النص المفهرس

صفحات 801-820

1
(١) كتاب الطهارة
(٧٧) باب
(١٩٤) حديث
(٧٧) بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ
١٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عن شُعْبَةَ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ حَفْصٍ، عن الأَغَرِّ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ)). [م ٣٥٢،
ت ٧٩، ٥ ١٧١، جه ٤٨٥، حم ٤٥٨/٢]
(٧٧) (بَابُ التَّشْدِيْدِ(١) فِي ذَلِكَ)
المراد بالتشديد: وجوب الوضوء، والإشارة إلى
ما مسته النار، ومعناه: باب وجوب الوضوء مما مسته النار
١٩٤ - (حدثنا مسدد) بن مسرهد (قال: ثنا يحيى) القطان،
(عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدثني أبو بكر بن حفص) هو عبد الله بن
حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو بكر المدني،
مشهور بكنيته، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان
في (الثقات))، وقال ابن عبد البر: كان من أهل العلم والثقة، أجمعوا
على ذلك.
(عن الأغر) اسمه سلمان أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، أصله من
أصبهان، قال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، وقال
ابن خلفون: وثقه الذهلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: الوضوء) واجب أو يجب،
فالرفع، أو الزموا الوضوء، فيكون منصوباً على الإغراء (مما أنضجت
النار) .
(١) وصنيع المصنف يؤيد وجوب الوضوء؛ إذ ذكر أولاً عدم الوضوء، وأول رواية جابر
- رضي الله عنه -، ثم ذكر التشديد بعده. (ش).
٩٥

(١) كتاب الطهارة
(٧٧) باب
(١٩٥) حديث
١٩٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا أَبَانُ، عن يَحْيَى،
يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ
الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُ («أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمٌّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ،
١٩٥ - (حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي (قال: ثنا أبان) بن يزيد
العطار، (عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - ، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن
(أن أبا سفيان بن سعيد بن(١) المغيرة) بن الأخنس بن شريق الثقفي المدني،
روى عن خالته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن،
وثَّقه ابن حبان (حدثه) أي حدث أبا سلمة (أنه) أي أبا سفيان (دخل على
أم حبيبة)(٢) هي بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي،
زوج النبي ◌ّ# أم المؤمنين، اسمها رملة، أسلمت قديماً، وهاجرت إلى
الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله وَل
وهي هناك.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها،
فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحلليني من ذلك، فحللتها
واستغفرت لها، فقالت لي: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل
ذلك، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، جزم بذلك ابن سعد وأبو عبيد.
(فسقته) أي أم حبيبة أبا سفيان (قدحاً من سويق) القدح بالتحريك:
آنية تُروي الرجلين، أو اسم يجمع الصغار والكبار، جمعه أقداح،
كذا في ((القاموس))، والسويق: دقيق القمح المقلو والشعير والذرة وغيرها،
كذا في «المجمع»(٣).
(١) ونسبه النسائي إلى جده فقال: أبو سفيان بن سعيد بن الأخنس. (ش).
(٢) انظر ترجمتها في: ((أسد الغابة)) (٤٣٤/٥) رقم (٧٤١٠).
(٣) (١٥٢/٣).
٩٦

(١) كتاب الطهارة
(٧٧) باب
(١٩٥) حديث
فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ(١). قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، أَلَا تَوَضَّأُ؟
إِنَّ النَّبِيَّ(٢) وَ﴿ قَالَ: (تَوَضَّؤُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ))، أَوْ قَالَ:
(مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). [ن ١٨٠، حم ٣٢٦/٦]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: يَا ابْنَ أَخِي.
(فدعا بماء فمضمض. قالت) أي أم حبيبة: (يا ابن أختي) وكان
أبو سفيان بن سعيد ابن أختها، كما صرح علماء أسماء الرجال (ألا
توضأ؟) الهمزة للإنكار على ترك الوضوء، وتوضأ بصيغة المضارع حذفت
إحدى تائيها (إن النبي # قال: ((توضؤوا مما غيرت النار))، أو قال:
((مما مست النار))) شك من بعض الرواة، أي قال هذا اللفظ أو ذاك.
(قال أبو داود: في حديث الزهري يا ابن أخي)(٣) في موضع
(يا ابن أختي))، فكون أبي سفيان ابن أخي أم حبيبة، إما محمول على
المجاز، أو مبني على وهم من بعض الرواة، وهذه الأحاديث تدل على
وجوب الوضوء مما مسته النار.
وقد اختلف الناس في ذلك فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء
الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن
عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى
الأشعري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة،
وأبو أمامة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وعائشة - رضي الله
عنهم -، وجماهير التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي،
(١) وفي نسخة: ((فتمضمض)).
(٢) وفي نسخة: ((رسول الله)).
(٣) قلت: لكن عند النسائي (١٨٠ - ١٨١) في حديث الزهري بطريقين وفيهما:
ابن أختي. (ش).
٩٧

(١) كتاب الطهارة
(٧٧) باب
(١٩٥) حديث
وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسفيان
الثوري، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة إلى أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته
النار، ولا ينتقض به، وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي مما مسته
النار.
واستدل الآخرون بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مسته
النار، وأجاب الأولون من ذلك بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر،
الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، قال النووي: ثم إن هذا
الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك
على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار.
واعترض الشوكاني(١) على الجواب الأول بأن الجواب الأول إنما
يتم بعد تسليم أن فعله ول# يعارض القول الخاص بنا وينسخه، والمتقرر في
الأصول خلافه .
قلت: هذا من الظنون التي لا مستند لها يُشَدُّ به هذا الظنُّ، فإن دعواه
أن وجوب الوضوء وقوله وَّر فيه خاص بنا لا يثبت إلَّا بدليل صريح يثبت
الخصوصية، وما لم يثبت لا يكون خاصاً بنا، وأما إذا ثبت الخصوص
فلا يعارض فعله ﴿، فما هو متقرر في الأصول فمسلَّم، ولكن ليس
هذا موضعه .
واعترض على الجواب الثاني بأنه قد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة
على غيرها، وحقيقة الوضوء .. سرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل
للوضوء، فلا يخالف هذه الحقيقة إلَّا لدليل.
(١) ((نيل الأوطار)) (٢٦٢/١).
٩٨

(١) كتاب الطهارة
(٧٧) باب
(١٩٥) حديث
قلت: نعم لا يخالف الحقيقة إلَّا لدليل، وها هنا دليل ظاهر، فإن في
حديث ابن عباس أنه يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار،
ويضرب فيها الأمثال، ويقول: إنا نستحمّ بالماء المسخن، ونتوضأ به،
وندهن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب الناس حتى قال لأبي هريرة
حين حدثه أبو هريرة هذا الحديث كما في الترمذي(١) قال: قال
رسول الله : ((الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط، فقال له
ابن عباس: أنتوضأ من الدهن! أنتوضأ من الحميم! فقال أبو هريرة:
يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن النبي وَل# فلا تضرب له مثلاً)».
فهذا ابن عباس مع وفور علمه لا يمكن أن يخالف قول رسول الله وَالر،
ومحال أن يعترض على قول رسول الله و 38، بل هو يعترض على فهم
أبي هريرة بأن ما فهمه من هذا الحديث، وحمله على الوضوء الشرعي غلط
وباطل، بل هو محمول على الوضوء اللغوي.
وكذلك استدلاله في مقابلة هذا الحديث بقوله كما رواه البيهقي(٢):
((لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله و لو وقد توضأ، ثم لبس ثيابه،
فجاء المؤذن، فخرج إلى الصلاة حتى إذا كان في الحجرة خارجاً من البيت
لقيته هدية عضو من شاة، فأكل منه لقمة أو لقمتين، ثم صلَّى وما مس
ماءً))، يرشد إلى أنه حمل الوضوء على الوضوء اللغوي استحباباً، وإلّا فلا
یکون لقوله محملٌ صحيحٌ.
وأيضاً الحديث الذي رواه ابن عباس في المضمضة من اللبن، وقال
(١) «سنن الترمذي) ح (٧٩).
(٢) ((السنن الكبرى)) (١٥٣/١).
٩٩

(١) كتاب الطهارة
(٧٨) باب
(١٩٥) حديث
(٧٨) بَابٌ: فِي الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ
فيه: ((إن له دسماً))، فهذا التعليل كما يدل على استحباب الوضوء اللغوي
على شرب اللبن لإزالة الدسومة، كذلك يدل على استحباب الوضوء اللغوي
من أكل كل ما فيه دسومة من لحم الجزور والبقر والغنم، فكما حمل الأمر
بالمضمضة والوضوء على استحباب غسل الفم، كذلك يحمل الأمر
بالوضوء على استحبابه، وهذا ظاهر جداً لمن جعل الإنصاف نصب عينيه
والله ولي التوفيق.
وكذلك يدل عليه أنه اجتمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من
أصحاب رسول الله وَر، فإن إجماعهم على ترك الوضوء مما مست النار
لا يمكن أن يكون مبنياً على الجهل عن حكم وجوب الوضوء مما مست
النار، بل لا بد أن يكون محمولاً على أن هذا الحكم منسوخ عندهم،
أو محمولاً على المعنى اللغوي.
فهذه قرائن تدل بعضها على أن الوضوء مما مست النار محمول على
الوضوء اللغوي، وبعضها تدل على أنه محمول على الوضوء الشرعي
ومنسوخ .
(٧٨) (بَابٌ: فِي الْوُضُوءِ مِنِ اللَّيَنِ)
المراد بالوضوء ها هنا الوضوء اللغوي لا الاصطلاحي،
بأن من شرب لبناً يستحب له أن يزيل الدسومة من فيه
بالماء، وهذا مجمع عليه، ولم أقف(١) على اختلاف فيه.
(١) قلت: لكن ابن أبي شيبة ذكر الآثار ممن قال به، كما في هامش ((الكوكب)) (١٢٣/١)
وهكذا بوب الترمذي، وقال ابن العربي (١٣١/١): مستحب عند العلماء إلَّ أن تكون
الرائحة الكريهة غالبة من صناعة أو ملازمة شعث، فتكون إزالتها واجبة، والخروج
عن الجماعة لأجلها فرض، كالثوم والبصل يأكلهما المرء. (ش).
١٠٠

(١) كتاب الطهارة
(٧٨) باب
(١٩٦) حديث
١٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: ثَنَا اللَّيْثُ، عن عُقَيْلٍ،
عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ
((أَنَّ النَّبِيَّ وَ شَرِبَ لَبَنّا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ (١) ثُمَّ قَالَ:
١٩٦ - (حدثنا قتيبة)(٢) بن سعيد (قال: ثنا الليث) بن سعد،
(عن عُقَيل) مصغراً، ابن خالد بن عَقيل مكبراً، الأيلي، أبو خالد الأموي،
مولى عثمان، وثّقه أحمد ومحمد بن سعد والنسائي، وقال أبو زرعة:
صدوق ثقة، وعن ابن معين: أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر
ثم عقيل، وعن ابن معين: عقيل ثقة حجة، وقال العجلي: أيلي ثقة، وأما
أبو حاتم فقال: لم يكن بالحافظ، كان صاحب كتاب، محله الصدق،
وقال الوليد: قال لي الماجشون: كان عقيل جلوازاً(٣)، وقال عبد الله بن
أحمد: ذكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عقيل وإبراهيم بن سعد كأنه
يضعفهما، وقال: وأي شيء هذا؟ هؤلاء ثقات لم يخبرهما يحيى،
مات بمصر سنة ١٤١ هـ.
(عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي،
أبو عبد الله المدني، قال الواقدي: كان عالماً، وكان ثقة فقيهاً كثير
الحديث والعلم، شاعراً وقد عمي، وقال العجلي: كان أعمى، وكان أحد
فقهاء المدينة، تابعي، ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وقال أبو زرعة: ثقة
مأمون إمام، مات سنة ٩٤ هـ وقيل بعدها .
(عن ابن عباس أن النبي وَ ل# شرب لبناً فدعا بماء فتمضمض، ثم قال:
(١) وفي نسخة: ((فمضمض)).
(٢) قال ابن رسلان: اعلم أن حديث قتيبة هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الخمسة غير
ابن ماجه عن شيخ واحد، وهو قتيبة. (ش).
(٣) ((الجلواز)) بالكسر: الشرطي، ج: الجلاوزة.
١٠١

(١) كتاب الطهارة
(٧٨) باب
(١٩٦) حديث
((إِنَّ لَهُ دَسَمًا)). [خ ٢١١، م ٣٥٨، ت ٨٩، ن ١٨٧، جه ٤٩٨]
إن له دسماً) الدسم كسبب: الودك، وهذه الجملة أشير بها لعلة المضمضة
من اللبن، ووجه المناسبة أنه ربما بقي من آثاره شيء، فتخلل ونزل الجوف
في صلاته فأبطلها، أو استمر في فمه فأورثه رائحة كريهة، كذا قال
الشارح، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري في ((صحيحه) بهذا السند.
قال الحافظ(١): لكن رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال:
حدثنا الأوزاعي، فذكره بصيغة الأمر: ((مضمضوا من اللبن))، كذا رواه
الطبراني(٢) من طريق آخر عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه
من حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسن.
قال العيني (٣): وبعد، فليس في مضمضته و 98 وجوب مضمضة ولا
وضوء على من شربه إذا كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته، إذا لم
تكن بياناً عن حكم فرض في التنزيل. وقال صاحب ((التلويح)): فيه نظر.
قلت: حاصل النظر أن الأحاديث التي أخرجها ابن ماجَه وغيره
بصيغة الأمر تدل على الوجوب، قلت: ولكن الحديث الذي رواه أبو داود
بسند لا بأس به إلى أنس بن مالك ((أن رسول الله صل و شرب لبناً فلم
يمضمض ولم يتوضأ وصلَّى)) يدل على نسخ المضمضة.
قال العيني: والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر
بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود
المذكور آنفاً، وما رواه الشافعي - رحمه الله - بإسناد حسن عن أنس
(١) (فتح الباري)» (٣٩٢/١).
(٢) في ((فتح الباري)): ((الطبري)»، وهو تصحيف.
(٣) ((عمدة القاري)) (٢/ ٥٨٣).
١٠٢

(١) كتاب الطهارة
(٧٨) باب
(١٩٦) حديث
((أن النبي ◌َ ﴿ شرب لبناً فلم يتمضمض ولم يتوضأ))، فإن قلت: ادَّعى
ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عبّاس، قلت: لم يقل به
أحد، ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ، كذا في
((العيني))، وكذلك قال الحافظ في ((الفتح)).
قلت: وبالجملة فلم يقل أحد(١) بوجوب المضمضة والوضوء
الاصطلاحي بشرب اللبن، سواء كان مطبوخاً، أو غير مطبوخ، نعم بقي
ههنا أن ما أخرج ابن ماجه بسنده عن أسيد بن حضير، وفيه: ((توضؤوا من
ألبان الإبل))، وأيضاً من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه: ((توضؤوا من
ألبان الإبل))، يدل على وجوب الوضوء الاصطلاحي من ألبان الإبل، فإن
الحديثين وإن كان في بعض رواتهما مقال، ولكنهما لما تأيد كل واحد
منهما بالآخر صارا حجة ودليلاً على الوجوب، فإن صيغة الأمر للوجوب،
والوضوء لفظ يجب أن يحمل على الحقيقة الشرعية.
فإن قيل: إن الأحاديث التي رويت في باب الوضوء من اللبن قرينة
صارفة عن أن يحمل الأمر على الوجوب، وقد حمل الأمر بالمضمضة على
الاستحباب فيها، فكذلك يحمل ههنا الأمر بالوضوء على الاستحباب دون
الوجوب، فإن ألبان الإبل فرد من أفراد جنس اللبن.
قلنا: لا نسلم ذلك، فإن وجوب الوضوء بألبان الإبل حكم،
والمضمضة من اللبن حكم آخر غير ذلك الحكم، فمحال أن يكون هذا
قرينة على ذاك، فيمكن أن يكون حكم المضمضة أولاً، ثم أمروا بالوضوء
بعد ذلك بشرب ألبان الإبل، بل الأولى في الجواب، أن يقال: إن إجماع
(١) قلت: إلّا أن في إحدى الروايتين عن أحمد نقض الوضوء بألبان الإبل، كما في
(«المغني)) (٢٥٤/١). (ش).
١٠٣

(١) كتاب الطهارة
(٧٩) باب
(١٩٧) حديث
(٧٩) بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
١٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ،
عن مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ، عن تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ.
الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة والتابعين والفقهاء من الأئمة
المجتهدين يدل على أن هذا إما مؤَوّل بالوضوء اللغوي بعلة الدسومة،
أو منسوخ لعلمهم بالناسخ منه والمنسوخ، فإن هذا أمر لا يمكن أن يخفى
عليهم لعلمهم، والله تعالى أعلم.
(٧٩) (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ)
أي في الوضوء من اللبن، والمراد من الرخصة
جواز ترك الوضوء اللغوي والشرعي من شرب اللبن ومسّه
١٩٧ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عنه مطيع بن
راشد) البصري(١)، قال في ((الميزان)): لا يعرف، روى عنه زيد بن
الحباب، وقال: دلني عليه شعبة، قال الحافظ: قلت: وقال أبو داود: أثنى
عليه شعبة، قلت: لم أقف على قول أبي داود هذا، ولعله ذكره في غير
ذاك المحل .
(عن توبة العنبري) هو توبة بن أبي أسد العنبري، أبو المورِّع، بضم
الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة، البصري، واسم
أبي الأسد كيسان بن راشد، وقيل: توبة بن أبي راشد، ويقال:
ابن أبي المورع، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين، وأبو حاتم،
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (١٣٤/٧) رقم (٦٦٠٦)، و((تهذيب التهذيب»
(١٨٢/١٠)، و((ميزان الاعتدال)) (١٣٠/٤).
١٠٤

(١) كتاب الطهارة
(٧٩) باب
(١٩٧) حديث
أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َ﴿وَ شَرِبَ لَبَنَا فَلَمْ
يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ وَصَلَّى)). [ق ١٦٠/١]
قَالَ زَيْدٌ: دَلَّنِي شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ.
وإبراهيم بن عرعرة، والنسائي: ثقة، أصله من سجستان، ومولده اليمامة،
ومنشؤه بها، ثم تحول إلى البصرة، وهو مولى أيوب بن أزهر، وفد على
عمر بن عبد العزيز، وولَاء يوسف بن عمرو سابور، ثم ولأَّه الأهواز،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الأزدي وحده: توبة منكر الحديث،
وروى بإسناد له عن ابن معين يضعف، وهو جد العباس بن عبد العظيم
الحافظ، مات في الطاعون سنة ١٣١هـ.
(أنه سمع أنس بن مالك يقول: إن رسول الله وَ*و شرب لبناً فلم
يمضمض(١) ولم يتوضأ وصلَّى)، فهذا يدل على أن شرب اللبن لا يجب
منه الوضوء ولا المضمضة، فصيغة الأمر الذي ورد فيه محمول على
الاستحباب .
(قال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ) والمراد بهذا الشيخ مطيع بن
راشد، وغرض المصنف من نقل قول زيد الإشارة إلى توثيق مطيع بن
راشد، فإن زيد بن الحباب يقول: دلني شعبة، وهداني لأخذ الحديث إلى
هذا الشيخ، وشعبة إمام متقن، فدلالته عليه لا يكون إلَّا لكونه ثقة، فلو
كان ضعيفاً، أو مستوراً لم يدل عليه شعبة قطعاً، وأيضاً قول زيد: ((على
هذا الشيخ)» توثيق منه، فإن إطلاق لفظ الشيخ يدل على توثيقه، وإن كان في
أدنى المرتبة .
(١) قال ابن رسلان: أغرب ابن شاهين، إذ جعل حديث أنس هذا ناسخاً لحديث
ابن عباس المتقدم، ولم يذكر من قال بالوجوب حتى يحتاج إلى النسخ، والصحيح
أن هذا الحديث يدل على أن الأمر الوارد فيما قبله محمول على الندب. (ش).
١٠٥

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
(٨٠) بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّم
١٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِع قَالَ: ثَنَا ابْنِ
الْمُبَارَكِ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي صُدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ،
قال الحافظ في ((النخبة))(١): وأدناها ما أشعر بالقرب من أهل
التجریح کشیخ، انتھی.
قلت: شعبة لم يرو عن مطيع بن راشد، ولم يخرج عنه، فكما يومىء
الدلالة على توثيقه كذلك يومىء عدم التخريج على ضعفه، والظاهر أنه
لو كان عند شعبة ثقة لروى عنه بنفسه، كما دل عليه غيره، وإلّا فكيف
يُحِبُّ لغيره ما لا يحب لنفسه.
(٨٠) (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ)(٢)
أي هل يجب الوضوء من سيلان الدم أو لا يجب؟
١٩٨ - (حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: ثنا ابن المبارك)
هو عبد الله، (عن محمد بن إسحاق) بن يسار (قال: حدثني صدقة بن
يسار) الجزري، سكن مكة، قال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج، قال:
كنت منهم فعافاني الله منه، قال أبو داود: كان متوحشاً يصلي بمكة جمعة
وبالمدينة جمعة، وذكر بعضهم أنه عم محمد بن إسحاق بن يسار،
وهو وهم ممن قاله، وثّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن سعد،
(١) (ص ٢٣٢).
(٢) يرد على المصنف أنه لم يذكر الوضوء من القيء، لا يقال: إنه لم يكن حديث فيه
على شرطه، لأنه يذكر حديث ثوبان في الوضوء من القيء في كتاب الصوم، اللّهم
إلَّا أن يقال: إنه لما كان عنده حكم الوضوء من الدم والقيء سواء اكتفى بأحدهما،
ويؤيده أن الترمذي جمعهما في باب واحد. (ش).
١٠٦

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
عن عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عن جَابِرٍ قَالَ: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾
- يَعْنِي فِي غَزْوَةٍ(١) ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
(عن عقيل بن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، قال في
(«الميزان»: فيه جهالة، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ :
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله (10 - يعني في غزوة ذات
الرقاع -) زاد بعض الرواة لفظة يعني إلى آخره إشارة إلى أنه ليس لفظ:
في غزوة ذات الرقاع، من لفظ الأستاذ، ولكن مراده من خروجه معه وَلآل
هي غزوة ذات الرقاع، وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع(٢)
من الهجرة، وذكر البخاري: أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء
بعد خيبر، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض
وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، وقيل: سميت به لرقاع كانت في ألويتهم،
وقيل: سميت بذلك؛ لأن أقدامهم نقبت فلفّوا عليها الخرق، وهذا
هو الصحيح، لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة، وقد أخبر به، كذا في
((العيني شرح البخاري))(٣).
(فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين) الإصابة: التفجيع، أي فجع
(١) وفي نسخة: ((غزاة)).
(٢) به جزم ابن رسلان. (ش).
(٣) (١٥٨/١٢).
١٠٧

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
فَحَلَفَ أَنِّي(١) لَا أَنْتَهِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ،
فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ(٢) وَ﴿ِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ وَ مَنْزِلاً،
فَقَالَ: ((مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا))، فَانْتَذَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، والتفجيع إما بالقتل
أو بالسبي(٣) والأسر (فحلف) (٤) أي المشرك (أني لا أنتهي) أي لا أمتنع
من الانتقام (حتى أهريق) أي أريق والهاء زائدة (دماً في أصحاب محمد)
أي حتى أقتل واحداً منهم.
(فخرج) أي المشرك (يتبع أثر النبي ◌َر) الأثر بفتح الهمزة والثاء
المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء، قال في ((القاموس)): خرج في إثره
وأثره: بعده.
(فنزل النبي * 8* منزلاً)، إما مفعول أو مصدر، والمراد بالنزول نزول
المسافر بالليل للاستراحة (فقال: من رجل يكلونا)(٥) أي يحرسنا ويحفظنا،
(فانتدب) أي أجاب هذه الدعوة (رجل من المهاجرين) هو عمار بن ياسر
(١) هكذا في النسخة القديمة والمجتبائية وغيرهما بلفظ ((أني))، وصححه الوالد المرحوم
في كتابه بلفظ ((أن))، وتبعه من جاء بعده. [قلت: وجاء لفظ ((أن)) في النسخة
المطبوعة ببيروت و ((مسند أحمد)» ٣٤٣/٣].
(٢) وفي نسخة: ((رسول الله)).
(٣) وبالأول فسره في ((العون)) (٣٣٣/١)، وبالثاني في ((التقرير)). (ش).
(٤) وفي رواية محمد بن نصر في ((قيام الليل)): ((أصاب امرأة رجل من المشركين، فلما
انصرف رسول الله 8* قافلاً أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف أن
لا يرجع حتى يهريق»، الحديث. (ش).
(٥) قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] نزل في غزوة أحد،
وهي في السنة الثالثة، وهذه قصة ذات الرقاع وهي في الرابعة، كما تقدم، كذا في
((ابن رسلان))، وما أجاب عنه بشيء. (ش).
١٠٨

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: ((كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ)).
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ
الْمُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَىَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى
شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ(١)، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ،
(ورجل من الأنصار) هو عباد بن بشر، وقيل: عمارة بن حزم، والمشهور
الأول (فقال) * لهما: (كونا) أي روحا وأقيما (بفم الشعب)(٢) هو
الطريق في الجبل، أي أقيما على أعلى الشعب لئلا يدهمهم ويفجأهم
عدو .
(قال) جابر: (فلما خرج الرجلان) أي المهاجري والأنصاري
(إلى فم الشعب اضطجع المهاجري) ليستريح (وقام الأنصاري يصلي)
ويحرس، كأنهما اقتسما الليل بأن ينام المهاجري نصف الليل ويحرس
الأنصاري، ويقوم المهاجري في النصف الآخر يحرس وينام الأنصاري.
(وأتى الرجل فلما رأى شخصه) أي سواده، والضمير إلى الأنصاري،
والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، كذا في ((القاموس))، (عرف)
أي المشرك (أنه) أي السواد (ربيئة) بفتح الراء وكسر الباء الموحدة:
الحارس، والطليعة الذي يحرس القوم لئلا يفجأهم عدو، ولا يكون
إلَّا على جبل أو شرف ينظر منه، من فتح يفتح، قال الحماسي:
فما سَوْذَنِيْقُ(٣) عَلَى مَرْبَأْ خَفِيفُ الْفُؤَادِ حَدِيدُ النَّظَرِ
(للقوم فرماه) أي المشركُ الأنصاريَّ (بسهم فوضعه فيه) أي أصابه
(١) وفي نسخة: ((القوم)).
(٢) لأن الآتي يظهر في الفضاء من بعيد، بخلاف الشعاب فلا يُذْرى فيها حتى يخرج
منها، كذا في ((التقرير)). (ش).
(٣) السوذق والسوذنيق: الصقر، وقيل: الشاهين.
١٠٩

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةٍ أَسْهُم، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَنْبَهَ صَاحِبُهُ،
فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبِّ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالأَنْصَارِيِّ
مِنَ الدِّمَاءِ(١) قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ
فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا)). [حم ٣٤٣/٣، ك ١٥٦/١،
قط ٢٢٣/١، خزيمة ٣٦، حب ١٠٩٦، ق ١ / ١٤٠ و٩ /١٥٠]
(فنزعه) وفي (سنن البيهقي)) بسنده: ((فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائماً
يصلي، ثم عاد الثانية، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائماً يصلي، ثم عاد
له الثالثة، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع فسجد، ثم أَهَبَّ صاحبه،
فقال: اجلس، فقد أُتِيْتُ فوثب))، وفي ((البخاري)): ((فتزفه الدم))، أي خرج.
(حتى رماه) أي رمى المشركُ الأنصاريَّ (بثلاثة أسهم، ثم ركع
وسجد) أي أتم صلاته (ثم أنبه) وفي بعض النسخ: ((انتبه))، والأول أوضح
(صاحبه) أي المهاجري.
(فلما عرف) المشرك (أنهم) أي أصحاب محمد وَلجر (قد نذروا) أي
علموا (به) أي بالمشرك (هرب) أي فر (فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من
الدماء) أي السائلة الكثيرة من الجروح الثلاثة التي حصلت بالأسهم الثلاثة.
(قال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب (ألا أنبهتني) أي أيقظتني
(أول ما رمى؟) يعني في أول مرة من الرمي (قال: كنت في سورة أقرؤها)
قال الشارح: قال المنذري: هي سورة الكهف(٢) (فلم أحب أن أقطعها)
وفي رواية البيهقي: ((حتى أنفذها، فلما تابع عَلَيَّ الرمْيَ ركعتُ فآذنتك(٣)،
(١) وفي نسخة: ((الدم)).
(٢) كذا وقع في رواية البيهقي ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) وفي الأصل: ((فأهببتك».
١١٠

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
وايم الله، لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله و لو بحفظه، لقطعت نفسي
قبل أن أقطعها أو أُنفِذها)».
قال الحافظ في ((شرحه على البخاري))(١): أخرجه أحمد وأبو داود
والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق
ابن إسحاق، وكذا قال العيني(٢)، قلت: ولم أجد ذكر الحديث في ((سنن
الدارقطني)»(٣).
وذكر البخاري في ((باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين))، ويذكر
عن جابر أن النبي ◌ّ ار كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه
الدم، فركع وسجد ومضى في صلاتِه، ذكره البخاري بصيغة التمريض.
قال الحافظ: عقيل لا أعرف راوياً عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به
المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق.
قلت: الأول والثالث من وجوه التمريض يستلزمه ويقتضيه، وأما
الثاني فبعيد، قال العيني(٤): فإن كون الحديث مختصراً لا يستلزم أن يذكر
بصيغة التمريض.
اختلف العلماء(٥) في أن الدم من نواقض الوضوء أو لا، فذهب إلى
(١) ((فتح الباري)» (٢٨٠/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٢/٢).
(٣) قلت: أخرجه الدارقطني (٢٢٣/١).
(٤) ((عمدة القاري)) (٥٠٢/٢).
(٥) وأصل اختلافهم في الحقيقة هو اختلافهم في علة الحدث، بسطه ابن العربي
(١٢٦/١)، وابن رشد (٣٤/١)، وهو أن علته خروج النجس عندنا الحنفية والثوري
وأحمد، والخروج من المخرج المعتاد عند الشافعي، ولذا أوجب من الريح والدودة =
١١

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
الأول أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق،
وقيدوه بالسيلان، وذهب ابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة،
وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي
إلى أنه غير ناقض، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: لو كان ناقضاً
للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن
يجوز له بعد ذلك أن یرکع ويسجد وهو محدث.
والجواب عن هذا الاستدلال أنه فعل واحد من الصحابة، ولعله كان
مذهباً له، أو لم يعلم بحكمه، ومما يقوي هذا أن ظاهر ما رأى المهاجري
ما بالأنصاري من الدماء يدل على أن الدم أصاب ثوبه وبدنه، وكانت ثلاثة
أسهم، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة مواضع من بدنه، كما يدل عليه لفظ
الدماء جمعاً، وذلك يدل على كثرة الدم، ولهذا رآه صاحبه بالليل وهاله،
فكما لم يدل مضيه مع النجاسة في الثوب على جواز الصلاة، كذلك لا يدل
على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء.
ولست أدري كيف يصح الاستدلال بالخبر، والدم إذا سال يصيب بدنه
وجلده وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيراً(١) لا تصح
الصلاة عند الشافعي، إلَّا أن يقال: إن الدم كان يخرج على سبيل الرزف، فلا
يصيب شيئاً من بدنه، وهذا أمر عجيب خارق للعادة وراء طور العقل.
وغيرهما، والخارج المعتاد من المخرج المعتاد عند مالك حتى لم يوجب من سلس
البول كما في «الكوكب)» (١٠٧/١). (ش).
(١) والدم الكثير نجس عند الأربعة، كما بسط في فروعهم مع الاختلاف فيما بينهم بين
القليل والكثير، فإن للشافعي في عفو الدم روايتين إحداهما يعفى مقدار الكف،
والثانية لا يعفى منه شيء، كذا في ((الميزان)) للشعراني (١٣٨/١)، ويعفى عند مالك
قدر الدرهم كما في ((مختصر الخليل)) (١٠٧/١). (ش).
١١٢

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث غير صحيح بوجوه: الأول: أن
الحديث ضعيف لأن عقيلاً الراوي مجهول، ومحمد بن إسحاق مختلف
فيه، والثاني: أن البخاري لم يجزم به بل ذكره بصيغة التمريض، والثالث:
أن هذا فعل صحابي، ولعله كان مذهباً له، أو لم يعلم بحكمه، أو علم
ولكن شغله الاستغراق في لذة المناجاة عن الالتفات إليه، فلا يستقيم(١)
الاستدلال به على عدم انتقاض الوضوء.
وأجاب صاحب ((عون المعبود))(٢) عن جهالة عقيل بأن التحقيق في
مجهول العين أنه إن وثّقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت جهالته،
وعقيل بن جابر الراوي وثَّقه ابن حبان، وصحّح حديثه هو وابن خزيمة
والحاكم، فارتفعت جهالته.
قلت: نسبة التوثيق إلى ابن حبان ليس بصحيح، فإنه لم يوثقه، ولم
يذكر أحد أنه وثَّقه، نعم ذَكَرَه في ((الثقات))، وذِكْرُه في ((الثقات)) لا يستلزم
التوثيق، ألا ترى أن ابن حبان كثيراً ما يذكر الرواة في ((الثقات)»، وهم
ليسوا بثقات.
وكذلك تصحيح الحديث من ابن حبان وابن خزيمة والحاكم ليس
بتوثيق له عند المحدثين، بل المراد بالتوثيق هو الذي يكون صراحة.
وأما تصحيح الحاكم فقال العلامة العيني في ((شرح البخاري)) في
بحث الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: فالحاكم قد عرف تساهله وتصحيحه
الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، انتهى.
(١) وفي ((التقرير)): عدم الذكر لا يستلزم العدم، فيحتمل الإعادة مع أن تنجس الثياب
مسلم بسيلان الدم، فالجواب الجواب والمحيص المحيص. (ش).
(٢) انظر: (٣٣٨/١).
١١٣

(١) كتاب الطهارة
(٨٠) باب
(١٩٨) حديث
ثم استدل البخاري على عدم النقض بآثار: أولها: قول الحسن:
((ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم)) وذلك لا يجديهم نفعاً، فإنه
لا يستلزم أن يكون جراحاتهم سائلة الدم، ولو سلم فلكونهم معذورين
لا ينقض طهارتهم، فمن له جراحة سائلة لا يترك الصلاة لأجلها، بل
يصلي وجراحته إما معصبة أو مربوطة بجبيرة، مع ذلك لو خرج شيء
لا تفسد صلاته.
وقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)(١): عن هشام عن يونس
عن الحسن: أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلاً، وهذا
مذهبه على خلاف ظاهر ما روى، فثبت أنه مؤول.
وثانيها : قول طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: ((ليس
في الدم وضوء»، قال العيني(٢): وليس هذا بحجة لهم، لأنهم لا يرون
العمل بفعل التابعي، ولا هو حجة على الحنفية من وجهين:
الأول: أنه لا يدل على أنهم كانوا يصلون والدم سائل، يعني أن لفظ
الدم في قولهم: ((ليس في الدم وضوء)) لا يستلزم كونه دماً سائلاً، بل يمكن
أن يحمل على غير السائل، وليس فيه الوضوء عندنا أيضاً.
والثاني: لو سلمنا ذلك، فالمنقول عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه
كان يقول: التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم.
ثم ذكر البخاري: عَصَرَ ابنُ عمر بَثْرَةً فخرج منها الدم ولم يتوضأ،
ويزق ابن أبي أوفى دماً فمضى في صلاته، وقال ابن عمر والحسن فيمن
احتجم: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه.
(١) (١/ ١٦٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٤/٢).
١١٤