النص المفهرس

صفحات 1821-1840

(٢) كتاب الصلاة
(٦٣) باب
(٥٩١) حديث
وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلاَةَ دِبَارًا، وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ،
قال الشوكاني في ((النيل))(١): وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضاً،
فينتهض للاستدلال بها على تحريم أن يكون الرجل إماماً لقوم يكرهونه، ويدل
على التحريم نفي قبول الصلاة وأنها لا تجاوز آذان المصلين ولعن الفاعل
لذلك، وذهب إلى التحريم قوم، وإلى الكراهة آخرون، وقد روى العراقي ذلك
عن علي بن أبي طالب والأسود بن هلال وعبد الله بن الحارث البصري، وقد
قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية بسبب شرعي.
فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه أيضاً بأن يكون الكارهون
أكثر المأمومين ولا اعتبار بكراهة الواحد والاثنين والثلاثة إذا كان المؤتمون
جمعاً كثيراً لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، وحمل الشافعي الحديث على إمام غير
الوالي، لأن الغالب كراهة ولاة الأمر، وظاهر الحديث عدم الفرق، والاعتبار
بكراهة أهل الدين دون غيرهم، حتى قال الغزالي في «الإحياء)»: لو كان الأقل
من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم، انتهى.
وعند الحنفية الكراهية تحريمية، قال في ((الدر المختار))(٢): ولو أمّ قوماً
وهم له كارهون، إن الكرهة لفساد فيه أو لأنهم أحق بالإمامة منه، ◌ُرِه له ذلك
تحريماً لحديث أبي داود: ((لا يقبل الله صلاة من تقدم قوماً وهم له كارهون))،
وإن هو أحق لا، والكراهة عليهم، انتهى.
(ورجل أتى) أي وثانيهم رجل حضر (الصلاة دباراً، والدبار أن يأتيها)
أي الصلاة (بعد أن تفوته)(٣) أي بعد ما يفوت وقته، وقيل: جمع دبر، وهو آخر
أوقات الشيء كإدبار السجود، وفلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي ما أوله من
آخره، فالمراد بالفوت فوتها جماعة أو أداء، قال ابن الملك: هذا إذا اتخذه عادة.
(١) ((نيل الأوطار)) (٢١١/٣).
(٢) (٣٥٤/٢).
(٣) وفي ((سنن ابن ماجه)): ((بعد ما يفوته الوقت))، ((ابن رسلان)). (ش).
٤٧٥

(٢) كتاب الصلاة
(٦٤) باب
(٥٩٢) حديث
وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةُ))(١). [جه ٩٧٠، ق ١٢٨/٣]
(٦٤) بَابُ إِمَامَةِ البَرِّ وَالْفَاجِرِ
٥٩٢ - حَذَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صَالِح، عنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِّ، عن مَكْحُولٍ،
عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ
(ورجل اعتبد) أي وثالثهم رجل اتخذ عبداً (محررة) (٢) أي نفساً محررة،
قال الطيبي(٣): يقال: اعتبدته إذا اتخذته عبداً وهو حر، وذلك بأن يأخذ حراً
فيدعيه عبداً ويتملكه، أو يعتق عبده ثم يستخدمه كرهاً، أو يكتم عتقه استدامة
لخدمته ومنافعه .
(٦٤) (بَابُ إِمامَةِ البَرِّ والفّاجِرِ)
أي: في جوازه
وهذا الباب مع حديثه مذكور في المتن في النسخة المصرية، وأما في
النسخ الهندية فمكتوب على الحاشية، وذكرها في المتن صاحب ((عون
المعبود»، وقد أخرج أبو داود هذا الحديث في ((باب الغزو مع أئمة الجور))
مطولاً ومفصلاً، فالظاهر أن ذكر هذا الحديث ها هنا تكرار محض.
٥٩٢ - (حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب) أي عبد الله،
(حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول (٤)، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله ﴾: الصلاة المكتوبة واجبة) عليكم أي بالجماعة (خلف
(١) وفي نسخة: ((محرره)).
(٢) وفي (ابن رسلان)): محرره أي معتقه الذي أعتقه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد امرأة
محررة، ولذكرها خصوصيات ظاهرة. (ش).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (٨٥/٣).
(٤) ذكر ابن رسلان فيه الاضطراب. (ش).
٤٧٦

(٢) كتاب الصلاة
(٦٤) باب
(٥٩٢) حديث
كُلِّ مُسْلِمٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ)). [ق ١٣١/٣، قط ٥٦/٢]
كل مسلم، براً كان أو فاجراً(١)، وإن عمل الكبائر).
قال القاري(٢): قال ابن الملك: أي جاز اقتداؤكم خلفه لورود الوجوب
بمعنى الجواز لاشتراكهما في جانب الإتيان بهما، وهذا يدل على جواز الصلاة
خلف الفاسق، وكذا المبتدع إذا لم يكن ما يقوله كفراً، والحديث حجة(٣) على
الإمام مالك في عدم إجازته إمامة الفاسق.
قلت: في أمره بالصلاة خلف الفاجر مع أن الصلاة خلف الفاسق والفاجر
مكروهة عندنا دليل على وجوب الجماعة، فتأمل.
رواه الدارقطني بمعناه وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة، فالحديث منقطع
لا يصلح حجة على الإمام مالك، لكن قال ابن الهمام: أعله الدارقطني بأن
مكحولاً لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات، وحاصله أنه من مسمَّى
الإرسال عند الفقهاء، وهو مقبول عندنا .
وقد روي هذا المعنى من عدة طرق كلها ضعيفة من قبل بعض الرواة،
وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين، وهو الصواب.
وقال ابن حجر: ويوافقه خبر الدارقطني: (اقتدوا بكل بر وفاجر))، وهو إن
كان مرسلاً لكنه اعتضد بفعل السلف، فإنهم كانوا يصلون وراء أئمة الجور،
وروى الشيخان أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج، وكذا كان أنس يصلي
خلفه أيضاً، انتهى ملخصاً(٤).
1
(١) وقد صلَّى ابن عمر خلف الحجاج، وكفى به فسقاً، ((ابن رسلان))، وجمع ابن قتيبة بينه
وبين قوله يلي: ((ليؤمكم خياركم)) [انظر: ((تأويل مختلف الحديث)) ص ١٠٥]. (ش).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٦/٣).
(٣) قال الشعراني: قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه بجوازه مع الكراهة،
وقال مالك وهو أشهر قولي أحمد: لا يجوز إن كان بلا تأويل، ويعيد في الوقت إن
كان بتأويل، وبسطه في ((الدسوقي)) (٣٢٦/١). (ش).
(٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (٨٦/٣).
٤٧٧

(٢) كتاب الصلاة
(٦٥) باب
(٥٩٣) حديث
(٦٥) بَابُ إِمَامَةِ الأَعْمَى
٥٩٣ - حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ،
ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٌّ، ثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ ((أَنَّ النَّبِيِّ بَهُ
اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى)). [ق ٨٨/٣]
(٦٥) (بَابُ إمَامَةِ الأَعْمَى)
٥٩٣ - (حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري أبو عبد الله، ثنا ابن مهدي)
أي عبد الرحمن، (ثنا عمران القطان) هو ابن داور بفتح الواو بعدها راء،
أبو العوام البصري، كان من أخص الناس بقتادة، قال البخاري: صدوق يهم،
وقال الدار قطني: كان كثير المخالفة والوهم، وقال العقيلي من طريق ابن معين:
كان يرى رأي الخوارج ولم يكن داعية، وقال النسائي: ضعيف، وعن
ابن معين: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الساجي:
صدوق، وثَّقه عفان، وقال العجلي: بصري ثقة.
(عن قتادة) بن دعامة، (عن أنس) بن مالك (أن النبي ﴿﴿ استخلف)
أي أقام مقام نفسه حين خرج إلى الغزو (ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو
أعمى)(١)، وهذا الحديث يدل على جواز إمامة الأعمى.
قال القاري(٢): قال ابن الملك: كراهة إمامة الأعمى إنما هي إذا كان في
القوم سليم أعلم منه، أو مساو له علماً، وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة
الأعمى، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه أولى من البصير أو عكسه.
قال التوربشتي: استخلفه على الإمامة حين خرج إلى تبوك مع أن علياً
- رضي الله عنه - فيها لئلا يشغله شاغل عن القيام بحفظ من يستحفظه من الأهل
حذراً أن ينالهم عدو بمكروه.
(١) استدل به من قال: إن إمامة الأعمى أفضل، كما قال أبو إسحاق المروزي وغيره،
وظاهر كلام الشافعي أنهما سواء. (ش).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٤/٣).
٤٧٨

(٢) كتاب الصلاة
(٦٦) باب
(٥٩٤) حديث
(٦٦) بَابُ إِمَامَةِ الزَّائِرِ
٥٩٤ - حَذَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبَانُ، عن بُدَيْلِ، حَدَّثَنِي
أَبُو عَطِيَّةَ مَوْلِىٌ مِنَّا قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ حُوَيْرِثٍ يَأْتِنَا إِلَى مُصَلَأَنَا هَذَا،
فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلُّهْ، فَقَالَ لَنَا: قَدِّمُوا(١) رَجُلاً مِنْكُمْ
يُصَلِّي بِكُمْ،
وقال ابن حجر: يمكن أن يوجه بأنه لو استخلفه في ذلك أيضاً لوجد
الطاعن في خلافة الصديق سبيلاً، وروي أنه استخلفه مرتين أي استخلافاً عاماً،
وقيل: استخلفه على الإمامة في المدينة، وقيل: في ثلاث عشرة غزوة، ولعل
هذا كله جبر لما وقع له في سورة عبس وتولى.
(٦٦) (بَابُ إِمَامَةِ الزَّائِرِ)
٥٩٤ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان) بن يزيد العطار، (عن بديل)
مصغراً، ابن ميسرة العقيلي بضم العين، البصري، وثّقه ابن سعد وابن معين
والنسائي والعجلي، مات سنة ١٣٠هـ، (حدثني أبو عطية(٢) مولى منا) أي مولى
بني عقيل(٣)، قال أبو حاتم: لا يعرف ولا يسمَّى، وقال ابن المديني:
لا يعرفونه، وقال أبو الحسن القطان: مجهول، وصحح ابن خزيمة حديثه،
وقال في ((التقريب)»: مقبول.
(قال) أبو عطية: (كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا هذا)
أي مسجدنا هذا في البصرة (فأقيمت الصلاة، فقلنا له) أي تعظيماً له (تقدم)
أي للإمامة (فصله) الهاء للسكتة.
(فقال) أي مالك بن الحويرث (لنا: قدموا رجلاً منكم يصلي بكم)
(١) وزاد في نسخة: ((لنا)).
(٢) قال ابن رسلان: ليس له غير هذا الحديث. (ش).
(٣) ولذا قال: مولى منا، فإن بديلاً عقيلي. (ش).
٤٧٩

(٢) كتاب الصلاة
(٦٧) باب
(٥٩٤) حدیث
وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
((مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَوْمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ)). [ت ٣٥٦، ن ٧٨٧،
حم ٤٣٦/٣، خزيمة ١٥٢٠، ق ١٢٦/٣]
(٦٧) بَابُ الإِمَامِ يَقُومُ مَكَانًا(١) أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِ الْقَوْمِ
أي يؤمكم في الصلاة (وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم) مع أني أحق بالإمامة
منكم، وذلك لأنه صحابي عالم، (سمعت رسول الله* يقول: من زار قوماً
فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم) فإنه أحق من الضيف، وكأنه امتنع من الإمامة
مع وجود الإذن منهم عملاً بظاهر الحديث، ثم إن حدثهم بعد الصلاة فالسين
للاستقبال وإلّا فلمجرد التأكید.
قال الترمذي بعد تخريج الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم
من أصحاب النبي ( 8* وغيرهم(٢) قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من
الزائر، وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به.
وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد
بصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل، قال: وكذلك في المسجد،
لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم بقوله {َّهر: ((وليؤمهم رجل منهم))، انتهى.
(٦٧) (بَابُ الإمام يقُومُ مَكَاناً أَرْفَعَ مِنْ مَكّانِ الْقَوْمِ)
هل يجوز ذلك أو يكره(٣)؟
(١) وزاد في نسخة: ((بمكان)).
(٢) قال ابن رسلان: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الدار أولى من الزائر، وقال
ابن بطال: لم أجد فيه خلافاً، وخالفه حديث عتبان عند البخاري: ((أين تحب أن
أصلي في بيتك))، الحديث، وجمع بينهما أن الأول مطلق، والثاني على الإذن،
وضعف العيني حديث الباب. [انظر: ((عمدة القاري)) (٤٢٢/٣)]. (ش).
(٣) قال الشعراني: لا خلاف بينهم في أنه يكره بلا حاجة، وبه قال الموفق إلَّا أنه حكى
عن الشافعي الجواز للتعليم، واستدل بحديثي الباب على الكراهة. (ش).
٤٨٠

(٢) كتاب الصلاة
(٦٧) باب
(٥٩٥) حدیث
٥٩٥ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ(١) وَأَحْمَدُ بْنُ الْفَرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ
الرَّازِيُّ الْمَعْنَى قَالَا: ثَنَا يَعْلَى، ثَنَا الأَعْمَشُ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن هَمَّامٍ
((أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانِ،
٥٩٥ - (حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي) هو
أحمد بن فرات بن خالد الضبي، نزيل أصبهان، وثّقه الخليلي والحاكم، وقال
أحمد: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله و 18 من أبي مسعود، وقال
ابن معين: ما رأيت أسود الرأس أحفظ منه، غير أن ابن عدي ذكر في ((الكامل))
أن ابن عقبة روى عن ابن خراش أنه كذب ابن الفرات، قال ابن عدي: وهذا
تحامل، ولا أعلم لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ،
وقال أبو عبد الله بن منده في ((تاريخه)): أخطأ أبو مسعود في أحاديث ولم يرجع
عنها، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات سنة ٢٥٨ هـ.
(المعنى قالا: ثنا يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الإيادي، ويقال: الحنفي
الكوفي، أبو يوسف الطنافسي، مولى إياد، ثقة، وقال ابن معين: ضعيف في
سفيان، ثقة في غيره، (ثنا الأعمش، عن إبراهيم) النخعي، (عن همام) بن
الحارث (أن حليفة) بن اليمان صحابي (أمَّ الناس) أي صلَّى بالناس إماماً
(بالمدائن) هي بلدة قديمة مبنية على الدجلة، وكانت دار مملكة الأكاسرة على
سبعة فراسخ من بغداد (على دكان) .
قال في ((لسان العرب)): ودَّنَه: نَضَّدَ بعضَه على بعض، ومنه الدكان
مشتق من ذلك، قال الجوهري: الدكان واحد الدكاكين، وهي الحوانيت،
فارسي معرب، والنون مختلف فيها، فمنهم(٢) من يجعلها أصلاً، ومنهم من
يجعلها زائدة، انتهى، فالدكان هي الدكة(٣) المبنية للجلوس عليها.
(١) زاد في نسخة: ((الواسطي)).
(٢) واختاره الأخفش. (ش).
(٣) وهي المحل المرتفع، ((ابن رسلان)). (ش).
٤٨١

(٢) كتاب الصلاة
(٦٧) باب
(٥٩٦) حديث
فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ
تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَونَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَدْ ذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي)).
[ق ١٠٨/٣، حب ٢١٤٣، ك ٢١٠/١، خزيمة ١٥٢٣]
٥٩٦ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَجَّاجْ، عن ابْنِ جُرَيْج،
أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ
مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى
دُكَانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ،
(فأخذ أبو مسعود بقميصه) أي حذيفة (فجبذه) أي جرَّ أبو مسعود حذيفة
عن الدكان (فلما فرغ) أي حذيفة (من صلاته قال) أي أبو مسعود: (ألم تعلم
أنهم) أي الصحابة (كانوا ينهون عن ذلك؟) أي عن القيام على المكان المرتفع
(قال) أي حذيفة: (بلى) أعلم ذلك، ولكن نسيت حين قمت على الدكان،
ثم (قد ذكرت) النهي (حين مددتني) أي جذبتني فاتبعتك.
٥٩٦ - (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد الدورقي الذكري
البغدادي، نسبة إلى بني نكر، والدورق من أعمال الأهواز، وهي معروفة،
ويقال: بل هو منسوب إلى صنعة القلانس لا إلى البلد، ثقة صدوق.
(ثنا حجاج) بن محمد المصيصي، (عن ابن جريج) عبد الملك بن
عبد العزيز، (أخبرني أبو خالد) قال في ((تهذيب التهذيب)): أبو خالد عن عدي
ابن ثابت، وعنه ابن جريج، قلت: يحتمل أن يكون هو الدالاني أو الواسطي،
وقال الذهبي: لا يعرف.
(عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل) قال في («الخلاصة)):
هو همام بن الحارث (أنه) أي ذلك الرجل (كان مع عمار بن ياسر) صحابي
مشهور (بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار) أي أُمَّ الناسِ (وقام على دكان)
أي على مكان مرتفع وحده (يصلي) أي بالناس (والناس) أي المقتدون به (أسفل
منه) أي في مكان أسفل منه.
٤٨٢

(٢) كتاب الصلاة
(٦٧) باب
". (٥٩٦) حديث
فَتَقَّدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ
عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَمَّ
الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ)) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ قَالَ
عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ. [انظر تخريج الحديث السابق]
(فتقدم حذيفة فأخذ) أي حذيفة (على يديه) أي يدي عمار فجذبه،
(فاتبعه) أي حذيفة (عمار حتى أنزله) أي عماراً (حذيفة، فلما فرغ عمار من
صلاته قال له) أي لعمار (حذيفة: ألم تسمع رسول الله 8* يقول: إذا أمَّ
الرجل القوم) أي صار إماماً لهم يصلي بهم (فلا يقم(١) في مكان أرفع من
مقامهم أو نحو ذلك؟) شك من الراوي، أي قال هذا اللفظ أو نحوه (قال
عمار) في جواب حذيفة: (لذلك) أي لأجل هذا الحديث (اتَّبَعْتُك حين
أَخَذْتَ علَى بَدَيَّ).
قال في ((البدائع))(٢): ويكره أن يكون الإمام على دكان، والقوم أسفل
منه، والجملة فيه أنه لا يخلو إما إن كان الإمام على الدكان والقوم أسفل منه،
أو كان القوم على الدكان والإمام أسفل منه، ولا يخلو إما أن يكون الإمام
وحده أو كان بعض القوم معه، وكل ذلك لا يخلو إما إن كان في حالة الاختيار
أو في حالة العذر، أما في حالة الاختيار فإن كان الإمام وحده على الدكان
والقوم أسفل منه يكره، سواء كان المكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك
في ظاهر الرواية.
وروى الطحاوي أنه لا يكره ما لم يجاوز القامة، لأن في الأرض هبوطاً
وصعوداً، وقليل الارتفاع عفو، فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة، وروي
عن أبي يوسف: أنه إذا كان دون القامة لا يكره.
(١) هذا إذ لا يكون فيه ضرورة بخلاف حديث ((الصحيحين)) أنه صلَّى الله تعالى عليه وآله
وسلَّم أَمَّهم على المنبر، فإنه كان المقصود فيه التعليم، قاله ابن رسلان، قلت:
أو يقال: إن المنبر لم يكن مقدار الذراع. (ش).
(٢) (البدائع الصنائع)) (٥٠٨/١).
٤٨٣
-

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٧) حدیث
(٦٨) بَابُ إِمَامَةٍ مَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ
٥٩٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
عن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَم، عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
((أَنَّ مَعَاذَ بْنَ جَبَلِ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَرِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ
فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ)). [حم ٣٠٢/٣، خزيمة ١٦٣٣، حب ٢٤٠٤]
والصحيح جواب ظاهر الرواية لما روي ((أن حذيفة بن اليمان قام
بالمدائن ليصلي بالناس على دكان))، الحديث، ولا شك أن المكان الذي يمكن
الجذب عنه ما دون القامة، وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف وهو ما دون
القامة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): وانفراد الإمام على الدكان للنهي، وقدر الارتفاع
بذراع، ولا بأس بما دونه، وقيل: ما يقع به الامتياز وهو الأوجه، ذكره
الكمال وغيره.
(٦٨) (بَابُ(٢) إِمَامَة مَنْ صَلَّى بِقَومٍ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلاة)
أي: يجوز ذلك أو لا؟
٥٩٧ - (حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثنا يحيى بن سعيد) القطان،
(عن محمد بن عجلان، ثنا عبيد الله بن مقسم) القرشي، مولى ابن أبي نمر،
المدني، ثقة مشهور، (عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع
رسول الله # العشاء) أي صلاة العشاء، كذا في معظم روايات البخاري، وفي
رواية: المغرب، فيجمع بتعدد القصة، أو بأن المراد من المغرب العشاء
مجازاً، وإلّا فما في ((الصحيح)) أصح وأرجح، (ثم يأتي قومه(٣) فيصلي بهم
تلك الصلاة) أي يؤمهم في تلك الصلاة.
(١) (٥٠٠/٢).
(٢) بسط عليه الكلام صاحب ((فيض الباري)) أشد البسط (٢٢٣/٢ - ٢٣١). (ش).
(٣) أي في بني سلمة كما عند البخاري، قاله ابن رسلان. (ش).
٤٨٤

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حديث
٥٩٨ - خَذَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرِو بْنِ دِينارٍ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مَعَاذَا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ثُمَّ يَرْجِعُ
فَيَؤْمُ قَوْمَهُ)). [خ ٧٠٠، م ٤٦٥، حم ٣٦٩/٣]
٥٩٨ - (حدثنا مسدد، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار) المكي، أبو محمد
الأثرم، الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة ١٢٦ هـ، (سمع جابر بن عبد الله
يقول: إن معاذاً (١) كان يصلي مع النبي (18) أي العشاء (ثم يرجع فيوم قومه)
أي في تلك الصلاة.
قال العيني (٢): استدل الشافعي بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض
بالمتنفل بناء على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، وبه قال
أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاوس وسليمان بن حرب
وداود، وقال أصحابنا: لا يصلي المفترض خلف المتنفل(٣)، وبه قال مالك في
رواية، وأحمد في رواية أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة اختار هذه الرواية أكثر
أصحابنا، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي
وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاوس.
(١) قال ابن العربي (٦٥/٣): لا خلاف في صحة هذا الحديث، واختلفوا في توجيهه على
خمسة أقوال: الأول: المفترض خلف المتنفل، وبه قال الشافعي، وأباه مالك
وأبو حنيفة، وليس في حديثه بيان النية، وقال جابر: هي له تطوع ولهم فريضة، إخبار
بالمغيب، الثاني: من المحتمل أن يصلي معاذ معه - عليه الصلاة والسلام - صلاة
النهار، ومعهم صلاة الليل إذا كانوا أصحاب أعمال لا يأتون الصلاة في النهار، فأخبر
الراوي حال معاذ في الوقتين، الثالث: حكاية حال لا يعلم كيفيتها فلا عمل عليها،
الرابع: يعارضه ((إنما جعل الإِمام ليؤتم به))، ولا يحل مخالفته في الركوع والسجود،
فكيف يحل مخالفة النية ... إلخ؟، الخامس: يعارض قوله عليه الصلاة والسلام:
((الإِمام ضامن ... إلخ))، السادس: يعارض قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا تصلوا
صلاة في يوم مرتين)» تقدم قريباً. (ش).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٣٣/٤).
(٣) قال الشعراني: قول أبي حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، كما
لا يجوز أداء فرض خلف من يصلي فرضاً آخر، وقال الشافعي: يجوز. (ش).
٤٨٥

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حدیث
٠
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح))(١): وأما احتجاج أصحابنا لذلك
بقوله : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة)) فليس بجيد، لأن حاصله
النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل، ولو
تعينت نية الفرض لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه، لأنها حينئذ ليست
فرضاً له.
وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف
أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع
ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبي ولو لم يمتنع أن
يحصل له الفضل بالاتباع.
وكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: ((كان يصلي مع النبي تَل 9م
العشاء)» حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع، لأن لمخالفه أن
يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل.
وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن
يصليه متطوعاً، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ فهذا إن كان كما
قال نقض قوي.
وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة، وهو ما رواه عبد الرزاق
والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق ابن جريج، عن عمرو بن
دينار عن جابر في حديث الباب زاد: ((وهي له تطوع ولهم فريضة))، وهو حديث
صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق
بسماعه فيه، فانتفى تهمة تدليسه، فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح مردود.
واعترض عليه الطحاوي(٢) بأن ابن عيينة قد روى هذا الحديث عن عمرو
(١) ((فتح الباري)) (١٩٦/٢).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (٤٠٩/١).
٤٨٦

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب.
(٥٩٨) حديث
ابن دينار، كما رواه ابن جريج، وجاء به تاماً، وساقه أحسن من سياق ابن جريج
غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: ((هي له تطوع ولهم فريضة))،
فيجوز أن يكون ذلك من قول ابن جريج(١)، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن
دينار، ويجوز أن يكون من قول جابر.
فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه
كذلك أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولاً على أنه عندهم
كذلك، وقد يجوز أن یکون في الحقيقة بخلاف ذلك . .
ولو ثبت ذلك أيضاً عن معاذ، لم يكن في ذلك أنه كان بأمر رسول الله وَّه،
ولا أن رسول الله ﴿ لو أخبره به لأقره عليه أو غَيِّره.
وقد روينا عن رسول الله* ما يدل على خلاف ذلك، حدثنا فهد قال:
ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ح، وثنا علي بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن
مسلمة بن قعنب قالا: ثنا سليمان بن بلال، ثنا عمرو بن يحيى المازني،
عن معاذ بن رفاعة الزرقي أن رجلاً من بني سلمة يقال له: سليم أتى
رسول الله *، فقال: إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فنصلي فيأتي
معاذ بن جبل، فينادي بالصلاة، فنأتيه فيطول علينا، فقال له النبي وَلاغير: ((يا معاذ
لا تكن فتاناً، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك)).
فقول رسول الله ولو هذا لمعاذ يدل على أنه عند رسول الله صل* كان
يفعل أحد الأمرين: إما الصلاة معه أو بقومه، وأنّه لم يكن يجمعهما،
لأنه قال: ((إما أن تصلي معي)) [أي] ولا تصل بقومك، ((وإما أن تخفف بقومك))
[أي] ولا تصل معي .
فلما لم يكن في الآثار الأول من قول رسول الله مطار شيء، وكان في هذا
(١) وجزم في ((فيض الباري)) (٢٢٦/٢) بأنه مدرج عن ابن جريج، وفي ((العرف الشذي))
(١/ ٢٥٧) أنها ليست في رواية الشافعي أيضاً. (ش).
٤٨٧

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حديث
الأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأثر أنه لم يكن من رسول الله# في ذلك لمعاذ
شيء متقدم، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضاً منه شيء متأخر، فيجب به
الحجة علينا .
ولو كان في ذلك من رسول الله ## أمر، كما قال أهل المقالة الأولى،
لاحتمل أن يكون ذلك كان من رسول الله * في وقت ما كانت الفريضة تصلى
مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإسلام حتى نهى عنه رسول الله وَل خلقه،
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف.
ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي
فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين
إلَّا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، انتهى ملخصاً.
قلت: وحاصل كلام الطحاوي منوع على الاستدلال بهذا الحديث
وبالزيادة التي زادها ابن جريج في روايته، وحاصل المنع الأول: أن الزيادة
التي استدل بها غير حقيق بالاستدلال، فإن ابن عيينة روى هذا الحديث
عن عمرو بن دينار تاماً، وسياقه أحسن من سياق ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه
هذا الذي قاله ابن جريج: ((هي له تطوع، ولهم فريضة))، فلما جاء به تاماً
وساقه أحسن من سياق ابن جريج، فغير ممكن أن ابن عيينة يترك هذه
الزيادة التي عليها مدار الاستدلال، وهذا يقتضي ريبة في نقل ابن جريج توجب
التوقف عنها .
وأجاب الحافظ ابن حجر في ((الفتح))(١) عن هذا بأن ابن جريج أسن
وأجل من ابن عيينة، وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة
من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ ولا أكثر عدداً، فلا معنى
للتوقف في صحتها .
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ١٩٦).
٤٨٨

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حديث
قال العيني في جوابه(١): هذه مكابرة لتمشية كلامه في حق الطحاوي،
فإن هذه الزيادة قد تكلموا فيها، فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإمام أحمد
ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن جريج(٢) يزيد
فيها كلاماً لا يقوله أحد.
وقال ابن قدامة في ((المغني)): وروى الحديث منصور بن زاذان وشعبة
فلم يقولا ما قال ابن جريج(٣)، وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح،
ولو صحت لكانت ظناً من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في ((العارضة))(٤).
فهل ذكر هذا عند قول أحمد، وهو أجل من ابن جريج وابن عيينة: هذه
الزيادة ضعيفة، أو عند كلام ابن الجوزي: إن هذه الزيادة لا تصح، أو عند
كلام ابن العربي على ما ذكرنا؟
وهذا الرافعي الذي هو من أكابر أئمتهم، وممن يعتمد عليهم، قال في
شرح هذا الحديث: هذا غير محمول على ما قالوا، لأن الفرض لا يقطع بعد
الشروع فيه، وكون ابن جريج أسن من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو بن دينار
منه بعد التسليم لا يستلزم نفي ما قاله الطحاوي، انتهى.
فثبت بهذا أن هذه الزيادة غير ثابتة ولا صحيحة، بل هي زيادة شاذة، لأن
هذا الحديث رواه غير واحد من الحفاظ من أصحاب عمرو بن دينار عنه بدون
هذه الزيادة، كشعبة عند البخاري في ((صحيحه))، وسليم بن حيان في ((الأدب))،
وابن عيينة ومنصور وأيوب عند مسلم، وغيرهم عند غيرهما، وكذلك أصحاب
جابر من الثقات الأثبات كلهم لم يذكروا هذه الزيادة مع توفر دواعيهم على
الأخذ، فظهر كالشمس أن هذه الزيادة شاذة لا يعتبر بها .
(١) (عمدة القاري)) (٣٣١/٤).
(٢ - ٣) وما في ((عمدة القاري)) بدله ابن عيينة، فهو سبق قلم.
(٤) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٦٥/٣).
٤٨٩

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حديث
وحاصل [المنع] الثاني: أن هذه الزيادة ليست من كلام رسول الله الخير
ولا من كلام معاذ، وهذا ظاهر جداً، فيحتمل أن يكون من قول ابن جريج
أو من قول ابن دينار أو من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول
فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا، لأنهم لم يحكوا ذلك
عن معاذ إنما قالوا قولاً على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في
الحقيقة بخلاف ذلك.
فأجاب عنه الحافظ ابن حجر: وأما رد الطحاوي لها باحتمال
أن تكون مدرجة، فجوابه: أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل،
فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه لا سيما إذا روي من وجهين،
والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعاً
لعمرو بن دينار عنه.
ورده العيني بقوله: قلت: لا دليل على كونها غير مدرجة لجواز أن تكون
من ابن جريج، وجواز أن تكون من عمرو بن دينار، ويجوز أن تكون من قول
جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان هذا القول فليس فيه دليل على حقيقة ما كان
يفعل معاذ، وقول الحافظ؛ فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، غير
صحیح، لأنه يوجب أن لا يوجد مدرج أصلاً، انتهى.
قلت: وأما قول الحافظ: فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر
متابعاً لعمرو بن دينار عنه، رده في ((آثار السنن))(١) بقوله: قلت: هذا الوجه
الآخر لا يصلح أن يذكر في المتابعة، لأن الشافعي أخرجها عن إبراهيم بن
أبي يحيى الأسلمي، عن ابن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر.
وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي متروك، قال الذهبي في ((الميزان)):
قال يحيى بن معين: سمعت القطان يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب،
-
(١) (١٣٥/١).
٤٩٠
٠

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حدیث
وروى أبو طالب عن أحمد بن حنبل قال: تركوا حديثه، وقال البخاري: تركه
ابن المبارك والناس، وروى عباس عن ابن معين: كذاب رافضي، وقال
محمد بن عثمان بن أبي شيبة سمعت علياً يقول: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب،
وكان يقول بالقدر، وأخوه أنيس ثقة، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما:
متروك، انتهى. قلت: فحاصل الكلام أن هذه الزيادة قد تفرد بها ابن جريج،
ولا يتابع عليها بمتابع صحيح، انتهى.
وحاصل المنع الثالث: لو ثبت أن هذه الزيادة نقله جابر عن معاذ وسمعه
منه، لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر رسول الله صل9، ولا أن رسول الله
لو أخبره به لأقره عليه أو غَيَّره، فهذا الفعل لو ثبت أن معاذاً فعله في عهد
رسول الله ﴾، لم يكن في ذلك دليل على أنه بأمر رسول الله داخله.
وأجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: فجوابه: أنهم لا يختلفون في أن
رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين يصلي
بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبياً، وأربعون بدرياً، قاله ابن حزم،
قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر
وابن عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم، انتهى.
فرده العيني بقوله: قلت: يحتمل أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على
ظنهم أن فعله كان بأمر النبي صل9، ويكون من هذا الوجه أيضاً عدم امتناع غيره
من ذلك.
وأقول: يمكن أن يجاب بأن سكوت الصحابة وعدم مخالفتهم ليس فيه
دليل، لأن رسول الله﴿ لما بلغه هذه القصة غضب على معاذ وقال له: ((لا تكن
فتاناً، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك))، فلما ثبت
عن رسول الله ﴿ إنكاره على معاذ فسكوت الصحابة لا يكون حجة، وسيأتي
بحث هذا الحديث.
٤٩١

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حديث
وحاصل المنع الرابع: لو سلمنا أن الذي كان يفعل معاذ من الصلاة
مرتين كان بأمر رسول الله #* وبإذنه، فيمكن أن يكون ذلك كان من رسول الله والله
في وقت كانت الفريضة تصلَّى مرتين، فإن ذلك قد كان يفعل في أول الإسلام
حتى نهى عنه رسول الله #، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف،
ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي
فنسخه، ويحتمل أن يكون كان بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد
الوقتين، إلّا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، انتهى.
ونقل الحافظ ابن حجر الجواب عن هذا المنع بقوله: فقد تعقبه ابن دقيق
العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل
على ما ادعاه من إعادة الفريضة.
ثم اعترض الحافظ على الجواب الثاني بقوله: وكأنه لم يقف على كتابه،
فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، وهو حديث ابن عمر رفعه: ((لا تصلوا الصلاة في
اليوم مرتين))، ومن وجه آخر مرسل: ((إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم،
ثم يصلون مع النبي ◌َّر، فبلغه ذلك فنهاهم)).
ثم قال الحافظ: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن
يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقي جمعاً
بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ، لم يكن بعيداً،
ولا يقال: القصة قديمة، لأن صاحبها(١) استشهد بأحد، لأنا نقول كانت أحد
في أواخر الثالثة فلا مانع في أن يكون المنع في الأولى، والإذن في الثالثة
مثلاً ، انتھی.
فرد العلامة العيني الجواب الأول الذي أجاب به ابن دقيق العيد بقوله:
(١) يعني الذي شكا معاذاً إلى النبي ◌َّير، وهو سليم، كما في ((العرف الشذي)) (ص ٢٥٥)
وسيأتي الاختلاف فيه في أبواب القراءة، ((باب في تخفيف الصلاة)). (ش).
٤٩٢

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حدیث
قلت: يستدل على ذلك بوجه حسن، وذلك لأن إسلام معاذ متقدم، وقد صلَّى
النبي * بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة
ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة، فيقال: لو جازت صلاة المفترض خلف
المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المناقضات والمفسدات
في غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات
على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك، انتهى.
فقال الحافظ في جوابه بقوله: وأما تقوية بعضهم لكونه منسوخاً بأن
صلاة الخوف وقعت مراراً على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في
حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لَصَلَّى النبي واله
بهم مرتين على وجه لا تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دل ذلك على المنع،
فجوابه أنه ثبت أنه ◌َلف صلّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود
عن أبي بكرة، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة
فلبيان الجواز، انتهى.
وأجاب الطحاوي(١) عن رواية أبي بكرة وجابر بن عبد الله بعد ما ساقهما
بقوله: ولا حجة لهم عندنا في هذه الآثار، لأنه يجوز أن يكون النبي وتلقو صلاها
كذلك، لأنه لم يكن في سفر يقصر في مثله الصلاة، فصلّى بكل طائفة ركعتين،
ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين، وهكذا نقول نحن إذا حضر العدو في مصر،
فأراد أهل ذلك المصر أن يصلوا صلاة الخوف فعلوا هكذا، يعني بعد أن تكون
تلك الصلاة ظهراً أو عصراً أو عشاءً، قالوا: فإن القضاء ما ذكر، قيل لهم:
قد يجوز أن يكونوا قد قضوا ولم ينقل ذلك في الخبر، وقد يجيء في الأخبار
مثل هذا كثيراً وإن كانوا لم يقضوا، فإن ذلك عندنا لا حجة لهم فيه أيضاً، لأنه
يجوز أن يكون ذلك كان من رسول الله # والفريضة تصلَّى حينئذ مرتين، فيكون
كل واحد منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإسلام ثم نسخ، انتهى.
(١) (شرح معاني الآثار)) (٣١٥/١).
٤٩٣

(٢) كتاب الصلاة
(٦٨) باب
(٥٩٨) حدیث
قلت: وكذلك نقل القاري(١) عن صاحب ((المصابيح)) الشافعي: قال في
(شرح السنَّة)): يحتمل أن يكون هذا في حال كون النبي وَلِ مقيماً، والمقيم
يصلي صلاة الخوف في المصر كذلك، إلَّا أنه لم يذكر في الحديث أن القوم
قضوا، ويجوز أن يكونوا قضوا، ومثل هذا جائز في الأحاديث، ويحتمل أن
يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر، فهذا بحمد الله شافعي منصف غاية
الإنصاف، ومجتهد مجتمع جميع الأوصاف، حمل الحديث على ما اخترناه
فيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، انتهى.
قلت: وهذا الجواب الذي أجاب به الطحاوي أولاً وصاحب ((المصابيح)»
يتمشى على الروايات التي ساقها الطحاوي عن أبي بكرة وجابر بأنه ليس فيها
لفظ: ((ثم سلم)»، وكذلك ما أخرجه الشيخان من رواية جابر فإنهما لم يذكرا فيه
لفظ: ((ثم سلّم))، وكذلك ما أخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد،
ثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، ومن طريق يونس، عن الحسن حديث
جابر، فإن هذه الروايات كلها ليس فيها ذكر السلام على الركعتين الأوليين،
وكذلك ما روى عن جابر يزيدُ الفقير وعطاء وأبو الزبير فإنهم لم يذكروا السلام
ولا الركعتين.
وأما على الرواية التي أخرجها أبو داود من طريق أشعث عن الحسن
عن أبي بكرة، وما رواه النسائي من هذا الطريق عن أبي بكرة، وكذلك
ما أخرجه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر، فلا
يتمشى الجواب، فإنها ذكر فيها: ((ثم سلم على الركعتين الأوليين))، فلا يمكن
أن يحمل على أنهم كانوا مقيمين، وقد صلُّوا مع رسول الله وَ لي ركعتين ركعتين
وقضوا ركعتين ركعتين، لأن السلام مانع عن ذلك.
فعلى هذه الروايات التي ذكر فيها السلام لا يجاب إلَّا ما أجاب به
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٤٧١/٣).
٤٩٤