيحه ١٦/ ٤٣٠ مع الإحسان. ١٧١ كتاب الطهارة بقلال هجر، لأنه هو الواقع لا لكونها أعرف القلال عندهم، وهذا بحمد الله واضح. -وأما قولكم: إنها متساوية المقدار، فهذا إنما قاله الخطابي [١٤/أ] بناء على أن ذكرهما تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية، وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله، ولا أخبر به عن عيان. ثم إن الواقع بخلافه، فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر السلف: القلة الجرة، وقال عاصم بن المنذر -أحد رواة الحديث -: "القلال الخوابي العظام"(١). -وأما تقديرها بقرب الحجاز، فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قدر قلة من القلال بقربتين من القرب، فرآها تسعهما، فهل يلزم من هذا أن كل قلة من قلال هجر تأخذ كل (٢) قربتين من قرب الحجاز؟! وأن قرب الحجاز كلها على قدر واحد، ليس فيها صغار وكبار؟! ومن جعلها متساوية، فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول. (١) سنن الدارقطني ٢٤/١، وسنن البيهقي ٢٦٤/١. (٢) ساقطة من المطبوع. ١٧٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فيا سبحان الله! هذا إنما يتم أن لو كان التحديد مستنداً إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج فكان ماذا؟! -وأما تقریر کون المفهوم حجة، فلا تنفعکم مساعدتنا علیه، إذ المساعدة على مقدمة من مقدمات الدليل، لا تستلزم المساعدة على الدلیل. وأما تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين، والفقهاء وفيها قولان معروفان، ومنشأ النزاع تعارض خصوص المفهوم، وعموم النطق، (١) فالخصوص يقتضي التقديم، والنطق (٢) يقتضي الترجيح، فإن رجحتم المفهوم بخصوصه، رجح منازعوكم العموم بمنطوقه، ثم الترجيح معهم ههنا للعموم من و جوہ: أحدها: أن حديثه أصح. الثاني: أنه موافق للقياس الصحيح. الثالث: أنه موافق لعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدّ(٣) الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد (١) في المطبوع: المنطوق. (٢) في المطبوع: المنطوق. (٣) في المطبوع: حدد. ١٧٣ كتاب الطهارة في المياه، عملاً نقلياً خلفاً عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد، والأحباس(١)، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال، فإنهم وغيرهم فيه سواء وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم. فتأمل هذا الموضع. فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بحديث النهي عن البول في الماء الراكد (٢)، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب، والأمر بغسل اليد من نوم الليل(٣). (١) في المطبوع: والأجناس. وهو خطأ، إذ المقصود بالأحباس: الأوقاف. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢٣٥/١ في كتاب الطهارة، ٢٨ - باب النهي عن البول في الماء الراكد، عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه نهى أن يُبال في الماء الراكد. وأخرجه البخاري في صحيحه ٤١٢/١ مع الفتح، في كتاب الوضوء، ٦٨ - باب البول في الماء الدائم. ومسلم في صحيحه في الموضع السابق، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه»» هذا لفظ البخاري. (٣) تقدم تخريجها، فالأمر بالإراقة أخرجه مسلم، والأمر بغسل اليد من نوم الليل متفق عليه. ١٧٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء، وإن لم يتغير، ولا سبيل إلى تأثر كل ماء بها، بل لا بد من تقديره، فتقديره بالقلتين أولى من تقديره بغيرهما؛ لأن التقدير [١٤/ ب] بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نزحه وما لا يمكن؛ تحكمات(١) باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في نفسها، فرب حركة تحرك غديراً عظيماً من الماء، وأخرى تحرك مقداراً يسيراً منه، بحسب المحرك والمتحرك، وكذا (٢) التقدير بالأذرع تحكم محض لا سنة ولا قياس، وكذا التقدير بالنزح(٣) الممكن مع عدم انضباطه، فإن عشرة آلاف مثلاً يمكنهم نزح ما لا ينزحه عشرة(٤) ، فلا ضابط له، وإذا بطلت هذه التقديرات ولا بد من تقدير، فالتقدير بالقلتين أولى لثبوته، إما عن النبي صلى الله عليه وسلم وإما عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قيل: هذا السؤال مبني على مقامات: (١) في المطبوع: تقديرات. (٢) في المطبوع: وهذا. (٣) النزح: استقاء الماء حتى ينفد. انظر: القاموس المحيط ١/ ٢٥٣. (٤) في المطبوع: غيرهم. والمقصود بهذا المقام: أن النهي في الأحاديث الثلاثة السابقة مستلزم النجاسة الماء، إما بالبول فيه، أو بما ينفصل من فمّ الكلب، أو بغسالة الیدین. ١٧٥ كتاب الطهارة أحدها: أن النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنحاسة الماء بالمنهي(١) عنه. والثاني: أن هذا التنجيس لا يعم كل ماء، بل يختص ببعض المقادير(٢) دون بعض. والثالث: أنه إذا تعين التقدير، كان تقديره بالقلتين هو المتعین. فأما المقام الأول، فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجس بمجرد ملاقاة البول، والولوغ، وغمس اليد فيه. أما النهي عن البول فيه فليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه، فإن الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها، ولو كانت قلالاً عظيمة، فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين، فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعداً، وحاشى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين، ويكون قد جوز للناس البول في كل ما (٣) بلغ القلتين أو زاد عليهما، وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (١) في المطبوع: المنهي. (٢) في المطبوع: المياه. (٣) في المطبوع: ماء. ١٧٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الذي لا يجري)»(١) ومراده من هذا اللفظ العام أربعمائة رطل بالعراقي، أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام، وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم، وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر. وكل هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس، وأهل العلم قاطبة، فإنهم ینهون عن البول في هذه المياه، وإن كان مجرد البول لا ينجسها سداً للذريعة، فإنه إذا مُكِّن الناس من الإبوال(٢) في هذه المياه، وإن كانت كبيرة عظيمة، لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال. وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك (٣)، فالتعليل [١٥/أ] بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده، وحكمته بنهيه، ومراعاته مصالح العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم وعلف دوابهم(٤)، فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها (١) تقدم تخريجه. (٢) في المطبوع: البول. (٣) سيأتي قريباً تخريج هذا الحديث. (٤) ورد ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنه كان يحمل مع النبي صلى = ١٧٧ كتاب الطهارة تصرف الشرع في موارده ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة. وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرك أو لا يتحرك، أو بعشرين ذراعاً مكثرة (١) ، أو بما لا يمكن = الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجاراً استنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا روثة ... فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإني أتاني وفد جنّ نصيبين -ونِعَم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طُعماً)). رواه البخاري في صحيحه ٧/ ٢٠٨ مع الفتح، في كتاب مناقب الأنصار، ٣٢ - باب ذکر الجن. ففي الحديث النهي عن إتيانه بعظم ولا بروثة، وعلل بأنها طعام الجن. وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم في حديث ليلة الجن أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الزاد، فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم)»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم)). رواه مسلم في صحيحه ٣٣٢/١ في كتاب الصلاة، ٣٣ - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن. (١) في المطبوع: مكسرة. وهو خطأ. ١٧٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية نزحه، فأقوال كل منها بكل معارض، وكل بكل مناقض، لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يشام منها بوارق المصلحة، ولا يتعطل بها المفسدة المخوفة، فإن الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء، لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه. وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال، وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال؛ كان هو الباطل المحال. ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في النهي وصفاً يدل على أنه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء دائماً لا يجري، ولم يقتصر على قوله ((الدائم»، حتى نبه على العلة بقوله: (( لا يجري)) فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها، ومعلوم أن هذه العلة موجودة في القلتين، وفيما زاد عليهما. والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لم تتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القلتين تأثرت. فألغوا كون الماء جارياً أو واقفاً، وهو الوصف الذي اعتبره الشارع، واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره، بل اعتبر الوقوف والجريان. ١٧٩ كتاب الطهارة فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال، وهو أن يُنهى عن البول في البحر، لأنه دائم لا يجري. قيل: ذكره صلى الله عليه وسلم الماء الدائم الذي لا يجري، تنبيه على أن حكمة النهي إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأن النهي إنما تعلق بالمياه الدائمة، التي من شأنها أن تفسدها الأبوال. فأما الأنهار العظام والبحار، فلم يدل نهي النبي صلى الله عليه وسلم بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام: كالنيل، والفرات، فجواز البول في البحار أولى وأحرى. [١٥/ ب] ولو قدر أن هذا تخصیص لعموم کلامه، فلا یستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه أو ما لا تبلغ الحركة طرفيه؛ لأن المفسدة المنهي لأجلها لا تزول في هذه المياه، بخلاف ماء البحر، فإنه لا مفسدة في البول فيه، وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل(١)، وبوله صلى الله عليه وسلم في ظل (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦/١ في كتاب الطهارة، ٢٠ - باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)). ١٨٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الشجرتين(١)، واستتاره بجذم (٢) الحائط(٣)، فإنه نهى عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين والحائط، حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يفسد ذلك الظل على أحد، وبهذا الطريق يعلم أنه إذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن البول في الماء الدائم، مع أنه قد يحتاج إليه، فلأن ينهى عن البول في إناء، ثم صبّه(٤) فيه، بطريق الأولى، ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، ودع الظاهرية البحتة، فإنها (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢٣٠٦/٤ -٢٣٠٧ في كتاب الزهد والرقائق، ١٨ - باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفيه: (( ... فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته، فأتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرَ شيئاً يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي ... )) الحديث. (٢) جذم الحائط، أي: قطعة أو بقية منه. النهاية ١/ ٢٥٢. (٣) أخرجه أبو داود في سننه ١٥/١ في كتاب الطهارة، ٢- باب الرجل يتبوأ لبوله. وأحمد في مسنده ١/ ٢٥٥-٢٥٦ مع الفتح الرباني. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دَمَئاً في أصل جدار، فبال، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد أحدكم ... )) الحديث، وهذا لفظ أبي داود. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، الحدیث الأول. (٤) في المطبوع: يصبه.