النص المفهرس

صفحات 821-840

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
فالجواب عنه أن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عند الحنفية
أيضاً بالاتفاق ما لم يسل، فإذا سال ففيه اختلاف، فبعضهم كصاحب
((الهداية)) وغيره قالوا بعدم نقض الوضوء فيه أيضاً، وبعضهم قالوا بالنقض
وهو الأظهر، ولم يتعرض فيه السيلان وعدمه.
وكذلك أثر ابن أبي أوفى ليس بحجة لهم؛ لأن الدم الذي يخرج من
الفم يعتبر فيه الغلبة، فإن كان دماً سائلاً غلب على البزاق، أو ساواه
ینقض، وإلا فلا.
قال في ((الدر المختار))(١): وينقضه دم مائع من جوف أو فم غلب
على بزاق حكما للغالب، أو ساواه احتياطاً، لا ينقضه المغلوب بالبزاق،
انتهى، ولم يتعرض الراوي لذلك فلم يبق حجة.
وكذلك قول ابن عمر في المحتجم ليس بحجة على الحنفية، لأنه
سيأتي من مذهبه أن الدم السائل من الجسد ينقض الوضوء عنده، وكذلك
مذهب الحسن، فحينئذٍ معنى قوله: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه، أنه لا يلزم
عليه غسل جميع بدنه بناءً على ما أخرجه أحمد والدارقطني عن ابن الزبير،
عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ◌َّه قال: ((يغتسل من أربع: من
الجمعة والجنابة والحجامة وغسل الميت»، وليس المراد نفي لزوم الوضوء
والله تعالى أعلم.
وأجاب العلامة العيني عن هذه الآثار فقال(٢): وهذا الأثر حجة
للحنفية، لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عندهم، لأنه مخرج،
(١) (٢٩١/١).
(٢) (٥٠٥/٢).
١١٥

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
والنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في كتبهم، فإن فرح
أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية، فهي فرحة غير مستمرة.
وأجاب عن أثر ابن أبي أوفى فقال: وهذا ليس بحجة لهم علينا، لأن
الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه فلا ينقض الوضوء، وإن كان
من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم، ولم يتعرض الراوي لذلك،
فلم يبق حجة.
وأجاب عن أثر ابن عمر والحسن بأن مقصودهم من هذه الرواية إلزام
الحنفية، ولا يسعد ذلك معهم، لأن جماعة من الصحابة رأوا فيه الغسل،
منهم ابن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة
عن النبي وَّر، وهو مذهب مجاهد أيضاً، وأيضاً فالدم الذي يخرج من
موضع الحجامة مُخْرَجٌ، وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا،
انتھی .
قلت: وهذا الأصل الذي بنى عليه العلامة العيني أساس الجواب غير
سديد عند الفقهاء الحنفية، قال في ((الدر المختار))(١): والمخرج بعصر
والخارج بنفسه سيَّان في حكم النقض على المختار كما في ((البزازية))،
قال: لأن في الإخراج خروجاً فصار كالفصد، وفي ((الفتح)) عن ((الكافي)):
أنه الأصح، واعتمده القهستاني، وفي ((القنية)) و((جامع الفتاوى)): أنه
الأشبه، ومعناه أنه الأشبه بالمنصوص روايةً، والراجح درايةً، انتهى.
وقال الشامي: قوله: لأن في الإخراج خروجاً جواب عما وجه به
القول بعدم النقض بالمخرج من أن الناقض خروج النجس، وهذا إخراج،
(١) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (٢٨٨/١).
١١٦

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
والجواب: أن الإخراج مستلزم للخروج فقد وجد، لكن قال في ((العناية)):
إن الإخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه، فكان ثبوته غير قصدي
ولا معتبر به، انتهى.
وفيه أنه لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه، بل لكونه خارجاً نجساً،
وذلك يتحقق مع الإخراج كما يتحقق مع عدمه، فصار كالفصد، كيف
وجميع الأدلة الموردة من السنَّة والقياس تفيد تعليق النقض بالخارج
النجس، وهو ثابت في المخرج، انتهى (فتح)).
واستوجهه تلميذه ابن أمير حاج في ((الحلية))، وكذا شارح ((المنية))
والمقدسي، وارتضى في ((البحر)) ما في (العناية)) حيث ضعف به ما في
((الفتح))، ولك أن تجعل ما في «الفتح» مضعفاً له كما قررناه بناءً على أن
الناقض الخارج النجس لا الخروج، وفي ((حاشية الرملي)): لا يذهب عنك
أن تضعيف ((العناية)) لا يصادم قول شمس الأئمة، وهو الأصح.
وبالجملة أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنفية،
فإن كان من أقوال الصحابة، فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح، وإن كان
من قول التابعين، فليس بحجة عليهم، لما ذكرنا عن أبي حنيفة - رحمه الله -.
قال العيني(١): واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها
وأصحها ما رواه البخاري في ((صحيحه)(٢) عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى
النبي ◌َّل، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر،
(١) ((عمدة القاري)) (٥٠٣/٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) ح (٢٢٨).
١١٧

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
أفادع الصلاة؟ قال: ((لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت
الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصَلِّي))، قال
هشام: وقال أبي: ثم تَوَضَّئِيْ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
قلت: قال الترمذي: قال أبو معاوية: وتوضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء
ذلك الوقت، فبطل ما قالوا: إن قوله: ثم تَوَضَّتِيْ من كلام عروة، وأيضاً
لو كان من كلام عروة لقال: ثم تتوضأ لكل صلاة، ففي صيغة الأمر دلالة
واضحة بأنه من كلام النبي ◌َّل، لأن الأمر لا يتحقق من عروة، فكأن
الراوي قال: قال أبي مرفوعاً: ثم توضئي، وترك ذكر الرفع لوضوحه.
وهذا الحديث يدل على أن الدم الخارج من العرق، سواء كانت
استحاضة أو غيرها ناقض للوضوء، واعترضوا عليه بأن في دم الاستحاضة
يجب الوضوء، لأنه خرج من المخرج، فسبيله سبيل الغائط والبول، وإنما
الكلام فيما خرج من غير السبيلين.
قلت: كأنهم لم يتأملوا في قوله وَلخير: ((إنما ذلك عرق)) وهذا صريح
في أن علة الانتقاض كونه دم عرق لا كونه من السبيلين، فعلم بهذا أنه
لا دخل في العِلِّيَّة لكونه من السبيلين، فلا يدور حكم الانتقاض عليه، بل
يدور على كونه دم عرق وهو الدم السائل، سواء كان من السبيلين أو غيرهما
من البدن.
والحديث الثاني ما روى ابن ماجه (١) عن إسماعيل بن عياش،
عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَليه:
((من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على
(١) ((سنن ابن ماجه)) (١٢٢١).
١١٨

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
صلاته وهو في ذلك لا يتكلم)). وفي رواية الدارقطني(١): ((ثم ليبنٍ على
صلاته ما لم يتكلم))، تكلموا في إسماعيل بن عياش، رواه ابن عياش
مسنداً ومرسلاً .
ثم قال البيهقي للمرسل: وهو المحفوظ، فأجاب عنه في ((الجوهر
النقي)»(٢) بأن الروايات التي جمع فيها ابن عياش بين الإسنادين أعني
المرسل والمسند في حالة واحدة مما يبعد الخطأ عليه، فإنه لو رفعه ما وقفه
الناس ربما تطرق الوهم إليه، فأما إذا وافق الناس على المرسل وزاد عليهم
المسند، فهو يشعر بتحفظ وتثبت، وإسماعيل وثّقه ابن معين وغيره، وقال
يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه،
انتھی .
والحديث الثالث ما رواه الدارقطني(٣) من حديث أبي بكر الداهري،
عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله وير: ((من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبنٍ على
صلاته)»، أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم متروك الحديث.
والحديث الرابع ما أخرجه الدارقطني(٤) بسنده عن ابن أرقم،
عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: ((إذا رعف أحدكم في
صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ويستقبل صلاته))،
سليمان بن أرقم متروك.
(١) ((سنن الدار قطني)) (١٥٣/١).
(٢) (١٤٢/١).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٥٨٤).
(٤) (سنن الدارقطني)) (٥٦٠).
١١٩

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
والحديث الخامس ما أخرج الدار قطني(١): حدثنا يزيد بن الحسين بن
يزيد البزاز، نا محمد بن إسماعيل الحساني، نا وكيع، نا علي بن صالح
وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي - رضي الله عنه - قال:
إذا وجد أحدكم في بطنه رزءاً أو قيئاً أو رعافاً فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبنٍ
على صلاته ما لم يتكلم.
والحديث السادس ما أخرجه الدارقطني(٢): حدثنا أبو بكر
النيسابوري، نا الزعفراني، نا شبابة، نا يونس بن أبي إسحاق،
عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث، عن علي - رضي الله عنه -
قال: إذا أمَّ الرجل لقوم فوجد في بطنه رزءاً أو رعافاً أو قيئاً فليضع ثوبه
على أنفه وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدمه، الحديث.
قلت: لم يجرح الدارقطني أحداً من رواة الحديثين، وسكت
عن الكلام فيهما .
والحديث السابع ما أخرجه الدارقطني(٣) بسنده عن عمرو القرشي،
عن أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان قال: رآني النبي ◌َ # وقد سال
من أنفي دم فقال: ((أحدث وضوءاً))، قال المحاملي: أحدث لما أحدثت(٤)
وضوءاً، عمرو القرشي هذا هو عمرو بن خالد أبو خالد الواسطي
متروك الحديث، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: أبو خالد
الواسطي كذاب.
(١) ((سنن الدارقطني)) (١٥٦/١).
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٥٧٦).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (٥٧٧).
(٤) في الأصل: ((حدث))، وهو تحريف.
١٢٠

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
والحديث الثامن ما أخرجه الدارقطني(١) من طريق عمر بن رياح،
نا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله وَلَّه
إذا رعف في صلاته توضأ ثم بنى على ما بقي من صلاته))، عمر بن
رياح متروك.
والحديث التاسع ما أخرجه الدارقطني(٢) بسنديه من طريق محمد بن
الفضل عن أبيه عن ميمون بن مهران عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة،
وبسند آخر عن ميمون بن مهران عن أبي هريرة عن رسول الله وسلم قال:
((ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دماً سائلاً))، وفي
رواية: ((إلّا أن يكون دماً سائلاً))، محمد بن فضل بن عطية ضعيف،
وسفيان بن زياد وحجاج بن نصير ضعيفان.
قلت: قال الذهبي في ((الميزان)): قال يعقوب بن أبي شيبة سألت
ابن معين عنه: فقال: صدوق، لكن أخذوا عليه أشياء في حديث شعبة،
وقال البخاري: سكتوا عنه، وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات))، وقال:
يخطىء ويهم، قلت: لم يأت بمتن منكر، انتهى.
وأيضاً قال الذهبي في ((الميزان)): سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير
ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ: ذكره
ابن حبان في «الثقات))، وقال: مستقيم الحديث.
والحديث العاشر ما أخرجه الدارقطني(٣) بسنده من طريق هشام بن
(١) (سنن الدارقطني)) (٥٧٩).
(٢) ((سنن الدارقطني)) (٥٨٢ - ٥٨٣).
(٣) ((سنن الدارقطني)» (٥٨٦ - ٥٨٧ - ٥٨٩).
١٢١

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
عروة [عن أبيه] عن عائشة، عن النبي ◌َّلو قال: ((إذا أحدث أحدكم في
صلاته فليأخذ على أنفه، ولینصرف فليتوضأ))، انتهى.
قلت: وقد علمت مما تقدم من حديث علي - رضي الله عنه - أن
المراد من الحدث عام شامل للرعاف أيضاً، فلا وجه لتخصيصه بما يخرج
من السبيلين من الريح وغيره.
فهذه الروايات بعضها صحاح، وبعضها حسان، وبعضها ضعاف،
فالضعاف لما تأيدت بعضها ببعض صارت في حكم الحسان، ثم ذكرت
شاهدة للتقوية، وكذلك آثار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - كثيرة في
هذا الباب .
قال في ((الجوهر النقي))(١): وقد صحَّح البيهقي في باب من قال:
يبني من سبقه الحدث، عن ابن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ،
ثم رجع فبنى على ما صلى، ولم يتكلم.
ثم قال: وفي ((الاستذكار))(٢) لابن عبد البر: المعروف من مذهب
ابن عمر إيجاب الوضوء من الرعاف، وأنه حدث من الأحداث الناقضة
للوضوء إذا كان سائلاً، وكذا كل دم سائلٍ من الجسد.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن نافع،
عن ابن عمر قال: من رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ، فإن لم يتكلم بنى
علی صلاته، وإذا تكلم استأنف.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر
(١) (١٤١/١ - ١٤٣) .
(٢) (٢٦٧/٢).
١٢٢

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
قال: إذا رعف الرجل في صلاته، أو ذرعه القيء، أو وجد مذياً، فإنه
ينصرف فليتوضأ، ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى.
وروي مثل ذلك عن علي وابن مسعود وعلقمة والأسود والشعبي
وعروة والنخعي وقتادة والحكم وحماد كلهم يرى الرعاف وكل دم سائل من
الجسد حدثاً، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي
وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وابن حنبل وابن راهويه في الرعاف وكل
نجس خارج من الجسد يرونه حدثاً، فإن كان يسيراً غير سائل لم ينقض
الوضوء عند جماعتهم.
ومما يدل على أن الرعاف حدث أن ابن جريج وابن المبارك وعمر بن
علي المقدمي والفضل بن موسى رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أن رسول الله وَّر قال: ((إذا أحدث أحدكم فليضع يده على أنفه
ثم لينصرف))، رواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى بسنده المذكور،
ولفظه: ((إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه ولينصرف
فليتوضأ)»، ذكره البيهقي في ما بعد في باب من أحدث في صلاته قبل
الإحلال منها، انتهى.
وأيضاً قال صاحب ((الجوهر النقي)): ثم ذكر البيهقي عدم الوضوء
عن جماعة، قلت: لم يذكر سنده إليهم لينظر فيه، فمن ذكر عنه عدم
الوضوء سالمٌ، وقد صحَّ عنه خلاف ذلك، قال ابن أبي شيبة في
((مصنفه))(١): حدثنا معمر عن عبيد الله بن عمر قال: أبصرت سالم بن
عبد الله صلَّى صلاة الغداة ركعة، ثم رعف فخرج فتوضأ، ثم بنى على
ما بقي من صلاته.
(١) (مصنف ابن أبي شيبة)) (٥٩٠٧).
١٢٣

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
ومنهم سعيد بن المسيب، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم،
نا عبد الحميد المدني هو ابن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال:
رأيت سعيد بن المسيب رعف وهو في صلاته، فأتى دار أم سلمة زوج
النبي ◌َّر، فتوضأ، ولم يتكلم، وبنى على صلاته.
ومنهم طاوس، وقد أخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عيينة
عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: إذا رعف الرجل في صلاته انصرف
فتوضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته.
ومنهم الحسن، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو عبد الله بن إدريس
عن هشام عن الحسن ومحمد بن سيرين كانا يقولان في الرجل يحتجم:
يتوضأ ويغسل المحاجم، وقال أيضاً: حدثنا هشيم عن الحسن أنه كان
لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلاً، والأسانيد الثلاثة صحيحة،
انتھی .
قلت: ولما كان بحثنا مقصوراً على الوضوء من الدم تركنا
ذكر الروايات التي ليس فيها ذكر الدم، وفيها الوضوء من القلس
والقيء.
وأما ما استند به القائلون بعدم الوضوء، فأولها ما تقدم من قصة
المهاجري والأنصاري الذي أصابته السهام، أخرجه أبو داود وغيره، وقد
أجبنا عنه .
وثانيها ما روى الدارقطني في (سننه))(١): عن أنس قال: ((احتجم
رسول الله ﴿﴿ فصلَّى، ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه))، وفي
(١) (١٥١/١).
١٢٤

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
(سنده)) صالح بن مقاتل، قال الدارقطني: هو ليس بالقوي، وأبوه غير
معروف، وسليمان بن داود مجهول.
ومنها ما رواه الدارقطني أيضاً أن رسول الله و لتر قاء، فدعا بوضوء
فتوضأ، فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: «لو كان
فريضة لوجدته في القرآن))، وفي سنده عتبة بن السكن، قال الدارقطني:
لم يروه عن الأوزاعي غيره، وهو متروك الحديث.
قلت: وأيضاً يمكن أن يجاب عنه أنه وَ﴿ قاء بغير مَلءِ الفم، فتوضأ
استحباباً، أو بحدث آخر، ثم أجاب أن الوضوء لو كان فريضة من هذا
القيء، أي غير مَلءٍ الفم ... إلخ.
ومنها ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) عن المسور أنه دخل على عمر بن
الخطاب في الليلة التي طعن فيها، فصلَّى عمر وجرحه يثعب دماً.
قال أصحابنا في الجواب: إن حديث عمر خارج عن محل النزاع،
فإنه كان معذوراً، والمعذور لا يضره جريان دمه كما في سلس البول، كذا
في ((فتح المنان)»، هكذا في «السعاية)) (١) للشيخ عبد الحي اللكهنوي.
فظهر - بما قلنا - أن الجماعة التي قالت بنقض الوضوء من سيلان
الدم من الجسد هو الحق لصحة مستنده، وليس من التقول على الله بما لم
يقل، بل لو تأمُّل المنصف الذي كخّل عينيه بكحل الإنصاف، لوجد الأمر
منعكساً، وهذا الذي قلنا ما يتعلق بالرواية، وأما البحث المتعلق بالدراية
فتركناه لخوف الإطالة .
(١) (٢٠٨/١).
١٢٥

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(١٩٩) حدیث
(٨١) بَابٌ: فِي الْوُضُوءِ مِنَ الَّوْمِ
١٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ
قَالَ: أَنَا (١) ابْنُ جُرِيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ
ابْنُ عُمَرَ ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا
فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا،
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: ((لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ)).
[خ ٥٧٠، م ٦٣٩]
(٨١) (بَابٌ: فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ)(٣)
١٩٩ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا عبد الرزاق) بن
همام (قال: أنا ابن جريج) عبد الملك (قال: أخبرني نافع) مولى ابن عمر
(قال: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله # شغل عنها ليلة) أي
عن صلاة العشاء، كما يدل عليها الكلام الآتي (فأخَّرها) أي أخرها
عن وقتها المعتاد (حتى رقدنا(٣) في المسجد، ثم استيقظنا ثم رقدنا،
ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال) مثل: (ليس أحد ينتظر (٤)
الصلاة) أي صلاة العشاء (غيركم) فإنهم كلهم صلوا ورقدوا، ولم يحصل
(١) وفي نسخة: ((ثنا)).
(٢) ذكر ابن العربي (١٠٤/١) فيه ثلاثة مذاهب، وجعل أحوال النوم أحد عشر،
وذكر العيني (٥٨٥/٢) تسعة مذاهب، والصواب الملخص ما سيأتي عن كتب
فروعهم. (ش).
(٣) قال ابن رسلان: هذا وحديث أنس - رضي الله عنه - الآتي محمول عند الشافعية على
أنهم رقدوا قعوداً، إلَّا أن في ((مسند البزار)) بسند صحيح: أنهم يضعون جنوبهم،
فمنهم من ينام، ثم يقوم إلى الصلاة. (ش). [انظر: ((نصب الراية)) ٤٦/١].
(٤) على الظاهر، لأن الإسلام لم يكن إذاً في أطراف المدينة إلَّا قليلاً، والظاهر أنهم
صلوا لوقتها، أو علم بالوحي، كذا في ((التقرير)). (ش).
١٢٦

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٠) حدیث
٢٠٠ - حَذَّثَنَا شَاذُّ بْنُ فَّاضِ قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ،
عن قَتَادَةَ، عن أَنَسِ قَالَ: ((كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهُ يَنْتَظِرُونَ
الْعِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلَّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ)).
[ق ١١٩/١، قط ١٣١/١، م ٣٧٦، ت ٧٨]
فضيلة انتظار الصلاة لغيركم، بل أنتم مختصون بهذه الفضيلة، وهذا القول
صدر منه وهو تسلية لهم، وجبراً لكلفة الانتظار بحصول الفضيلة لهم.
والظاهر أن الحديث غير مناسب لترجمة الباب، لأنه لا يعلم منه
أنهم توضؤوا للصلاة بعد الرقاد، أو لم يتوضؤوا، إلّا أن يقال: إنه لا يخلو
إما أن توضؤوا أو لم يتوضؤوا، فإن توضؤوا فيناسب الباب بأنهم رقدوا
بحيث يوجب انتقاض الوضوء، وإن لم يتوضؤوا فيناسب بأنهم ناموا بحيث
لا يوجب انتقاض الوضوء، فالحديث على كلا الحالين مناسب للباب.
٢٠٠ - (حدثنا شاذ(١) بن فياض) اليشكري أبو عبيدة البصري، واسمه
هلال، وشاذ لقبه غلب عليه، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال الساجي:
صدوق عنده مناكير، وقال ابن حبان: كان ممن يرفع المقلوبات، ويقلب
الأسانيد، لا يشتغل بروايته، كان محمد بن إسماعيل شديد الحمل عليه،
مات سنة ٢٢٥ هـ.
(قال: ثنا هشام) بن أبي عبد الله (الدستوائي، عن قتادة، عن أنس
قال: كان أصحاب رسول الله * ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق (٢)
رؤوسهم) يقال: خفق فلان رأسه إذا حركه من النعاس، أي ينامون حتى
تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود (ثم يصلون ولا يتوضؤون).
(١) بفتح الشين المعجمة وشدة الذال، انتهى. ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) بفتح التاء وكسر الفاء، ((ابن رسلان)). (ش).
١٢٧

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٠) حدیث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ فِيهِ شُعْبَةُ عن قَتَادَةَ قَالَ: ((كُنَّا نَخْفِقُ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ» .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةً عن قَتَادَةَ بِلَفْظٍ
آخَرَ.
(قال أبو داود: وزاد فيه شعبة عن قتادة قال) أي أنس: (كنا
نخفق على عهد رسول الله (18)، وقال البيهقي في ((سننه))(١): قال
أبو داود: زاد فيه شعبة عن قتادة: على عهد رسول الله ◌َو، ثم ساق
الحديث بسنده عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب
رسول الله وَل ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون على عهد رسول الله {ێچ ،
وأخرج مسلم في (صحيحه))(٢)، والترمذي في (سننه))(٣) رواية شعبة،
وليست فيها هذه الزيادة ((ثم يصلون ولا يتوضؤون))، وهذا يدل على أن
النوم ليس بناقض للوضوء في جميع الأحوال، بل هو ناقض عند
استرخاء المسكة.
(قال أبو داود: ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر). قلت:
لم أجد رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فيما تتبعت من كتب الحديث،
إلَّا ما ذكر البيهقي (٤) في ((باب ما ورد في نوم الساجد)) بعد سوق حديث
يزيد أبي خالد الدالاني، فقال: ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة،
عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، وكذا قال الترمذي في
(سننه))، فلعل مراد أبي داود من رواية ابن أبي عروبة هذه الرواية الموقوفة،
(١) «السنن الكبرى)) (١٢٠/١).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٧٦).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٧٨).
(٤) ((السنن الكبرى)) (١٢١/١).
١٢٨
i

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠١) حديث
٢٠١ - خَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا:
ثَنَا حَمَّادٌ، عن ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: «أُقِيمَتِ
صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي حَاجَةً،
فعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يذكر هذا الكلام في ذيل حديث ابن عباس
الذي ذكره فيما بعد قريباً (١).
٢٠١ - (حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: ثنا حماد)
لعله ابن سلمة(٢)، (عن ثابت البناني) هو ثابت بن أسلم البناني بضم
الموحدة ونونين مخففين، نسبة إلى بنانة بن سعد، أبو محمد البصري،
وثَّقه أحمد والعجلي والنسائي، وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن
القصاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب على ثابت الأحاديث أجعل
أنساً لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس أشوشها عليه، فيجيء
بها على الاستواء، وحكي عن ثابت قال: صحبت أنساً أربعين سنة،
قال أحمد بن حنبل: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وفي ((الكامل))
لابن عدي عن القطان: عجب من أيوب يدع ثابتاً لا يكتب عنه، مات
سنة ١٢٧ هـ.
(أن أنس بن مالك قال: أقيمت صلاة العشاء فقام رجل، فقال:
يا رسول الله، إن لي حاجة) يعني أريد أن أشاورك وأناجيك،
(١) قلت: يحتمل أن المؤلف أراد رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة التي وصلها في
كتاب الصلاة ( ١٣٢١- ١٣٢٢)، وأيضاً يحتمل أنه أراد رواية من رواه عن سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فيها زيادة: ((كانوا يضعون جنوبهم فينامون»، كما
أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٤٦٧/٥) رقم (٣١٩٩)، وانظر: ((مجمع الزوائد»
للهيثمي (٢٤٨/١).
(٢) به جزم ابن رسلان. (ش).
١٢٩

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٢) حديث
فَقَامَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَعَسَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ وَلَمْ
يَذْكُرْ وُضُوءًا». [ق ١٢٠/١، م ٣٧٠]
٢٠٢ - حَذَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَعُثْمَانُ
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ يَحْيَى،
(فقام) أي رسول الله وَ الر (يناجيه) أي الرجل (حتى نعس (١) القوم أو بعض
القوم) أو للشك من الراوي، ومعنى نعس ... إلخ، أي ناموا قاعدين
(ثم صلى بهم ولم يذكر) أنس أو ثابت أو غيرهما من الرواة (وضوءاً).
وقد أخرج مسلم هذا الحديث عن ثابت، عن أنس ولفظه
قال: أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي بقلم
يناجيه حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا، وليس فيه ((لم يذكر
وضوءاً))، وقد ورد ذكر الوضوء في رواية قتادة عن أنس بقوله:
((ولا يتوضؤون)).
قال النووي(٢): وفيه جواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما في
الأمور المهمة، ولكنه مكروه في غير المهم، فإنه ◌َلل إنما ناجاه بعد الإقامة
في أمر مهم من أمور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة، وفيه أن
نوم الجالس لا ينقض الوضوء.
٢٠٢ - (حدثنا يحيى بن معين، وهناد بن السري) ابن مصعد(٣)
(وعثمان بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب، وهذا) أي المذكور (لفظ
حديث يحيى) أي ابن معين، ولم يذكر لفظ حديث هناد وعثمان، وهذه
(١) بفتح العين، وغلط من ضمها. (ش).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) النووي (٤/ ٧٣).
(٣) كذا في الأصل، والظاهر: مصعب. انظر: ((تهذيب التهذيب)» (٧٠/١١).
١٣٠

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٢) حديث
عن أَبِي خَالِدِ الدَّالَانِيِّ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْعَالِيَةِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي
وَلَا يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأُ وَقَدْ نِمْتَ! فَقَالَ:
(إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا)). زَادَ عُثْمَانُ وَهَنَّادٌ: ((فَإِنَّهُ إِذَا
اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ)). [ت ٧٧، حم ٢٥٦/١، ق ١/ ١٢١]
جملة معترضة، (عن أبي خالد الدالاني) أي روى عبد السلام بن حرب
عن أبي خالد الدالاني، هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة الأسدي
الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال ابن معين وأحمد بن حنبل
والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال ابن حبان
في ((الضعفاء»: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقات في
الروايات، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق، فكيف إذا انفرد بالمعضلات،
وذكره الكرابيسي في المدلسين، وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا
له بالصدق والإتقان، وقال ابن عبد البر: ليس بحجة.
(عن قتادة) بن دعامة، (عن أبي العالية) رفيع بن مهران، (عن
ابن عباس أن رسول الله # كان يسجد وينام وينفخ) أي يسمع منه صوت
نفخه (ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت) أي قال ابن عباس: فقلت (له)
أي لرسول الله وَلثر: (صليت ولم تتوضأ، وقد نمت) جملة حالية أي حال
كونك قد نمت، والنوم ناقض للوضوء وصليت من غير تجديد الوضوء.
(فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) وانتهى إلى ههنا حديث
يحيى، قال أبو داود: (زاد عثمان وهناد: فإنه إذا اضطجع استرخت
مفاصله) يعني ليست هذه الجملة في حديث يحيى.
والحصر في قوله: إنما الوضوء ... إلخ، ليس بحقيقي، بل هو حصر
إضافي تدل عليه الجملة التي رواها عثمان وهناد، ((فإنه إذا
١٣١

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٢) حديث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَوْلُهُ: ((الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا))
هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّ يَزِيدُ الدَّالَانِيُّ عن قَتَادَةَ،
اضطجع ... إلخ))، فإنه يدل على أن النوم في حد نفسه ليس بناقض
للوضوء، فلو كان بنفسه ناقضاً للوضوء، لاستلزم نقض الوضوء في جميع
أحواله، ولكن كونه ناقضاً للوضوء مستلزم لاسترخاء المفاصل، واسترخاء
المفاصل مظنة لخروج الريح، ولا يدرك خروجه، لأنها حالة عدم الإدراك
والشعور، فلهذا أقيم السبب مقام الأصل، كما أقيم السفر مقام الخوف،
فالنوم ليس بناقض للوضوء إلَّا في صورة استرخاء المفاصل، فلو نام أحد
بحيث لم تسترخ مفاصله لا يكون نومه ناقضاً للوضوء.
واعلم أن جوابه ◌َ# هذا جواب على أسلوب الحكيم، فإن ابن عباس
- رضي الله عنهما - سأله عن فعله، وكان جوابه أن عيني تنامان ولا ينام
قلبي، ولكنه ◌َّيهو أجابه بما يختص بالأمة، فإن الحكم في الأمة بأسرها
هو عدم انتقاض الطهارة بنومهم في السجود وانتقاضها في حالة
الاضطجاع، فأجاب بهذا الجواب إظهاراً لمسألة نقض الوضوء، وإبانةً
للسائل بما يفيده، ولو أجاب بالاختصاص لم يفد تلك الفائدة، فلهذا اختار
هذا الجواب .
(قال أبو داود(١): قوله: الوضوء على من نام مضطجعاً، هو حديث
منكر لم يروه إلَّا يزيد الدالاني(٢) عن قتادة)، والحديث المنكر(٣) ما خالف
فيه الضعيف الحفاظ المتقنين، وقد مر أن يزيد الدالاني ضعيف عند أكثر
(١) وكذا ضعفه ابن العربي، وقال: هذا قول ابن عباس. (ش). [انظر: «عارضة
الأحوذي)) ١/ ١٠٣].
(٢) دالان بطن من همدان، ولم يكن هذا منهم، بل كان نازلاً فيهم. ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) وقال ابن رسلان: المنكر، كما قاله الحافظ أبو بكر البرزنجي: ما تفرد به أحد
ولا يعرف متنه من غير روايته، انتهى. قلت: وله شاهد عند البيهقي (١٢٠/١) من =
١٣٢

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٢) حديث
وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا،
وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ّرَ مَحْفُوظًا،
المحدثين، وإن وثقه أبو حاتم، ولعله يكون ضعيفاً عند أبي داود
(وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئاً من هذا).
قلت: أخرج البيهقي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله والد
نام حتى سمع له غطيط، فقام فصلى ولم يتوضأ، وأخرج بسنده عن كريب،
عن ابن عباس أن النبي ◌َّ* نام حتى نفخ، ثم قام فصلى ولم يتوضأ، ثم
قال البيهقي(١): مخرج في الصحيحين من حديث الثوري دون الزيادة التي
تفرد بها أبو خالد الدالاني، وكذلك رواه سعيد بن جبير وغيره عن ابن
عباس في حديث المبيت دون تلك (٢) الزيادة، ونومه هذا كان مضطجعاً
وكان تركه # الوضوء منه مخصوصاً به.
(وقال(٣): كان النبي ﴿﴿ محفوظاً)، ذكر البيهقي في ((سننه)) بقوله:
أخبرنا أبو علي الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر بن داسة، قال: قال
أبو داود السجستاني: قوله: الوضوء على من نام مضطجعاً ... إلخ، وفيه:
وقال عكرمة: كان النبي وَ ل# محفوظاً، فعلم بهذا أن لفظ عكرمة متروك في
النسخ التي عندنا، ففاعل قال هو عكرمة لا ابن عباس (٤) ومعناه كان
حديث حذيفة، قال: كنت في مسجد المدينة جالساً، الحديث، وفيه قال عليه الصلاة
=
والسلام: ((لا، حتى تضع جنبك)). (ش).
(١) ((السنن الكبرى)) (١٢٢/١).
(٢) لكن ابن رسلان أخرجه من أبي أمامة وغيره، فحصلت المتابعة. (ش).
(٣) هذه دلائل على نكارته، لأن حاصله أنه عليه الصلاة والسلام، لو اضطجع لا ينقض
وضوؤه مع أنه * محفوظ عنه، وأنت خبير بأنه لا تعارض بينهما، لأنه أجاب
ابن عباس بما يفيده، كذا في ((التقرير)). (ش).
(٤) وجزم ابن رسلان بأن فاعله ابن عباس. (ش). [قلت: أخرج هذا الحديث أحمد
في ((مسنده)) (٢٤٤/١) وفيه صراحة بأن فاعله عكرمة].
١٣٣

(١) كتاب الطهارة
(٨١) باب
(٢٠٢) حدیث
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَبِيُّ وََّ: ((تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)).
وَقَالَ شُعْبَةُ: إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ، عَنْ(١) أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
النبي ◌َ* محفوظاً من أن يخرج منه حدث ولم يشعر به، وليس معناه أنه الخد
كان محفوظاً من خروج الحدث.
(وقالت عائشة: قال النبي - 18: تنام عيناي ولا ينام(٢) قلبي). قال
النووي(٣): هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في
حديث نومه # في الوادي، فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت
الشمس، وإن طلوع الفجر والشمس متعلق بالعين (٤) لا بالقلب، وأما أمر
الحدث ونحوه متعلق بالقلب(٥)، وقيل: إنه كان في وقت ينام قلبه، وفي
وقت لا ينام، فصادف الوادي نومه، والصواب الأول.
قال في ((مرقاة الصعود))(٦): قال ولي الدين: إن ابن الصياد تنام عيناه
ولا ينام قلبه مكراً به، لئلا يخلو وقته عن فجور ومفسدة مبالغة في عقوبته،
بخلاف قلب المصطفى # فإنه إكرام له، لئلا يخلو وقته عن المعارف
الإلهية، والمصالح الدينية والدنيوية، فهو رافع لدرجاته ومعظم لشأنه .
(وقال شعبة: إنما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث)،
(١) وفي نسخة: ((من)).
(٢) وهذا من كمال الحضور، ودوام الشهود حتى لا يغفل عليه الصلاة والسلام في النوم
أيضاً، وبسطه في «بهجة النفوس)) (٢١٦/١) وذكر ما يناسبه من الحكايات. (ش).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)» للنووي (٢١/٦).
(٤) وبه جزم في ((البحر الرائق)» (٧٦/١). (ش).
(٥) وأورد عليه مولانا محمد حسن مفتي بهوبال أن إدراك الحدث متعلق بالحس الظاهر
أيضاً، فإن الريح يحس عند مروره لا بالقلب، فتأمل، قلت: ويؤيده قوله { *: «وكاء
السه العينان))، الحديث، فإنه أدار الحكم على العين لا على القلب. (ش).
(٦) انظر: ((درجات مرقاة الصعود)» (ص ٣٦).
١٣٤