النص المفهرس

صفحات 1241-1260

(١) كتاب الطهارة
(١٢٧) باب
(٣٣٦) حديث
أَلَّا(١) سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا
كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ)) - شَكَّ مُوسَى - «عَلَى
جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)). [ق ٢٢٨/١،
قط ١٩٠/١]
(ألَّا)(٢) بفتح الهمزة وتشديد لام، حرف تحضيض، دخل على
الماضي، فأفاد التنديم (سألوا إذ لم يعلموا) والمعنى: فلم لم يسألوا ولم
يتعلموا ما لا يعلمون، (فإنما شفاء العيّ) بكسر العين هو العجز عن النطق
والتحير في الكلام وغيره (السؤال) فإنه لا شفاء لداء الجهل إلَّا بالتعلم، قد
قال الله تعالى: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾(٣).
(إنما كان يكفيه) أي الرجل المحتلم (أن يتيمم) أولاً (ويعصر) (٤)
لم يوجد لفظ ((ويعصر)) فيما أخرج البيهقي هذا الحديث في ((سننه)) من رواية
ابن داسة، وأخرج الدارقطني هذا الحديث برواية ابن أبي داود عبد الله بن
سليمان بن الأشعث، وفيه كما في أبي داود: ((ويعصر أو يعصب))، ثم قال
في آخره: شك موسى.
(أو يعصب) أي يشد، و ((أو)) للشك من الراوي، أي قال هذا اللفظ
أو ذاك (شك موسى) في هذا اللفظ (على جرحه) بضم الجيم (خرقة) أي
قطعة من الثوب لئلا يصل إليه بلة الماء (ثم يمسح عليها) أي على الخرقة
باليد (ويغسل سائر جسده) وهذا يدل على الجمع بين التيمم وغسل سائر
(١) وفي نسخة: ((ألا تسألوا إذ لم تعلموا)).
(٢) قال ابن رسلان: قال أهل اللغة: يجوز تخفيف ألا وتشديدها، فمن شدَّد فمغيَّرة من
هلًّا، أو هي مغيرة من ألَّ. (ش).
(٣) سورة النحل: الآية ٤٣.
(٤) قال ابن رسلان: يحتمل أنه أراد بـ ((يعصب)) شدَّ الخرقة على الجرح مع الربط. (ش).
٥٣٥

(١) كتاب الطهارة
(١٢٧) باب
(٣٣٦) حديث
البدن بالماء دون الاكتفاء بأحدهما، كما هو مذهب الشافعي(١).
والجواب أن الحديث ضعيف، قد تفرد به(٢) زبير بن خريق، وليس
بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء، عن ابن عباس وهو الصواب،
قال الدار قطني(٣): اختلف (٤) فيه على الأوزاعي، والصواب أن الأوزاعي
أرسل آخره عن عطاء، وصحح هذا الحديث ابن السكن، وروى من طريق
الوليد بن عبيد بن أبي رباح عن عمه عطاء مرفوعاً، والوليد بن عبيد ضعفه
الدارقطني، وقواه من صحح حديثه، وأيضاً مع ضعفه مخالف للقياس،
وهو الجمع بين البدل والمبدل منه .
وحاصله أن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح
الصلاة، وجوده وعدمه بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجساً، ولأن الغسل
إذا لم يفد الجواز كان الاشتغال به سفهاً مع أن فيه تضييع الماء، وأنه
حرام، فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين فكفَّر بالصَّوم أنه يجوز
ولا يؤمَرُ بإطعام الخمسة لعدم الفائدة، فكذا هذا بل أولى، لأن هناك
لا يؤدي إلى تضييع المال، فالمراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد،
وهو الماء المفيد لإباحة الصلاة عند الغسل به، كما يقيد بالماء الطاهر،
ولأن مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف من الماء في باب
(١) مذهب الشافعي وأحمد أنه يغسل الصحيح ويتيمم للباقي، وعند الحنفية ومالك:
إن كان الأكثر جريحاً يتيمم وإلّا يغسل كما في ((المغني)) (٣٣٦/١) ويمسح للباقي،
ولو تساويا فكذلك، كما في «الشامي» (٤٨١/١). (ش).
(٢) قال ابن رسلان: تفرد زريق بذكر التيمم لم يقع في رواية عطاء، نبَّه على ذلك
ابن القطان. (ش).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١٩٠/١).
(٤) قلت: بل اختلف فيه على عطاء أيضاً كما ترى. (ش).
٥٣٦

(١) كتاب الطهارة
(١٢٧) باب
(٣٣٧) حديث
٣٣٧ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِم الأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
شُعَيْبٍ:
الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق
إليه .
أو يقال: إن لفظ الواو في قوله: ويعصر بمعنى أو، فعلى كلا
التوجيهين لا يدل الحديث على الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن.
ثم اعلم أن مطابقة الحديث بالباب إذا كانت ترجمة الباب بلفظ
المجدور والمعذور ظاهرة، وأما إذا كانت بلفظ المجروح فمطابقته على
مذهب الشافعي واضحة، وأما على مذهبنا فإن المجروح إذا كان جرحه في
غالب البدن يجوز له التيمم، وأما إذا كان أكثر البدن صحيحاً، فحينئذ
يغسل الصحيح، ويمسح المجروح، فالمطابقة على الأول ثابتة وجوداً،
وعلى الثاني عدماً.
٣٣٧ - (حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي) ذكره ابن حبان في
(الثقات))، وذكره العقيلي في ((الضعفاء)»، وقال: لا يتابع على حديثه،
وذكره ابن وضاح وقال فيه: شيخ.
(ثنا محمد بن شعيب) بن شابور بالمعجمة والموحدة، الأموي
مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي، كان يسكن بيروت، قال أحمد بن حنبل:
ما أرى به بأساً، وما علمت إلَّا خيراً، وقال ابن معين: كان مرجئاً، وليس
به في الحديث بأس، وقال إسحاق بن راهويه: روى ابن المبارك عن
محمد بن شعيب فقال: أخبرنا الثقة من أهل العلم محمد بن شعيب، وقال
ابن عمار ودحيم: ثقة، وقال العجلي: شامي ثقة، وقال الآجري عن
أبي داود: محمد بن شعيب في الأوزاعي ثبت، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، مات سنة ٢٠٠ هـ.
٥٣٧

(١) كتاب الطهارة
(١٢٧) باب
(٣٣٧) حديث
أَخْبَرَنِي الأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، أَنَّهُ سَمِعَ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ قَالَ: ((أَصَابَ رَجُلاً جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَّسُولِ اللَّهِ وَهـ
ثُمَّ احْتَلَمَ، فَأُمِّرَ بِالاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ
رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ
السُّؤَالَ؟)). [جه ٥٧٢، دي ٧٥٢، حم ٣٣٠/١، ق ٢٢٧/١، ك ١٦٥/١]
(أخبرني الأوزاعي أنه) أي الأوزاعي (بلغه عن عطاء بن أبي رباح)
أي الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء، ولكن وصل إليه بلاغاً
بالواسطة، (أنه) أي عطاء (سمع عبد الله بن عباس قال) أي ابن عباس:
(أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله (وَّر، ثم احتلم) أي أصابته
جنابة (فأمر بالاغتسال) أي أمره بعض من كان معه من الرفقاء
بالاغتسال (فاغتسل) بفتواهم، فأضرّه الغسل (فمات) أي دخل الماء في
جرحه فمات منه.
(فبلغ ذلك رسول الله * فقال: قتلوه) أي أهلكوه بفتواهم
(قتلهم(١) الله تعالى) أي أهلكهم أو لعنهم، (ألم يكن شفاء العي السؤال؟)
أي لما كانوا أعياء كان يجب عليهم أن يسألوا العلماء عن المسألة
ويحققوها عنهم، أو معناه: كان عليهم أن يسألوا عن المسألة رسول الله اله
ولم يفتوا قبل أن يتعلموا منه ويچ.
أخرج ابن ماجه هذا الحديث موصولاً في «سننه»(٢)، ولفظه: حدثنا
هشام بن عمار، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، ثنا الأوزاعي،
(١) قال ابن الصلاح: إذا أتلف المستفتي بفتوى أحد شيئاً ثم علم خطأه، يضمن المفتي
إن كان أهلاً، وإلا فلا، لأن التقصير إذاً من المستفتي، وقال ابن رسلان: الظاهر أن
من نصب للفتوى واشتهر فلا تقصير من المستفتي. (ش).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) ح (٥٧٢).
٥٣٨

(١) كتاب الطهارة
(١٢٧) باب
(٣٣٧) حديث
عن عطاء بن أبي رباح قال: ((سمعت ابن عباس يخبر أن رجلاً أصابه جرح
في رأسه على عهد رسول الله وَلّر، ثم أصابه احتلام، فأمر بالاغتسال،
فاغتسل فكُوَّ(١) فمات، فبلغ ذلك النبي ◌َّر فقال: قتلوه قتلهم الله، أو لم
يكن شفاء العي السؤال؟ قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله وَّر قال: لو غسل
جسده وترك رأسه وحيث أصابه الجراحة»، انتهى.
واختلف في أن الأوزاعي سمع هذا الحديث عن عطاء، فحكي عن
أبي زرعة وأبي حاتم: لم يسمعه الأوزاعي عن عطاء، إنما سمعه
من إسماعيل بن مسلم عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته
عن الأوزاعي، ولكن حكى الشيخ أبو الطيب في ((التعليق المغني)) (٢)
وقال: ورواه الحاكم من حديث بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، ثني عطاء بن
أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس: ((أن رجلاً أصابه جرح على عهد
رسول الله بلير، ثم أصابه احتلام، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك))، الحديث.
قال الحاكم: بشر(٣) بن بكر ثقة مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على
شرطهما ، انتهى.
وقال الدارقطني: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عنه
فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن مسلم، عن
عطاء، عن ابن عباس، وأسند الحديث، قلت: فيمكن أن يكون الأوزاعي
روى عن عطاء بطريقتين بواسطة وبغير واسطة، والله أعلم، ولفظة ((لو))
إما للتمني، أو الجزاء محذوف أي لأصاب أو لكفاه.
(١) فكُزَّ: بكاف وزاي مشددة على بناء المفعول: داءٌ يأخذ من شدة البرد.
(٢) انظر: ((سنن الدار قطني)) (٣٥٠/١).
(٣) ليست هذه العبارة في نسخة الحاكم الذي عندنا، بل سكت عن التصحيح وسكت عنه
الذهبي. (ش).
٥٣٩

(١) كتاب الطهارة
(١٢٨) باب
(٣٣٨) حدیث
(١٢٨) بَابٌ: فِي الْمُتَيَمِّم يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّ(١) فِي الْوَقْتِ
٣٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَِّيُّ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
نَافِع، عن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عن بَكْرِ بْنِ سَوَادَةً، عن عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: ((خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ،
فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلًَّا،
ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ،
(١٢٨) (بَابٌ: فِي الْمُتَّمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ)
أي هل يعيد الصلاة أو لا؟
٣٣٨ - (حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، نا عبد الله بن نافع)
الصائغ، (عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامي، بجيم
ثم معجمة(٢)، أبو ثمامة المصري، كان فقيهاً مفتياً، أرسله عمر بن
عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم، قال النووي: لم يسمع من عبد الله بن
عمرو بن العاص، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة
إن شاء الله، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) من
التابعين، ثم أعاده في أتباعهم فقال: يخطىء، مات سنة ١٢٨ هـ.
(عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان(٣) في
سفر، فحضرت الصلاة) أي وقتها (وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً)
التيمم هاهنا يمكن أن يحمل على المعنى اللغوي أي قصداه، ويمكن أن
يراد المعنى الشرعي، فيكون على نزع الخافض أي بالصعيد (فصليا،
ثم وجدا الماء في الوقت).
(١) وفي نسخة: ((صلى)).
(٢) بضم الجيم وتخفيف الذال المعجمة، قاله ابن رسلان. (ش).
(٣) قال ابن رسلان: قال الحافظ: لم أقف على اسمهما ولا على تعيين الصلاة. (ش).
٥٤٠

(١) كتاب الطهارة
(١٢٨) باب
(٣٣٨) حديث
أجمعوا(١) على أنه إذا رأى الماء بعد فراغه من الصلاة لا إعادة
عليه، وإن كان الوقت باقياً، واختلفوا فيما إذا وجد الماء بعد دخوله في
الصلاة، فالجمهور على أنه لا يقطعها وهي صحيحة، وقال أبو حنيفة
وأحمد في رواية(٢): يبطل تيممه، أما إذا تيمم ثم وجد الماء قبل دخول
الصلاة، فالإجماع على بطلان تيممه، قاله القاري(٣).
وقال الشوكاني (٤) في الصورة الأولى: لا يجب عليه(٥) الإعادة عند
أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وتجب الإعادة مع بقاء الوقت عند
طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة
لتوجه الخطاب مع بقائه، وشرط في صحتها الوضوء، وقد أمكن في وقتها،
ورُدَّ بأنه لا يتوجه الطلب بعد قوله: ((أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)).
وقال في الصورة الثالثة: أما إذا وجد الماء قبل الصلاة بعد التيمم
وجب الوضوء عند الفقهاء، وقال داود وسلمة بن عبد الرحمن: لا يجب
لقوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾(٦).
وقال في الصورة الثانية: وأما إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة
قبل الفراغ منها، فإنه يجب عليه الخروج من الصلاة، وإعادتها بالوضوء
(١) أي الأربعة وإلَّا فخالف فيه طاوس وعطاء وابن سيرين والزهري وغيرهم، كما في
((إحكام الأحكام)) (١٢٠/١)، وسيأتي عن الشوكاني. (ش).
(٢) هذا هو المرجح في مذهبه بل رجع إليها كما في («المغني)) (٣٤٧/١). (ش).
(٣) ((مرقاة المفاتيح» (٩٠/٢).
(٤) («نيل الأوطار)) (٣٤٣/١).
(٥) وكذا قال ابن رسلان. (ش).
(٦) سورة محمد: الآية ٣٣.
٥٤١

(١) كتاب الطهارة
(١٢٨) باب
(٣٣٨) حديث
فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا
رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ فَذَكَرًا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ
وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ))، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: ((لَكَ الأَجْرُ
مَرَّتَيْنِ)). [ن ٤٣٣، دي ٧٤٤، ق ٢٣١/١، ك ١ / ١٧٨]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ.
عند أبي حنيفة(١) والأوزاعي، والثوري، والمزني وابن شريح، وقال
مالك(٢) وداود: لا يجب عليه الخروج بل يحرم والصلاة صحيحة.
(فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء) إما ظنًّا بأن الأولى كانت باطلة،
وإما احتياطاً، (ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صل﴿ فذكرا ذلك) أي
ما وقع لهما (له) أي لرسول الله وَلقوله (فقال للذي لم يعد) أي الصلاة:
(أصبت السنة) أي صادفت الشريعة الثابتة بالسنة (وأجزأتك صلاتك) أي
كفتك عن القضاء، والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطاً للإعادة.
(وقال للذي توضأ وأعاد) أي الصلاة في الوقت: (لك الأجر مرتين)
أي لك أجر الصلاتين اللتين صليتهما كلتيهما مرتين، فإن كلاً منهما
صحيحة تترتب عليهما مثوبة، وإن كانت إحداهما فرضاً والأخرى نفلاً .
(قال أبو داود: وغير ابن نافع) وهو يحيى بن بكير وعبد الله بن
المبارك، أخرج رواية يحيى البيهقي(٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا
أبو بكر بن إسحاق، أنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا يحيى بن بكير،
(١) وإليه رجع أحمد وقال: كنت أقول: يمضي في الصلاة، لكن كثرة الدلائل على أنه
يخرج. (ش).
(٢) وبه قال الشافعي. (ش).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٢٣١/١)، وأيضاً أخرجه الحاكم (١٧٩/١).
٥٤٢

(١) كتاب الطهارة
(١٢٨) باب
(٣٣٨) حديث
يَرْوِيهِ عن اللَّيْثِ، عن عَمِيرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةً،
عن الليث، عن عمير بن أبي ناجية، فذكره، كذا في كتابي عمير؛
والصواب عميرة بن [أبي] ناجية.
وأخرج رواية عبد الله بن المبارك الدارقطني(١) ولفظه: حدثنا
محمد بن إسماعيل الفارسي، نا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، عن
عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار أن
رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه، ولم يذكر أبا سعيد، وقال: تفرد به
عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلاً، وخالفه ابن المبارك وغيره،
وأيضاً أخرج النسائي رواية عبد الله في ((مجتباه))(٢) مرسلاً.
(يرويه) أي يروي غير ابن نافع وهو يحيى بن بكير هذا الحديث
(عن الليث عن عميرة(٣) بن أبي ناجية) واسمه حريث الرعيني، أبو يحيى
المصري، مولى حجر بن رعين، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: مات سنة ١٥١ هـ.
وقال الشوكاني(٤): وقد رواه ابن السكن في ((صحيحه)) موصولاً من
طريق أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن
أبي ناجية جميعاً، عن بكر موصولاً، ورواه ابن لهيعة عن بكر، فزاد بين
عطاء وأبي سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله، وابن لهيعة(٥)
ضعيف، ولا يلتفت إلى زيادته ولا تُعَلُّ بها رواية الثقة، ومعه عميرة بن
أبي ناجية.
(١) (سنن الدارقطني) ح (٧٢٨).
(٢) ((سنن النسائي)) (٢١٣/١).
(٣) بفتح العين ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) ((نيل الأوطار)) (٣٤٣/١).
(٥) وكذا نقله ابن رسلان عن ابن حجر. (ش).
٥٤٣

(١) كتاب الطهارة
(١٢٨) باب
(٣٣٩) حديث
عن بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن النَّبِيِّ وََّـ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
لَيْسَ بِمَحْفُوظِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ.
٣٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ،
عن بَكْرِ بْن سَوَادَةَ، عِنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ،
عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وِّه
بِمَعْنَاهُ. [ن ٤٣٤، وانظر تخريج الحديث السابق]
(عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي وَّر، قال
أبو داود: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل)(١).
قال الشوكاني: قال موسى بن هارون: رفعه وهم من ابن نافع، ولكن
يقوي رفعه ويصححه ما تقدم من رواية أبي علي بن السكن في ((صحيحه))
موصولاً، فلا يقدح فيه كونه مرسلاً من بعض الطرق، وهذا الحديث حجة
للحنفية ومن معهم فيما إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعدما صلى في
الوقت، لا يجب عليه الإعادة.
٣٣٩ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا ابن لهيعة) عبد الله،
(عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد) المصري،
قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ في ((التقريب)): مجهول، (عن
عطاء بن يسار أن رجلين من أصحاب رسول الله (ّ ه بمعناه) أي بمعنى
الحديث المتقدم.
غرض المصنف بتخريج حديث ابن لهيعة الإشعار بأن حديث
(١) لكن أخرج الحاكم موصولاً وصحَّحه على شرطهما كما نقله عنه ابن رسلان.
[انظر: ((المستدرك)) (١٧٩/١)]. (ش).
٥٤٤

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٠) حديث
(١٢٩) بَابٌ: فِي الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ (١)
٣٤٠ - حَذَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعِ، نَا مُعَاوِيَةُ،
عن يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا ...
عبد الله بن نافع فيه انقطاع، لأنه لم يذكر فيه بين بكر بن سوادة وعطاء
أبا عبد الله، وأن الحديث مرسل، وابن نافع زاد فيه أبا سعيد الخدري،
وهو غير محفوظ، وقد تقدم أن ابن لهيعة ضعيف فلا يلتفت إلى زيادته
ولا تُعَلُّ بها رواية الثقات.
(١٢٩) (بَابٌ: فِي الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ)
هل يجب أو لا؟
٣٤٠ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية) بن سلام بالتشديد،
ابن أبي سلام ممطور الحبشي بضم المهملة، ويقال: الألهاني، أبو سلام
الدمشقي، قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وعن دحيم: جيد
الحديث ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وقال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير
كتاباً ولم يقرأه ولم يسمعه.
(عن يحيى) بن أبي كثير، (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن
أبا هريرة أخبره) أي أبا سلمة، (أن عمر بن الخطاب بينا) هو، وفي نسخة:
بينما هو، قال في ((القاموس)): وبينا نحن كذا: هي بَيْنَ أُشْبِعَتْ فتحتها،
فحدثت الألف، وبينا وبينما من حروف الابتداء، والأصمعي يخفض بعد
بينا إذا صَلُحَ موضعُه، وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر.
(١) وفي نسخة: ((يوم الجمعة)).
٥٤٥

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٠) حدیث
هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ
الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ.
قَالَ(١) عُمَرُ: والْوُضُوءَ أَيْضًا! أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ وَه
يَقُولُ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُم.
(هو) أي عمر بن الخطاب (يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل) ولفظ
البخاري: ((إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي (وَلِ﴾))،
ولفظ رواية مسلم: ((إذ دخل عثمان بن عفان)) (فقال عمر) - رضي الله عنه -
لما رآه متأخراً في الحضور للجمعة منكراً عليه: (أتحتبسون) أي في
أشغالكم وحوائجكم (عن الصلاة)(٢) ولا تبكرون لها .
(فقال الرجل) أي عثمان بن عفان - رضي الله عنه - معتذراً: (ما هو)
أي الشأن (إلّا أن سمعت النداء فتوضأت) فحضرت الصلاة (قال عمر:
والوضوء أيضاً) هو منصوب أي وتوضأت الوضوء أي اقتصرت عليه دون
الغسل، فيه إشعار بأنه قبل عذره في ترك التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر
اتجه له عليه فيه إنكار ثانٍ، والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت بتفويت الفضيلة،
حتى تركت الغسل، وإنما ترك الغسل، لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة
والاشتغال بالغسل وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة ((فتح))(٣).
(أو لم تسمعوا (٤) رسول الله وَّ﴾ يقول: إذا أتى(٥) أحدكم
(١) وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) فيه جواز الإنكار على الكبار في المجمع، ((ابن رسلان))، وأيضاً فيه الكلام في
الخطبة أمراً بالمعروف، ((ابن رسلان))، وسيأتي البسط فيه في الجمعة، وقال السندي
على البخاري: لم يكن المحادثة في الخطبة كما لم يكن قوله عليه الصلاة والسلام:
((أركعت)) لمن دخل في المسجد في الخطبة. (ش).
(٣) (فتح الباري)) (٣٦٠/٢).
(٤) ولفظ البخاري: ((وقد علمت))، ابن رسلان. (ش).
(٥) ظاهره اختصاصه بمن أتى الجمعة، وبه قال الأربعة كما سيأتي. (ش).
٥٤٦

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٠) حديث
الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ)). [خ ٨٨٢، م ٨٤٥، ت ٤٩٤، ق ٢٩٦/١،
ط ٣/١٠١/١]
الجمعة) أي أراد إتيان الجمعة (فليغتسل) استدل بهذا الحديث من قال:
بعدم وجوب الغسل للجمعة، ووجه الدلالة أن عثمان - رضي الله عنه -
فعله، وأقره عمر - رضي الله عنه - ولم يأمره بالرجوع للغسل، وأقره
حاضرو الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً لما تركه
ولألزموه به، فعلى هذا الأمر الوارد في الحديث محمول على الندب.
وأجاب عنه الآخرون بأن إنكار عمر - رضي الله عنه - على رأس
المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل، وتقرير جمع
الحاضرين الذين هم جمهور الصحابة لذلك الإنكار من أعظم الأدلة
القاضية بأن الوجوب كان معلوماً عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على
عدم الوجوب لما عول ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير
من عمر ومن حضر هذا بعد هذا .
ولعل النووي ومن معه ظنوا أنه لو كان الاغتسال واجباً لنزل عمر من
منبره، وأخذ بيد ذلك الصحابي، وذهب به إلى المغتسل، أو لقال له:
لا تقف في هذا الجمع، أو اذهب فاغتسل فإنا سننظرك، أو ما أشبه ذلك،
ومثل هذا لا يجب على من رأى الإخلال بواجب من واجبات الشريعة،
وغاية ما كُلِّفنا به في الإنكار على من ترك واجباً هو ما فعله عمر في هذه
الواقعة، انتهى، قاله الشوكاني(١).
قلت: وهذا الذي قاله الشوكاني كلام من غفل عما جُبِل عليه
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من الشدة والغلظة في الدين، وتأديبه
(١) ((نيل الأوطار)) (٣٠٠/١).
٥٤٧

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٠) حديث
الناس في إخلالهم بواجبات الشرع، فإنه - رضي الله عنه - لَبَّبَ برداء
هشام بن حكيم بن حزام على أنه كان يقرأ سورة الفرقان على غير
ما يقرؤها عمر، وجاء به إلى رسول الله ** يقوده حتى قال له
رسول الله ◌َة: ((أرسله)).
وأيضاً أخرج أم فروة أخت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من
البيت حين ناحت، وأيضاً ضرب بين ثديي أبي هريرة حين بعثه رسول الله وَله
بنعليه، وقال له: من لقيت يشهد أن لا إله إلَّا الله مستيقناً بها قلبه بشره
بالجنة، حتى خَرَّ لإسته، وقال: ارجع فرجع فأجهش بالبكاء.
وأيضاً لما أراد رسول الله وَ﴿ أن يصلي على عبد الله بن أُبَيّ المنافق
جذبه، وقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين.
وهكذا تثقيفاته وتشديداته أكثر من أن يحصيها نطاق البيان، فمن له
علم وخبرة بها يستحيل منه أن يستبعد من مثل عمر أن يقيمه من مجلسه،
ويرده إلى بيته ليغتسل، ويتركه يجلس ويصلي وقد ترك الواجب، فالعجب
من العلامة الشوكاني مع أنه له باع طويل في الحديث والسير، وعارف
بسيرته وتثقيفاته، كيف لم يتنبه لها، واستبعد منه - رضي الله عنه - أن يقول
لذلك الرجل: اذهب فاغتسل، ثم أحضر.
وقد تنبه له الإمام الشافعي فقال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل،
ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن أمر
رسول الله مي كان على الاختيار، وكذا الطحاوي والخطابي وغيرهما .
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الغسل للصلاة لا لليوم، وهو
الصحيح، وفيه أيضاً أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح.
٥٤٨

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤١) حديث
٣٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، عن مَالِكٍ،
عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَن أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى
كُلِّ مُحْتَلِم)). [خ ٨٥٨، م ٨٤٦، ن ١٣٧٧، جه ١٠٨٩، ق ٢٩٤/١،
دي ١٥٣٧، ط ١ / ١٠٢ / ٤]
٣٤١ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن مالك) بن أنس
(عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن
رسول الله # قال: غسل يوم الجمعة واجب) أي ثابت، لا ينبغي أن
يترك، لا أنه يأثم تاركه، قيل: هذا وأمثاله تأكيد للاستحباب كما يقال:
رعاية فلان علينا واجبة، قاله القاري(١).
وقال الخطابي(٢): قوله: ((واجب)) (٣) معناه وجوب الاختيار
والاستحباب، دون وجوب الفرض، ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر
الذي تقدم ذكره.
(على كل محتلم)(٤) أي بالغ مدرك أوان الاحتلام، وسببه أن القوم
كانوا يعملون في المهنة ويلبسون الصوف، وكان المسجد ضيقاً مقارب
السقف، فإذا عرقوا تثور منهم رياح، وتأذى بعضهم برائحة بعض خصوصاً
في بلادهم التي في غاية من الحرارة، فندبهم إلى الاغتسال بلفظ الوجوب
ليكون أدعى إلى الإجابة .
(١) ((مرقاة المفاتيح)» (٩٢/٢).
(٢) («معالم السنن)) (١٥٩/١).
(٣) وقال ابن رسلان: أي كالواجب جمعاً بين الأدلة. (ش).
(٤) ظاهره عموم استحباب الغسل لكل أحد، قال الشعراني (٢٤٦/١): خصص الأربعة
مندوبيته، على من حضر الجمعة، وقال أبو ثور: إنه مستحب على كل أحد حضر =
٥٤٩

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤١) حديث
قال النووي(١): اختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكي وجوبه
عن بعض الصحابة، به قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن
مالك(٢)، وحكاه الخطابي عن الحسن ومالك، وذهب جمهور العلماء من
السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب، قال
القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، واحتج من أوجبه
بظواهر الأحاديث.
واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها: حديث الرجل الذي دخل
وعمر يخطب وقد ترك الغسل، ومنها قوله : ((من توضأ يوم الجمعة فبها
ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل))، حديث حسن في ((السنن)) مشهور،
ومنها قوله ◌َلير: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة))، وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس
بواجب، لأن تقديره لكان أفضل وأكمل.
وقال الخطابي(٣): ولم تختلف الأمة في أن صلاته مجزئة إذا
لم يغتسل، فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها دل على أنه استحباب،
كالاغتسال للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدماً لسببه، ولو كان
واجباً لكان متأخراً عن سببه، كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس.
أو لا، والظاهر أن من قال باستحبابه لليوم يقول بالعموم، والبسط في ((السعاية»
=
(٣٢٥/١) و((الأوجز)) (٣٨٣/٢). (ش).
(١) ((شرح صحيح مسلم)) (٣/ ٣٩٤).
(٢) وحكاه عنه في ((الهداية)) (٢٠/١) أيضاً، ونقل ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣٦٥/١)،
ثلاث روايات لأحمد، ورجح الوجوب، والثالثة التفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى
إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغنٍ عنه فيستحب له. (ش).
(٣) ((معالم السنن)) (١٥٩/١).
٥٥٠

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٢) حديث
٣٤٢ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ الرَّمْلِيُّ، نَا الْمُفَضَّل - يَعْنِي ابْنَ
فَضَالَةَ -، عن عَّشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عن بُكَيْرٍ، عن نَافِعِ، عن ابْنِ عُمَرَ،
عن حَقْصَةَ، عن النَّبِّ وَِّ فَقَّالَ: ((عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمَ رَوَاحُ الْجُمُعَةِ،
وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ)). [ن ١٣٧١، خزيمة ١٧٢١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوع الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ
غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ.
٣٤٢ - (حدثنا يزيد بن خالد الرملي، نا المفضل) كمحمد (يعني
ابن فضالة، عن عياش) بالمثناة التحتية والشين المعجمة (ابن عباس)
بالموحدة والسين المهملة، (عن بكير) مصغراً، ابن الأشج، (عن نافع)
مولى ابن عمر، (عن ابن عمر) عبد الله، (عن حفصة) بنت عمر بن الخطاب
أم المؤمنين، (عن النبي صل﴿ فقال: على كل محتلم) أي بالغ (رواح الجمعة)
أي يجب (وعلى كل من راح) أي أراد الرواح (إلى الجمعة) أي إلى صلاتها
يجب (الغسل، قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر) أي من
يوم الجمعة (أجزأه)(١) أي كفاه ذلك الغسل من (غسل الجمعة وإن
أجنب)(٢) أي وإن اغتسل من الجنابة، فيتداخل الغسلان(٣).
(١) قال ابن رسلان: به قال أحمد والثوري والشافعي، وحكي عن الأوزاعي أنه يجزؤه
قبل الفجر، وحكي عن مالك أنه لا يجزؤه إلّا أن يتعقبه الرواح.
(٢) قال ابن رسلان: معناه أنه إذا اغتسل للجمعة ثم أجنب لا يبطل غسل الجمعة،
فيغتسل للجنابة ويبقى غسل الجمعة، قال النووي: لأنه لا وجه لإبطاله، فهذا غير
المعنى الذي شرح به الشيخ، فتأمل.
(٣) قال ابن رسلان: هو الصحيح المنصوص عند الشافعية، وقيل: لا، كما يتداخل
الفرض والراتبة، ونقل الشعراني أن من اغتسل لهما يكفي لهما عند الثلاثة،
ولا يكفي لواحد منهما عند مالك. (انظر: ((الميزان)) ٢٤٦/١) قلت: والصحيح أنه
يكفي لهما عنده أيضاً كما في ((الأوجز)) (٢/ ٣٩٢). (ش).
٥٥١

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٣) حديث
٣٤٣ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ
الرَّمْلِيُّ الْهَمْدَانِيُّ. (ح): وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ
قَالَا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. (ح): وحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
نَا حَمَّادٌ، وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
عن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ.
(١) قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِهِمَا: عن أَبِي سَلَمَةَ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ،
٣٤٣ - (حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي
الهمداني، ح:) تحويل، (وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قالا)
أي یزید بن خالد وعبد العزيز: (نا محمد بن سلمة، ح:) تحویل، (وحدثنا
موسى بن إسماعيل، نا حماد) بن سلمة (وهذا حديث محمد بن سلمة) أي
لفظ هذا الحديث لفظ حديث محمد بن سلمة لا لفظ حديث حماد.
(عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد
القرشي التيمي، أبو عبد الله المدني، كان جده الحارث من المهاجرين
الأولين، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن خراش ويعقوب بن شيبة:
ثقة، وعن أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير ومنكرة، قال
ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من جابر ولا من أبي سعيد، انتهى،
وحديثه عن عائشة عند مالك والترمذي وصححه، وعائشة ماتت قبل
أبي سعيد وجابر، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال يزيد) أي ابن خالد (وعبد العزيز)
الحراني (في حديثهما: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل)
(١) زاد في نسخة: ((قال أبو داود)). (ش).
٥٥٢

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٣) حديث
عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ
كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَّى الْجُمُعَةَ، فَلَّمْ يَتَخَظّ أَعْنَاقُ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ
اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ
غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف في ما بين شيوخه، وحاصله
أن موسى بن إسماعيل اقتصر على أبي سلمة بن عبد الرحمن ولم يذكر
معه أبا أمامة، وأما يزيد وعبد العزيز فزادا في حديثهما مع أبي سلمة
أبا أمامة بن سهل.
أبو أمامة بن سهل هذا هو أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري،
وقيل: اسمه سعد، وقيل: قتيبة، ولد في حياة النبي ◌َّر، وسمي باسم جده
لأمه أسعد بن زرارة، وكني بكنيته، وُلد قبل وفاة النبي ◌َّهِ بعامين، قال
الطبراني: له رؤية، وقال البخاري: أدرك النبي صل* ولم يسمع منه، وكان
من أكابر الأنصار وعلمائهم، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي قيل له: هو
ثقة؟ فقال: لا يسأل عن مثله هو أجلُّ من ذاك، وقال ابن سعد: كان ثقة
كثير الحديث، مات سنة ١٠٠ هـ.
(عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله الخطة:
من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان)
أي الطيب (عنده، ثم أتى الجمعة، فلم يتخط أعناق(١) الناس، ثم صلى
ما كتب الله تعالى له، ثم أنصت) أي سكت(٢) عن التكلم ولم يلغ
(إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت) أي تلك الصلاة
(١) بسط ابن رسلان روايته. (ش).
(٢) وهل السكوت واجب أو سنَّة؛ قولان للشافعي، بسطهما ابن رسلان. قلت: محله
أبواب صلاة الجمعة. (ش).
٥٥٣

(١) كتاب الطهارة
(١٢٩) باب
(٣٤٤) حديث
كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا)). قَالَ: وَيَقُولُ
أَبُو هُرَيْرَةَ: ((وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ))، وَيَقُولُ: ((إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا)).
[حم ٨١/٣، خزيمة ١٧٦٢، م ٨٥٨ مختصرًا]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ
حَمَّدٌ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٣٤٤ - خَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، نَا ابْنُ وَهْبٍ،
(كفارة لما بينها) أي بين تلك الصلاة، أو بين الساعة التي يصلي فيها
الجمعة (وبين جمعته) أي صلاة جمعته (التي قبلها. قال) أي أبو سلمة (١):
(ويقول أبو هريرة(٢): وزيادة ثلاثة أيام، ويقول) أي أبو هريرة:
(إن الحسنة بعشر أمثالها).
قال الخطابي(٣): قرانه بين غسل الجمعة وبين لبسه أحسن ثيابه ومسه
الطيب(٤) يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب، وفيه أن القران في
اللفظ لا يستلزم القران في الحكم.
(قال أبو داود: وحديث محمد بن سلمة أتم) أي من حديث حماد
(ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة).
٣٤٤ - (حدثنا محمد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب) عبد الله،
(١) هكذا في الأصل أي أبو سلمة، وفي ((العون)) (٩/٢): أي محمد بن سلمة،
ويحتمل أبو سلمة، وليس في نسخة ابن رسلان لفظ ((قال))، بل فيه: ويقول
أبو هريرة ... إلخ. (ش).
(٢) لم يزده أبو سعيد الخدري. (ش).
(٣) ((معالم السنن)) (١٥٩/١).
(٤) لكن أوجب الطيب أبو هريرة - رضي الله عنه - كما سيجيء. (ش).
٥٥٤