النص المفهرس

صفحات 1301-1320

(١) كتاب الطهارة
(١٣٦) باب
(٣٧١) حديث
أَوْ: يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَفْرُكُهُ
مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ)). [م ٢٨٨، ن ٢٩٦، ت ١١٦، جه ٥٣٧،
٥٣٨، حم ٦/ ٤٣، خزيمة ١٤٦، ١٤٧]
عائشة به، وهي ملحفة صفراء، كما هو مصرح به في رواية الترمذي،
(أو يغسل ثوبه) شك من الراوي.
(فأخبرت) الجارية (عائشة فقالت: لقد رأيتني وأنا أفركه) أي أدلك
المني (من ثوب رسول الله وَ ﴾) وأما ما أخرجه مسلم(١) من قصة عبد الله بن
شهاب الخولاني قال: ((كنت نازلاً على عائشة، فاحتلمت في ثوبي))،
الحديث، فهي قصة أخرى غير قصة همام بن الحارث.
اختلف العلماء(٢) في طهارة المني، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى
نجاسته، إلّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابساً، وهو
رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بدَّ من غسله رطباً ويابساً، وقال الليث:
هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه، وقال الحسن: لا تعاد الصلاة من المني
في الثوب وإن كان كثيراً، وتعاد منه في الجسد، وإن قل، وذهب كثير إلى
أن المني طاهر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص
وابن عمر وعائشة وداود وأحمد في أصح الروايتين(٣)، وهو مذهب
(١) ((صحيح مسلم)) رقم الحديث (٢٩٠).
(٢) وتقدم البحث فيه في ((باب المذي))، قال ابن رسلان: استدل الشافعية بأحاديث
الفرك، وحملوا روايات الغسل على زيادة النظافة، وقال القرطبي: لا حجة فيه
للشافعي بوجهين، ثم بسطها، وحاصلها: أن الغسل في موضع الاستدلال دليل على
أنه للطهارة، والثاني: أن الأصل في الغسل التطهير كما قالوا في غسل الإناء من
ولوغ الكلب ولم يقولوا للتنظيف، كذا في ((الأوجز)) (٦٠١/١)، و((الكوكب))
(١٤٧/١). (ش).
(٣) والثالثة لا يعفى قليله أيضاً. (ش).
٥٩٥

(١) كتاب الطهارة
(١٣٦) باب
(٣٧٢) حدیث
٣٧٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
عن حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن إِبْراهِيمَ، عنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ عَائِشَةَ
قَالَتْ: ((كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فَيُصَلِّي فِيهِ)).
[م ٢٢٨، ٢٩٠، جه ٥٣٩، حم ٣٥/٦، وانظر سابقه]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ مُغِيرَةُ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَوَاصِلٌ، وَرَوَاهُ الأَعْمَش
الشافعي(١) وأصحاب الحديث، انتهى كلام (النووي))(٢).
٣٧٢ - (حدثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن حماد
ابن أبي سليمان، عن إبراهيم) النخعي، (عن الأسود) بن يزيد، (أن
عائشة قالت: كنت أفرك المني) أي أدلك يابسه (من ثوب رسول الله وَيه
فيصلي) أي رسول الله وَل﴾ (فيه) أي في الثوب الذي أزيل منه المني
اليابس بالدلك.
(قال أبو داود: وافقه(٣) مغيرة) بن مقسم (وأبو معشر وواصل)
الأحدب، أخرج روايتهم مسلم في ((صحيحه)) (٤) (ورواه) أي هذا الحديث،
حديث الفرك (الأعمش) سليمان بن مهران، ذكره الطحاوي في ((معاني
الآثار))(٥) والترمذي(٦)، بل أخرج الطحاوي عن منصور عن إبراهيم عن
(١) له ثلاث روايات، الثالث: منيه طاهر لا منيها. (ش).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) (٢/ ٢٠١).
(٣) وفي نسخة ابن رسلان بدله: أوقفه، وبسط في معناه، وقال: الموقوف من الحديث
ما قصرته بواحد من الصحابة ... إلخ، والظاهر أن هذا كله وهم منه، والصواب
ما قاله الشيخ. (ش).
(٤) (صحيح مسلم)) (٢٨٨).
(٥) (٤٨/١).
(٦) ((سنن الترمذي)) ح (١١٦)، وانظر: ((مسند أحمد)) (٤٣/٦)، و((سنن ابن ماجه))
(٥٣٧ - ٥٣٨)، و((صحيح ابن خزيمة)) (١٤٥/١) رقم (٢٨٨).
٥٩٦

(١) كتاب الطهارة
(١٣٦) باب
(٣٧٣) حديث
كَمَا رَوَاهُ الْحَكَم .
٣٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدِ النُّفَيْلِيُّ: نَا زُهَيْرٌ.
(ح): وحَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابِ الْبَصْرِيُّ، نَا سُلَيْمٌ
- يَعْنِي ابْنَ أَخْضَرَ - الْمَعْنَى وَالإِخْبَارُ فِي حَدِيثٍ سُلَيْمٍ؛
همام كما رواه الأعمش (كما رواه الحكم) بن عتيبة.
حاصل هذا الكلام أن أصحاب إبراهيم النخعي اختلفوا في رواية هذا
الحديث عن إبراهيم، فروى الحكم عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن
عائشة، وروى حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة،
ووافق حمادَ بنَ أبي سليمان مغيرةُ وأبو معشر وواصلٌ، ووافق(١) الأعمش
الحكم، وكل هؤلاء حفاظ وثقات لا يقدح هذا الاختلاف في حديثهم، فثبت
أن إبراهيم النخعي روى عنهما جميعاً، وقد أخرج الطحاوي عن الأعمش عن
إبراهيم عن الأسود بن يزيد وهمام عن عائشة - رضي الله عنها - .
٣٧٣ - (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، نا زهير) بن معاوية،
(ح: وحدثنا محمد بن عبيد بن حساب البصري، نا سليم) مصغراً، كذا في
((الخلاصة)) و((التقريب))، وقال في حاشية ((الخلاصة))(٢): قال النووي في
((شرح مسلم)): سليم بن أخضر بفتح السين المهملة (يعني ابن أخضر)
البصري، قال أحمد: كان من أهل الصدق والأمانة، وقال ابن معين
وأبو زرعة والنسائي وابن سعد وأبو القاسم الطبري: ثقة، ذكره ابن حبان
في ((الثقات))، مات سنة ١٨٠ هـ، (المعنى) يعني معنى حديث زهير وسليم
بن أخضر واحد.
(والإخبار في حديث سليم) يحتمل هذا الكلام معنيين، أحدهما:
(١) ورجح الترمذي حديث الأعمش. (ش).
(٢) (ص ١٤٩).
٥٩٧

(١) كتاب الطهارة
(١٣٦) باب
(٣٧٣) حديث
قَالَا: نَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: ((إِنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ
ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿َ. قَالَتْ: ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا)).
[خ ٢٢٩، م ٢٨٩، ت ١١٧، ن ٢٩٥، جه ٥٣٦، خزيمة ٢٨٧، حب ١٣٨١،
قط ١٢٥/١، ق ٤١٨/٢، حم ٤٧/٦]
معناه أن الألفاظ في حديث سليم يعني أنه اختلف لفظ حديث زهير ولفظ
سليم، فذكرنا هاهنا ألفاظ حديث سليم.
والثاني: معناه أن الإخبار والسماع في حديث سليم، والعنعنة في
حديث زهير، والمقصود إثبات سماع سليمان بن يسار من عائشة، وهذا
الاحتمال الثاني اختاره صاحب ((عون المعبود))، ويؤيده(١) ما أخرجه
البخاري من حديث زهير قال: حدثنا عمرو بن ميمون، عن سليمان بن
يسار، عن عائشة، الحديث.
(قالا: نا عمرو بن ميمون بن مهران) الجزري أبو عبد الله، وقيل:
أبو عبد الرحمن الرقي، أمه أم عبد الله بنت سعيد بن جبير، قال أحمد:
ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله،
ووثّقه النسائي وابن نمير وغيرهما، مات سنة ١٤٧ هـ.
(قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: سمعت عائشة تقول) أي
عائشة: (إنها) أي عائشة (كانت تغسل المني من ثوب رسول الله (وَل (3)
يحتمل أن سليمان بن يسار بدل لفظها، وهو ((إني كنت)) بالغيبة، أو جعلت
هي نفسها غائبة وعبرتها بالغيبة، ويدل عليه قوله: (قالت: ثم أراه) أي
الغسل أو المني أي أثره (فيه بقعة أو بقعاً) يحتمل أن يكون لفظة ((أو)) من
كلامها، وينزل على حالتين، أو شكًا من أحد رواته، قاله الحافظ(٢).
(١) قلت: ليس فيه تصريح السماع، فكيف التأييد، والحديث أخرجه النسائي بلفظ عن. (ش).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٣٥/١).
٥٩٨

(١) كتاب الطهارة
(١٣٦) باب
(٣٧٣) حديث
استدل القائلون بطهارة المني بحديث الفرك، وقالوا: أحاديث الغسل
محمول على الاستحباب والتنظيف.
وأما القائلون بنجاسته فاحتجوا بحديث الغسل، وقالوا : يطهره الفرك،
ولو كان طاهراً لم تحتج عائشة - رضي الله عنها - إلى تطهيره بالفرك وبالغسل،
والظاهر أن فعلها لم يكن إلَّا بأمر رسول الله و ﴿ أو اطلاعه، وأيضاً لو كان
طاهراً لتركه على حاله مرة لبيان الجواز، فلما لم يتركه رسول الله وَ له على ثوبه
مرة، وكذلك الصحابة من بعده علم أنه نجس، ومواظبته وَّه على فعل شيء
من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه .
وقال الطحاوي(١): إنما جاءت أحاديث الفرك في ثياب ينام فيها،
ولم تأت في ثياب يصلي فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول
والدم، لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، وقد يجوز أن يكون
المني كذلك، فغسل الثوب محمول على إرادة الخروج إلى الصلاة،
كما يدل عليه رواية عائشة - رضي الله عنها - : ((كنت أغسل المني من ثوب
رسول الله وَ*، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه))، فهكذا كانت
عائشة تفعل بثوب النبي وَ ل * الذي كان يصلي فيه تغسل المني منه، وتفركه
من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، انتهى.
ويؤيده حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - لما سئلت هل كان النبي وَلـ
يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى.
ويؤيده ما أخرجه أبو داود فيما تقدم في الغسل من الجنابة من حديث
عائشة ولفظه: ((ثم غسل مرافغه وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما
إلى حائط)).
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٤٩/١).
٥٩٩

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٤) حديث
(١٣٧) بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ
٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عن مَالِكِ،
عن ابْنِ شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،
عن أُمِّ قَيْسٍ بِنَتِ مِحْصَنِ (أَنَّهَا أَتَتْ بَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الَّعَامَ
وأيضاً قالت عائشة: ((لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله وَّةٍ في
الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة)).
فهذه المبالغة في غسل الأيدي بالتراب من رسول الله وَّيو لم يكن إلَّا
لتطهيرها وتنظيفها، ولم يكن عليها من النجاسة إلَّا ما كان من أثر الجنابة
عليها، فيثبت بهذا أن المني نجس.
وقال الشوكاني(١): إن التعبد بإزالة المني غسلاً، أو مسحاً، أو فركاً
أو حتّاً، أو سلتاً، أو حكّاً ثابت، ولا معنى لكون الشيء نجساً إلَّا أنه
مأمور بإزالته بما أحال عليه الشرع، فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره
بأحد الأمور الواردة.
(١٣٧) (بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ)
قال في (لسان العرب)): والصبي من لدن يولد إلى أن يفطم
٣٧٤ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك) الإمام،
(عن ابن شهاب) الزهري، (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن(٢) لها صغير لم يأكل الطعام) أي
ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعق به
(١) ((نيل الأوطار)) (٧٩/١).
(٢) قال الحافظ (٣٢٦/١): لم يعرف اسمه. (ش).
٦٠٠

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٤) حديث
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى
ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ)). [خ ٢٢٣، م ٢٨٧، ن ٣٠٢،
ت ٧١، جه ٥٢٤، ط ٥١٣، حم ٢٥٥/٦، دي ٧٤١، خزيمة ٢٨٥،
حب ١٣٧٣، ق ٤١٤/٢، طب ٤٣٥]
للمداواة وغيرها، فكان المراد أنه لم يحصل الاغتذاء بغير اللبن على
الاستقلال، نقله الحافظ(١) عن النووي، ثم قال: ويحتمل أنها إنما جاءت
به عند ولادته ليحنكه(٢) وَ ﴿، فيحمل(٣) النفي على عمومه.
(إلى رسول الله ◌َ*، فأجلسه) أي ذلك الابن (رسول الله وَّر في
حجره) بكسر الحاء وتفتح، قال في ((المشارق)): بفتح الحاء وكسرها
هو الثوب والحضن، (فبال) أي ذلك الابن (على ثوبه) (٤) أي ثوب
رسول الله وَّي، (فدعا بماء فنضحه)(٥) أي أسال الماء وصبَّه عليه، وفي
رواية: ((فرشه))، ولا تخالف بين النضح والرش، لأن المراد به أن الابتداء
كان بالرش، وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح.
(ولم يغسله)(٦) قال الحافظ(٧): ادعى الأصيلي أن هذه الجملة
(١) (فتح الباري)) (٣٢٦/١).
(٢) وقد ورد التصريح بذلك في الطحاوي. (ش). (انظر: ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٩٢).
(٣) قلت: والظاهر الأول، لأن أمه جاءت به بنفسها، ومشي المرأة بعد وضع الحمل
لا يكون عادة. (ش).
(٤) وقيل: على ثوب الولد فإتباعه و * الماء كان احتياطاً، قاله ابن شعبان المالكي،
((أوجز المسالك)) (٦٤٦/١). (ش).
(٥) قال ابن العربي (٩٣/١): النضح في كلام العرب يستعمل في معنيين: الرش وصب
الماء الكثير. (ش).
(٦) وقال ابن العربي: معناه لم يعركه. (ش).
(٧) ((فتح الباري)) (١/ ٣٢٧).
٦٠١

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٤) حديث
من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله:
((فنضحه)) .
قال النووي(١): قد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي
والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، الصحيح
المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول
الجارية، بل لا بدَّ من غسله كسائر النجاسات، والثاني: أنه يكفي النضح
فيهما، والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهذان الوجهان حكاهما صاحب
((التتمة)) من أصحابنا وغيره، وهما شاذان ضعيفان، وممن قال بالفرق
علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من
أصحاب مالك - رضي الله عنهم - ، وروي عن أبي حنيفة، وممن قال
بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.
واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه
الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء
على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري(٢).
قال الخطابي(٣) وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من
(١) (شرح صحيح مسلم)) (١٩٨/٢).
(٢) وحكى الشوكاني (١/ ٧٠) عن ابن حزم الاكتفاء بالنضح، وحكي الطهارة عن أبي ثور
وغيره في ((فتح الملهم)) (١/ ٤٥١)، وقال الموفق (٤٩٥/٢): قال القاضي: رأيت
لأبي إسحاق كلاماً يدل على طهارة بول الغلام، لأنه لو كان نجساً لوجب غسله.
(ش).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) (١٦٨/١).
٦٠٢

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٤) حديث
أجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو
الصواب، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن
الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر فينضح، فحكاية باطلة قطعاً .
قال الشوكاني(١): وأحاديث الباب ترد المذهب الثاني والثالث، وقد
استدل في ((البحر)) لأهل المذهب الثالث بحديث عمار المشهور، وفيه:
((إنما تغسل ثوبك من البول ... إلخ))، وهو مع اتفاق الحفاظ على ضعفه
لا يعارض أحاديث الباب، لأنها خاصة، وهو عام، قلت: أحاديث الباب
لا ترد الثالث، فإن الأحاديث لا تدل على عدم الغسل، فإن النضح الوارد
في الحديث غسل(٢) وصب، وقوله: ((ولم يغسله)) محمول على المبالغة في
الغسل، لئلا يتعارض القولان، وليس هذا خلاف الظاهر.
قال الإمام الطحاوي(٣): ذهب قوم إلى التفريق بين حكم بول الغلام
وبول الجارية قبل أن يأكل الطعام، فقالوا: بول الغلام طاهر، وبول
الجارية نجس.
وخالفهم في ذلك آخرون، وسووا بين بوليهما جميعاً، وجعلوهما
نجسين، وقالوا: قد يحتمل قول النبي ◌َّ: ((بول الغلام ينضح))، إنما أراد
بالنضح صب الماء عليه، فقد تسمي العرب ذلك نضحاً.
ثم قال بعد ما نقل من الروايات(٤): فلما كان ما ذكرناه كذلك ثبت
(١) ((نيل الأوطار)) (٧٠/١).
(٢) كما جزم به الشافعي وأحمد في نضح ما لم تر من أثر الدم، والشافعي ومالك
في نضح المذي. (ش).
(٣) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٩٢).
(٤) أي الواردة بلفظ الصب في بول الغلام. (ش).
٦٠٣

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٥) حديث
٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعِ أَبُو تَوْبَةَ
الْمَعْنَى، قَالَا: نَا أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن قَابُوسَ،ً عن لُبَابَةَ
بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: ((كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي
حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَ ل﴿ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ
أن النضح الذي أراد به في الحديث الأول هو الصب المذكور هاهنا حتى
لا يتضاد الأثران، انتهى.
٣٧٥ - (حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة المعنى قالا:
نا أبو الأحوص) سلام بن سليم، (عن سماك) بن حرب، (عن قابوس) بن
أبي المخارق، ويقال: ابن المخارق بن سليم الشيباني الكوفي، قال
النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ذكره ابن يونس
فيمن قدم مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة علي، فهو على هذا قديم
لا يمتنع إدراكه لأم الفضل.
(عن لبابة بنت الحارث) بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها
نون، الهلالي، أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب، أخت ميمونة
أم المؤمنين لأبويها، وأختهن أم حفيدة واسمها هزيلة بنت الحارث، ولهن
أختان من أمهن سلمة وأسماء بنتا عميس، وأختهن لبابة أم خالد بن الوليد
وهي الكبرى، وقيل: الصغرى، واسمها عصماء، ويقال: بل عصماء أخت
أخرى لهن، ماتت قبل زوجها العباس بن عبد المطلب في خلافة عثمان
- رضي الله عنه - ، هكذا في ((تهذيب التهذيب)) و ((الإصابة))، وقال في
((التقريب)): ماتت بعد العباس في خلافة عثمان - رضي الله عنه - .
(قالت: كان الحسين بن علي - رضي الله عنه - في حجر)
أي في حضن (رسول الله﴿ فبال عليه، فقلت) أي لرسول الله:
(البس ثوباً) أي إزاراً آخر (وأعطني إزارك) الذي بال عليه الحسين
٦٠٤

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٦) حديث
حَتَّى أَغْسِلَهُ. قَالَ: ((إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ(١) بَوْلِ الأَنْثَى، وَيُنْضَحُ
W
[جه ٥٢٢، حم ٣٣٩/٦، ك ١٦٦/١، ق ٢ / ٤١٤، خزيمة
الذكر)).
مِنْ بَوْلِ
٢٨٤]
٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ
الْمَعْنَى قَالَا: نَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ،
(حتى أغسله، قال) أي رسول الله وَله: (إنما يغسل) أي بالمبالغة (من بول
الأنثى، وينضح) أي يصب الماء (من بول الذكر).
قال الطحاوي(٢): وإنما فرق بينهما، لأن بول الغلام يكون في موضع
واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجها، فأمر في بول
الغلام بالنضح، يريد صب الماء في موضع واحد، وأراد بغسل بول الجارية
أن يتتبع بالماء، لأنه يقع في مواضع متفرقة.
٣٧٦ - (حدثنا مجاهد بن موسى) بن فروخ الخوارزمي، أبو علي
الختلي، بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة، نزيل بغداد، قال
ابن معين: ثقة لا بأس به، وقال النسائي: بغدادي ثقة، وقال مسلمة بن
قاسم: كان ثقة، وقال صالح بن محمد وموسى بن محمد: صدوق، مات
سنة ٢٤٤ هـ.
(وعباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل بن توبة العنبري، أبو الفضل
البصري، الحافظ، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون،
وقال مسلمة: بصري ثقة، مات سنة ٢٤٦هـ، (المعنى قالا: نا عبد الرحمن بن
مهدي، حدثني يحيى بن الوليد) بن المسير الطائي ثم السنبسي،
(١) وفي نسخة: ((عن)).
(٢) ((معاني الآثار)) (٩٢/١).
٦٠٥

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٦) حديث
حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: ((كُنْتُ أَخْدُمُ
النَّبِيَّ (١) وَِّ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: ((وَلِّنِي قَفَاكَ)).
قَالَ فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ، فَأَسْتُرُهُ بِهِ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ(٢)
أبو الزعراء، بفتح الزاي وسكون المهملة، الكوفي، قال النسائي: ليس به
بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(حدثني محل) بضم أوله وكسر ثانيه(٣) (ابن خليفة) الطائي الكوفي،
قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، ووثّقه
ابن خزيمة والدارقطني، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عبد البر
في ((التمهيد)) في الكلام على بول الصبي: إن المحل بن خليفة ضعيف،
ولم يتابع ابن عبد البر على ذلك.
(حدثني أبو السمح)(٤) مولى رسول الله وَّ وخادمه، يقال: اسمه
إياد، قال أبو زرعة: لا أعرف اسمه، ولا أعرف له غير هذا الحديث،
روى أبو داود وابن ماجه منه الجملة الأولى، وقد رواه مجموعاً ابن خزيمة
في ((صحيحه)) والبزار، وقال: لا نعلم حديث أبي السمح بغير هذا
الحديث، ولا له إسناد إلَّا هذا.
(قال: كنت أخدم النبي ◌َّه، فكان) أي رسول الله وَ لهو (إذا أراد أن
يغتسل قال: ولني قفاك) أي اصرف وجهك عني، وحول قفاك وظهرك إليَّ
لتكون ساتراً عن أعين الناس.
(قال) أي أبو السمح: (فأوليه قفاي، فأستره به) وفي رواية الدار قطني:
((فأوليه قفاي، وأنشر الثوب))، يعني أستره، (فأتي بحسن أو حسين
(١) وفي نسخة: ((رسول الله)).
(٢) وفي نسخة: ((بحسين)).
(٣) وتشديد اللام، كذا قاله ابن رسلان. (ش).
(٤) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٤ /٤٧٨) رقم (٥٩٨٦).
٦٠٦

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٦) حديث
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ، فَقَالَ:
((يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَام)). [ن ٣٠٤،
جه ٥٢٦، خزيمة ٢٨٣، ك ١٦٦/١، قط ١٣٠/١]
قَالَ عَبَّاسُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ أَبُو الزَّعْرَاءِ(١) وَقَالَ هَارُونُ بْنُ تَمِيمٍ
عن الْحَسَنِ قَالَ: ((الأَبْوَالُ كلَّهَا سَوَاءٌ)).
- رضي الله عنهما - ) فأجلسه على صدره (فبال على صدره، فجئت أغسله،
فقال: يغسل من بول الجارية، ويرش) أي يصب الماء على البول (من بول
الغلام، قال عباس) أي ابن عبد العظيم: (حدثنا يحيى بن الوليد) بصيغة
الجمع، وقد قال مجاهد بصيغة الواحد.
(قال أبو داود: وهو) أي يحيى بن الوليد كنيته (أبو الزعراء، وقال
هارون بن تميم، عن الحسن البصري قال: الأبوال كلها)(٢) أي بول الذكر
وبول الأنثى (سواء) أي في كونها نجساً، واعلم أني لم أقف على ترجمة(٣)
هارون بن تميم في كتب أسماء الرجال، ولم أجد(٤) هذا التعليق فيما
تتبعت من الكتب.
(١) قال العيني في ((شرحه)) (٢/ ٢٠٧): الأصح أنه ليس بموجود في النسخ الصحيحة.
(٢) قال العيني: هذا ليس بثابت في غالب النسخ الصحيحة؛ والمعنى سواء كان بول
الصغير أو الكبير أو الذكر أو الأنثى.
(٣) وترك بعد هارون البياض في ابن رسلان، وكتب صاحب ((المنهل)) (٣/ ٢٥٣)
هو الراسبي يروي عن الحسن البصري، وعنه أبو هلال الراسبي، وثقه ابن حبان . (ش)
[قلت: وكذا قال العيني في ((شرحه)) (٢٠٩/٢)].
(٤) نعم أخرج ابن أبي شيبة في ((باب بول البعير والشاة)) برواية هشام والأشعث عن
الحسن بمعناه. انظر: ((المصنف)) (١٠٩/١). (ش).
٦٠٧

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٧ - ٣٧٨) حديث
٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ،
عن قَتَادَةَ، عن أَبِي حَرْبٍ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عن أَبِيهِ، عن عَلِيٍّ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: ((يُغْسَلُ مِن بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ
الْغُلَام، مَا لَمْ يَطْعَمْ)). [ت ٦١٠، جه ٥٢٥، حم ٧٦/١، خزيمة ٢٨٤،
حب ١٣٧٥، قط ١٢٩/١، ك ١٦٥/١، ق ٤١٥/٢]
٣٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أَبِي،
٣٧٧ - (حدثنا مسدد، نا يحيى) القطان، (عن ابن أبي عروبة) هو
سعيد، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي حرب بن أبي الأسود) الديلي
البصري، قيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه محجن، وقيل: عطاء، قال
ابن عبد البر في الكنى(١): هو بصري ثقة، مات سنة ١٠٨ هـ.
(عن أبيه) هو أبو الأسود الديلي، ويقال: الدؤلي، البصري،
القاضي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن عثمان،
وهو أول من تكلم في النحو، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد:
كان ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب))،
فقال: كان ذا دين، وعقل، ولسان، وبيان، وفهم، وذكاء، وحزم،
وكان من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين،
مات سنة ٦٩هـ.
(عن علي - رضي الله عنه - قال: يغسل من بول الجارية وينضح)
أي يغسل خفيفاً بصب الماء عليه (من بول الغلام، ما لم يطعم) أي الطعام،
ولم يبلغ الفطام.
٣٧٨ - (حدثنا ابن المثنى) محمد، (نا معاذ بن هشام، حدثني أبي)
(١) يعني ذكره في من لم يسم. (ش).
٦٠٨
9

(١) كتاب الطهارة
(١٣٧) باب
(٣٧٩) حديث
عن قَتَادَةَ، عن أَبِي حَرْبٍ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عن أَبِهِ (١)، عن عَلِيٌّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلِ قَالَ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ،
وَلَمْ يَذْكُرْ: ((مَا لَمْ يَطْعَمْ)). زَادَ: قَالَ قَتَادَةُ: ((هَذَا مَا لَمْ(٢) يَطْعَمَا
الطَّعَامَ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا)). [انظر سابقه]
٣٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ(٣)،
نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عن يُونُسَ، عن الْحَسَنِ، عن أُمِّهِ
هشام الدستوائي، (عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن
أبيه) أبي الأسود، (عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن نبي الله وَّ
قال، فذكر معناه) أي معنى الحديث المتقدم، (ولم يذكر) أي هشام في روايته
لفظ: (ما لم يطعم، زاد) أي هشام في حديثه على حديث ابن أبي عروبة:
(قال قتادة: هذا) أي هذا الفرق في بول الجارية والغلام (ما) أي ما دام
(لم يطعما الطعام، فإذا طعما) أي الطعام المعروف (غُسِلا جميعاً).
وأعاد المصنف حديث علي - رضي الله عنه - لأن الذي رواه ابن
أبي عروبة كان موقوفاً على علي - رضي الله عنه -، وحديث هشام مرفوع،
قال القاري(٤): والفرق بين الصبي والصبية أن بولها بسبب استيلاء الرطوبة
والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فيفتقر في إزالتها إلى زيادة مبالغة
بخلاف الصبي.
٣٧٩ - (حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، نا عبد الوارث) بن
سعيد، (عن يونس) بن عبيد، (عن الحسن) البصري، (عن أمه) وهي خيرة
(١) وفي نسخة: ((عن أبي الأسود)).
(٢) وفي نسخة: ((لما)).
(٣) زاد في نسخة: ((أبو معمر)).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٠/٢).
٦٠٩

(١) كتاب الطهارة
(١٣٨) باب
(٣٨٠) حديث
قَالَتْ: ((إِنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ
مَا لَمْ يَطْعَمْ، فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ)).
[ق ٢/ ٤١٦ من وجه آخر]
(١٣٨) بَابُ الأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ
٣٨٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَابْنُ عَبْدَةَ فِي
آخَرِينَ قَالَ: وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عَبْدَةَ.
أم الحسن البصري مولاة أم سلمة، ذكرها ابن حبان في ((الثقات))،
(قالت) أي أم الحسن: (إنها أبصرت) مولاتها (أم سلمة) أم المؤمنين
- رضي الله عنها - (تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم)
أي الغلام (غسلته) أي بوله، (وكانت تغسل بول الجارية) أي قبل الطعام
وبعد الطعام.
(١٣٨) (بَابُ الأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ)
أي: كيف تطهر؟
٣٨٠ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة) هو أحمد بن
عبدة بن موسى الضبي، أبو عبد الله البصري، قال أبو حاتم والنسائي :
ثقة، قال النسائي في موضع آخر: لا بأس به، وتكلم فيه ابن خراش، فلم
يلتفت إليه أحد للمذهب، وقال الذهبي في ((الميزان))(١): وقال ابن خراش:
تكلم الناس فيه، فلم يصدق ابن خراش في قوله هذا، فالرجل حجة
(في آخرين) حال، أي حال كون أحمد وابن عبدة داخلين في آخرين من
الشيوخ، فكما رويا هذا الحديث رواه الشيوخ الآخرون أيضاً (قال: وهذا)
أي المخرج في الكتاب (لفظ ابن عبدة) لا لفظ ابن السرح وغيره.
(١) (١١٨/١).
٦١٠

(١) كتاب الطهارة
(١٣٨) باب
(٣٨٠) حديث
قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن
أَبِي هُرَيْرَةَ ((أَنَّ أَعْرَابِيًّا.
(قال) أي ابن عبدة، أو كل واحد من ابن السرح وابن عبدة:
(أنا سفيان) أي ابن عيينة (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة أن أعرابياً) قال في ((النهاية))(١): والأعراب: ساكن البادية من
العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب
اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام
بالبادية أو المدن، والنسب إليها أعرابي وعربي.
وقال في ((لسان العرب)): والأعرابي البدوي، وهم الأعراب، وقيل:
ليس الأعراب جمعاً لعرب، وإنما العرب اسم جنس، والنسب إلى
الأعراب أعرابي، قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي :
لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب، فلا يكون
على هذا المعنى، فهذا يقويه .
قال الحافظ(٢): حكى أبو بكر التاريخي عن عبد الله بن نافع المزني :
أنه الأقرع بن حابس التميمي، وقيل غيره، وفي رواية أبي موسى المدني
في الصحابة قال: ((اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلاً جافياً))، وفي
رواية: ((اطلع ذو الخويصرة التميمي وكان جافياً))، والتميمي هو حرقوص بن
زهير الذي صار بعد ذلك من رؤوس الخوارج، وقد فرق بعضهم بينه وبين
اليماني، ونقل عن الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن(٣)، والعلم
عند الله تعالى .
(١) (ص ٦٠١).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٣٢٣).
(٣) وقيل: الأقرع بن حابس، ابن رسلان. (ش).
٦١١

(١) كتاب الطهارة
(١٣٨) باب
(٣٨٠) حديث
دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ لَّهِ جَالِسٌ، فَصَلَّى - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ:
رَكْعَتَيْنِ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا))، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ
أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَنَهَاهُمْ
النَّبِيُّ وَّهِ وَقَالَ: (إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ،
(دخل المسجد، ورسول الله * جالس، فصلى)(١) أي ذلك
الأعرابي (قال ابن عبدة: ركعتين) أي زاد ابن عبدة بعد قوله: ((فصلى)) لفظ
(ركعتين))، ولم يقله ابن السرح، (ثم قال) ذلك الأعرابي: (اللَّهمَّ ارحمني
ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي وَ له: لقد تحجرت واسعاً)
أي ضيقت ما وسعه الله تعالى من رحمته، وخصصت به نفسك دون غيرك
((نهاية)).
(ثم لم يلبث) أي لم يبطىء ولم يمهل (أن بال في ناحية المسجد،
فأسرع الناس إليه) أي هرولوا إليه ليمنعوه، وفي رواية للبخاري عن أنس:
((فقاموا إليه))، وفي رواية البيهقي والنسائي: ((فصاح الناس به))، فقال
الحافظ بعد نقل هذه الألفاظ المختلفة بأن تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي.
(فنهاهم النبي وَ﴿) قال الحافظ(٢): في رواية عبدان: ((اتركوه فتركوه))،
ووجه النهي بأنه كان أعرابياً جاهلاً لم يتأدب بآداب الشريعة، ولم يعلم
عدم جواز البول في المسجد لقرب عهده بالإسلام وبعده عنه وَّة، وقيل:
لئلا يشيع النجاسة في الأمكنة المتعددة، وقيل: لئلا يتضرر باحتباس البول.
(وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) إسناد البعث إليهم
(١) والظاهر قبل السلام، كما هو نص حديث المسيء في صلاته، فلذا قالوا: تقدم تحية
المسجد على السلام. ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٢٤/١).
٦١٢

(١) كتاب الطهارة
(١٣٨) باب
(٣٨٠) حديث
صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ))، أَوْ قَالَ: ((ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ)). [خ ٢٢٠،
ت ١٤٧، ن ٥٦، جه ٥٢٩، حم ٢٣٩/٢، خزيمة ٢٩٨]
على طريق المجاز، لأنه هو المبعوث وَل* بما ذكر، لكنهم لما كانوا في
مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، إذ هم(١) مبعوثون من
قبله بذلك، وكان ذلك شأنه وَّر في حق كل من يبعثه إلى جهة من الجهات
يقول: ((يسروا ولا تعسروا)).
(صبوا عليه سجلاً من ماء) السجل بالفتح: الدلو العظيمة ملأى ماء،
(أو) للشك من الراوي (قال: ذنوباً من(٢) ماء)، قال في ((المجمع))(٣): ومنه
سجلاً من ماء أو ذنوباً: وهو الدلو الكبير أو المملوء، وكذا الذنوب،
فأو للشك على الترادف، وللتخيير على غيره.
قال القاري(٤): قال المظهر: في الحديث دليل على أن الماء إذا ورد
على النجاسة على سبيل المكاثرة والمغالبة طهرها، وعلى أن غسلات
النجاسة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير وإن لم تكن مطهرة، ولولاه لكان الماء
المصبوب على البول أكثر تنجيساً للمسجد من البول نفسه (٥).
قال ابن الملك: وعند أبي حنيفة: لا يطهر حتى يحفر ذلك التراب،
(١) والشيخ مولانا محمد أسعد الله صحَّح العبارة هكذا: أو هُم مبعوثون من قبله،
وكان ذلك شأنه ... إلخ. (ش).
(٢) والجمع بينه وبين قوله: خذوا ما بال عليه من التراب، ذكره ابن قتيبة في ((التأويل))
(ص ٢٤١). (ش).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤١/٣).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٦/٢).
(٥) قال ابن العربي: قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل أحدكم يده في
الإناء)) ... إلخ، فعلم الفرق بين إدخال النجاسة في الماء وإدخال الماء على
النجاسة، وبسطه وذكر حديث الباب. (ش).
٦١٣

(١) كتاب الطهارة
(١٣٨) باب
(٣٨٠) حديث
فإن وقع عليه الشمس وجفت أو ذهب أثرها طهرت عنده من غير حفر ولا
صب ماء.
قال ابن الهمام(١): قول صاحب ((الهداية)): فجفت بالشمس اتفاقي،
إذ لا فرق بين الجفاف بالشمس أو الريح، والمراد من الأثر الذاهب اللون
أو الريح.
وقال ابن الهمام: ليس في الحديث دلالة على أن الأرض لا تطهر
بالجفاف، وقد صح عن ابن عمر أنه قال: ((كنت عزباً أبيت في المسجد،
وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون من
ذلك))، فلولا اعتبارها أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة
مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة البتة، إذ لا بد منه مع صغر المسجد
وعدم من يتخلف في بيته، وكون ذلك يكون في بقع كثيرة حيث تقبل وتدبر
وتبول، فإن هذا التركيب في الاستعمال يفيد تكرار الكائن منها .
أو لأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيره، فوجب كونها تطهر
بالجفاف بخلاف أمره - عليه الصلاة والسلام - بإهراق ذنوب من ماء، لأنه
كان نهاراً، وقد لا يجف قبل وقت الظهر، فأمر بتطهيرها بالماء، بخلاف
مدة الليل.
أو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن، أو أريد إذ ذاك أكمل الطهارتين
المتيسر في ذلك الوقت هذا، وإذا قصد تطهير الأرض صب الماء عليه
ثلاث مرات وجففت بكل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب(٢) عليه ماء
بكثرة ولم يظهر لون النجاسة ولا ريحها فإنها تطهر، انتهى.
(١) ((فتح القدير)) (١٧٤/١).
(٢) وهكذا في ((الشامي)) (١/ ٥٦٣). (ش).
٦١٤