النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الطهارة هذه الحال؟ وهذا حرف المسألة. وهلا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة لما كان الطهور غير مقدور للمرأة، فلما صار مقدوراً لها شرعت لها الصلاة وترتبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعاً، والعاجز عنه حساً، فإن كلاً منهما غير متمكن من الطهور؟ قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب. وجوابه: أن يُقال: زمن الحيض جعله الشارع منافياً لشرعية العبادات: من الصلاة، والصوم، والاعتكاف، فليس وقتاً لعبادة الحائض، فلا يترتب عليها فيه شيء. وأما العاجز، فالوقت في حقه قابل لترتب العبادة المقدورة في ذمته، فالوقت في حقه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته بخلاف الحائض، فالعاجز ملحق بالمريض المعذور الذي يؤمر بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه، والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف؛ فافترقا. ونكتة الفرق أن زمن الحيض ليس بزمن تكليف بالنسبة إلى الصلاة، بخلاف العاجز فإنه مكلف بحسب الاستطاعة. وقد ثبت في صحيح مسلم ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ١٢٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم)) (١). فلم يُنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ولم يأمرهم بالإعادة، وحالة [٦/ ب] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق، فإنهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم حينئذ. فهكذا من صلی بغیر تيمم لعدم ما یتیمم به، فأي فرق بین عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟! فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يعيد(٢) لأنه فعل ما أمر به فلم يجب عليه الإعادة، كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك، فهذا موجَب النص والقياس. فإن قيل: القيام له بدل وهو القعود فقام بدله مقامه، كالتراب عند عدم الماء، والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل؟ قيل: هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة، (١) صحيح مسلم ٢٧٩/١ في كتاب الحيض، ٢٨ - باب التيمم. وأخرجه البخاري أيضاً في صحيحه ١/ ٥٢٤ في كتاب التيمم، ٢ - باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً. كلاهما من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. (٢) في المطبوع: ويعيد، وهو خطأ ظاهر. ١٢٣ كتاب الطهارة ولكنه منتقض بالعاجز عن السترة، فإنه يصلي من غير اعتبار بدل، وكذلك العاجز عن الاستقبال، وكذلك العاجز عن القراءة والذكر. وأيضاً فالعجز عن البدل في الشرع كالعجز عن المبدَل (١) سواء، هذه قاعدة الشريعة. وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة، فكذلك عجزه عن البدل، وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم، إن شاء الله. وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجه بديع، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تفتتح ويدخل فيها إلا به، وما كان مفتاحاً للشىء كان قد وُضع لأجله وأُعدّ له، فدلّ على أن كونه مفتاحاً للصلاة هو جهة كونه طهوراً، فإنه إنما شُرع للصلاة وجُعل مفتاحاً لها. ومن المعلوم أن ما شُرع للشيء ووُضع لأجله لا بد أن یکون الآتي به قاصداً ما جعل مفتاحاً له ومدخلاً إليه، هذا هو المعروف حساً كما هو ثابت شرعاً. ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهر لم يأت بما هو مفتاح الصلاة، فلا تفتح له الصلاة، وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: لا إله إلا الله، وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا (١) في المطبوع: المبدل منه، وليس هناك داع لزيادة "منه"، إذ المعنى واضح. ١٢٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية تكون مفتاحاً للجنة منه؛ لأنه لم يقصدها. وهكذا هذا لما لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة. ونظير ذلك الإحرام هو مفتاح عبادة الحج ولا يحصل له إلا بالنية، فلو اتفق تجرده لحرّ أو غيره ولم يخطر بباله الإحرام [٧/أ] لم یکن محرماً بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهراً، وهذا بحمد الله بیّن. فصل: في الحكم الثاني قولُه: ((وتحريمها التكبير)) وفي هذا من حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدم في حصر مفتاح الصلاة في الطهور من الوجهين، وهو دليل بيّن أنه لا تحريم لها إلا التكبير. وهذا قول الجمهور، وعامة أهل العلم قديماً وحديثاً. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم (١). فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث، ثم اختلفوا: فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: يتعين لفظة (٢) "الله أكبر" وحدها(٣). (١) انظر في مذهب الحنفية: الهداية شرح البداية ١/ ٤٧، والبحر الرائق ٣٢٣/١. (٢) في المطبوع: لفظ. (٣) انظر في مذهب المالكية: كفاية الطالب ٥٢١/٢، وحاشية الدسوقي ٢٣٣/١. وفي مذهب الحنابلة: المبدع ٤٢٨/١، والإنصاف ٤١/٢. ١٢٥ كتاب الطهارة وقال الشافعي يتعين أحد اللفظين: الله أكبر أو(١) الله الأكبر(٢). وقال أبو يوسف: يتعين التكبير وما تصرّف منه، نحو: الله الکبیر ونحوه(٣). وحجته أنه يسمى تكبيراً حقيقة، فيدخل في قوله: ((تحريمها التکبیر)». وحجة الشافعي أن المعرّف في معنى المنكّر، فاللام لم تخرجه عن موضوعه، بل هي زيادة في اللفظ غير مخلة بالمعنى بخلاف "الله الكبير" و"كبرت الله" ونحوه، فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة "الله أكبر". والصحيح قول الأكثرين، وأنه يتعين "الله أكبر" لخمس حجج: أحدها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير)) واللام هنا للعهد، فهي كاللام في قوله مفتاح الصلاة الطهور، وليس المراد به كل طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه لأمته وکان فعله له تعلیماً وبیاناً لمراد الله من كلامه. (١) في المطبوع: و. وما في المخطوط أصح. (٢) انظر في مذهب الشافعية: الأم ١/ ١٩٩، والمجموع ٢٤٩/٣ -٢٥٠. (٣) انظر: الهداية شرح البداية ١/ ٤٧، والبحر الرائق ٣٢٣/١. ١٢٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلاً ضرورياً خلفاً عن سلف عن نبيها صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله في كل صلاة لا يقول غيره ولا مرة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: ((تحريمها التكبير))، وهذا حجة على من جوز "الله الأكبر" و"الله الكبير" فإنه وإن سمي تکبیراً، لكنه ليس التکبیر المعهود المراد بالحديث. الحجة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر)) (١)، ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتکبیر. وهذا أمر مطلق يتقيد بفعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يخلّ به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه. الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى [٧/ ب] (١) متفق عليه من حديث أبي هريرة. أخرجه: البخاري في صحيحه ٢٧٦/١-٢٧٧ مع الفتح، في كتاب الأذان، ٩٥ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم .... ومسلم في صحيحه ٢٩٨/١ في كتاب الصلاة، ١١- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... . ١٢٧ كتاب الطهارة يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر))(١). الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاة بغير هذا اللفظ لتركه النبي صلى الله عليه وسلم ولو في عمره مرة واحدة؛ لبيان (١) لم أجده بهذا اللفظ، لا عند أبي داود ولا عند غيره، وقد قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٩/١: "قوله: روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه» لم أجده بهذا اللفظ ... وعلى هذا فالسياق بـ "ثم" لا أصل له .... ". وفي خلاصة البدر المنير ١١٢/١ قال: "حديث ((لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر)) رواه الثلاثة - أي: أبي داود والترمذي والنسائي - من رواية رفاعة بن رافع الزرقي ... ". ثم ساق الروايات الثلاثة وليس في شيء منها هذا اللفظ. أما روايات أبي داود في سننه ٥٣٦/١-٥٣٨ في كتاب الصلاة، ١٤٨ - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فليس في شيء منها ((ويقول: الله أكبر)) في تكبيرة الإحرام، وإنما جاءت بلفظ ((ثم يقول: الله أكبر)) في تكبيرات الانتقال، وباقي الروايات جاءت بلفظ: ((ثم يكبّر))، ((فكبّر)، ((ثم كبّر)). ومطلع الحديث جاء بلفظ: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء))، ولفظ: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء)). ولفظ التوجه إلى القبلة جاء في رواية أبي داود عن وهب بن بقية بلفظ: ((إذا قمت فتوجهت إلى القبلة ... )). والله أعلم. ١٢٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الجواز، فحيث لم ينقل أحد عنه قط أنه عدل عنه حتى فارق الدنيا، دل على أن الصلاة لا تنعقد بغيره. الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مقامها وأن يقول المؤذن: "كبرت الله"، أو "الله الكبير"، أو "الله أعظم" ونحوه، بل تعين لفظة "الله أكبر" في الصلاة أعظم من تعينها في الأذان؛ لأن کل مسلم لا بد له منها. وأما الأذان فقد یکون في المصر مؤذن واحد أو اثنان، والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان. وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف "الله أكبر" و"الله الأكبر"، فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين، فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، وبيانه أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرف، فإذا قيل: "الله أكبر" كان معناه: من كل شيء. وأما إذا قيل: الله الأكبر، فإنه يتقيد معناه ويتخصص ولا يستعمل هذا إلا في مفضل معين على مفضل (١) عليه معين، كما إذا قيل من أفضل أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل، هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال، فإن أداة "من(٢) لا يمكن أن يؤتى (١) (معين على مفضل) ساقطة من المطبوع. (٢) في المطبوع: التعريف. ١٢٩ كتاب الطهارة بها مع اللام (١) وأما بدون اللام، فيؤتى (٢) بالأداة، فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم وهذا لا يتأتى مع اللام. وهذا المعنى مطلوب من القائل: "الله أكبر"؛ بدليل ما روى الترمذي من حديث عدي بن حاتم الطويل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((ما يضرك؟ أيضرك أن يُقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله))(٣) وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾(٤)، (١) في المطبوع: (إلا مع من) مكان (مع اللام). (٢) في المطبوع: (من فلا يؤتى)، مكان (اللام، فيؤتى). فتكون العبارة في المطبوع: فإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع "من"، وأما بدون "من" فلا يؤتى بالأداة. والعبارة هكذا عكس ما يريد المصنف، فالذي في المخطوط هو الصواب، والله الموفق. (٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. ورواه الترمذي في جامعه ١٨٦/٥-١٨٧ في كتاب تفسير القرآن، ٢-باب ومن سورة فاتحة الكتاب، وقال: هذا حديث حسن غريب. لا نعرفه إلا من حدیث سماك بن حرب. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢٣٥٣. بلفظ: («ما يُفِرّك أن تقول: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ ... إنما تفر أن تقول: الله أكبر، وتعلم أن شيئاً أكبر من الله؟ ... )) وفيه: "يفرك" بالفاء، من الفرار. أي: ما يحملك على الفرار؟ (٤) سورة الأنعام الآية: ١٩. ١٣٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وهذا يقتضي جواباً: لا شيء أكبر شهادة من الله، فالله أكبر شهادة من كل شيء. كما أن قوله لعدي: ((هل تعلم شيئا أكبر من الله)) يقتضي جواباً: لا شيء أكبر من الله فالله أكبر من كل شيء. وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ، المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره، سر عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم، فإن العبد إذا وقف بين [٨/أ] يدي الله عز وجل وقد علم أن لا شيء أكبر منه، وتحقق قلبه ذلك، وأشربه سره، استحی من الله ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره، وما لم يستحضر هذا المعنى، فهو واقف بين يديه بجسمه، وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات، وبالله المستعان. فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا لما اشتغل عنه، وصرف كلية قلبه إلى غيره، كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه، لم يَشْغِل قلبَه بغيره ولم يصرفه عنه(١). فصل في الحكم الثالث قوله: ((وتحليلها التسليم)» والكلام في إفادته الحصر، كالكلام (١) في المطبوع: ولم يصرفه عنه صارف. أي: بزيادة كلمة "صارف" في الأخير، ولا داعي لها فالمعنى قائم بدونها. ١٣١ كتاب الطهارة في الجملتين قبله. [والكلام [ ](١) شيئين](٢): أحدهما: أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم، وهذا قول جمهور العلماء(٣). وقال أبو حنيفة: لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه (٤). ](٥) رواه أحمد وأبو داود(٦). ] (١) بياض في الأصل بمقدار أربع كلمات. (٢) مكان هذه العبارة في المطبوع: [والكلام في التسليم على قسمين]، وهو تغيير لما في المخطوط. وعدم إشارة للسقط الواقع بمقدار أربع كلمات لا كلمتان. (٣) انظر لمذهب المالكية: كفاية الطالب ٣٥١/١، والشافعية: الأم ٢٣٤/١، وللحنابلة: المغني ٢/ ٢٤٠ -٢٤١. (٤) انظر لمذهب الحنفية: الهداية ١/ ٥٣، والبحر الرائق ٣٥١/١-٣٥٢. (٥) في المخطوط بياض بمقدار سطرين إلا كلمتين. وقد كتب في مكان البياض بخط مغاير: "واستدل له بما"، وهو خطأ؛ ففي هذا الفراغ يذكر ابن القيم حديث ابن مسعود -كما سيأتي- لأن ابن القيم سيذكر بعدُ: "والجمهور أجابوا عن هذه الحجة: أما حديث ابن مسعود ... " فدل على أنه ذكر حديث ابن مسعود قبل، والله أعلم. لذا في المطبوع: "واستدل له بحديث ابن مسعود الذي رواه"، وهو أصح من سابقه، إلا أن الفراغ موجود أكبر من هذه العبارة، والله أعلم. (٦) سيأتي تخريج حديث ابن مسعود. ١٣٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته(١) ولو كان فرضاً لعلمه إياه. وبأنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويخرج به منها ولهذا لو أتى به في أثنائها لأبطلها، وإذا لم يكن منها علم أنه شرع منافيا لها ](٢) . والمنافي لا يتعين[ هذا غاية ما يحتج له به. والجمهور أجابوا عن هذه الحجج: أما حديث ابن مسعود (٣): فقال الدارقطني(٤) والخطيب(٥) (١) سيأتي تخريجه في مكانه من كتاب الصلاة. (٢) طمس بمقدار كلمتين. وقبل الطمس كلمة غير واضحة لعلها: شيء. ولم يُشر إلى هذا الطمس في المطبوع. (٣) وهو ما أخرجه أبو داود في سننه ٥٩٣/١ في كتاب الصلاة، ١٨٢ -باب التشهد حدثنا عبد الله النفيلي حدثنا زهير حدثنا الحسن بن الحر عن القاسم ابن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة، وفيه: ((إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك)). وأخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٢٢ حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير به، وفيه: «فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك». (٤) في السنن الكبرى ٣٥٣/١، وفي العلل ١٢٧/٥. (٥) في كتابه الفصل للوصل ١/ ١٠٣-١٠٤. ١٣٣ كتاب الطهارة والبيهقي (١) وأكثر الحفاظ الصحيح أن قوله: ((إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك» من كلام ابن مسعود، فصله شبابة عن زهير، وجعله من كلام ابن مسعود. وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روی تشهد ابن مسعود على حذفه(٢). وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته، فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة، ولا تدل؛ لأن المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة؛ فلعله لم يسيء في السلام، بل هذا هو الظاهر، فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام. وأيضاً فلو قدر أنه أساء فيه، لكان غاية ما يدل عليه تركه (٣) التعليم: استصحاب براءة الذمة من الوجوب، فكيف يقدم على الأدلة الناقلة لحكم [٨/ ب] الاستصحاب؟ !! وأيضاً فأنتم لم توجبوا في الصلاة كل ما أمر به المسيء، (١) في السنن الكبرى ١٧٤/٢، وفي المعرفة ٦٥/٢. (٢) حديث تشهد ابن مسعود الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، و کف ابن مسعود بین کفیه. أخرجه: البخاري ٥٨/١١ مع الفتح، في کتاب الاستئذان، ٢٨ -باب الأخذ بالید. ومسلم في صحيحه ٣٠٢/١، في كتاب الصلاة، ١٦- باب التشهد في الصلاة. (٣) في المطبوع: ترك. ١٣٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فكيف تحتجون بترك أمره على عدم الوجوب؟! ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب، فإنه قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فکبر))، ولم توجبوا التکبیر، وقال: (( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً))، وقلتم لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته، وإن كان مسيئاً. وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة، فإنه ينافيها ويخرج منها به. فجوابه: أن السلام من تمامها وهو نهايتها، ونهاية الشيء منه ليس خارجاً عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء بخلاف مفتاحها، فإن إضافته إضافة مغاير بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا یتحلل منها إلا به. وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها فلأنه قطعٌ لها قبل إتمامها، وإتيان نهايتها قبل فراغها؛ فلذلك أبطلها، فالتسليم آخرها وخاتمها؛ كما في حديث أبي حميد ((ويختم صلاته بالتسليم))(١)، فنسبة التسليم إلى آخرها كنسبة تكبيرة الإحرام إلى أولها، فقول: "الله أكبر" أول أجزائها، وقول: "السلام عليكم" آخر أجزائها. ثم لو سُلّم أنه ليس جزءاً منها، فإنه تحليل لها لا يخرج منها إلا به، وذلك لا ينفي وجوبه كتحللات الحج، فكونه تحليلاً لا يمنع الإيجاب. (١) سيأتي تخريجه في موضعه من هذا الكتاب، في كتاب الصلاة، ١١٧ - باب افتتاح الصلاة. ١٣٥ كتاب الطهارة فإن قيل: ولا يقتضيه(١) . قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في السلام تعين الإتيان به، وقد تقدم بيان الحصر من وجهين(٢). فصل: وقد دل هذا الحديث على أن كل ما تحريمه التكبير، وتحليله التسليم؛ فمفتاحه الطهور. فيدخل في هذا الوتر بركعة خلافاً لبعضهم، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))(٣). (١) في المطبوع: يقتضي. وما في المخطوط هو الصواب، والمعنى: فإن قيل: أن السلام تحليل للصلاة، لا يفرج منها إلا به، وذلك لا يقتضي وجوبه. (٢) وذلك في الحكم الأول من الأحكام التي اشتمل عليها الحديث عند بيان الحصر في «مفتاح الصلاة الطهور)). (٣) أخرجه: أبو داود في سننه ٦٥/٢ في كتاب الصلاة، ٣٠٢ - باب في صلاة النهار. والترمذي في جامعه ٢/ ٤٩١ في أبواب الصلاة، ٤١٨- باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. وقال: اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر: فرفعه بعضهم، وأوقفه بعضهم ... والصحيح ما رُوي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا فيه صلاة النهار ... . والنسائي في المجتبى ٢٥١/٣ في كتاب قيام الليل، ٢٦ - باب كيف صلاة = ١٣٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وجوابه: أن كثيراً من الحفاظ طعن في هذه الزيادة ورأوها غير محفوظة، وأيضاً فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فيجب أن یکون مفتاحه الطهور. وأيضاً فالمغرب وتر لا مثنى والطهارة شرط فيها. وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم سمى الوتر صلاة بقوله: ((فإذا خفت الصبح فصل ركعة توتر لك ما قد صليت))(١). وأيضاً فإجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر؛ فهذا القول في غاية الفساد. ويدخل في الحديث أيضاً صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير = الليل، ثم قال: هذا الحديث عندي خطأ، والله تعالى أعلم. وابن ماجه في سننه ٤١٩/١ في کتاب إقامة الصلاة والسنة فیھا، ١٧٢ -باب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. كلهم من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي بن عبد الله البارقي الأزدي عن عبد الله بن عمر مرفوعاً. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١١٥١. (١) متفق عليه: رواه البخاري في صحيحه ٥٥٤/٢ مع الفتح، في كتاب الوتر، ١-باب ما جاء في الوتر. ومسلم في صحيحه ١/ ٥١٦-٥١٧ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٠- باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل -واللفظ له -. كلاهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ١٣٧ كتاب الطهارة وتحليلها التسليم، وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف عنهم فيه خلاف، وقول [٩/أ] الأئمة الأربعة وجمهور الأمة خلافاً لبعض التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها صلاة (١)، وكذلك الصحابة وحملة الشرع كلهم يسمونها صلاة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طرداً وعكساً فكل ما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم؛ فلا بد من افتتاحه بالطهارة. فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت، فإنه يفتتح بالطهارة ولا تحریم فیه ولا تحلیل؟ قيل: شرط النقض أن يكون ثابتاً بنص أو إجماع. (١) ثبت ذلك في عدة أحاديث، منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: («قد تُوفي اليوم رجلٌ صالح من الحبش، فهَلُم فصلوا عليه ... )) الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٢/٣ مع الفتح، في كتاب الجنائز، ٥٤-باب الصفوف على الجنازة -واللفظ له -. ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٥٧ في كتاب الجنائز، ٢٢ - باب التكبير على الجنازة. بل ثبت ذلك في القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلْ عَلَى أَحَدِ مَنْهُمْ مَاتَ أَبدا﴾ [التوبة: ٨٤]. ١٣٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين: أحدهما: أنها شرط، كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد(١). والثاني: ليست بشرط، نص عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، بل نصه في رواية عبد الله تدل على أنها ليست بواجبة، فإنه قال: أحب إلي أن يتوضأً(٢). وهذا مذهب أبي حنيفة(٣). قال شيخ الإسلام وهذا قول أكثر السلف، قال: وهو الصحيح، فإنه لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين بالطهارة لا في عُمَرِهِ، ولا في حجته؛ مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجباً ولا يُبَيّنه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (٤). (١) انظر المذهب المالكية: مواهب الجليل ١/ ١٨١، ولمذهب الشافعية: حلية العلماء ٣/ ٢٨٠، ولرواية الحنابلة: الإنصاف ١٦/٤. (٢) مسائل عبد الله ٢/ ٧٢١: سألت أبي عن الرجل يطوف بالبيت، وهو غير متوضئ. قال: أحب إليّ أن يطوف بالبيت وهو متوضئ؛ لأن الطواف صلاة. والمذهب على الرواية الأخرى. انظر: الإنصاف ١٦/٤. (٣) انظر لمذهب الحنفية: الهداية شرح البداية ١/ ١٦٥، والمبسوط السرخسي ٣٨/٤، وحاشية ابن عابدين ١/ ٢٩٢. (٤) وانظر مجموع الفتاوى ١٩٩/٢٦-٢١٨. ١٣٩ كتاب الطهارة فإن قيل: فقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم متوضئً (١). وقال: ((خذوا عني مناسككم))(٢)؟ قيل: الفعل لا يدل على الوجوب، والأخذ عنه هو أن يفعل کما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب فأوجبناه، لم نكن قد أخذنا عنه وتأسینا به، مع أنه فعل في حجته أشياء كثيرة جداً لم يوجبها أحد من الفقهاء. فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: ((الطواف بالبيت صلاة)(٣)؟ (١) يدل عليه حديث عائشة قالت: أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله علیه وسلم أنه توضأ ثم طاف. أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٥٥٧ مع الفتح، في كتاب الحج، ٦٣ -باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة ... -واللفظ له -. ومسلم في صحيحه ٢/ ٩٠٦-٩٠٧ في كتاب الحج، ٢٩ - باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإحرام وترك التحلل. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٤٣ في كتاب الحج، ٥١- باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً ... ، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا عني مناسککم)». (٣) أخرجه الترمذي في جامعه ٢٩٣/٣ في أبواب الحج، ١١٢ - باب ما جاء في الكلام في الطواف، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: = ١٤٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه: فقال النسائي والدار قطني وغيرهما: الصواب أنه موقوف(١). وعلى تقدير رفعه، فالمراد تشبيهه (٢) بالصلاة، كما يُشبّه(٣) انتظار الصلاة بالصلاة، وكما قال أبو الدرداء: «ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وإن كنت في السوق» (٤). « الطواف حول البيت مثل الصلاة)). وصححه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه ٢٢٢/٤، وصححه الحاكم في المستدرك ٤٥٩/١، ووافقه الذهبي، وانظر الإرواء حديث رقم: ١٢١. (١) انظر: التلخيص الحبير ١٢٩/١ - ١٣٠. وممن رجح وقفه: الحافظ البيهقي في كتابيه السنن الكبرى ٨٧/٥، ومعرفة السنن والآثار ٦٨/٤، والإمام النووي في المجموع ١٨/٨. (٢) في المطبوع: شبيه. (٣) في المطبوع: شبه. (٤) لم أقف عليه مسنداً، وقد ذكره ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٣٢/٣٢ عن أبي الدراداء. وقد ذكره شيخ الإسلام عن ابن مسعود في: اقتضاء الصراط المستقيم ١ / ٩٦، وفي شرح العمدة -كتاب الصلاة- ص: ٢٩، وكذلك هو في مجموع الفتاوى ١٤/ ٢١٥ عن ابن مسعود. ورواه أبو نعيم في الحلية ٢٠٤/٤ عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود نحوه، ورواه أبو نعيم أيضاً في الحلية ٣٦٦/١، في حديث مرفوع بلفظ («فإنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك».