النص المفهرس

صفحات 1501-1520

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٦) حديث
(١٢) (١) بابٌ: فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ
٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عن سُفْيَانَ - يَعْنِي الثَّوْرِيَّ -، عَنِ أَبِي فَزَارَةَ، عِن يَزِيدَ بْنِ
الأَصَمِّ، عن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (مَا أُمِرْتُ بِتَشْبِيدِ
الْمَسَاجِدِ)). [عب ٥١٢٧، حب ١٦١٥]
تَفْرِيعُ أَبْوَابٍ (٢) الْمَساجِدِ
(١٢) (بَابٌ: فِي بِنَاءِ(٣) الْمَسَاجِدِ)
٤٤٦ - (حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أنا سفيان بن عيينة،
عن سفيان - يعني الثوري -، عن أبي فزارة) راشد بن كيسان، (عن يزيد بن
الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية، أبو عوف البكائي بفتح الموحدة
وتشديد الكاف، كوفي، نزل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، أمه برزة
بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤية، ولا يثبت، قال العجلي
وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال ابن عمار: ربته
ميمونة بنت الحارث، مات سنة ١٠٣هـ.
(عن) عبد الله (٤) (بن عباس قال: قال رسول اللهصل﴾: ما أمرت) ما نافية
(بتشييد المساجد) أي برفعها وإعلاء بنائها، ومنه قوله تعالى: ﴿في بُرُوج
تُنَّدَةُ﴾ (٥)، وهي التي طول بناؤها أو تخصيصها، يقال: شدت الشيء أشيده
(١) زاد في نسخة: ((تفريع أبواب المساجد)».
(٢) لم يذكر المصنف فيه النوم في المسجد، وبوب له غيره من أصحاب الصحاح، وتقدم عند
المصنف في حديث ابن عمر النوم فيه في ((باب في طهور الأرض إذا يبست)). (ش).
(٣) كان بدؤه في السنة الأولى. ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) (ص ٣٩). (ش).
(٤) لم يذكر البخاري المرفوع للاختلاف على يزيد. ((ابن رسلان))، نعم ذكر أثر ابن عباس
تعليقاً. (ش).
(٥) سورة النساء: الآية ٧٨.
١٥٥

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٦) حديث
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :. (لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى)).
[خت - باب بنيان المسجد -].
إذا بنيته بالشيد وهو الجص(١).
(قال ابن عباس) وهو موقوف(٢) لكنه في حكم المرفوع، لأنه من
إخبار ما يأتي، وهو لا يكون إلَّا عن النبي ◌َُّ: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا)(٣) بفتح
اللام(٤)، وهي لام القسم، وبضم المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة
وضم الفاء وتشديد النون، وهي نون التأكيد، والزخرفة الزينة، وأصله
الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به (كما زخرفت اليهود والنصارى)
أي بيعهم وكنائسهم، وهذا بدعة لأنه لم يفعله عليه السلام، وفيه موافقة أهل
الكتاب.
قال الشوكاني(٥): وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره وَسّر عما سيقع
بعده، فإن تزويق المساجد والمباهات بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا
الزمان في القاهرة والشام وبيت المقدس بأخذ أموال الناس ظلماً وعمارتهم
إياها علی شکل بديع، انتهى.
والحديث يدل على أن تشييد المساجد بدعة، وقد روي عن أبي حنيفة
الترخيص في ذلك، وقال البدر بن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها
(١) قال ابن رسلان: وهذان قولان في قوله تعالى: ﴿وَقَّصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي
طويل عال، وقيل: مجصص، والمشهور في الحديث أن المراد ها هنا رفعه وتطويله،
كما قاله البغوي وغيره، وفيه رد على من حمل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾
[النور: ٣٦] على رفع البناء للحقيقة، بل المراد أن تعظم. (ش).
(٢) وزعم الطيبي أنه مرفوع، بسطه ابن رسلان والحافظ (٥٤٠/١)، وتعقبه العيني
(٤٧١/٣). (ش).
(٣) وأول من زخرف المساجد وليد بن عبدالملك بن مروان. ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) وقيل: بالكسر تعليل لما سبق، قال ابن حجر: الرواية بالفتح لا غير ((ابن رسلان)). (ش).
(٥) ((نيل الأوطار)) (١٧٥/٢).
١٥٦

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٦) حديث
ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صوناً لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع
إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية
شغل بال المصلي بالزخرفة فلا، ومن جملة ما عوّل عليه المجوّزون للتزيين بأن
السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستحسنة وبأنه
مرغب إلى المسجد، وهذه حجج لا يُعَوَّلُ عليها من له حظ من التوفيق لا سيما
مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله وَالآخر ،
وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع
اليهود والنصارى.
ودعوى ترك إنكار السلف ممنوعة، لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول
الجائرة، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضّى، بل قام في وجه باطلهم جماعة من
علماء الآخرة، ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة، ودعوى أنه مرغب إلى
المسجد فاسدة، انتهى ملخصاً .
قلت: قال في ((الدر المختار: ولا بأس بنقشه خلا محرابه فإنه يكره، لأنه
يلهي المصلي، ويكره التكلف بدقائق النقوش ونحوها خصوصاً في جدار القبلة،
قاله الحلبي، وفي حظر ((المجتبى)): وقيل: يكره في المحراب دون السقف
والمؤخر، انتهى، وظاهره أن المراد بالمحراب جدار القبلة، فليحفظ بجص
وماء ذهب لو بماله الحلال، لا من مال الوقف فإنه حرام، وضمن متوليه لو فعل
النقش أو البياض، إلّا إذا خيف طمع الظلمة فلا بأس به ((كافي))، وإلّا إذا كان
لإحكام البناء، أو الواقف فعل مثله لقولهم: ((إنه يعمر الوقف كما كان)) وتمامه
في ((البحر)).
وقال في حاشيته ((رد المحتار))(١): قوله: ولا بأس، في هذا التعبير كما
قال شمس الأئمة: إشارة إلى أنه لا يؤجر، ويكفيه أن ينجو رأساً برأس،
(١) (٢/ ٥٢٠).
١٥٧

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٦) حديث
انتهى، قال في ((النهاية)): لأن لفظ لا بأس دليل على أن المستحب غيره، لأن
البأس الشدة، انتهى، ولهذا قال في حظر ((الهندية)) عن ((المضمرات)):
والصرف إلى الفقراء أفضل، وعليه الفتوى، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)»(١): ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول
أبي حنيفة، إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على
ذلك من بيت المال.
فها هنا أمور: أولها: أن تزويق المساجد وتحسينها إذا كان يلهي المصلين
ويشغل قلوبهم فهو مجمع على كراهته.
والأمر الثاني: إذا كان هذا مباهاة ورياءً وسمعة فهو أيضاً مكروه،
بل بناء المساجد بهذه النية الفاسدة يكون مكروهاً أيضاً فضلاً عن التزيين
والتحسين.
والأمر الثالث: أن يحكم بناؤها ويبنى بالجص وغيرها مما يستحكم به
الصنعة، فهذا غير مكروه عندنا، والدليل عليه ما أخرجه الشيخان عن عثمان بن
عفان قال: سمعت رسول الله وَ* يقول: ((من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله
في الجنة)).
وأيضاً يؤيده ما فعل عثمان في خلافته كما في الحديث الذي بعد
هذا، فإنه فعل ما فعل مستدلاً بهذا الحديث، وكل ما فعل كان من باب
الإحكام لا من باب التزيين المحض، وأما الحجارة المنقوشة فلم ينقشها
ولم يأمر بنقشها، بل حصل له كذلك منقوشة من بعض ولاياته، فركبها في
المسجد، وقد قال رسول الله صلفي: ((عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين
المهدیین» .
(١) ((فتح الباري)) (٥٤١/١).
١٥٨

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٦) حدیث
والذين أنكروا عليه من الصحابة لم يكن عندهم دليل يوجب المنع
إلّا الحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية، وهذا كما ترى لا يقتضي التحريم
ولا الكراهية .
وأما حديث أبي داود هذا فهو أيضاً لا يدل على المنع، ودلالته على
المنع ممنوعة، فإن فيه ((ما أمرت بتشييد المساجد)) فنفي كون التشييد مأموراً به
لا يقتضي الكراهة، فإن نفي الوجوب يصدق بجواز الفعل أيضاً فلا يستوجب
الكراهة، وأما قول ابن عباس: ((لتزخرفنها)) فلا دليل فيه أيضاً، لأنه
موقوف على ابن عباس، ولو سلم رفعها حكماً فهو محمول على التزيين،
والزخرفة التي تلهي بال المصلي، أو تكون مباهاة ورياءٌ وسمعةً كما تفعله
اليهود والنصارى.
والأمر الرابع: أن يبنى المسجد بالغصب بأخذ أموال الناس ظلماً.
والخامس: بأنه يبنيه الواقف بمال الوقف فهذا أيضاً حرام لم يرخص فيه
أحد من العلماء.
ثم اعلم أنه قد ثبت أن عبد الله بن الزبير - رضي الله تعالى عنه - قد بنى
الكعبة ورفع بناءها على ما كان قبل ذلك من البناء، وشَيَّدها .
واللذين خالفوه ما كان عندهم حجة إلَّا أنهم يقولون: لا ينبغي أن
يغير عما كانت عليه، كما أشار ابن عباس على ابن الزبير لما أراد أن يهدم
الكعبة ويجدد بناءها بأن يرِمَّ ما وهى منها، ولا يتعرض لها بزيادة ونقصان،
وقال له: لا آمن أن يجيء من بعدك أمير فيغير الذي صنعت، وقد حكي
عن الرشيد أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله
ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك
فتركه، فإنكار الشوكاني وغيره على تشييد المساجد مطلقاً من غير تفصيل
لیس في محله.
١٥٩

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٧ - ٤٤٨) حديث
٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، عِن أَنَسٍ أَنَّ
النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)).
[ن ٦٨٩، جه ٧٣٩، حم ١٣٤/٣، دي ١٤٠٨]
٤٤٨ - حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرََّجَّى، ثَنَا أَبُو هَمَّامِ الدَّلاَّلُ،
٤٤٧ - (حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، ثنا حماد بن سلمة عن أيوب)
السختياني، (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد، (عن أنس) بن مالك، (وقتادة(١)،
عن أنس أن النبي ( * قال: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)
أي يتفاخرون في بناء المساجد(٢)، يعني يتفاخر كل واحد بمسجده يقول: مسجده
أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن رياءً وسمعة واجتلاباً للمدحة، ويؤيده ما نقله
الحافظ(٣) من ((مسند أبي يعلى)) و((صحيح ابن خزيمة)) من طريق أبي قلابة أن
أنساً قال: سمعته يقول: ((يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها
إلَّا قليلاً))(٤)، وعند أبي نعيم في ((كتاب المساجد)): ((يتباهون بكثرة المساجد)).
٤٤٨ - (حدثنا رجاء بن المُرَجَّى) بمضمومة وفتح راء وشدة جيم مفتوحة
وقصر، ابن رافع الغفاري، أبو محمد، ويقال: أبو أحمد بن أبي رجاء
المروزي، ويقال: السمرقندي، الحافظ، سكن بغداد، قال أبو حاتم: صدوق،
وقال الدارقطني: حافظ ثقة، وقال ابن حبان: كان متيقظاً ممن جمع وصنف،
وقال الخطيب: كان ثقة ثبتاً إماماً في علم الحديث وحفظه والمعرفة به،
مات سنة ٢٤٩هـ.
(ثنا أبو همام الدلال) محمد بن محبب - بموحدتين على وزن محمد -
(١) أي وأيوب عن قتادة ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: يتفاخرون فيما بينهم جالسين في المسجد. (ش).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٣٩/١).
(٤) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) برقم (٢٨١٧)، وابن خزيمة في (صحيحه)) برقم (١٣٢١).
١٦٠

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٨) حديث
ثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ، عن عُثْمَانَ
ابْنِ أَبِي الْعَاصِ(١): ((أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ
كَانَ طَوَاغِيتُهُمْ)). [جه ٧٤٣، ك ٦١٨/٣]
ابن إسحاق القرشي البصري، صاحب الدقيق، قال أبو حاتم: صالح الحديث،
صدوق، ثقة في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قال: سمعت
أبا داود يثني عليه، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة معروف، وقال الحاكم: روى
عنه البخاري في ((الصحيح)) محتجاً به، فوهم الحاكم في ذلك، مات
سنة ٢٢١ هـ.
(ثنا سعيد بن السائب) بن يسار الثقفي الطائفي، قال ابن معين
والدارقطني: ثقة، وقال أبو داود والنسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال سفيان: لا تكاد تجف له دمعة، وقال شعيب بن حرب: ثقة،
كنا نعده من الأبدال، مات سنة ١٧١ هـ.
.
(عن محمد بن عبد الله بن عياض) الطائفي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال في ((التقريب)): مقبول، (عن عثمان بن أبي العاص)(٢) الثقفي الطائفي،
أبو عبد الله، صحابي شهير، استعمله النبي ◌َّر على الطائف، وهو الذي أمسك
ثقيفاً عن الردة، قال لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا
أولهم ارتداداً، مات في خلافة معاوية بالبصرة.
(أن النبي 18 أمره) حين استعمله على الطائف (أن يجعل مسجد الطائف)
أي يبنيه (حيث كان طواغيتهم)(٣) جمع طاغوت، وهو الشيطان، أو ما يزين لهم
أن يعبدوه من الأصنام، ويقال للصنم: طاغوت ((نهاية)) (٤)، ولفظ ابن ماجه من
(١) وفي نسخة: ((العاصي)).
(٢) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة» (٢١٢/٣) رقم (٣٥٨١).
(٣) وهكذا كان كثير من الصحابة حيث فتحوا البلاد جعلوا معابدهم مساجد ((ابن رسلان)).
(ش).
(٤) (ص ٥٦٤).
١٦١

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٩) حديث
٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى
- وَهُوَ أَتَمُّ - قَالَا: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبِي، عن صَالِحِ قَالَ:
نَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: ((أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللّهِ وَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ(١)، وعَمَدُهُ - قَالَ مُجَاهِدٌ: وعُمُدُهُ -
مِنْ خشبِ النَّخْلِ(٢)،
طريق محمد بن يحيى بهذا السند: ((حيث كان طاغيتهم))، وهي ما كانوا يعبدونه
من الأصنام وغيرها، والغرض منه انتهاك الكفر، ودفع أثره، وإيذاء الكفار
وتنديمهم حيث عبدوا غير الله ها هنا .
٤٤٩ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ومجاهد بن موسى - وهو أتم -
قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم،
(عن صالح) بن كيسان (قال: نا نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر أخبره
أن المسجد) النبوي (كان على عهد رسول الله (ص * مبنياً باللبن)(٣) وهو
المضروب من الطين مربعاً للبناء غير مطبوخ (والجريد) قال في ((النهاية)):
الجريدة: السعفة، وجمعها جريد، وقال في ((القاموس)): والجريدة: سعفة
طويلة رطبة أو يابسة أو التي تقشمر من خوصها، أي وسقفه الجريد كما في
رواية ((البخاري)).
(وعَمَدُهُ - قال مجاهد: وعُمُدُه(٤) - من خشب النخل) غرضه بيان الاختلاف
بين لفظي شيخيه محمد ومجاهد، فإنه قال أحدهما بفتح العين والميم، والثاني
بضمهما (٥)، والإعرابان جائزان، قال الحافظ: بفتح أوله وثانيه ويجوز ضمهما،
(١) وفي نسخة: ((وسقفه بالجريد)).
(٢) وفي نسخة: ((عمده خشب النخل)).
(٣) بفتح اللام وكسر الباء ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) ويظهر من كلام ابن رسلان أن لفظ العمد ليس في رواية محمد، بل هو مخصوص
برواية مجاهد. (ش).
(٥) قال ابن رسلان: يجوز فيه الوجهان: فتحهما وضمهما جمعاً وإفراداً. (ش).
١٦٢

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٩) حدیث
فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ (١): وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (٢)
فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِوَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عَمَدَهُ -
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عُمُدَهُ - خَشَبًا، وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زَيَادَةً
وفي ((المجمع))(٣): وحديث ((وعمده خشب)) بضم عين وميم وبفتحهما، هكذا قال
بعض الشراح، ويمكن أن يقال: إن محمد بن يحيى قال: وعمده بالجر معطوفاً
على اللبن من غير زيادة قوله: ((من خشب النخل))، وأما مجاهد فقال: وعمده
بالضم على الابتداء وزيادة قوله: ((من خشب النخل)) وهو خبره.
(فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً(٤)، وزاد فيه عمر: وبناه على بنائه في عهد
رسول الله ** باللبن والجريد) أي كما كان بناؤه على عهد رسول الله رَله باللبن
والجريد، كذلك فعل عمر في بنائه، وزاد فيه من جانب القبلة من الأرض شيئاً
ووسع المسجد، ولما كان فيه مَظِنَّةُ إشكال بأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لمَّا
بنى المسجد على بناء رسول الله ( 18 فكيف يصح أن يقال: إنه زاد فيه، لأن
بناءه على بنائه والزيادة فيه متنافيان، فلهذا قال الحافظ في ((شرحه)) أي بجنس
الآلات المذكورة، ولم يغير شيئاً من هيئته إلَّا توسيعه، انتهى.
(وأعاد عَمَدَه) وهذا لفظ محمد بن يحيى (وقال مجاهد: عُمُدَه خشباً)
وفي هذه العبارة الاحتمالان المتقدمان الذان قالهما بعض الشراح،
وما قلته جاريان أيضاً، أولهما: الاختلاف في حركة لفظ عمد فقط،
والثاني: زيادة لفظ خشب وعدمها .
(وغَيَّره عثمان) أي من الوجهين التوسيع وتغيير الآلات (فزاد(٥) فيه زيادة
(١) في نسخة: ((عمر بن الخطاب)).
(٢) وفي نسخة: ((بنيانه)).
(٣) (مجمع بحار الأنوار)) (٦٧٣/٣).
(٤) حين جدده، وإنما احتاج إلى تجديده لأنه نخر في زمانه ((ابن رسلان)). (ش).
(٥) قال ابن رسلان: أنكر بعض الصحابة على عثمان، وسكت كثير من أهل العلم لخوف
الفتنة. (ش).
١٦٣

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٤٩) حدیث
كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عَمَدَهُ(١) مِنْ
حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ)). [خ ٤٤٦، حم ١٣٠/٢، خزيمة ١٣٢٤]
كثيرة) أي وسعه توسيعاً كثيراً بأن زاد فيه من الأرض لتوسيع المسجد
الشريف.
(وبنى جداره بالحجارة المنقوشة) بدل اللبن (والقصة) أي بدل الطين في
سافات البناء، قال في ((القاموس)): القصة الجصة، وفي ((المجمع))(٢):
عن الكرماني: ومنه ((بالحجارة المنقوشة والقصة)) أي الجص، وكذلك
في ((النهاية)).
وقال الخطابي(٣): والقصة شيء يشبه الجص، وليس به، وقال في ((لسان
العرب)) في جصص: وليس الجص بعربي، وهو من كلام العجم، ولغة
أهل الحجاز في الجص القص، وفي ((القاموس)): الجص ويكسر، معروف،
معرب كج، فما قاله الخطابي: إن القصة شيء يشبه الجص وليس به، لا يثبت
في اللغة.
(وجعل عمده) أي سواريه (من حجارة منقوشة) بدل خشب النخل
(وسقفه) (٤) أي سقف المسجد (بالساج) أي بدل الجريد أي بخشب الساج،
قال في ((لسان العرب)): والساج خشب يجلب من الهند، واحدته ساجة،
والساج شجر يعظم جداً، ويذهب طولاً وعرضاً، وله ورق أمثال التراس
الديلمية، يتغطى الرجل بورقة منه، تكنّه من المطر، انتهى. يقال له في الهندية:
ساگون، بكاف عجمية مفتوحة .
(١) زاد في نسخة: ((قال مجاهد: وعُمُده)) بضمهما.
(٢) «مجمع بحار الأنوار)) (٢٨٣/٤).
(٣) ((معالم السنن)) (١٩٠/١).
(٤) بلفظ الماضي عطفاً على جعل، وبإسكان القاف عطفاً على عمده، ((ابن رسلان))، وفي
((المنهل)) (٥٠/٤): رواية محمد جملة فعلية معطوفة على جعل، ورواية مجاهد جملة
اسمية، انتهى. وفي بين سطور أبي داود: وضبط رواية مجاهد بالتفعيل. (ش).
١٦٤

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥٠) حديث
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَسَقَّفَهُ السَّاجَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْقَصَّةُ: الْجِصُّ.
٤٥٠ - حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى،
عن شَيْبَانَ(١)، عن فِرَاسٍ، عن عَطِيَّةَ،
(قال مجاهد: وسقفه الساج) يعني اختلف لفظ محمد بن يحيى ومجاهد بن
موسى، فقال محمد: بالساج بزيادة الباء، وقال مجاهد: الساج ولم يزد حرف
الباء (قال أبو داود: القصة الجص) .
٤٥٠ - (حدثنا محمد بن حاتم) بن بزيع، (ثنا عبيد الله بن موسى،
عن شيبان) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا إلَّا على حاشية النسخة
المجتبائية ففيه: سفيان، وهو بفتح الشين المعجمة، ابن عبد الرحمن التميمي
مولاهم، النحوي، نسبة إلى بطن من الأزد، قال في «الأنساب)): شيبان بن
عبد الرحمن النحوي لم يكن نحوياً، إنما هو من نحو بن شمس، أبو معاوية
البصري المؤدب، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى بغداد، قال أحمد: هشام حافظ،
وشيبان صاحب كتاب، وقال أيضاً: ما أقرب حديثه، وقال صالح بن أحمد
عن أبيه: شيبان ثبت في كل المشايخ، وعن ابن معين: وشيبان أحب إليّ من
معمر في قتادة، وعن يحيى: شيبان ثقة، وهو صاحب كتاب، وقال عثمان
الدارمي: قلت لابن معين: فشيبان ما حاله في الأعمش؟ قال: ثقة في كل
شيء، ووثَّقه العجلي والنسائي وابن سعد والترمذي وأبو بكر البزار، مات
سنة ١٦٤ هـ.
(عن فراس) بن يحيى، (عن عطية) بن سعد بن جنادة بضم الجيم، العوفي
بفتح المهملة وسكون الواو بعدها فاء، الجدلي بجيم ودال مهملة مفتوحتين،
القيسي الكوفي، أبو الحسن، قال أحمد: هو ضعيف الحديث، وقال البخاري
عن يحيى: كان هشيم يتكلم فيه، وعن ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة: لين،
(١) وفي نسخة: ((سفيان)).
١٦٥

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥٠) حديث
عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (إِنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّنَ﴿ كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ،
ثُمَّ إِنَّهَا نُخِرَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَبِجَريدِ
النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نُخِرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَبَنَاهَا بِالآجُرُّ، فَلَمْ تَزَلْ
ثَابِتَةً حَتَّى الآنَ).
وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، وقال الجوزجاني: مائل، وقال النسائي:
ضعيف، وقال ابن علي: هو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعد مع شيعة أهل
الكوفة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس
من لا يحتج به، وقال أبو داود: وليس بالذي يعتمد عليه، وقال الساجي: ليس
بحجة، وكان يقدم علياً على الكل، مات سنة ١١١ هـ.
(عن ابن عمر قال) أي عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: (إن
مسجد النبي # كانت سواريه) أي أساطينه (على عهد رسول الله 3 9ر من جذوع
النخل) قال في ((المجمع)): كان فيه جذع، بكسر جيم وسكون معجمة، واحد
جذوع النخل، قال في ((القاموس)): الجذع بالكسر: ساق النخلة (أعلاه)
أي أعلى المسجد (مظلل) أي مسقف كالظلة (بجريد النخل) أي بسعفه.
(ثم إنها) أي السواري (نخرت) أي بليت (في خلافة أبي بكر فبناها) أي أبو بكر
(بجذوع النخل وبجريد النخل) أي بدل جذوعها البالية والجريد البالية بجذوع
أخرى وجريد أخرى.
(ثم إنها) أي الجذوع (نخرت في خلافة عثمان، فبناها) أي عثمان جدران
المسجد وسواريه (بالآجر) أي اللبن المطبوخة الموقدة عليها النار (فلم تزل)
أي بناء المسجد الذي بناها عثمان (ثابتة حتى الآن)(١) أي وقت رواية الحديث،
ولم يذكر ابن عمر بناء عمر - رضي الله تعالى عنه -، لأن بناء عمر كانت كبناء
أبي بكر - رضي الله عنه - فكان فعله كفعله، فلذا ذكره مرة حيث أراد ذكر
(١) أي إلى زمان ابن عمر الراوي، ((ابن رسلان)). (ش).
١٦٦

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥١) حديث
٤٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن أَبِي التَّيَّاحِ،
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َهِ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلَّوٍ
الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشَرَةً
لَيْلَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّار، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِينَ سُيُونَهُمْ،
الزيادة، وتركه مرة حيث لم يرد ذكرها، وأما بناء عثمان فكانت مغايرة لبنائهم
باعتبار تغيير الآلات والزيادة فاحتاج إلى ذكره.
٤٥١ - (حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن
مالك) - رضي الله تعالى عنه - (قال: لما قدم رسول الله # المدينة) أي مهاجراً
من مكة (فنزل في علو (١) المدينة) كل ما في جهة نجد يسمى عالية، وما في جهة
تهامة يسمى سافلة، والمراد من علو المدينة قباء، وهي قرية من عوالي المدينة،
وأخذ من نزوله في العلو التفاؤل له ولدينه وَ# بالعلو (في حي) أي قبيلة (يقال
لهم: بنو عمرو بن عوف) أي ابن مالك بن أوس بن حارثة.
(فأقام فيهم أربع عشرة(٢) ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار) وهم أخوال
عبد المطلب، لأن أمه سلمى منهم، فأراد النبي والر النزول عندهم لما تحول من
قباء، وبنو النجار بطن من الخزرج (فجاؤوا متقلدين(٣) سيوفهم) أي في
أعناقهم، منصوب على الحال.
(١) بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان، ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) وفي رواية الحموي والمستملي: أربع وعشرون، والصواب الأولى، كما ذكره المصنف
ومسلم، ((ابن رسلان). وهو الأنسب لأنه عليه الصلاة والسلام بَدَرٌ وكمالُه في أربعة
عشر. ((ابن رسلان)). قلت: وأيًّا ما كان ففيه إشكال قوي من أنه عليه الصلاة والسلام
وصلها يوم الاثنين كما في الروايات قاطبة، وخرج منها يوم الجمعة وجمع في
بني سالم، وهذا لا يوافق بحال رواية أربعة عشر يوماً بخلاف رواية أربع وعشرين
بإخراج يومي الدخول والخروج فدخل يوم الاثنين، ثم أقام أربعة وعشرين يوماً،
ثم خرج ليلة الجمعة. (ش).
(٣) ليروا اليهود ما أعدوا لنصرته وَالفقر. ((ابن رسلان)). (ش).
١٦٧

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥١) حديث
فَقَالَ(١) أَنَسُ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ
رِدْفَهُ، وَمَلأُّ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ،
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي
مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّار(٢)،
(قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله صل﴿ على راحلته وأبو بكر ردفه)(٣)
أي خلفه * راكباً على راحلته ويّ، كأنه وَلّ أردفه تشريفاً له وتنويهاً بقدره،
وإلَّا فقد كان لأبي بكر ناقة أخرى هاجر عليها .
(وملأ بني النجار حوله) قال في ((المجمع))(٤): الملأ أشراف الناس
ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، وجمعه أملاء، لأنهم ملء بالرأي
والغناء، والمراد جماعتهم، وكأنهم مشوا معه متقلدين سيوفهم أدباً وتكريماً.
(حتى ألقى) أي رحله، أي نزل (بفناء) والفناء بكسر الفاء وبالمد: ما امتد
من الناحية المتسعة أمام الدار (أبي أيوب)(٥) هو خالد بن زيد بن كليب
الأنصاري من بني مالك بن النجار (وكان رسول الله صلى يصلي) قبل بناء
المسجد (حيث أدركته الصلاة) أي وقت الصلاة (ويصلي في مرابض الغنم)(٦)
جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، موضع ربوض الغنم ومأواها .
(وإنه) أي ◌َّر (أمر) بصيغة المعلوم، أي الناس، أو بصيغة المجهول،
أي من ربه (ببناء المسجد، فأرسل) أي رسولاً (إلى بني النجار) يدعوهم،
(١) وفي نسخة: ((قال)).
(٢) زاد في نسخة: ((فجاؤوا)).
(٣) بكسر فسكون، وفي ((النسائي)): ("رديفه))، وهما لغتان. ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) (مجمع بحار الأنوار)) (٦٠٤/٤).
(٥) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة» (٣٨١/٤) رقم (٥٧١٥).
(٦) أي يحب أن يصلي فيها، ويحتمل أن يكون المعنى يصلي حيث أدركته الصلاة ولو في
مرابض الغنم أو غيرها، وكلاهما مستنبط من الروايات، وسيأتي في ((باب النهي
عن الصلاة في مبارك الإبل)). (ش).
١٦٨

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥١) حديث
قَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا))، فَقَالُوا: واللَّهِ لَا نَظُلُبُ
ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ أَنَسُ: وَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ،
(قال: يا بني النجار ثامنوني) أي ساوموني(١) بالثمن، أو أعطوني
بالثمن (بحائطكم هذا) أي بستانكم.
وفي رواية: إنه كان مربداً، فلعله كان أولاً حائطاً، ثم خرب فصار
مربداً، وقيل: كان بعضه بستاناً وبعضه مربداً.
وفي البخاري: إن هذا المكان كان لسهيل وسهل(٢)، غلامين يتيمين
في حجر أسعد بن زرارة، قال الحافظ: وذكر ابن سعد بسنده عن الزهري،
أن النبي * أمر أبا بكر أن يعطيهما ثمنه، وفي رواية(٣): فأعطاهما أبو بكر
عشرة دنانير .
(فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله عز وجل) تقديره: لا نطلب
الثمن لكن الأمر فيه إلى الله، أو ((إلى)) بمعنى من، أو يقال: لا نطلب أجر
ثمنه إلَّا عند ذهابنا إلى الله، أي في الآخرة.
فظاهر الحديث(٤) أنهم لم يأخذوا منه ثمناً، ولكن وقع في البخاري:
فأبى رسول الله ﴿ ﴿ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ولا منافاة بينهما؛
فإنه * لمَّا لم يقبل منهما هبة، باعاه منه وَله.
(قال أنس: وكان فيه) أي في الحائط الذي بنى مكانه المسجد (ما أقول
لكم) أي أُبيِّن لكم: (كانت فيه) أي في بعض جوانبه (قبور المشركين،
(١) وبوب عليه البخاري ((صاحب السلعة أحق بالثمن)). ((ابن رسلان). (ش).
(٢) واختلف أهل الرجال في تعيينهما جداً، كما حكى ابن الأثير الاختلاف في ابني بيضاء
وابني رافع وابني عمرو وغيرهم فتأمل. (ش).
(٣) عند ابن سعد في ((الطبقات)) (١٣٨/١) عن الواقدي. ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) بسطه صاحب ((المنهل)) (٥٦/٤) وأورد الروايات المختلفة. (ش).
١٦٩

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥١) حديث
وَكَانَتْ فِيهِ خَرِبٌ، وَكَانَتْ فِيهِ نَخْلُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَدي
بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَتُبِشَتْ، وَبِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ،
فَصُفِّفَ(١) النَّخْلُ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً،
وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ ◌َهْ مَعَهُمْ،
وكانت فيه) أي في بعضه (خرب) المعروف فيه فتح الخاء المعجمة وكسر الراء
بعدها موحدة جمع خربة ككلم وكلمة، وحكى الخطابي كسر أوله وفتح ثانيه
جمع خربة، كعنب وعنبة، وهي الخروق المستديرة في الأرض، وفي رواية
للبخاري(٢): ((حرث)) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة.
(وكانت فيه) أي في بعضه (نخل، فأمر رسول الله # بقبور المشركين
فنبشت) أي أخرجت منها ما كان فيها من عظامهم، لأن المشرك(٣) لا حرمة له
(وبالخرب) أي الخروق والحدوب من الأرض (فسويت، وبالنخل فقطع،
نصفف النخل) أي جذوعه (قبلة(٤) المسجد، وجعلوا عضادتيه حجارة)
والعضادة هي الخشبة التي على كتف الباب، وأعضاد كل شيء ما يَشُدُّ جوانبه،
أي جعلوا في جوانبي(٥) جذوع النخل حجارة للإحكام.
(وجعلوا) أي الصحابة (ينقلون الصخرة) أي يجيؤون بها ليجعلوها
عضادتي جذوع النخل (وهم يرتجزون) أي يقولون رجزاً، وهو ضرب من
الشعر(٦) على الصحيح، وقيل: ضرب من الكلام الموزون (والنبي 188 معهم)
(١) وفي نسخة: ((فصفوا)).
(٢) وللمصنف فيما سيأتي. (ش).
(٣) أي الحربي، كما سيأتي في ((باب نبش القبور العادية)). (ش).
(٤) ولا يذهب عليك حقيقة القبلة، وسيأتي شيء من الكلام عليه في ((باب كيف
كان الأذان؟)). (ش).
(٥) كذا في الأصل، والصواب: جانبي.
(٦) اختلفوا في أن الرجز شعر أم لا، واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعراً إلّا بالقصد،
كذا قال ابن رسلان. وبسطه العيني (٤٣٤/٣). (ش).
١٧٠

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥٢) حلیث
وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّ خَيْرُ الْآخِرَهُ(١)، فَانْصُرِ الأَنْصَارَ
وَالْمُهَاجِرَهْ)). [خ ٤٢٨، م ٥٢٤، ن ٧٠٢]
٤٥٢ - حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عن أَبِي التَّيَّاح، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ
حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ حَرْثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: (ثَامِنُونِي بِهِ))(٢)، فَقَالُوا: لَا نَبْغِي(٣)، فَقَطَعَ النَّخْلَ،
أي مع الصحابة يفعل ما يفعلون في تعمير المسجد من نقل الحجارة وغيرها
(وهو يقول) وفي رواية للبخاري: ((يقولون))، ولا منافاة فيه، فإنه وَّ ه يقوله مرة
والصحابة يقولون مرة: (اللَّهم لا خير إلَّا خير الآخرة فانصر) وفي رواية
للبخاري(٤): ((فاغفر)) لـ (الأنصار والمهاجرة).
٤٥٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح،
عن أنس بن مالك قال: كان موضع المسجد حائطاً) أي بستاناً (لبني النجار فيه
حرث)(٥) أي زرع، وهذا اللفظ بدل ما كان في رواية عبد الوارث عن أبي التياح
المتقدمة من قوله: فيه خرب (ونخل وقبور المشركين، فقال رسول الله ﴾:
ثامنوني به، فقالوا) أي بنو النجار: (لا نبغي) أي لا نطلب منك ثمنه، بل نعطيكه
احتسابًا من غير ثمن.
ولما كان هذا الحائط ليتيمين من بني النجار لم يرض رسول الله وَلفر أن
يقبله مجاناً؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع فيه لا من الأيتام ولا من أوليائهم،
فأخذه بالثمن، كما تقدم، فأمر رسول الله وَله بقطع النخل (فقطع النخل) أي من
(١) وفي نسخة: ((اللَّهُم إن الخير خير الآخرة).
(٢) زاد في نسخة: ((أتخذ مسجداً».
(٣) زاد في نسخة: ((به ثمناً».
(٤) وللمصنف أيضاً فيما سيأتي.
(٥) قالوا: هذا وهم من حماد ((ابن رسلان)). (ش).
١٧١

(٢) كتاب الصلاة
(١٢) باب
(٤٥٢) حديث
وَسَوَّى الْحَرْثَ، وَنَبَشَ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ:
((فَاغْفِرْ))، مَكَانَ: ((فَانْصُرْ)).
قَالَ مُوسَى، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بِنَحْوِهِ، وَكَانَ
عَبْدُ الْوَارِثِ يَقُولُ: خَرِبٌ، وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَارِثِ أَنَّهُ أَفَادَ حَمَّادًا
هَذَا الْحَدِيثَ.
ذلك الحائط، وقلع أصولها (وسوى الحرث) أي سوى محل الحرث،
والمناسب للتسوية لفظ الخرب(١)؛ فإن الحرث لا يكون إلَّا في محل مستو
(ونبش قبور المشركين، وساق) أي حماد بن سلمة (الحديث) بعد هذا كما ساق
عبد الوارث.
(وقال) أي حماد بن سلمة: (فاغفر مكان فانصر) أي قال
عبد الوارث: ((فانصر))، وقال حماد مكانه: ((فاغفر))، ولكن في رواية
البخاري من طريق عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس فيه: ((فاغفر)).
(قال موسى) بن إسماعيل شيخ أبي داود: (وحدثنا عبد الوارث بنحوه)
أي بنحو ما حدثناه حماد بن سلمة (وكان عبد الوارث يقول: خرب)
أي يقول موسى: إن شيخي حماد بن سلمة يقول: ((حرث))، بالحاء المهملة
في آخره مثلثة، وأما عبد الوارث فكان يقول: ((خرب))، بالخاء المعجمة
آخره موحدة.
(وزعم) أي قال (عبد الوارث أنه) أي عبد الوارث (أفاد حماداً) أي بلغه
(هذا الحديث) عن أبي التياح، ثم بعد ما استفاد حماد بن سلمة هذا الحديث
من عبد الوارث رحل إلى أبي التياح فسمع منه.
(١) ولذا قال الخطابي: لعل الصواب: ((خرب)» بالخاء المعجمة، وقال القاضي:
لا حاجة إلى هذا التكلف، لأن ما ورد في الرواية صحيح المعنى، ((ابن رسلان)).
(ش).
١٧٢

(٢) كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٤٥٣) حديث
(١٣) بَابُ اتَّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ(١)
٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عن زَائِدَةَ،
عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ((أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَل
بِنَاءِ الْمَسَّجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظّفَ
(١٣) (بَابُ اتَّخَاذِ المَسَاجِدِ)(٢) أي: بناؤها (في الدُّورِ)
أي: المحلات والقبائل، بضم دال وسکون واو، جمع دار،
وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت المحلة داراً، وسمي ساكنوها
بها مجازاً(٣). وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة، ويحتمل
كونه إذناً لبناء المسجد في داره يصلي فيه أهل بيته
٤٥٣ - (حدثنا محمد بن العلاء، ثنا حسين بن علي، عن زائدة) بن
قدامة، (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير، (عن عائشة قالت)
أي عائشة: (أمر رسول الله ( # ببناء المسجد في الدور)(٤) أي في المحلات
والقبائل، أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل
البيت، والأول هو المعول(٥) وعليه العمل، والحكمة فيه أنه قد يتعذر على أهل
محلة الذهاب للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأمروا
بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم.
(وأن تنظف)(٦) أي وأمر والر بأن ينظف ذلك المسجد من القذى والنتن
(١) في نسخة: ((باب في المساجد تبنى في الدور)).
(٢) وبوب على حديث الباب الترمذي: تطبيب المساجد، وقال: الصحيح سقوط عائشة،
قلت: وكذا رجح الترمذي الإِرسال على الاتصال. (ش).
(٣) وبسطها ابن رسلان لغة. (ش).
(٤) وكان في المدينة تسعة مساجد، راجع: ((عمدة القاري)) (٥٦٧/٣)، و((مشكل الآثار)).
(ش).
(٥) وبه جزم ابن رسلان، وبسط الأقاويل في ذلك. (ش).
(٦) ولفظ ابن ماجه: ((تطهر)) ويرجع كل الروايتين إلى الأخرى. (ش).
١٧٣

(٢) كتاب الصلاة
(١٣) باب
(٤٥٤) حديث
وَتُطَيَّبَ)). [ت ٥٩٤، جه ٧٥٨، حم ٢٧٩/٦، حب ١٦٣٤، خزيمة ١٢٩٢،
ق ٢/ ٤٤٠]
٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا يَحْيَى
- يَعْنِ ابْنَ حَسَّانَ - ، ثَنَا سُلَیْمَانُ بْن مُوسَى،
والتراب (وتطيب)(١) بالبخور ورش العطر، قال القاري(٢): قال ابن حجر: وبه
يعلم أنه يستحب تجمير المسجد بالبخور، فقد كان عبد الله يجمر المسجد إذا
قعد عمر - رضي الله عنه - على المنبر، وقد استحب بعض السلف تخليق
المسجد بالزعفران والطيب، وروي عنه عليه السلام فعله، وقال الشعبي: وهو
سنة، وأخرج ابن أبي شيبة(٣): ((أن ابن الزبير لمَّا بنى الكعبة طلا حيطانها
بالمسك))، وأنه يستحب أيضاً كنس المسجد وتنظيفه، وقد روى ابن أبي شيبة
أنه - عليه السلام - كان يتتبع غبار المسجد بجريدة.
٤٥٤ - (حدثنا محمد بن داود بن سفيان) مقبول من العاشرة، (ثنا يحيى
- يعني ابن حسان -) بن حيان بحاء مهملة وياء مثناة تحتانية مشددة، التنيسي
البكري، أبو زكريا البصري، سكن تنيس، قال أحمد: ثقة صالح صاحب
حديث، وقال العجلي: كان ثقة مأموناً عالماً بالحديث، وقال النسائي: ثقة،
وقال ابن يونس: كان ثقة حسن الحديث، وصنف كتباً وحدث بها، وقال أبو بكر
البزار: يحيى بن حسان ثقة صاحب حديث، وقال مطين: ثقة، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، مات سنة ٢٠٨ هـ.
(ثنا سليمان بن موسى) الزهري أبو داود الكوفي، خراساني الأصل،
سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق، قال عباس بن الوليد: كان ثقة، وقال
أبو داود: كوفي، نزل دمشق، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: أرى حديثه
(١) قال ابن رسلان: لكن بعطور الرجال، لأن اللون قد يشغل قلب المصلي. (ش).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٥/٢).
(٣) ((المصنف)) (١٤١/٢) رقم (٧٤٤٣).
١٧٤