النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب الطهارة
ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم في صلاة ما
دام يعمد إلى الصلاة)) (١)، فالطواف وإن سمي صلاة فهو صلاة
بالاسم العام، ليس بصلاة [٩/ ب] خاصة، والوضوء إنما يشترط
للصلاة الخاصة ذات التحريم والتحليل.
فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟
قيل: فيه قولان مشهوران:
أحدهما: يشترط له الطهارة، وهذا هو المشهور عند الفقهاء
ولا يعرف كثير منهم فيه خلافاً، وربما ظنه بعضهم إجماعاً(٢).
والثاني: لا يشترط له الطهارة، وهذا قول كثير من السلف
حكاه عنهم ابن بطال في شرح البخاري(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤٢١ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٨-
باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ... ، عن أبي هريرة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ثوّب للصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون،
وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا
كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة».
(٢) كما حكاه ابن عبد البر في الاستذكار ١١٠/٤.
(٣) حكاه في باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء،
حكاه عن الشعبي فقط، ثم حكى عن فقهاء الأمصار، أنه لا يجوز سجود
التلاوة إلا على وضوء.
انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال ٥٦/٣-٥٧.

١٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهو قول عبد الله بن عمر ذكره البخاري عنه في صحيحه
فقال: ((وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء))(١).
وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه فإنه قال:
باب من قال يسجد على غير وضوء، هذا لفظه(٢).
واحتج الموجبون للوضوء بأنه(٣) صلاة، قالوا: فإنه له تحريم
وتحليل. كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي (٤).
وفيه وجه: أنه يتشهد له.(٥) وهذا حقيقة الصلاة.
والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلم له،(٦)
وقال عطاء وابن سیرین إذا رفع رأسه يسلم،(٧) وبه قال إسحاق بن
(١) صحيح البخاري ٢/ ٦٤٤ مع الفتح، في كتاب سجود القرآن، ٥-باب سجود
المسلمين مع المشرکین، والمشرك نجس لیس له وضوء.
(٢) أما هذا التبويب، فلم أجده في طبعات البخاري المفردة، ولا التي عليها
الشروح، فيما وقفت عليه، والله أعلم، إنما هو التبويب السابق.
(٣) في المطبوع: له بأنها.
(٤) انظر: المهذب ٨٦/١ الشافعية. وللحنابلة: المحرر ١/ ٨٠.
(٥) انظر لهذا الوجه عند الشافعية وعند الحنابلة في المصدرين السابقين. والمذهب
عندهما أنه لا يتشهد.
(٦) وهو الصحيح من المذهب. انظر: الإنصاف ١٩٨/٢.
(٧) انظر لقولهما: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٧٨/٢١. ورواه عبد الرزاق في
مصنفه ٣٤٩/٣ - ٣٥٠ عن ابن سيرين وأبي قلابة.

١٤٣
كتاب الطهارة
راهويه(١).
واحتج لهم بقوله: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)).
قالوا: ولأنه يفعل تبعّ للإمام ويعتبر أن يكون القارئ يصلح
إماماً للمستمع، وهذا حقيقة الصلاة.
قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب، ولا
سنة، ولا إجماع، ولا قیاس صحیح.
وأما استدلالكم بقوله: (( تحريمها التكبير وتحليلها التسليم))
فهو من أقوى ما يُحتج به عليكم، فإن أئمة الحديث والفقه ليس
فيهم أحد قطّ نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من
أصحابه أنه سلّم منه، وقد أنكر أحمد السلام منه، قال الخطابي:
وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا (٢).
]،(٣) ويذكر نحوه عن إبراهيم
وقال الحسن البصري:[
النخعي، وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلم فيه (٤).
(١) انظر: مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٣٨٢.
(٢) معالم السنن ٢٤٧/١.
(٣) بياض بمقدار خمس كلمات.، ولعل العبارة: "ليس في السجود تسليم"، كما
روى عبد الرزاق في مصنفه ٣٥٠/٣ عن الحسن قال: ليس في السجود
تسليم. ورواه أيضاً عن إبراهيم، ولم يذكر لفظه.
(٤) نص عليه الشافعي في البويطي. انظر: المهذب ٨٦/١.

١٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والذي يدل على ذلك أن الذين قالوا يسلم منه إنما احتجوا
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وتحليلها التسليم)) وبذلك احتج
لهم إسحاق، وهذا استدلال ضعيف؛ فإن النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه فعلوها ولم ينقل عنهم سلام منها، ولهذا أنكره أحمد
وغيره، وتجويز كونه سلم منه ولم ينقل كتجويز كونه سلم من
الطواف.
قالوا: والسجود هو من جنس ذكر الله وقراءة القرآن
والدعاء، ولهذا شرع في الصلاة وخارجها [١٠/أ] فكما لا يشترط
الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة، فكذلك لا
يشترط للسجود، وكونه جزءاً من أجزائها لا يوجب أن لا يفعل إلا
بوضوء.
واحتج البخاري بحديث ابن عباس ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن
والإنس))(١).
ومعلوم أن الكافر لا وضوء له.
قالوا: وأيضا فالمسلمون الذين سجدوا معه، لم يُنقل أن النبي
صلى الله عليه وسلم أمرهم بالطهارة، ولا سألهم: هل كنتم
(١) صحيح البخاري ٢/ ٦٤٤ مع الفتح، كتاب سجود القرآن، ٥- باب سجود
المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس ليس له وضوء.

١٤٥
كتاب الطهارة
متطهرين أم لا؟
ولو كانت الطهارة شرطاً فيه للزم أحد الأمرين:
- إما أن يتقدم أمره لهم بالطهارة.
- وإما أن يسألهم بعد السجود ليبين لهم الاشتراط.
ولم ينقل مسلمٌ واحداً منهما.
فإن قيل: فلعل الوضوء تأخرت مشروعيته عن ذلك؟ وهذا
جواب بعض الموجبین.
قيل: الطهارة شرعت للصلاة من حين المبعث، ولم يُصلِّ قط
إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلمه الطهارة والصلاة.
وفي حديث إسلام عمر «أنه لم يمكّن من مس القرآن إلا بعد
تطهره))(١)، فكيف نظن أنهم كانوا يصلون بلا وضوء !!
قالوا: وأيضاً فيبعد جداً أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك
على وضوء.
قالوا: وأيضاً ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال:
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، فيقرأ السورة
فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان
(١) ذكر فضيلة الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة
١/ ١٨٠ ضَعْف هذه الرواية، فليراجع.

١٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
جبهته))(١).
(١)
قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلها، ومن
البعيد جداً أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون
حتى لا يجد بعضهم مكاناً لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع
المتوضئ وغيره.
قالوا: وأيضاً فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن
أن السحرة سجدوا لله سجدة (٢)، فقبلها الله منهم ومدحهم عليها،
ولم يكونوا متطهرين قطعاً، ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود
حرام، فكيف يمدحهم ويثني عليهم بما لا يجوز؟!
فإن قيل: شرع من قبلنا لیس بشرع لنا.
قيل: قد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا، وذلك
منصوص عنهم أنفسهم في غير موضع.
(١) أخرجه: البخاري في صحيحه ٢/ ٦٤٧ مع الفتح، في كتاب سجود القرآن،
٨-باب من سجد لسجود القارئ.
ومسلم في صحيحه ١/ ٤٠٥ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٠-باب
سجود التلاوة.
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِيَّ السَّحْرَةُ سَاحِدِينَ﴾ الأعراف الآية: ١٢٠، وقوله:
﴿فَأَلْقِيَّ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنْا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ سورة طه الآية: ٧٠،
وغيرها.

١٤٧
كتاب الطهارة
قالوا: سلمنا، لكن ما لم يرد شرعنا بخلافه.
قال المجوزون: فأين ورد في شرعنا خلافه، قالوا: وأيضاً
فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة، ويفعل بلا وضوء
[١٠/ ب] فالسجود أولی.
قالوا: وأيضاً فالله -سبحانه وتعالى- أثنى على كل من سجد
عند التلاوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَّى
عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾(١).
وهذا يدل على أنهم سجدوا عقب تلاوته بلا فصل، وسواء
كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرد السجود عقب
التلاوة، ولم يشترط وضوءاً.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُثْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُوا
سُجَّداً وَيُكِيّاً﴾(٢).
قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم
المنتظرة، وقد تظاهرت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعله
في مواضع متعددة، وكذلك أصحابه مع ورود الخبر السّار عليهم
بغتة، وكانوا يسجدون عقبه(٣)، ولم يؤمروا بوضوء، ولم يخبروا أنه لا
(١) سورة الإسراء الآية: ١٠٧
(٢) سورة مريم الآية: ٥٨.
(٣) انظر في هذه الأحاديث والآثار: زاد المعاد ٣٦٠/١-٣٦٢.
=

١٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يفعل إلا بوضوء، ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير
طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها.
قالوا: ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا
السجود، وأثنى على فاعله وأطلق ذلك، وتكون الطهارة شرطاً فيه
ولا يسنها، ولا يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه
ولا رُوي عنه في ذلك حرف واحد.
وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين:
أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من
الجامع:
إذ لا قراءة فيه ولا ركوع، ولا فرضاً ولا سنة ثابتة بالتسليم،
ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافة فيه.
=
وملخصها: عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره
خرّ لله ساجداً، شكراً لله تعالى.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بُشِّر بحاجة فخرً لله ساجداً. وخرّ
النبي صلی الله عليه وسلم لله ساجداً لما كتب إليه بإسلام همدان.
وسجد کعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله علیه.
وسجد علي بن أبي طالب لما وجد ذا الثُدية في قتلى الخوارج.
وسجد أبو بكر الصديق حين جاءه قتل مسيلمة.
وسيأتي ذلك في كتاب الجهاد، ١٧٤ - باب في سجود الشكر.

١٤٩
كتاب الطهارة
وليس إلحاق محل النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور
الافتراق.
الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع(١) - لو كان صحيحاً - إذا لم
يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم،
ثم تقع الحادثة فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده من
الحوادث، أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه،
وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقیید بوضوء؛ فیمتنع التقیید به.
فإن قيل: فقد روى البيهقي من حديث الليث عن نافع عن
ابن عمر (٢)، أنه قال: "لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر"(٣)، وهذا
(١) في المطبوع: يمتنع. وهو خطأ.
(٢) ما روي عن ابن عمر - وهو في الصحيحين - وأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى
ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته. وقد سبق قريباً.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩٠/١-٩١ و٣٢٥/٢.
وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ٦٤٤/٢.
وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الأثرين في الفتح ٦٤٤/٢، فقال: "فيجمع
بينهما بأنه أراد بقوله: "طاهر" الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار،
والأول على الضرورة".
وانظر كذلك: عمدة القاري للعيني ٧/ ٩٩، وتغليق التعليق ٤٠٨/٢ -٤٠٩.
وحمله على الطهارة الكبرى يرده أثر الليث عن نافع عن ابن عمر، فقد رواه

١٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يخالف ما رويتموه عن ابن عمر مع أن في بعض الروايات: "وكان
ابن عمر يسجد على وضوء"، وهذا هو اللائق به لأجل رواية
اللیث.
قیل: أمّا أثر اللیث [
].(١)
وأما رواية من روى: "يسجد(٢) على وضوء"، فغلط لأن
تبويب البخاري واستدلاله وقوله: والمشرك ليس له وضوء، يدل
=
البيهقي بزيادة، وهي: "لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ إلا وهو
طاهر، ولا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر". فلا يمكن حمل لفظة: "طاهر"
في الصلاة على الجنازة على الطهارة الكبرى، لأن الطهارة الصغرى مشترطة
أيضاً، والله أعلم.
(١) سقط في الأصل بمقدار سطر وست كلمات.
وقد كُتب في المطبوع مكان هذا الفراغ كلمة: "ضعيف".
ولم يُشر إلى السقط فيه !! ولا أدري من أي أتت هذه الزيادة، نعم قد يُفهم من
السياق أن أثر الليث ضعيف، إلا أن الواجب بيان حقيقة ما في المخطوط،
وأما ما قد يترجح للمحقق وهو غير موجود في الأصل، فإنه يشار إليه في
الحاشية.
وهذا الاجتهاد وإن كان قريباً إلا أنه لا ينبغي الجزم بأن ابن القيم قال هذه
الكلمة، وهي غير موجودة في الأصل، فلو أشير إلى هذا المعنى لكان هو
الصواب. والله أعلم.
(٢) في المطبوع: كان يسجد. وهو تصرف في الأصل لا داعي له.

١٥١
كتاب الطهارة
على أن الرواية بلفظ "غير" وعليها أكثر الرواة (١).
ولعل [١١/أ] الناسخ استشكل ذلك، فظن أن لفظة: "غير"،
غلط فأسقطها، ولاسيما إن كان اغتر (٢) بالأثر الضعيف المروي عن
الليث(٣).
وهذا هو الظاهر، فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جداً،
وأما زيادة "غير" في مثل هذا الموضع؛ فلا يظن زيادتها غلطاً، ثم
يتفق عليها النسخ المختلفة أو أكثرها [
].(٤)
(١) وهو الذي رجحه غالب الشرّاح لصحيح البخاري، ومنهم: ابن بطال في شرحه
٥٦/٣، والكرماني ١٥٢/٦، وابن حجر ٦٤٤/٢، والعيني ٧/ ٩٩، والقسطلاني
٢٨٣/٢.
(٢) في المطبوع: قد اغتر. وهو تصرف في الأصل لا داعي له.
(٣) ظاهر السند أنه صحيح كما قال ابن حجر، فرواته كلهم ثقات، والله أعلم.
(٤) بیاض بمقدار سطر وثلاثة كلمات.
ولم يُشر إلى هذا البياض في المطبوع !!

١٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقال في آخر باب ما ينجس الماء(١) بعد فراغ كلام الحافظ
زكي الدين على قوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الماء، وما
ينوبه من الدواب والسباع، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان
الماء قلتين لم يحمل الخبث)) (٢). وفي رواية: ((إذا كان الماء قلتين فإنه
لا ينجس)»(٣). وقال أبو بكر البيهقي: وهذا إسناد صحيح
(١) سنن أبي دواد ١/ ٥١-٥٢. الباب رقم: ٣٣. عند حديث عبد الله بن عمر
الآتي.
(٢) هو حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء
... الحديث.
وأخرجه الترمذي في جامعه ١/ ٩٧ في أبواب الطهارة، ٥٠ - باب منه آخر.
والنسائي في المجتبى ١/ ٤٩-٥٠ في كتاب الطهارة، ٤٤ - باب التوقيت في الماء،
و١٩١/١ في كتاب المياه، ٢- باب التوقيت في الماء.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٥٦.
(٣) هي رواية لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٥٨.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ١٧٢/١ في كتاب الطهارة وسننها، ٧٥ - باب
مقدار الماء الذي لا ينجس من عدة طرق عن عبد الله بن عمر بلفظ (لم
ينجسه شيء)).
ملاحظة: في تخريج هذا الحديث كتب الحافظ العلائي جزءاً مفرداً فيه، سماه:
"جزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده"، حققه فضيلة الشيخ
أبو إسحاق الحويني.

١٥٣
كتاب الطهارة
موصول (١).(٢)
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: ورواه الحاكم في
المستدرك وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم (٣).
وصححه الطحاوي(٤).
رواه الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد
الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبي أسامة عن
الوليد (٥) .
ورواه الحميدي عن أبي أسامة حدثنا الوليد عن محمد بن
عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله عن أبيه (٦).
(١) كلام البيهقي هذا في المعرفة ٣٢٩/١.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ١/ ٥٩.
(٣) مستدرك الحاكم ١٣٢/١، ووافقه الذهبي.
(٤) في شرح معاني الآثار ١٦/١.
(٥) رواه من هذه الطريق: أبو داود في سننه ١/ ٥١، والدارقطني في سننه ١/ ١٣ -
١٥، والحاكم في المستدرك ١٣٢/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٠/١
وغيرهم.
ونسبه لإسحاق بن راهويه في مسنده: الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٠٩.
وأخرجه الدارقطني ١/ ١٥، والحاكم ١٣٢/١ من طريقه.
(٦) ورواه من هذه الطريق: أبو داود في سننه ٥٢/١، ورجّحها على الطريق
=

١٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فهذان و جهان.
قال الدارقطني في هاتين الروايتين: فلما اختلف على أبي أسامة
اخترنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك، فإذا شعيب بن أيوب
قد روى عن أبي أسامة [على الوجهين جميعاً](١)، وصح أن الوليد بن
کثیر رواه عنهما جمیعاً، و کان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن کثیر
عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن
عباد بن جعفر(٢).
ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد
الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه. رواه جماعة عن ابن إسحاق(٣).
وكذلك رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله
ابن عبد الله عن أبيه(٤)، وفيه تقویة حدیث ابن إسحاق.
=
الأولى، والدارقطني في سننه ١٥/١، ١٧، والحاكم في المستدرك ١٣٣/١،
والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٦٠ - ٢٦١ وغيرهم.
وأخرجه الدارقطني ١٥/١، والحاكم ١٣٣/١، والبيهقي ٢٦٠/١ عن الحميدي.
(١) زيادة توضح العبارة من السنن للدار قطني ١/ ١٧.
(٢) نحوه في السنن للدارقطني ١/ ١٧ -١٨.
(٣) أخرجه من هذه الطريق: أبو داود في سننه ٥٢/١، وابن ماجه في سننه
١٧٢/١، والحاكم ١٣٣/١، والبيهقي ٢٦١/١، والدار قطني ١٩/١.
(٤) أخرجه من هذه الطريق: أبو داود في سننه ٥٢/١-٥٣، والبيهقي ٢٦٢/١،
والدار قطني ١/ ٢٣ .

١٥٥
كتاب الطهارة
فهذه أربعة أوجه.
ووجه خامس: محمد بن كثير المصيصي عن زائدة عن ليث
عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم(١).
ووجه سادس: معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن
مجاهد عن ابن عمر قوله (٢).
قال البيهقي: وهو الصواب - يعني حديث مجاهد(٣).
ووجه سابع: بالشك في قلتين أو ثلاث، ذكرها يزيد بن
هارون(٤)، وكامل بن طلحة(6)، وإبراهيم بن الحجاج(٦)، وهدبة بن
خالد(٧)، عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير قال:
دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن [١١/ ب] عمر بستاناً فيه مقراة
ماء فيه جلد بعير ميت؟ فتوضأ منه، فقلت: أتتوضأ منه وفيه جلد
-
(١) أخرجه من هذه الطريق: الدار قطني ٢٣/١، والبيهقي ٢٦٢/١.
(٢) أخرجه: الدار قطني ٢٤/١، والبيهقي ١/ ٢٦٢، ورجح الدارقطني وقفه.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٢/١.
ورواه ابن المنذر في الأوسط ٢٦١/١، عن علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم
عن عبد السلام عن ليث به.
(٤) في تهذيب الآثار لابن جرير ٢٢٥/٢، والدراقطني ١/ ٢٢.
(٥) أخرجه الدار قطني ٢٢/١ .
(٦) أخرجه الدراقطني ١/ ٢٢، والحاكم ١٣٤/١، والبيهقي ٢٦٢/١.
(٧) أخرجه الدارقطني ٢٢/١، والحاكم ١٣٤/١، والبيهقي ٢٦٢/١.

١٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
بعير ميت، فحدثني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء )).
ورواه أبو بكر النيسابوري(١) حدثني أبو حميد المصيصي
حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني لوط عن أبي (٢) إسحاق عن
مجاهد أن ابن عباس قال: "إذا كان الماء قلتين فصاعداً لم ينجسه
شيء"(٣).
ورواه أبو بكر بن عياش عن أبان عن أبي يحيى عن ابن
عباس كذلك موقوفاً(٤).
وروى أبو أحمد بن عدي من حديث القاسم العمري عن
محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((إذا بلغ الماء أربعين قلة لا يحمل الخبث))(٥).
تفرد به القاسم العمري هكذا، وهو ضعيف، وقد نسب إلى
(١) هو ابن المنذر.
(٢) في المطبوع: ابن. وهو خطأ.
وأبو إسحاق هو: السبيعي.
(٣) أخرجه: الدارقطني في سننه ١/ ٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٢/١ من
طريق أبي بكر النيسابوري.
(٤) وأشار إليه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦٢/١.
(٥) الكامل في الضعفاء ٣٤/٦. ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦٢/١،
وأخرجه الدارقطني ٢٦/١.

١٥٧
كتاب الطهارة
الغلط فيه.
وقد ضعف القاسم: أحمد والبخاري ويحيى بن معين
(١)
وغيرهم(١).
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا علي
الحافظ يقول: حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله
عليه وسلم ((إذا بلغ الماء أربعين قلة)) خطأ، والصحيح عن محمد بن
المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله(٢).
قلت: كذلك رواه عبد الرزاق أخبرنا الثوري ومعمر عن
محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله (٣).
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان عن
عبدالرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال: "إذا كان الماء قدر (٤) أربعين
(١) انظر: الكامل لابن عدي ٣٤/٦ -٣٥، والتاريخ الكبير للبخاري ١٦٤/٧، وتاريخ
الدوري ٢/ ٤٨١، والمجروحين لابن حبان ٢/ ٢١٥، وميزان الاعتدال ٤٥١/٥.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٢/١.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦٢/١.
وأخرجه من غير طريق عبد الرزاق أبو عبيد في الطهور ص: ١٢٩، وابن أبي
شيبة في مصنفه ١٣٣/١، وابن المنذر في الأوسط ٢٦٤/١.
(٤) في الأصل: فيه، والتصويب من سنن الدارقطني. أما في المطبوع فقد حذفت
الكلمة برمتها ؟ !.
وعند الدار قطني والبيهقي في الخلافيات: قدر.

١٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قلة لم يحمل خبثاً"، وخالفه غير واحد فرووه عن أبي هريرة، فقالوا:
أربعين غرباً، ومنهم من قال: دلواً، قاله الدارقطني (١).
والاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات:
الأول: صحة سنده.
الثاني: ثبوت وصله، وأن إرساله غير قادح فيه (٢).
الثالث: ثبوت رفعه، وأن وقف من وقفه ليس بعلة.
الرابع: أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا یوهنه.
الخامس: أن القلتين مقدرتان بقلال هجر.
السادس: أن قلال هجر متساوية المقدار، ليس فيها كبار
وصغار.
السابع: أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين، وأن قرب الحجاز
(١) سنن الدارقطني ١/ ٢٧.
وأخرجه: ابن المنذر في الأوسط ٢٦٥/١ بلفظ "دلواً"، والبيهقي في السنن
الكبرى ٢٦٣/١ بلفظ: "دلواً"، وفي الخلافيات ١٩٣/٣ بلفظ "قُلّة"، وأبو
عبيد في الطهور ص: ١٣٠ بلفظ "قلة"، ويلفظ "دلواً".
(٢) ذلك أن هذا الحديث رُوي عن ابن جريج مرسلاً.
أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه ١/ ٧٩، وابن المنذر في الأوسط ٢٧١/١.
وروي عن يحيى بن يعمر مرسلاً أيضاً.
أخرجه: الدارقطني في سننه ٢٤/١-٢٥، والبيهقي في الخلافيات ١٨٢/٣،
وفي السنن الكبرى ١/ ٢٦٣.

١٥٩
كتاب الطهارة
لا تتفاوت.
الثامن: أن المفهوم حجة.
التاسع: أنه مقدم على العموم.
العاشر: أنه مقدم على القياس الجلي.
الحادي عشر: أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت(١).
الثاني عشر: أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد.
الثالث عشر: الجواب عن المعارض.
ومن جعلهما [١٢ / أ] خمسمائة رطل احتاج إلى مقام:
رابع عشر: وهو أنه يجعل الشيء نصفاً احتياطاً. ومقام:
خامس عشر: أن ما وجب به الاحتياط صار فرضاً.
قال المحددون الجواب عما ذكرتم:
-أما صحة سنده فقد وُجدت؛ لأن رواته ثقات ليس فيهم
مجروح، ولا متهم، وقد سمع بعضهم من بعض، وهذا صححه ابن
خزيمة(٢) والحاكم والطحاوي وغيرهم(٣).
(١) في المطبوع: المسكوت عنه. وهذه الزيادة (عنه) لا داعي لها، علاوة على أنه
تصرف في الأصل دون الإشارة إلى ذلك.
(٢) صحيح ابن خزيمة ٤٩/١.
(٣) وقد سبق في بداية كلام ابن القيم تصحيح الحاكم والطحاوي.
وقد صححه أيضاً الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وابن خزيمة، وابن حبان،
=

١٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
-وأما وصله فالذين وصلوه ثقات، وهم أكثر من الذين
أرسلوه، فهي زيادة من ثقة ومعها الترجيح.
-وأما رفعه فكذلك، وإنما وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا
کان مجاهد قد سمعه منه موقوفاً، لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد
الله له من ابن عمر مرفوعاً.
فإن قلنا: الرفع زيادة وقد أتى بها ثقة، فلا كلام.
وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض، فعبيد الله أولى في أبيه من
مجاهد، لملازمته له، وعلمه بحديثه، ومتابعة عبد الله له ..
-وأما قولكم: إنه مضطرب، فمثل هذا الاضطراب لا يقدح
فيه؛ إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له عن محمد بن عباد
ومحمد بن جعفر کما قال الدارقطني: "قد صح أن الوليد بن کثیر
رواه عنهما جميعاً، فحدث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين".
وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعاً عن
أبيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة.
-وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فقد قال الشافعي: حدثنا
والبيهقي، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر.
انظر: جزء في تصحيح حديث القلتين للعلائي ص: ١٤- ١٥ في الحاشية من
كلام المحقق.