النص المفهرس
صفحات 781-800
(١) كتاب الطهارة
(٧٤) باب
(١٨٥) حديث
قَالَ: أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونِ الْجُهَنِيُّ، عن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ.
قَالَ هِلَالٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عن أَبِي سَعِيدٍ.
عن المعروفين، وضعيف فيما يروي عن المجهولين، وقال العجلي: ثقة
ثبت ما حدث عن المعروفين فصحيح، وما حدث عن المجهولين ففيه
ما فيه، وليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق، لا يدفع عن صدقه، ويكثر
روايته عن الشيوخ المجهولين، وقال الآجري عن أبي داود: كان يقلب
الأسماء، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان مروان يغير الأسماء
يُعَمِّي على الناس، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة ثقة، وقال
ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفي ((الميزان)): قال
ابن معين: وجدت بخط مروان: وكيع رافضيّ، فقلت له: وكيع خير منك؛
فسبَّني، مات سنة ١٩٣هـ.
(قال: أخبرنا هلال بن ميمون الجهني) ويقال: الهذلي، ويقال:
أبو المغيرة، ويقال: أبو معبد، الفلسطيني الرملي، نزيل الكوفة،
عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس
بقوي، يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال) أي هلال بن ميمون:
(لا أعلمه) أي لا أعلم عطاء (إلّا) قال: (عن أبي سعيد)، ويحتمل أن
يكون مرجع الضمير الحديث، أي لا أعلم الحديث عن عطاء إلَّا
عن أبي سعيد، فعلى الاحتمالين ذكْرُ أبي سعيد على الظن، وقال في
((درجات مرقاة الصعود))(١): في رواية ابن حبان الجزم بأنه عن أبي سعيد،
فعلى هذا الروايةُ موصولة، وهذا لفظ محمد بن العلاء.
(١) (ص ٣٤).
٧٥
(١) كتاب الطهارة
(٧٤) باب
(١٨٥) حديث
وقَّالَ أَيُّوبُ وَعَمْرٌو: أُرَاهُ(١) عن أَبِي سَعِيدٍ ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ مَرَّ
بِغُلَامِ (٢) يَسْلُخُ شَاةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَطِّ: ((تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ))،
فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْم فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبِطِ،
ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)). [جه ٣١٧٩، ق ٨٦/٩، حب ١١٦٣]
(وقال أيوب وعمرو: أراه عن أبي سعيد) وهذا اللفظ أيضاً يدل
على أن ذكر أبي سعيد ليس على الجزم (أن النبي (وَّر مر بغلام) قال
في ((القاموس)): والغلام: الطارُّ الشارِبِ، والكَهْلُ ضدٌّ، أو من حين يولد
إلى أن يَشِبَّ، جمعه: أَغْلِمَةٌ وَغِلْمَةٌ وَغِلْمَانٌ، قال في ((درجات مرقاة
الصعود)): في رواية الطبراني هو معاذ بن جبل.
(يسلخ شاة)(٣) أي ينزع الجلد عنها .
(فقال له رسول الله وَطاهر: تَنَجَّ) أي تَبَعَّدْ عن مكانك، وكن على جانب
منه (حتى أريك) أي أعلمك، وزاد ابن حبان: ((فإني لا أراك تحسن
تسلخ))، كذا قال الشارح.
(فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها) أي أدخل اليد (حتى
توارت) أي اليد (إلى الإبط) ((وقال: هكذا يا غلام فاسلخ))، قال الشارح:
زاده ابن حبان .
(ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ) وهذا لفظ محمد بن العلاء
وأيوب بن محمد.
(١) وفي نسخة: ((وأراه)).
(٢) زاد في نسخة: (وهو)).
(٣) قال ابن رسلان: يؤخذ منه جواز ذبح الصبي وسلخه؛ لأن الظاهر أنه لم يسلخ
إلَّا وقد ذبحه، لأن قصده صحيح بدليل صحة العبادة عنه، وقال مالك وأحمد:
لا يصح. (ش).
٧٦
(١) كتاب الطهارة
(٧٤) باب
(١٨٥) حديث
(١) زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي لَمْ يَمَسَّ مَاءً، وَقَالَ:
عن هِلَال بْنِ مَيْمُونِ الرَّمْلِيِّ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَ(٢) رَوَاهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادَةٍ(٣)
قال أبو داود: (زاد عمرو في حديثه) في تفسير قوله: ولم يتوضأ:
(يعني لم يمس(٤) ماء)، فحمل الوضوء في قوله: ((ولم يتوضأ)) على الوضوء
اللغوي .
وهذا الحديث يدل على أن مس اللحم النِّيئ من الحيوان المذبوح غير
ناقض للوضوء، ولا فرق فيما كان شاة أو بقراً أو جزوراً، فإنها كلها سواء
في هذا الحكم، لا يجب منه الوضوء الاصطلاحي واللغوي، وإنما لم يغسل
اليد ليعلم أن ما تحت الجلد من الدسومة والرطوبة وما بقي من الدم غير
المسفوح متصلاً باللحم، ليس بنجس بعد الذكاة.
(وقال) أي عمرو في روايته: (عن هلال بن ميمون الرملي)، فالفرق
بين رواية عمرو وبين رواية محمد بن العلاء وأيوب بن محمد بأنهما قالا
بلفظ: أخبرنا هلال، ووصفاه بالجهني، وقال عمرو: عن هلال، ووصفه
بالرملي، ولا ضائقة فيه، فإنه اختلاف في اللفظ لا في المعنى.
(قال أبو داود: ورواه عبد الواحد بن زيادة) العبدي مولاهم،
(١) زاد في نسخة: ((قال أبو داود)).
(٢) وفي نسخة: من غير الواو.
(٣) هكذا في نسخ أبي داود القديمة والمجتبائية، وفي ((العون)) [وفي نسخة العيني] بدون
الهاء، وهو موافق لكتب الرجال (ش).
(٤) قال ابن رسلان: فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن الدم بعد الذبح في الجلد وغيره معفو
عنه. انتهى. قلت: وكذا في ((التقرير)). قال: وأما النهي عن الإتيان به في المسجد
فلاحتمال التلويث والذباب. (ش).
٧٧
(١) كتاب الطهارة
(٧٥) باب
(١٨٦) حديث
وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عن هِلَالٍ، عن عَطَاءٍ، عن النَّبِيِّ وَِّ مُرْسَلاً،
لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَعِيدٍ.
(٧٥) بَابٌ: فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْنَةِ
١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةً قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي
ابْنَ بِلَالٍ - ،
أبو بشر، وقيل: أبو عبيدة البصري، وثَّقه ابن سعد، وأبو زرعة،
وأبو حاتم، وأبو داود، والعجلي، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن عبد البر: أجمعوا لا خلاف بينهم أن
عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت، وقال ابن القطان الفاسي: ثقة لم يعتل عليه
بقادح، وقال صالح بن أحمد عن علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد
يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثاً قط بالبصرة ولا بالكوفة،
وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش، فلا
نعرف منه حرفاً، مات سنة ١٧٦هـ أو بعدها.
(وأبو معاوية) محمد بن خازم، (عن هلال) أي ابن ميمون،
(عن عطاء) أي ابن يزيد، (عن النبي (َ﴿ مرسلاً، لم يذكر) أي كل واحد
من عبد الواحد وأبي معاوية، وهكذا في النسخ الموجودة عندنا، وضبط
صاحب ((غاية المقصود)) بصيغة التثنية وهو الأظهر، فقال: لم يذكرا
(أبا سعيد).
(٧٥) بَابٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْنَةِ
١٨٦ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان يعني ابن بلال)
التيمي القرشي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب المدني، كان أصله
من البربر، عن أحمد: لا بأس به ثقة، وعن ابن معين: ثقة صالح، وقال
٧٨
(١) كتاب الطهارة
(٧٥) باب
(١٨٦) حديث
عن جَعْفَرٍ،
ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الخليلي: ثقة، وقال ابن عدي:
ثقة، وأثنى عليه مالك - رحمه الله تعالى -، وقال ابن الجنيد(١): إنما وضعه
عند أهل المدينة أنه كان على السوق، وقال ابن الشاهين في ((كتاب
الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به وليس ممن يعتمد على
حديثه، مات سنة ١٧٧ هـ.
(عن جعفر) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
الهاشمي العلوي، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فروة بنت
القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي
بكر، فلذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين، قال ابن حبان: كان من
سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً، وقال علي بن الجعد عن زهير بن
معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جاراً يزعم أنك تبرأ من
أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برأ الله من جارك، والله إني لأرجو أن
ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن
محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلَّا وأنا أرجو من شفاعة
أبي بكر مثله.
وثَقه الإمام الشافعي، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وقال: لا يسأل
عن مثله، ووثّقه النسائي، وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه
حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال:
في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلي منه، وقال ابن سعد: كان كثير
الحديث ولا يحتج به ويستضعف، سئل مرة: سمعت هذه الأحاديث من
أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في كتبه، قال الحافظ :
(١) في ((تهذيب التهذيب)) (١٧٦/٤): وقال ابن الجنيد عن ابن معين.
٧٩
(١) كتاب الطهارة
(٧٥) باب
(١٨٦) حديث
عن أَبِيهِ، عن جَابِرٍ: ((أَنَّ رَسُولَ(١) اللَّهِ وَّهِ مَرَّ بِالسُّوقِ
دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ
يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه
سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته، وقال الساجي:
كان صدوقاً مأموناً إذا حدث عنه الثقات فحديثه مستقيم، قال أبو موسى:
كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه، ولد سنة ٨٠هـ،
ومات سنة ١٤٨ هـ.
(عن أبيه) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب،
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وليس يروي عنه من يحتج به،
وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال ابن البرقي: كان فقيهاً فاضلاً،
وقال محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر
وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر؟ فقالا لي: يا سالم، تولهما وابرأ
من عدوهما، فإنهما كانا إمامَيْ هدى، وعنه قال: ما أدركت أحداً من أهل
بيتي إلَّا وهو يتولاهما، مات سنة ١١٤ هـ.
(عن جابر) بن عبد الله: (أن رسول الله ﴿﴿ مر بالسوق) قال الشارح:
سميت به لقيام الناس غالباً فيها على سوقها، أو لأن ما يباع يساق إليها .
(داخلاً من بعض العالية) وجمعها العوالي(٢) وهي أماكن بأعلى
أراضي المدينة من جهة نجد، (والناس كنفتيه)(٣) أي: جانبيه.
(فمر بجَدْيٍ) والجدي من أولاد المعز ذكرها ما بلغ ستة أشهر
(١) وفي نسخة: ((النبي)).
(٢) قال الكرماني: العوالي قرى لشرقي المدينة، كذا في ((الغاية)). (ش).
(٣) ويروى كنفيه بحذف التاء، أي: جانبيه. (ابن رسلان)). (ش).
٨٠
(١) كتاب الطهارة
(٧٥) باب
(١٨٦) حديث
أَسَكَّ مَيْتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ (١) ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا(٢)
لَهُ)»؟. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. [م ٢٩٥٧، حم ٣٦٥/٣، ق ١٣٩/١]
أو سبعة أشهر (أَسَكَ)(٣) قال في ((القاموس)): والسَّكَكُ محركةً: الصَّمَمُ،
وصِغَرُ الُذُنِ، ولُزُوقُها بالرأس، وقلة إشرافها، أو صِغَرُ قُوْفِ الأذن،
وضيق الصِّماخِ، وهو أَسَكُ، وهي سَكَّاء، فعلى هذا معناه صغير الأذنين
أو مقطوعهما (ميت، فتناوله) أي مد يده إليه (فأخذ بأذنه) لأنه كان صغير
الأذنين لا مقطوعهما .
(ثم قال) مَلّ مخاطباً لمن حضر من الصحابة: (أيكم يحب أن هذا)
أي الجدي (له، وساق الحديث) هذا قول أبي داود، أي وساق شيخي
عبد الله بن مسلمة الحديث إلى آخره، ولكن اختصرته، وذكرت منه على
قدر الضرورة، وتمامه في مسلم (٤)، ثم قال: ((أيكم يحب أن هذا له
بدرهم؟))، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به، قال: ((تحبون أنه
لكم))، قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيباً فيه؛ لأنه أَسَكُّ، فكيف وهو ميت،
فقال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا علیکم))، انتهى.
وهذا الحديث يدل على أن مس الميتة مع كونه نجساً لا ينقض
الوضوء، فكيف إذا كان لحم الحيوان المذكى طاهراً، فإنه لا ينقض
الوضوء أيضاً(٥).
(١) وفي نسخة: ((بأذنيه)).
(٢) وفي نسخة: «هذه)).
(٣) لم ينصرف للوصف ووزن الفعل. ((ابن رسلان)). وفي ((التقرير)»: أفاد بزيادة هذا
الوصف زيادة في تعييبها وقلة الرغبة فيها. (ش).
(٤) [((صحيح مسلم)) ح (٢٩٥٧)]، وكذا في ((الأدب المفرد)» للبخاري ح (٩٦٢).
(ش).
(٥) لأنه لو نقض لنقل إلينا، ((ابن رسلان)). (ش).
٨١
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٨٧ - ١٨٨) حديث
(٧٦) بَابٌ: فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ(١) النَّارُ
١٨٧ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: ثَا مَالِكٌ، عن زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)). [خ ٢٠٧، م ٣٥٤]
١٨٨ - حَذَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ
الأَنْبَارِيُّ، الْمَعْنَى، قَالًا: ثَنَا وَكِيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن أَبِي صَخْرَةَ
جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ،
(٧٦) (بَابٌ: فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ (٢) مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)
١٨٧ - (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: ثنا مالك) بن أنس الإمام
(عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن رسول الله وَ ل ◌ٍ (٣)
أكل كتف شاة) أي نضيجاً (٤) (ثم صلى ولم يتوضأ) وهذا يدل على أن أكل
ما مسته النار غير ناقض للوضوء.
١٨٨ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سليمان الأنباري،
المعنى) أي معنى حديثهما واحد (قالا: ثنا وكيع) بن الجراح، (عن مسعر)
بن كدام بكسر الكاف وتخفيف الدال.
(عن أبي صخرة جامع بن شداد) المحاربي الكوفي، وثّقه ابن معين
(١) وفي نسخة: ((مسته)).
(٢) بذلك قال الجمهور، منهم الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة، كما سيأتي قريباً، وبسطه
في ((المرقاة)) (٣٣٥/١). (ش).
(٣) أفاد القاضي إسماعيل أنه كان في بيت ضباعة، ويحتمل أن يكون في بيت ميمونة،
كما في رواية البخاري، انتهى. ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) اختلف في الجمع بينه وبين ما ورد عند البخاري وغيره: أنه عليه السلام ما أكل شاة
مسموطة، راجع الجزء التاسع من ((الفتح)) (٥٣١/٩). (ش).
٨٢
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٨٨) حديث
عن الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:
((ضِفْتُ النَّبِيَّ(١) وَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ
فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَّهُ بِالصَّلَاةِ.
وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العجلي:
شيخ عالٍ ثقة من قدماء شيوخ الثوري، مات سنة ١٢٧ هـ أو ١٢٨ هـ.
(عن المغيرة بن عبد الله) بن أبي عقيل اليشكري الكوفي، وثّقه
العجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(عن المغيرة بن شعبة قال) أي المغيرة: (ضفت(٢) النبي (وَلي) ضفت
بصيغة المتكلم من ضاف يضيف كبعت، أي نزلت عليه ضيفاً، لأنه لم يكن
من أهل المدينة، ولا يأوي إلى أهل ولا مال، وكان من الفقراء (ذات ليلة)
أي ليلة، ولفظ ذات مقحم.
(فأمر بجنب فشوي) أي أمر ويله بطبخ الجنب، أي أحد شقي الشاة
الذي فيه الأضلاع، فطبخ (وأخذ) وَر (الشفرة) أي السكين (فجعل يحثّ
لي) أي يقطع (بها) أي بالشفرة(٣) (منه) أي من الجنب. (قال) أي المغيرة:
فبينما هو يأكل (جاء بلال) مؤذن رسول الله و ﴿ (فآذنه بالصلاة) أي أعلمه
بوقت قيام الصلاة.
(١) وفي نسخة: ((رسول الله)).
(٢) ولفظ الترمذي في ((شمائله)) (ح ١٥٩): ((ضفت مع النبي (99)) يدل على أن المضيف
كان غيره عليه الصلاة والسلام، وسكت عنه صاحب ((المنهل)) (٢١٤/٢)، ويمكن
الجمع بينهما عندي بأن المغيرة كان ضيفه #، كما هو نص لفظ أبي داود، وكان
النبي ◌َّ مع ضيوفه مدعواً عند أحد، كما ذكرته في هامش ((الخصائل)). (ش).
(٣) ويشكل عليه ما سيأتي في الأطعمة من المنع عن القطع بالسكين، قال المنذري
(٤٥٠/٣): هذا الحديث مما أنكر عليه، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام قطع بالسكين،
كذا في (ابن رسلان))، قلت: وسيأتي هناك أنه ذكر في ((الموضوعات))، لكن لو سلم
فالجمع ما سيأتي هناك أن حديث المنع إن صح يحمل على لحم قد تكامل نضجه. (ش).
٨٣
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٨٨) حدیث
قَالَ: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ: ((مَا لَهُ؟ تَرِبَتْ يَدَاهُ))، وَقَامَ يُصَلِّي)).
و(١) زَادَ الأَنْبَارِيُّ: ((وَكَانَ شَارِبِي وَفَى(٢)، فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكِ،
أَوْ قَالَ: ((أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكِ)). [حم ٢٥٢/٤]
(قال) أي المغيرة: (فألقى) رسول الله وَلاير (الشفرة، وقال: ما له) أي
لبلال؟ (تربت يداه) هذه كلمة استعملت في اللوم والمعتبة، وإن كان أصلها
الدعاء على المقول له بالفقر والذلة، ولكن لما استعملت في اللوم جردت
عن معناها الأصلي، وإنما قال ذلك، لأن بلالاً كان الأنسب له أن لا يؤذنه
بالصلاة، وهو على الطعام مع الضيف(٣)، بل كان عليه أن ينتظر حتى
يفرغ، وأما إذا آذنه بالصلاة، فلم يتوقف النبي ول# عن القيام تأدباً بأمر
مولاه تعالى، ومسارعة إلى طاعة ربه.
(وقام يصلي) أي من غير أن يجدد الوضوء، وعلم بذلك جواز
الصلاة مع حضور(٤) الطعام إذا لم يشغل قلبه.
(زاد الأنباري) أي محمد بن سليمان أحد شيخي أبي داود، ولم يزده
عثمان: (وكان شاربي) قال في ((القاموس)): وما سال على الفم من الشعر، وما
طال من ناحية السبلة، أو السبلة كلها شارب (وَفَى) أي طال (فقصّه) أي
الشارب (لي على سواك) (٥) أي وضع السواك تحت الشارب وقصه عليه (أو
قال) اَلر، وهذا شك من بعض الرواة: (أقصه) أي الشارب (لك على سواك).
(١) في نسخة: بغير واو.
(٢) في نسخة: ((وفا)).
(٣) والظاهر بقاء رغبة المغيرة إليه بعد، كذا في ((التقرير)). (ش).
(٤) قال الحافظ (٣١١/١): استدل به البخاري على أن الأمر بتقديم الطعام خاص لغير
الإمام الراتب، وبسطه صاحب ((المنهل)) (٢١٥/٢)، وقال ابن رسلان: حديث تقديم
الطعام محمول على حالة الصوم أو الجوع. (ش).
(٥) فيه النظر في مصالح الضيف وتفقد أحواله، بسطه ((ابن رسلان)). (ش).
٨٤
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٨٩ - ١٩٠) حديث
١٨٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: ثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ:
ثَنَا سِمَاكٌ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: ((أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهـ
كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَخْتَهُ، ثُّ قَامَ فَصَلَّى)). [جه ٤٨٨]
١٩٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمِرِيُّ: ثَنَا هَمَّامٌ،
عن قَتَادَةً، عن يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ،
حاصله أن في رواية الأنباري بعد قوله: وكان شاربي وفَى، وقع
الشك لبعض الرواة في أن قص الشارب وقع منه والقر على سواك، أو لم
يقع، بل قال: أقصه في الزمان المستقبل على سواك، ثم بعد ذلك لم يذكر
أن القص وقع أو لم يقع.
١٨٩ - (حدثنا مسدد، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سماك،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال) أي ابن عباس: (أكل رسول الله وَّه كتفاً
ثم مسح يده بمسح) المسح(١) بالكسر: البلاس، وهو ثوب من الشعر
غليظ، (كان تحته) وَّر (ثم قام) إلى الصلاة (فصلى) أي: من غير أن
يجدد الوضوء.
١٩٠ - (حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: ثنا همام) بن يحيى،
(عن قتادة) بن دعامة، (عن يحيى بن يعمر)(٢) بفتح التحتانية والميم بينهما
مهملة ساكنة، وفي ((المغني)): بفتح الميم وضمها، البصري، أبو سليمان
القيسي الجدلي، قاضي مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وثّقه ابن سعد،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكان على قضاء مرو، ولاه قتيبة بن مسلم،
(١) في ((الشمائل)) ح (٣١٤): ((كان فراشه - عليه الصلاة والسلام - مِسْحاً نثنيه ثنيتين))،
الحديث. (ش).
(٢) لم ينصرف لوزن الفعل. ((ابن رسلان)). (ش).
٨٥
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩١) حديث
عن ابْنِ عَبَّاسِ ((أَنَّ النَّبِيّ(١) وَ﴿َ انْتَهَسَ مِن كَتِفٍ ثُمَّ صَلَّى
وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)). [حم ٢٧٩/١]
١٩١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَشْعَمِيُّ قَالَ:
ثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ
وقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المُنَصَّف(٢)، مات قبل المئة،
وقيل: بعدها .
(عن ابن عباس) هو عبد الله (أن النبي { 8* انتهس) النهس(٣) بفتح
النون وسكون الهاء وسين مهملة، هو الأكل بمقدم الفم، وبالمعجمة
بالأضراس، وقيل: هما بمعنى (من كتف، ثم صلَّى ولم يتوضأ)(٤).
١٩١ - (حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي) أبو إسحاق المصيصي
المقسمي، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر:
ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)».
(قال: ثنا حجاج) بن محمد المصيصي قال: (قال ابن جريج)
عبد الملك: (أخبرني محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير بالتصغير،
التيمي، أبو عبد الله، أو أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام،
عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، وما رأيت
(١) وفي نسخة: ((رسول الله)).
(٢) الشراب طُبِخَ حتى ذهب نصفه.
(٣) قال ابن رسلان: بالمهملة، أخذ اللحم بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بجميع
الأسنان. (ش).
(٤) بوب عليه البخاري ((باب من لم يتوضأ من لحم شاة والسويق))، وليس في الحديث
ذكر السويق، لكنه يفهم من باب الأولى، فإنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته،
فبالسويق أولى، ((ابن رسلان)). (ش).
٨٦
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩١) حديث
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ يقولُ: ((قَرَّبْتُ لِلنَّبِّ وَ خُبْزًا وَلَحْمًا،
فَأَكَلَ ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعًا بِفَضْلٍ
طَعَامِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)). [حم ٣٢٢/٣]
أحداً أجدر أن يقول: قال رسول الله وَل*، ولا يسأل عمن هو من
ابن المنكدر لتحريه، وقال الحميدي: حافظ، وقال ابن معين وأبو حاتم:
ثقة، وقال الواقدي: كان ثقة ورعاً عابداً يكثر الإسناد عن جابر، وقال
العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ
والإتقان والزهد، حجة، مات سنة ١٣٠هـ.
(قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت(١) للنبي ◌َ* خبزاً
ولحماً، فأكل ثم دعا بوضوء) (٢) أي بماء للوضوء (فتوضأً به، ثم صلٍَّ
الظهر، ثم دعا بفضل طعامه) أي بما بقي من الطعام (فأكل) أي ثانياً
(ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ).
ولعله وقد ترك الوضوء من أكل ما مسته النار، لأنه نسخ وجوب
الوضوء به، أو يقال: إنه توضأ أولاً وضوءاً لغوياً استحباباً، ثم لم يتوضأ
ثانياً لبيان جواز الترك.
(١) لعل هذه رواية أخرى غير ما في الترمذي، ولفظه: عن جابر خرج رسول الله ولو
وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت، الحديث (٨٠)، وإلَّا فرواية
أبي داود وهم، لأن رواية الترمذي مؤيدة برواية الطحاوي والبيهقي، وسكت عن هذا
الاختلاف صاحب ((العون)) و((العارضة)) و((تحفة الأحوذي) و((الشروح الأربعة)»
و((التلخيص الحبير)) (١٧٥/١). (ش).
(٢) لوجود حدث آخر، ولم يحدث في العصر، أو توضأ في الظهر لما مسته النار
استحباباً، ولم يتوضأ في العصر خوفاً من أن يفهم الوجوب، كذا في ((التقرير)". (ش).
[قلت: توضأ النبي ◌َّل* في الظهر لوجود حدث كما وقعت الصراحة في حديث مفصل
أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٧٤/٣) ح (١٥٠٨٠)].
٨٧
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٢) حديث
١٩٢ - حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِيُّ قَالَ:
ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ
الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ قَالَ: (كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه
تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)). [ن ١٨٥، خزيمة ٤٣، حب ١١٣٤]
١٩٢ - (حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي) وكان نسائي
الأصل، وثَّقه ابن أبي حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان
في («الثقات)»، مات سنة ٢٦٢ هـ.
(قال: ثنا علي بن عياش) بن مسلم الألهاني، أبو الحسن الحمصي
البكاء، وثّقه العجلي والنسائي، وقال الدارقطني: ثقة حجة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)»، وقال: كان متقناً، مات سنة ٢١٩ هـ.
(قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة) اسمه دينار الأموي مولاهم، أبو بشر
الحمصي، قال أحمد: ثبت صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة، ووثّقه
العجلي ويعقوب بن أبي شيبة وأبو حاتم والنسائي، مات سنة ١٦٢هـ.
(عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كان آخر الأمرين من
رسول الله * ترك الوضوء مما غيرت النار) أي: كان آخر الفعلين من
رسول الله ، فالأمر بمعنى المأمور، وهو الفعل، ويحتمل أن يكون
الأمر في معناه، فحينئذ يكون معنى هذا الحديث أنه 8 8# أمر بالوضوء مما
مسته النار أولاً ففعل، ثم أمر بترك الوضوء منه فترك، فكان آخر الأمرين
ترك الوضوء مما مسته النار.
قال النووي في ((شرح مسلم)»(١): حديث جابر حديث صحيح، رواه
أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم.
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤٣/٤).
٨٨
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٢) حدیث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا اخْتِصَارٌ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ.
قال الشوكاني(١): ويشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في
الصحيح عن سعيد بن الحارث، قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟
قال: لا، وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في
((الأوسط)) ولفظه: ((أكل آخر أمره لحماً، ثم صلَّى ولم يتوضأ)).
(قال أبو داود(٢): وهذا اختصار(٣) من الحديث الأول) ولفظ ((هذا))
إشارة إلى قول جابر: ((كان آخر الأمرين)»، الحديث.
والمراد من الحديث الأول الحديث الذي تقدم وهو حديث محمد بن
المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قربت للنبي وَّر، الحديث.
والذي يفهم من كلام البيهقي أن المصنف أشار بهذا الكلام إلى أن
من استدل بقول جابر هذا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار،
فاستدلاله بهذا القول غير سديد، فإن هذا القول لا يدل على أن ترك
الوضوء مما مسته النار كان آخر فعله # مطلقاً، بل هذا اختصار من
(١) ((نيل الأوطار» (٢٧١/١).
(٢) قلت: والحديث سكت عليه النسائي، وقال ابن رسلان: وتأول الحديث بعضهم أن
المراد بآخر الأمرين أي من الصلاتين لا مطلقاً، ومنهم أبو داود، فعندهم أحاديث
ترك الوضوء منسوخة بأوامر الوضوء، وقال النووي: هذا الذي قالوه ليس كما
زعموه، وتأويلهم حديث جابر خلاف الظاهر بغير دليل، فلا يقبل، والجمهور على
أن الوضوء منسوخ بحديث جابر هذا وهو الصحيح، انتهى.
قلت: ويأبى هذا التأويل ما أخرجه البخاري في ((صحيحه)) في ((باب المنديل»
عن جابر: «كنا لا نتوضأ مما مست النار» ح (٥٤٥٧). (ش).
(٣) وقال الشوكاني (٢٧١/١): في الحديث علة أخرى أن ابن المنكدر لم يسمعه
عن جابر، بل سمعه عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قلت: لكن الطريق الأول يأباه.
(ش).
٨٩
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٢) حديث
الحديث الأول الذي رواه جابر بن عبد الله يقول: ((قربت للنبي وَل* خبزاً
ولحماً فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفضل
طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)).
فهذا يدل على أن ترك الوضوء مما مسته النار كان آخر الأمرين في
ذلك المجلس لا مطلقاً، فلا يستدل به على النسخ، لأنه يمكن أن يكون
قوله {َى: ((الوضوء مما مست النار)) أو ((توضؤوا مما مست النار))، ورد بعد
هذه القصة .
قلت: وهذا الظن ناشىء من غير دليل يدل عليه، فإن هذا الظن
موقوف على ثبوت أن وضوءه و * بعد أكل الخبز واللحم أولاً كان لأجل
الأكل، وهو في حيز المنع، بل يحتمل أن وضوءه {# كان لوجود حدث
آخر لا لما أكله، ولو سلم ذلك فلا نسلم أن هذا الفعل ليس هو آخر
الأمرين مطلقاً بل مختص بذاك المجلس، ونقول: إن هذا الفعل الذي ثبت
في هذا المجلس هو آخر الفعلين مطلقاً، ما دام لم يثبت أنه ◌ّ فعل أو أمر
بخلافه بعد ذلك المجلس، ولم يثبت هذا.
فلو سلَّمنا أن هذا الحديث اختصار من الحديث الأول لا يضرنا،
وقد استدل به المحققون من الأئمة بنسخ الوضوء مما مسته النار بهذا القول
وبأمثاله من أقوال الصحابة وأفعالهم - رضي الله عنهم -.
قال البيهقي في ((سننه))(١): قال الزعفراني: قال أبو عبد الله
الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه، لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن
عبد الله بن عباس، وإنما صحبه بعد الفتح، يروى عنه أنه رآه يأكل من
(١) ((السنن الكبرى)) (١٥٥/١).
٩٠
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٢) حديث
كتف شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أشد الدلالات على أن
الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت
عن رسول الله وَّر أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبي بن كعب، وأبي طلحة كل
هؤلاء لم يتوضؤوا منه.
قال الشيخ: أما الطريقة الأولى فإليها ذهب جماعة من العلماء،
واحتجوا فيها بما احتج به الشافعي من رواية ابن عباس، ثم برواية جابر بن
عبد الله الأنصاري ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة.
أما حديث جابر فأخرجه بسنده، قال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء
مما مست النار.
ثم فأخرجه بسند آخر، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله وَ لهم أنه
أكل خبزاً ولحماً، ثم صلَّى ولم يتوضأ.
وأما حديث محمد بن مسلمة أخرجه بسنده عن محمد بن مسلمة، قال:
أكل رسول الله صل# مما غيرت النار، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وكان آخر أمريه.
وأما حديث أبي هريرة، أخرجه بسنده عن أبي هريرة أنه رأى
رسول الله * يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل من كتف شاة، ثم صلَّى
ولم يتوضأ .
ثم قال البيهقي(١) بعد تخريج هذه الروايات: وقد روي في حديث
آخر ما يتوهم أن يكون الناسخ إيجاب الوضوء منه، ثم ساق تلك
الروايات، ثم قال: فهذه الأحاديث قد اختلف فيها، واختلف في الأول
(١) («السنن الكبرى)» (١٥٧/١).
٩١
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٣) حديث
١٩٣ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ قَالَ:
ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ.
والآخر منها، فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها ببيان بَيِّنٍ يحكم به دون
ما سواه، فنظرنا إلى ما اجتمع إليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب
رسول الله (، فأخذنا بإجماعهم بالرخصة فيه، وبالحديث الذي يروى فيه
الرخصة عن النبي ◌َ﴾
قلت فيه: أولاً: أن البيهقي خالف إمامه الشافعي في قوله: فلم نقف
على الناسخ والمنسوخ منها، وقد تقدم أن إمامه صرح بكون حكم الوضوء
منسوخاً .
وثانياً: أن البيهقي صرح بكون إيجاب الوضوء منه ناسخاً على
التوهم، والتوهم لا يكون حجة بل لا يكون قابلاً للقبول ولا يلتفت إليه.
وثالثاً: أن الحديث الذي ذكره في معرض الاستدلال على كون
إيجاب الوضوء هو الناسخ، في سنده زيد بن جبيرة عن أبيه، وزيد هذا،
قال ابن معين: لا شيء، وقال ابن أبي حاتم والبخاري: منكر الحديث،
كذا في ((الجوهر النقي))(١).
١٩٣ - (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: ثنا عبد الملك بن
أبي كريمة) الأنصاري مولاهم، أبو زيد المغربي، روى له أبو داود حديثاً
واحداً في ترك الوضوء مما مست النار، قال أبو العرب في ((طبقات علماء
القيروان)»: كان ثقة خياراً، يقال: إنه كان مستجاباً، وقال سحنون: كان
ورعاً صاحب أحاديث، وقال أبو جعفر أحمد بن أبي خالد المقرىء: كان
ثقة، مات سنة ٢٠٤هـ أو بعدها .
(١) (١٥٨/١).
٩٢
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٣) حديث
- قَالَ ابْنِ السَّرْحِ: مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ - قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ
ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ قَّالَ: ((قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ
جَزْءٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(١) بَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدٍ
مِصْرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ
(قال ابن السرح: من خيار المسلمين) أي يقول المصنف: قال
شيخي أحمد بن عمرو بن السرح: كان عبد الملك من خيار المسلمين،
وهذا توثيق من ابن السرح لشيخه عبد الملك.
(قال: حدثني عبيد) مصغراً (ابن ثمامة المرادي) ويقال: عتبة بن
ثمامة، وهو الصواب، قال الحافظ: في ((التقريب)): مقبول من
الخامسة .
(قال: قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء)(٢) بن عبد الله بن
معدي كرب الزبيدي بضم الزاي، حليف أبي وداعة السهمي،
وابن أخي محمية بن جزء الزبيدي، قال البخاري: له صحبة، سكن مصر،
وذكر أبو جعفر الطحاوي، أن وفاته كانت بسقط القدور قرية بأسفل مصر،
ذكر الطبري أنه كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله وَ ر عبد الله، وهو
آخر من مات بمصر من الصحابة، مات سنة ٨٥هـ أو بعدها (من أصحاب
رسول الله (َ﴾).
(فسمعته يحدث في مسجد مصر قال) أي عبد الله بن الحارث: (لقد
رأيتني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ( 18) أي كانوا سبعة
(١) وفي نسخة: ((النبي)).
(٢) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» (٢/ ٥٧٢) رقم (٢٨٧٣).
٩٣
(١) كتاب الطهارة
(٧٦) باب
(١٩٣) حديث
فِي دَارِ رَجُلٍ، فَمَرَّ بِلَالٌ، فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ
وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ؟))
قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَتَنَاوَلَ(١) مِنْهَا بَضْعَةً، فَلَمْ يَزَلْ
يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِليهِ)).
وأنا سابعهم، أو كانوا ستة وأنا سادسهم، وهذا شك من بعض الرواة
(في دار رجل) لم يعرف من هو (فمر بلال فناداه) أي آذنه (بالصلاة
فخرجنا) من الدار (فمررنا برجل) ولم يعرف هذا الرجل (وبُرْمَته) والبرمة
بضم الباء وسكون الراء: القدر مطلقاً، وهي في الأصل ما اتخذ من
الحجر، وجمعها بِرَامٌ وبٌرَمٌ وكصُرَدٍ (على النار) أي تطبخ على النار.
(فقال له رسول الله وَ له: أطابت بُرْمَتُك) أي تم وكمل نضج برمتك؟
(قال: نعم، بأبي أنت وأمي) أي مفدي أنت بأبي وأمي. (فتناول) أي أخذ
(منها) أي من البرمة (بضعة) أي قطعة من اللحم فجعلها في فيه، (فلم يزل
يعلكها) أي يمضغها (حتى أحرم (٢) بالصلاة) أي كبر للتحريم، معناه أنه
ابتلعها قبيل التكبير (وأنا أنظر إليه)(٣) وَي# أي إلى فعله ذلك، ويحتمل أن
يكون الغرض منه بيان قوة حفظه لتلك الواقعة، فحينئذ معناه: وكأني أنظر
إليه الآن، والأول أقرب.
(١) وفي نسخة: ((فناوله)).
(٢) فيه جواز الأكل ماشياً، وهذا مخصص للنهي الوارد في ((الصحيح)، لمسلم
ح (٢٠٢٤): نهى ◌َل عن الشرب قائماً، قال قتادة - رضي الله عنه -: قلنا لأنس -
رضي الله عنه -: فالأكل ماشياً قال: أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ. انتهى. ((ابن رسلان)). وفي
«التقرير»: فيه مسائل: إطابة نفس المسلم، وعدم الطهارة، ولا غسل الأيدي ولا
المضمضة. انتهى. (ش).
(٣) قال ابن رسلان: فيه مراقبة أهل العلم في أفعالهم وأحوالهم، انتهى. (ش).
٩٤