النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الطهارة فالجواب: إن هذا الحديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري(١). وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة المعانون عليها، وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده. خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة أنها كانت تُنکر ذلك. فبيّن أن الحديث لعراك عن عروة ولم يرفعه، ولا يجاوز به عائشة. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك، مع صحة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وشهرتها بخلاف ذلك (٢). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم والدارقطني في سننه ١ / ٦٠ وغيرهم. وانظر في تخريجه سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني برقم ٩٤٧، وقال: "وهذا سند ضعیف وفيه علل كثيرة"، ثم ذكرها. (١) علل الترمذي الكبير ١/ ٩٠ - ٩١. (٢) وممن رجح حديث جعفر بن ربيعة: البخاري وابن أبي حاتم وابن عساكر. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣٥٦/٢. ١٠٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال: سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعتُ عائشة. ؟! فأنكره، وقال: عراك بن مالك [٤/أ] من أين سمع عائشة ؟! ما له ولعائشة ؟! إنما يرويه عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء وليس فيه "سمعت"، وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه "سمعت"(١). فإن قيل: قد روى مسلم في صحيحه حديثاً عن عراك عن عائشة (٢). قيل: الجواب: أن أحمد وغيره خالفه في ذلك وبينوا أنه لم يسمع منها. (١) المراسيل ص: ١٣٤ - ١٣٥. (٢) صحيح مسلم ٢٠٢٧/٤ في كتاب البر والصلة والآداب، ٤٦-باب فضل الإحسان إلى البنات عن عراك عن عائشة أنها قالت: ((جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار)). ١٠٣ كتاب الطهارة وقال في آخر باب التكشف عند الحاجة(١) بعد قول الحافظ زكي الدين: "والذي قاله الترمذي هو المشهور)"(٢). وقال حنبل: ذكرت لأبي عبد الله -يعني أحمد- حديث الأعمش عن أنس، فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، ولكن رآه، زعموا أن غياثاً حدث الأعمش بهذا عن أنس، ذكره الخلال في العلل(٣). وقال الخلال أيضاً: حدثنا مهنا قال: سألت أحمد: لم كرهت (١) سنن أبي داود ٢١/١-٢٢. الباب رقم: ٦. وترجمة الباب فيه: باب كيف التكشف عند الحاجة. عند حديث الأعمش عن رجل عن عبد الله بن عمر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض». قال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش عن أنس بن مالك، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم ١١. (٢) مختصر أبي داود للمنذري ٢٤/١. والذي قاله الترمذي في جامعه ٢١/١-٢٢ بعد أن خرّج حديث الأعمش عن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض». ثم قال عنه وعن حديث ابن عمر: وكلا الحديثين مرسل. فالذي قاله الترمذي أن الحديث مرسل، وهذا هو المشهور. وقد صحح الألباني حديث ابن عمر في السلسلة الصحيحة برقم: ١٠٧١. (٣) العلل للخلال غير مطبوع، وقد طُبع كتاب المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة المقدسي، ولم أجد فيه هذا النقل. ١٠٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمن حدث. قلت: كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرقاشي وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدث عن غياث بن إبراهيم عن أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد))(١). وسألته عن غياث بن إبراهيم، فقال: كان كذوباً (٢). (٣) (١) لم أقف على هذا الحديث. وقد قال ابن عدي في ترجمة غياث من الكامل ٨/٦: " وغياث هذا بيّن الأمر في الضعف، وأحاديثه كلها شبه موضوعة". وقد جاء في معنى هذا الحديث عدة أحاديث، منها حديث المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته فأبعد في المذهب)). أخرجه: الترمذي في جامعه ٣١/١-٣٢ في أبواب الطهارة، ١٦ - باب ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه ١/ ١٢٠، في كتاب الطهارة وسننها، ٢٢ - باب التباعد للبراز في الفضاء. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ١٩. (٢) انظر في ترجمة غياث هذا: التاريخ الكبير ١٠٩/٧، والجرح والتعديل ٥٧/٧، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص: ٨٦، والكامل لابن عدي ٦/ ٨. (٣) ولم أقف على هذا النقل في المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة. وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص: ٧٢، والتمهيد لابن عبد البر ٢٢٨/١٠، وجامع التحصيل للعلائي ص: ١٨٨-١٨٩. ١٠٥ كتاب الطهارة وقال في آخر باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء(١) بعد قول الحافظ زكي الدين: وإنما يكون غريباً كما قال الترمذي. والله عز وجل أعلم (٢). قلت: هذا الحديث رواه همام وهو ثقة، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس. (١) سنن أبي داود ١/ ٢٥، الباب رقم ١٠. عند حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)). قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام. والحديث أخرجه: الترمذي في جامعه ٤/ ٢٠١ في كتاب اللباس، ١٦ -باب ما جاء في لبس الخاتم في الیمنی، وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في سننه ١/ ١١٠ في كتاب الطهارة وسننها، ١١ - باب ذكر الله عز وجل على الخلاء والخاتم في الخلاء. والنسائي في المجتبى ٥٥٩/٨ في كتاب الزينة، ٥٣- نزع الخاتم عند دخول الخلاء. وقال عنه الألباني في ضعيف سنن أبي داود رقم: ٥: "منكر". (٢) مختصر سنن أبي داود ٢٦/١. حيث قال: "وإذا كان حال همام كذلك فیترجح ما قاله الترمذي. وتفرده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريباً، كما قال الترمذي، والله عز وجل أعلم. ١٠٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قال الدارقطني في كتاب العلل: رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم. وخالفهم عمرو بن عاصم فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه كان إذا دخل الخلاء موقوفاً، ولم يتابع عليه. ورواه يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وأبو عاصم، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب(١)، فاضطرب الناس الخواتيم. فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((لا ألبسه أبداً))(٢). (١) لعلها خطأ، والصواب "من ورق" كما سيأتي في الحاشية التالية. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ٣٣١ مع الفتح تعليقاً، عقب الحديث رقم ٥٨٦٨ في كتاب اللباس، ٤٧ باب، من طريق زياد بن سعد به. وأخرجه مسلم في صحيحه ١٦٥٨/٣ في كتاب اللباس، ١٤ - باب طرح الخواتم من طریق أبي عاصم به. وأخرجه أيضاً في نفس الموضع من طريق روح عن ابن جريج به، ولكن فيه ذکر الخاتم أنه من ورق ولیس من ذهب. فقال الحافظ في الفتح ٣٣٢/١٠: "هكذا روى الحديث الزهري عن أنس، = ١٠٧ كتاب الطهارة وهذا هو المحفوظ، والصحيح عن ابن جريج. انتهى كلام الدار قطني (١). [٤/ ب]. وحديث يحيى بن المتوكل الذي أشار إليه رواه البيهقي من حديث يحيى بن المتوكل عن ابن جريج به، ثم قال: هذا شاهد ضعيف(٢). وإنما ضعفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث(٣). وقال ابن معين: ليس بشيء (٤). وضعفه الجماعة كلهم. = واتفق الشيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط؛ لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب اتخاذ الناس مثله إنما هو خاتم الذهب، کما صرح به في حديث ابن عمر ... ". وقال البيهقي في السنن الكبرى ١٤٣/٤: "ويشبه أن يكون ذكر الورق في هذه القصة وهماً سبق إليه لسان الزهري، فحمل عنه على الوهم، فالذي طرحه هو خاتمه من ذهب .... ". (١) مسند أنس من كتاب العلل للدار قطني، لم يُطبع بعد. (٢) السنن الكبرى للبيهقي ١ /٩٥. والحديث رواه البيهقي من طريق الحاكم - وهو في المستدرك ١/ ١٨٧ - ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً نقشه "محمد رسول الله" فكان إذا دخل الخلاء وضعه)). وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. (٣) انظر: بحر الدم لابن عبد الهادي ص٤٦٧. (٤) تاریخ ابن معين رواية الدوري ٤/ ٨٥. ١٠٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وأما حديث يحيى بن الضريس، فيحيى هذا ثقة، فيُنظر الإسناد إليه(١). وهمام وإن كان ثقة صدوقاً احتج به الشيخان في الصحيح، فإن یحیی بن سعید کان لا يحدث عنه ولا یرضی حفظه. قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأياً منه في حجاج يعني ابن أرطاة وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم(٢). وقال يزيد بن زريع -وسئل عن همام -: كتابه صالح، وحفظه لا يساوي شيئاً (٣). وقال عفان: کان همام لا یکاد یرجع إلی کتابه ولا ينظر فيه، وكان يُخالف فلا يرجع إلى كتابه، وكان يكره ذلك. قال: ثم رجع بعد فنظر في كتبه فقال: يا عفان كنا نخطىء كثيراً، فنستغفر الله (٤) عز وجل (٤). (١) قال ابن حجر في التلخيص ١٠٨/١: "وقد رواه مع همام مرفوعاً: يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل، أخرجهما الحاكم والدارقطني". ولم أجد حديث يحيى بن الضريس في مستدرك الحاكم ولا في سنن الدارقطني، والله أعلم. (٢) انظر: العلل رواية عبد الله ٢١٦/٣، وبحر الدم لابن عبد الهادي ص: ٤٤٢. (٣) انظر: صغفاء العقيلي ٣٦٧/٤، والتعديل والتجريح للباجي ١١٧٨/٣، وميزان الاعتدال ٧/ ٩٢. (٤) انظر: ضعفاء العقيلي ٣٦٨/٤، وميزان الاعتدال ٩٢/٧-٩٣. ١٠٩ كتاب الطهارة ولا ريب أنه ثقة صدوق ولكنه قد خولف في هذا الحديث، فلعله مما حدّث به من حفظه فغلط فيه، كما قال أبو داود (١)، والنسائي(٢)، والدارقطني(٣). وكذلك ذکر البيهقي(٤) أن المشهور عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه». وعلى هذا فالحديث شاذ أو منكر، كما قال: أبو داود. وغريب كما قال: الترمذي. فإن قيل: فغاية ما ذکر في تعليله تفرد همام به. وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن هماماً لم ينفرد به كما تقدم. الثاني: أن هماماً ثقة وتفرد الثقة لا يوجب نكارة الحديث. فقد تفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته(٥)، وتفرد مالك بحديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم (١) وقد سبق ذكر نص كلامه عند تخريج حديث الباب. (٢) في السنن الكبرى له ٤٥٦/٥. (٣) وقد سبق أن ذكر ابن القيم نص كلامه، من كتابه العلل. (٤) في السنن الكبرى ١/ ٩٥. (٥) متفق عليه، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً. 1 ١١٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية مكة وعلى رأسه المغفر(١). فهذا غايته أن يكون غريباً كما قال: الترمذي، وأما أن يكون منكراً أو شاذاً فلا. = أخرجه: البخاري في صحيحه ١٢/ ٤٣ مع الفتح، كتاب الفرائض، ٢١-باب إثم من تبرأ من مواليه. ومسلم في صحيحه ٢/ ١١٤٥ في كتاب العتق، ٣ - باب النهي عن بيع الولاء وهبته. قال مسلم: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث. قال الحافظ في الفتح ٤٤/١٢: "وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دینار، فأورده عن خمسة وثلاثین نفساً، ممن حدث به عن عبد الله بن دينار"، ثم ذكر الحافظ ثلاثة أنفس ممن لم يقع لأبي نعيم. (١) متفق عليه. عن مالك بن أنس عن الزهري عن أنس بن مالك مرفوعاً. أخرجه: البخاري في صحيحه ٤/ ٧٠-٧١ مع الفتح، كتاب جزاء الصيد، ١٨ - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. ومسلم في صحيحه ٩٨٩/٢، كتاب الحج، ٨٤-باب جواز دخول مكة بغير إحرام. وقال الحافظ في الفتح ٤/ ٧١-٧٢: "وقيل: إن مالكاً تفرد به عن الزهري، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في علوم الحديث له في الكلام على الشاذ، وتعقبه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي ... وقد تتبعت طرقه ... فوجدته من رواية اثني عشر نفساً غير الأربعة التي ذكرها شيخنا ... فيُحمل قول من قال: انفرد به مالك، أي: بشرط الصحة، وقول من قال: توبع، أي: في الجملة". ١١١ كتاب الطهارة قيل: التفرد نوعان: تفرد لم يخالف فيه من تفرد به کتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين وأشباه ذلك. وتفرد خولف فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن على هذا الإسناد، فإن الناس خالفوه فيه وقالوا: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق)) الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلو لم يرو هذا [٥/أ] عن ابن جريج وتفرد همام بحديثه لكان نظير حديث عبد الله بن دینار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله. وأما متابعة يحيى بن المتوكل فضعيفة، وحديث ابن الضريس ينظر في حاله ومن أخرجه. فإن قيل: هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة كلها قد رويت عنه في قصة الخاتم؛ فروى شعيب بن أبي حمزة وعبد الرحمن ابن خلاد بن مسافر عن الزهري کرواية زياد بن سعد هذه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ورق))(١). (١) رواية شعيب بن أبي حمزة أخرجها: البخاري في صحيحه ٣٣١/١٠ مع الفتح تعليقاً في كتاب اللباس، ٤٧- باب. ووصلها الإسماعيلي كما في الفتح ٣٣٣/١٠. = ١١٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ورواه يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس (( كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق قصه حبشي))(١). ورواه سليمان بن بلال وطلحة بن يحيى ويحيى بن نصر بن حاجب عن يونس عن الزهري وقالوا ((إن النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتما من فضة في يمينه فيه فصّ حبشي جعله في باطن كفه»(٢). = ورواية عبد الرحمن بن خلاد بن مسافر، أخرجها البخاري تعليقاً أيضاً في نفس الموضع، ووصلها الإسماعيلي أيضاً كما في الفتح ٣٣٤/١٠. (١) أخرجه: مسلم في صحيحه ١٦٥٨/٣ في كتاب اللباس والزينة، ١٥ - باب في خاتم الورق قصه حبشي. وأبو داود في سننه ٤/ ٤٢٤ في كتاب الخاتم، ١ - باب ما جاء في اتخاذ الخاتم. والترمذي في جامعه ١٩٩/٤ في كتاب اللباس، ١٤ - باب ما جاء في خاتم الفضة، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والنسائي في المجتبى ٥٧٨/٨ في كتاب الزينة، ٧٨-صفة خاتم النبي صلى الله عليه وسلم. وابن ماجه في سننه ٢/ ١٢٠١ في كتاب اللباس، ٣٩ - باب نقش الخاتم. (٢) أما رواية سليمان بن بلال فأخرجها: مسلم في صحيحه ١٦٥٨/٣ في كتاب اللباس والزينة، ١٥- باب في خاتم الورق قصه حبشي، وابن ماجه في سننه ١٢٠٢/٢ في كتاب اللباس، ٤١-باب من جعل فص خاتمه مما يلي كفه. وأما رواية طلحة بن يحيى فأخرجها: مسلم في صحيحه ١٦٥٨/٣ في کتاب = ١١٣ كتاب الطهارة ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا(١). ورواه همام عن ابن جريج عن الزهري كما ذكره الترمذي وصححه(٢). وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري، فالظاهر أنه حدث بها في أوقات، فما الموجب لتغليط همام وحده؟ قيل: هذه الروايات كلها تدل على غلط همام، فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. = اللباس والزينة، ١٥ - باب في خاتم الورق قصه حبشي. وأما رواية نصر بن حاجب فأخرجها: أبو عوانة في مسنده ٢٥٨/٥. (١) أخرجها البخاري في صحيحه ٣٣١/١٠ مع الفتح تعليقاً، في كتاب اللباس، ٤٧ -باب. ومسلم في صحيحه ٣/ ١٦٥٧-١٦٥٨ في كتاب اللباس والزينة، ١٤ - باب في طرح الخواتم ولفظه: عن أنس («أنه أبصر في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق يوماً واحداً، قال: فصنع الناس الخواتم من ورق فلبسوه، فطرح النبي صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتمهم)). وأبو داود في سننه ٤٢٦/٤ في كتاب الخاتم، ٢- باب ما جاء في ترك الخاتم. والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٨١ في كتاب الزينة، ٨١- طرح الخاتم وترك لبسه. (٢) وقد سبق في بداية هذا الباب. ١١٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لماً لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها، فلو لم يكن مخالفاً لرواية من ذكر فما وجه غرابته؟! ولعل الترمذي موافق للجماعة؛ فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة، واستغربه لهذه العلة، وهي التي منعت أبا داود من تصحیح متنه. فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه معلول، والله أعلم. ١١٥ كتاب الطهارة وقال في باب فرض الوضوء(١) قوله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) (٢). اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور والمفتاح ما يفتتح به الشيء المغلق فيكون فاتحاً له، ومنه: ((مفتاح الجنة لا إله إلا الله))(٣). (١) سنن أبي داود ٤٩/١-٥٠، الباب رقم: ٣١. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٤/١. (٢) هو حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. وأخرجه الترمذي في جامعه ٩/١ في أبواب الطهارة، ٣-باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب. وابن ماجه في سننه ١/ ١٠١ في كتاب الطهارة وسننها، ٣-باب مفتاح الصلاة الطهور. كلهم من طريق سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب به. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٥٥. (٣) رواه الإمام أحمد في مسنده ٢٣٢/٥، والبزار في مسنده البحر الزخار ١٠٤/٧، وابن عدي في الكامل ٣٨/٤-٣٩. كلهم من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسین عن شهر بن حوشب عن معاذ به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٦: رواه أحمد والبزار وفيه انقطاع بين شهر = ١١٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقوله: ((مفتاح الصلاة الطهور)) يفيد الحصر وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين: أحدهما: حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين؛ فإن الخبر لا بد وأن يكون مساوياً [٥/ ب] للمبتدأ أو أعم منه، ولا يجوز أن يكون أخص منه، فإذا كان المبتدأ مُعرّفاً بما يقتضي عمومه كاللام وكل ونحوهما، ثم أخبر عنه بخبر، اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخباراً عن جميع أفراد المبتدأ، فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبر حاصل له. وإذا عرف هذا لزم الحصر، وأنه لا فرد من أفراد ما يفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور، فهذا أحد الطريقين. والثاني: أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة والإضافة تعم، فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور، وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتتح به لم يكن لها مفتاح غيره. ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾(١) أنه على الحصر أي: مجموع ومعاذ. وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذا منها. وذكر ابن إسحاق في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل العلاء بن الحضرمي قال له: ((إذا سئلت عن مفتاح الجنة، فقل: مفاتحها لا إله إلا الله)). فتح الباري ١٣٢/٣. (١) سورة الطلاق الآية: ٤. ١١٧ كتاب الطهارة أجلهن الذي لا أجل لهن سواه؛ وضع الحمل. وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم مقررة له(١)، بخلاف قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَصْنَ﴾(٢) فإنه فعل لا عموم له؛ بل هو مطلق. وإذا عُرف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور. وهذا أدل على الاشتراط من قوله: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))(٣) من وجهين: (١) من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه ٧/ ٣٦٠ مع الفتح، في كتاب المغازي، ١٠ - باب. ومسلم في صحيحه ٢/ ١١٢٢ في كتاب الطلاق، ٨- باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ... . ((أن سبيعة بنت الحارث كانت تحت سعد بن خولة -وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدراً- فتوفيّ عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفيه: وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي». (٢) سورة البقرة الآية: ٢٢٨. (٣) أخرجه: البخاري في صحيحه ١٢/ ٣٤٥ مع الفتح، في كتاب الحيل، ٢- باب في الصلاة، واللفظ له، ومسلم في صحيحه ١/ ٢٠٥ في كتاب الطهارة، ٢- باب وجوب الطهارة للصلاة، كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعاً. ١١٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أحدهما: أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه، وقد يكون لمقارنة محرّم يمنع من القبول، كالإباق، وتصديق العرّاف، وشرب الخمر، وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة، ونحوه. الثاني: أن عدم الافتتاح بالمفتاح، يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها وأنه مصدود عنها؛ كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح. وأما عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها، وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه، وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبته(١) ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها، بخلاف من لم يفتتحها أصلاً بمفتاحها فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها، وهذا واضح. فإن قيل: فهل في الحديث حجة لمن قال: إن عادم الطهورين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صلاته غير مفتتحة بمفتاحها فلا تقبل منه؟ قيل: قد استدل به من يرى ذلك، ولا حجة فيه. ولا بد من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث، وهي: إن (١) في المطبوع: عقوبة، وهو خطأ. ١١٩ كتاب الطهارة ما أوجبه الله ورسوله أو جعله شرطاً للعبادة أو ركناً فيها أو وقف صحتها عليه، هو مقيد بحال القدرة؛ لأنها الحال التي يؤمر فيها به. وأما في حال العجز [٦/أ] فغير مقدور ولا مأمور، فلا تتوقف صحة العبادة علیه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة وسقوط ذلك بالعجز. وكاشتراط ستر العورة واستقبال القبلة عند القدرة، ويسقط بالعجز. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار))(١) ولو تعذر عليها الخمار صلت بدونه، وصحت صلاتها. وكذلك قوله: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى (١) أخرجه: أبو داود في سننه ١/ ٤٢١ في كتاب الصلاة، ٨٥ - باب المرأة تصلي بغیر خمار -واللفظ له ولابن ماجه -. والترمذي في جامعه ٢١٥/٢ في أبواب الصلاة، ٢٧٧ - باب ما جاء ((لا تُقبل صلاة المرأة إلا بخمار))، وقال: حديث حسن. وابن ماجه في سننه ٢١٥/١ في كتاب الطهارة وسننها، ١٣٢ - باب إذا حاضت الجارية لم تصلّ إلا بخمار. كلهم من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن ابن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة مرفوعاً، وصححه الألباني في الإرواء برقم ١٩٦. ١٢٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية يتوضأ))(١)، فإنه لو تعذر عليه الوضوء، صلى بدونه وكانت صلاته مقبولة. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود»(٢)، فإنه لو كسر صلبه وتعذر عليه إقامته؛ أجزاته صلاته. ونظائره كثيرة. فيكون الطهور مفتاحاً للصلاة(٣) هو من هذا. لكن هنا نظر آخر، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره؛ فإنه يسقط وجوبه، فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه في (١) أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدم. (٢) أخرجه: أبو داود في سننه ١/ ٥٣٣-٥٣٤ في كتاب الصلاة، ١٤٨ - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود. والترمذي في جامعه ٢/ ٥١ في كتاب أبواب الصلاة، ١٩٦ - باب ما جاء فيمن لا یقیم صلبه في الركوع والسجود. والنسائي في المجتبى ٥٢٥/٢-٥٢٦ في كتاب الافتتاح، ٨٨- إقامة الصلب في الركوع. وابن ماجه في سننه ١/ ٢٨٢ في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. واللفظ لجميعهم إلا أبا داود. كلهم عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود الأنصاري البدري مرفوعاً. وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم: ٢١٧. (٣) في المطبوع: مفتاح الصلاة.