النص المفهرس

صفحات 401-420

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٦٨) حديث
جُنُبًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ)). [ت ٦٥، جه ٣٧٠ -
٣٧١، ك ١٥٩/١، حم ٢٣٥/١، ق ١٨٨/١]
جنباً)(١) أي واغتسلت بهذا الماء، وهو فضلة يدي (فقال رسول الله (ص ):
إن الماء لا يُجْنِب) بضم الياء وكسر النون، ويجوز فتح الياء وضم
النون، أي لا يصير جنباً، احتج (٢) به على طهورية الماء المستعمل،
وأجيب بأنها اغترفت منه ولم تنغمس، إذ يبعد الاغتسال داخل
الجفنة عادة، و ((في)) بمعنى ((من))، فيستدل به على أن المحدث
إذا غمس يده في الإناء للاغتراف من غير نية رفع الحدث عن يده لا يصير
مستعملاً .
قلت: الغالب أنها - رضي الله تعالى عنها - غسلت يدها قبل
إدخالها الجفنة، كما كان رسول الله ◌َلا يفعله، ولا دليل على أنها
أدخلت يدها قبل الغسل، فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث
وحديث حميد: ((نهى رسول الله و لو أن يغتسل الرجل بفضل المرأة»؟
قلت: هذا الحديث يدل على الجواز، وذلك على ترك الأولى
للتنظيف(٣).
(١) فيه شاهد اللغة أنه يطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع. ((ابن
رسلان)). (ش).
(٢) كما بسطه صاحب ((المغني)) (٣١/١)، وسيأتي الكلام عليه في الباب الآتي، انتهى.
قال ابن رسلان: في الحديث دليل للقول القديم للشافعي ومذهب مالك،
ورواية لأحمد: أن المستعمل في فرض الطهارة مطهر، وإن قلنا: ((في جفنة)» بمعنى
من جفنة، ففيه دليل على الرخصة في الوضوء بفضل وضوء المرأة، كما بَوَّب عليه
ابن ماجه. (ش).
(٣) سيأتي البسط فيه. (ش).
٤٠٠

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٦٩) حديث
(٣٦) بَابُ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاحِدِ
٦٩ - خَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: ثَنَا زَائِدَةُ فِي حَدِيثٍ
هِشَامِ، عن مُحَمَّدٍ،
(٣٦) (بَابُ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) أي الذي لا يجري
٦٩ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال) أي أحمد: (ثنا
زائدة) ابن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، قال أحمد: إذا
سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تُبال أن لا تسمعه عن غيرهما إلَّا
حديث أبي إسحاق، قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض
الروم غازياً سنة ١٦١ هـ.
(في حديث(١) هشام) مراد المصنف بذلك بيان أن زائدة له شيوخ،
فيقول تلميذه أحمد بن يونس: حدثنا زائدة في الأحاديث التي رواها
عن شيخه هشام، وهو هشام بن حسان الأزدي القردوسي بضم القاف
والدال، أبو عبد الله البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي
روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما، وكان شعبة
يتكلم في حفظه، وقال ابن معين: كان يتقي حديثه(٢)، وقال ابن المديني:
كان القطان يضعف حديثه عن عطاء، وكان أصحابنا يثبتونه. قال أبو داود:
إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه
أخذ كتب حوشب، مات سنة ١٤٨ هـ.
(عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
(١) قال صاحب ((الغاية)): ((في)) بمعنى ((عن))، فهو بمعنى عن هشام، قلت: ويحتمل أن
يكون المعنى في ذيل حديث هشام الطويل. وكذا في ((التقرير))، قلت: ويؤيده حديث
هشام الآتي، وسكت عن شرحه ابن رسلان. (ش).
(٢) وفي ((التهذيب)) (٣٦/١١): وقال معاذ بن معاذ: كان شعبة يتقي حديث هشام عن
عطاء والحسن .
٤٠١

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٦٩) حديث
عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ
الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)). [خ ٢٣٩، م ٢٨١، ت ٦٨، ن ٥٨، جه ٣٤٣]
البصري، ثقة ثبت كبير القدر إمام وقته، لا يرى الرواية بالمعنى، ولد
لسنتين بقيتا من خلافة عثمان - رضي الله عنه -، ومات وهو ابن ٧٧ سنة،
مات سنة ١١٠ هـ.
(عن أبي هريرة، عن النبي (وَّ﴾ قال: لا يبولن) (١) صيغة نهي أُكِّدَتْ
بالنون الثقيلة (أحدكم) أيها الأمة (في الماء الدائم) أي الراكد الساكن، من
دام الشيء سكن ومكث، وزاد في رواية الصحيحين: ((الذي لا يجري))،
صفة ثانية مؤكدة للأولى، أو صفة كاشفة لها. وقيل: الذي لا يجري بشيء
من تبنة وغيرها، وفي معنى الجاري الماء الكثير، وهو العشر في العشر
عندنا، ومقدار قلتين عند من يقول به .
(ثم يغتسل منه) الرواية بالرفع(٢) أي لا يبل، ثم هو يغتسل فيه،
فيغتسل خبر لمبتدأ محذوف، عطف الجملة على جملة لا يبولن، وترتيب
الحكم على ذلك يدل على أن الموجب للمنع أنه يتنجس، فلا يجوز
الاغتسال به، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا يتنجس إلَّا بالتغير،
وقيل: الظاهر أنه عطف على لايبولن ويكون (ثم)) مثل الواو في: لا تأكل
السمك وتشرب اللبن، أو مثل الفاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ
(١) قال ابن دقيق العيد في ((الإحكام)) (٢١/١): هذا مستدل الحنفية، وخصه الشافعي
بما دون القلتين، ومالك حمل النهي على الكراهة، ولأحمد طريقة أخرى وهي
التخصص ببول الآدمي، وأما غيره من النجاسات فكقول الشافعي، وقالت الظاهرية
الجامدة: إن الحكم للبول في الماء فلو بال في الكوز وَصَبَّه في الماء لا يفسد،
وهذا باطل قطعاً. إلى آخر ما قال. (ش).
(٢) قال القرطبي: الرواية الصحيحة برفع اللام. ((ابن رسلان))، وبسط الكلام على
الإعراب ونظائره. (ش).
٤٠٢

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٧٠) حديث
٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عن مُحَمَّدٍ بْنِ
عَجْلَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ)). [حم ٤٣٣/٢، ق ٢٣٨/١، جه ٣٤٤]
عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾(١) أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف، ثم الاغتسال،
فثم استبعادية، أي بعيد من العاقل ذلك، أي الجمع(٢) بين هذين الأمرين،
((قاري)»(٣) ملخصاً .
٧٠ - (حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ، بفتح
الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمي، أبو سعيد
القطان، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ١٩٨ هـ.
(عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي) وهو عجلان، مولى فاطمة
بنت عتبة بن ربيعة المدني، قال النسائي: لا بأس به، وقال الآجري عن
أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلراء: لا يبولن (٤) أحدكم
في الماء الدائم) أي الساكن الراكد الذي لا يجري حقيقة أو حكماً، فالمراد
به الماء القليل (ولا يغتسل) بالجزم والرفع نهياً وخبراً (فيه من الجنابة) ويؤيده
(١) سورة طه: الآية ٨١.
(٢) قال ابن رسلان: النهي عن الشيئين يكون تارة عن الجمع، وتارة على الجمع،
أما عن الجمع فمعناه عن فعلهما معاً بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما،
وأما على الجمع فمنشأه أن يكون في كل واحد منهما مفسدة، وتستقل بالمنع،
فهذا الحديث من باب النهي عن الجمع، والحديث الآتي من باب النهي على الجمع
أن لا يبولن فیه ولا يغتسل فيه. (ش).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧١/٢).
(٤) فالتغوط بالأولى، كما بسطه ابن رسلان. (ش).
٤٠٣

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٧٠) حديث
رواية مسلم قال: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، قالوا:
كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً .
قال في ((شرح السنَّة))(١): فيه دليل على أن الجنب إن أدخل يده فيه
ليتناول الماء لم يتغير حكمه، وإن أدخل يده فيه ليغسلها من الجنابة تغير
حكمه، وكذا حكمه عندنا، قاله القاري
.
قلت: اختلف في حكم الماء المستعمل أنه طاهر أم نجس؟ فقد ذكر في
ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ، ولم يذكر أنه طاهر أم نجس، وروى محمد
عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه طاهر غير طهور، وروى أبو يوسف والحسن بن
زياد عنه أنه نجس، غير أن الحسن روى عنه أنه نجس نجاسة غليظة يقدر فيه
بالدرهم، وبه أخذ، وأبو يوسف روى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه
بالكثير الفاحش، وبه أخذ، وقال زفر: إن كان المستعمل متوضئاً فالماء
المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثاً فهو طاهر غير طهور، وهو أحد
أقاويل الشافعي، وفي قول له: إنه طاهر وطهور بكل حال، وهو قول مالك.
ثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف، وقالوا : الماء المستعمل نجس عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد طاهر غير طهور، وبه أخذ الشافعي،
وهو أظهر أقوال الشافعي، ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا: إنه
طاهر غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنه
كان يقول: إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة
- رحمه الله - وهو اختيار المحققين(٣) من مشايخنا بما وراء النهر.
(١) (٦٨/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٢/٢).
(٣) ولأحمد روايتان: طاهر وليس بمطهر، وهو ظاهر المذهب، والثاني: طاهر مطهر، كذا
في «المغني)) (٣٤/١)، وكذا حكى صاحب ((المغني)) قولين للشافعي ومالك. (ش).
٤٠٤

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٧٠) حدیث
واختلف في سبب صيرورة الماء مستعملاً، فعند أبي حنيفة
وأبي يوسف الماء إنما يصير مستعملاً بأحد الأمرين: إما بإزالة الحدث،
أو بإقامة القربة، وعند محمد لا يصير مستعملاً إلَّا بإقامة القربة، وعند زفر
والشافعي لا يصير مستعملاً إلَّا بإزالة الحدث، وهذا الاختلاف لم ينقل
عنهم نصاً، لكن مسائلهم تدل عليه .
وجه قول من قال: إن الماء المستعمل طهورٌ، ما روي عن النبيِ وَل
أنه قال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلَّا ما غير))، الحديث(١). ولم يوجد
التغير بعد الاستعمال، فبقي على طهوريته، ولأن هذا ماء طاهر لاقى عضواً
طاهراً، فلا يصير نجساً، كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب طاهر، أما كون
الماء طاهراً فظاهر.
وأما كون المحل طاهراً، فالدليل عليه أن كونه طاهراً حقيقة، فلانعدام
النجاسة الحقيقية، وأما حكماً فلقوله وَّل: ((إن المؤمن لا ينجس)). وقال اله
لعائشة - رضي الله عنها -: ((ليست حيضتك في يدك))، ولهذا جازت صلاة
حامل الحدث والجنب، وحامل النجاسة لا تجوز، إلَّا أنه لا يجوز التوضؤ
به، لأنه تمكن فيه نوع خبث لإزالة الآثام كالمال الذي تصدق به، ولهذا
سميت الصدقة غسالة الناس، وقد ورد الشرع باستعمال الماء المطلق،
وهو الذي لا يقوم به خبث، وأيضاً استدلوا على طهورية الماء المستعمل(٢)
بصبِّه ◌َل لوضوئه على جابر، وبتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه.
والدليل على كون الماء المستعمل نجساً، هذا الحديث وما ورد في
معناه من الأحاديث التي رواها أصحاب الصحاح، ووجه الاستدلال به
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٩٤/١). (ش).
(٢) بسط الحافظ في ((الدراية)) (٥٤/١) دلائل طهارة الماء المستعمل. (ش).
٤٠٥

(١) كتاب الطهارة
(٣٦) باب
(٧٠) حديث
أنه ◌َّ حرم الاغتسال في المال القليل؛ لإجماعنا على أن الاغتسال في
الماء الكثير كالبحر مثلاً ليس بحرام، فلولا أن القليل من الماء ينجس
بالاغتسال بنجاسة الغُسالة لم يكن للنهي معنى؛ لأن إلقاء الطاهر في الطاهر
ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام، وكان هذا نهياً عن تنجيس الماء
الطاهر بالاغتسال، وذا يقتضي التنجيس به.
لا يقال: يحتمل أنه نهى لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهراً
من غير ضرورة، وذلك حرام؛ لأنا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه
مطهراً باختلاط غير المطهر به إذا كان الغير غالباً عليه، وأما إذا كان مغلوباً
فلا، وها هنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن أقل من غير المستعمل،
فكيف يخرج به من أن يكون مطهراً .
ولا يقال: يحتمل أنه نهى لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة
الحقيقية، وذا يوجب تنجيس الماء القليل؛ لأنا نقول: الحديث مطلق، فيجب
العمل بإطلاقه، ولأن النهي عن الاغتسال ينصرف إلى المسنون؛ لأنه
هو المتعارف فيما بين المسلمين، والمسنون منه هو إزالة النجاسة الحقيقية
عن البدن قبل الاغتسال على أن النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على
البدن استفيد بالنهي عن البول فيه، فوجب حمل النهي عن الاغتسال فيه على
ما ذكرنا، ولأن هذا مما تستخبئه الطبائع السليمة، فكان محرماً لقوله تعالى:
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾(١)، والحرمة لا للاحترام دليل النجاسة، ولأن الأمة
أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف
على نفسه العطش يباح له التيمم، ولو بقي الماء طاهراً بعد الاستعمال لما
أبيح؛ لأنه يمكنه أن يتوضأ، ويأخذ الغسالة في إناء نظيف، ويمسكها للشرب.
(١) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.
٤٠٦

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حديث
(٣٧) بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ
٧١ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِي
حَدِيثِ هِشَام، عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ وَِّ قَالَ:
(طُهُورُ إِنَاءٍ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ.
(٣٧) (بَابُ الوُضُوءِ بِسُورِ الْكَلْبِ)(١)
يعني هل يجوز به الوضوء أم لا؟ وهل هو طاهر أم نجس؟
ولعل غرض المصنف بعقد هذا الباب الإشارة إلى رد قول الزهري
الذي حكاه البخاري في ((صحيحه))(٢) من جواز التوضؤ بالماء الذي ولغ فيه
الكلب، وتبعه في ذلك الثوري.
٧١ - (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس قال: حدثنا زائدة في
حديث هشام، عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر قال:
طهور)(٣) بضم الطاء وتفتح، قال النووي: الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال
بفتحها، لغتان، نقله السيد، وقال ابن الملك: بضم الطاء بمعنى التطهر
أو الطهارة (إناء أحدكم إذا ولغ (٤) فيه الكلب)(٥) ولغ الكلب في الإناء وفي
الشراب يلغ، كَيَهَبُ، ولْغاً، ويضم، ووُلُوغاً ووَلَغَاناً محرَّكةً: شرب ما فيه
بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه، خاص بالسباع، ومن الطير
بالذباب، ((قاموس))، وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، ويقال: ليس شيء
من الطيور يلغ غير الذباب، ((لسان العرب)).
(١) قال ابن العربي (١٣٤/١): أمهات مسائل الباب في عشرة أحكام. (ش).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٢/١).
(٣) ويلفظ الطهور استدل على نجاسة سؤره ((ابن رسلان)) فهو حجة على المالكية. (ش).
(٤) بسط ابن رسلان في الضابطة الصرفية في كون الفعل من باب فتح. (ش).
(٥) وكذا الكلاب، وقيل: لكل كلب سبع، بسطه ابن رسلان. (ش).
٤٠٧

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حدیث
أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بالتُّرَابِ)). [م ٢٧٩، ت ٩١، ن ٦٣،
حم ٢٦٥/٢]
قال الطيبي: هو مبتدأ والظرف معمول له، والخبر (أن يغسل سبع
مرات أولاهن بالتراب)(١)، وفي رواية أخرى: ((إحداهن بالتراب))، قال
ابن حجر: وهي صحيحة أيضاً على ما ذكره النووي في بعض كتبه، لكن
بَيَّن في محل آخر أن في سندها ضعيفاً ومجهولاً، وفي رواية صحيحة:
((أولاهن أو أخراهن بالتراب))، و((أو)) فيها للشك كما بينه البيهقي وغيره،
وفي أخرى صحيحة أيضاً: ((وعفروه الثامنة بالتراب))، أخذ بظاهرها أحمد
وغيره، وقيل: لا تعارض لإمكان الجمع بحمل رواية ((أولاهن)) على
الأكمل، وحمل رواية السابعة على الجواز، ورواية ((إحداهن)) على
الإجزاء، قال ابن الملك: فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب
الكون (٢) نجاسته أغلظ النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع
مرات، فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع، وهذا مذهب الشافعي، وعند
أبي حنيفة: يغسل من ولوغه ثلاثاً بلا تعفير كسائر النجاسات.
وفي ((الشرح الكبير))(٣) عن مالك: لا يغسل من غير الولوغ (٤)، لأن
الكلب طاهر عنده، والغسل من الولوغ تَعَبُّدٌ، وقال النووي: في مذهب
(١) يتعين ذلك عند الشافعي ولا يقوم شيء مقامه، وقال أحمد: يجوز مقامه الصابون
والأشنان ونحوهما، كذا في ((المنهل)) (٢٥٣/١). (ش).
(٢) في الأصل ((لكونه)) وهو تحريف.
(٣) والظاهر أن المالكية اضطروا إلى ذلك، لأن الماء لا ينجس عندهم بدون التغير،
وتمام ما في ((الشرح الكبير)) (٧٤/١): اليسير الذي ولغ فيه الكلب يكره استعماله في
الحدث والخبث، ولا يكره استعماله في العادات. (ش).
(٤) مثلاً وصل إليه اللعاب ((ابن رسلان))، بل ولو أدخل الفم ولم يحرك اللسان كما صرح
به في ((الشرح الكبير)) (١٤٠/١). (ش).
٤٠٨

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حديث
مالك أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه
دون غيره، وهذه الثلاثة عن مالك، والرابع عن عبد الملك بن الماجشون
المالكي أنه يفرق بين البدوي والحضري، انتهى.
وفي ((صحيح البخاري))(١): وقال الزهري: إذا ولغ في الإناء وليس له
وضوء غيره يتوضاً به، وقال سفيان: هذا الفقه بعينه، يقول الله تعالى:
﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُوا﴾(٢) وهذا ماء، وفي النفس منه شيء يتوضأ ويتيمم.
وقال ابن الهمام(٣): روى الدارقطني عن الأعرج عن أبي هريرة
عنه ◌َّ، في الكلب يلغ في الإناء يغسل ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ورواه
ابن عدي (٤) مرفوعاً: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله
ثلاث(٥) مرات)). ورواه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفاً على
أبي هريرة أنه كان إذا ولغ في الإناء أهراقه، ثم غسله ثلاث مرات، وحينئذ
فيعارض حديث السبع، ويُقَدَّمُ عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم
بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر، حتى أمر بقتلها، والتشديد
في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينته
معارض كان التقدم له، فالأمر الوارد بالسبع محمول على الابتداء مع أن في
عمل أبي هريرة - رضي الله عنه - على خلاف حديث السبع - وهو راويه -
كفاية؛ لاستحالة أن يترك القطعي للرأي منه، وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما
(١) كتاب الوضوء (٣٣) باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.
(٢) سورة المائدة: الآية ٦.
(٣) ((فتح القدير)) (٩٥/١).
(٤) في الأصل و((مرقاة المفاتيح)) (١٩٣/٢): ((ابن عربي)) وهو تحريف، والصواب: ((ابن
عدي)"، انظر: ((فتح القدير)) (٩٥/١)، و((الكامل في ضعفاء الرجال)) (٧٧٦/٢).
(٥) في الأصل: ((سبع مرات))، وهو تحريف.
٤٠٩

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حدیث
هو بالنسبة إلى غير راويه، فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في
رسول الله ﴾ فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في
معناه، فلزم أنه لا يتركه إلَّا لعلمه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلَّ بالقطعي
فبطل تجويزهم تركه بناءً على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطإ،
وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر
منسوخاً بالضرورة ((علي القاري))(١).
ثم اعلم أن الحافظ ابن حجر قال في ((الفتح))(٢): واعتذر الطحاوي
وغيره بأمور؛ منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك
نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع
لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً
فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته
أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر.
وأجاب عنه العيني في ((شرح البخاري))(٣) بقوله: ((ورد بأن هذا إساءة
الظن بأبي هريرة، والاحتمال الناشىء من غير دليل لا يعتد به)).
وأما ما قال: ((بأنه ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من
روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح»، فأجيب عنه: بأن قوله: («ثبت أن
أبا هريرة أفتى بالغسل سبعاً» يحتاج إلى البيان، ومجرد الدعوى لا يسمع،
ولئن سلمنا ذلك فقد يحتمل أن يكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده،
فلما ظهر أفتى بالثلاث، وأما دعوى الرجحان فغير صحيح، لا من حيث
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٣/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٧/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٨٩/٢ - ٤٩٠).
٤١٠

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حديث
النظر، ولا من حيث قوة الإسناد، لأن رجال كل منهما رجال الصحيح كما
بينا، وأما من حيث النظر فإن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب ولم
يقيد بالسبع، فيكون الولوغ من باب الأولى.
ثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر
الكلب، ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، وأجيب
بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقدار أن لا يكون أشد منه في تغليظ
الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار.
فأجاب عنه العيني بمنع عدم الملازمة، فإن تغليظ الحكم في ولوغ
الكلب إما تعدي، وإما محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ
لا تزول بأقل منها، وإما أنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلط بذلك
عليهم. قلت: ليس هو قياس في مقابلة النص الذي هو فاسد الاعتبار،
بل هو من باب ثبوت الحكم بدلالة النص، كما هو ظاهر عند من له أدنى
حظ من العلم.
ثم قال الحافظ: ومنها دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل
الكلاب، فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها
كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جداً؛ لأنه من رواية أبي هريرة
وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم
ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
وأجاب عنه العيني بأن كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة
يحتاج إلى دليل قطعي، ولئن سلمنا ذلك يمكن أن يكون أبو هريرة قد سمع
ذلك من صحابي أنه أخبره أن النبي ول# لما نهى عن قتل الكلاب نسخ
الأمر بالغسل، فرواه أبو هريرة عن النبي ◌ّلي لاعتماده على صدق المروي
عنه؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وكذلك عبد الله بن مغفل.
٤١١

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧١) حدیث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ: عن مُحَمَّدٍ .
قلت: قوله: ((وسياق مسلم ظاهر ... إلخ))، ليس فيه لهم دليل، بل
هو حجة لنا، كما هو ظاهر.
ثم قال الحافظ: ومنها إلزام الشافعية بإيجاب ثمان غسلات [عملاً]
بظاهر حديث عبد الله بن مغفل، وأجيب بأنه لا يلزم من كون الشافعية
لا يقولون بظاهر حديث عبد الله بن مغفل أن يتركوا العمل بالحديث أصلاً
ورأساً، لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان متجهاً فذاك، وإلّا فكل من
الفريقين ملوم في ترك العمل به .
وأجاب عنه العيني بأن زيادة الثقة مقبولة، ولا سيما من صحابي
فقيه، وتركها لا وجه له، فالحديثان في نفس الأمر كالواحد، والعمل
ببعض وترك بعضه لا يجوز، واعتذارهم غير متجه لذلك المعنى، ولا يلام
الحنفية في ذلك؛ لأنهم عملوا بالحديث الناسخ وتركوا العمل بالمنسوخ.
ثم قال الحافظ: وقد اعتذر بعضهم عن العمل به بإجماع على
خلافه، وفيه نظر؛ لأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري.
(قال أبو داود(١): وكذلك) أي مثل رواية هشام بن حسان،
عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً (قال أيوب) كما يجيء في
الرواية الآتية (وحبيب بن الشهيد) هو حبيب بن الشهيد الأزدي، أبو محمد،
ويقال: أبو شهيد البصري مولى قريبة، ثقة ثبت، أدرك أبا الطفيل، وأرسل
عن الزبير بن العوام وأنس وغيرهما، مات سنة ١٤٥ هـ (عن محمد) فرواية
أيوب أخرجها المصنف بعد هذه موقوفة مع زيادة قوله: ((وإذا ولغ الهر
(١) والظاهر أن مقصوده تقوية التتريب في رواية ابن سيرين كما يظهر من كلام الزرقاني
وسيجيء بعضه. (ش).
٤١٢

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٢) حديث
٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
(ح): وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ جَمِيعًا،
عن أَيُّوبَ،
غسل مرة)»، ولكن أخرج رواية أيوب الطحاوي وهي مرفوعة وليس فيها
زيادة قوله: ((وإذا ولغ الهر ... إلخ))، وكذلك أخرج رواية أيوب موقوفة
من غير زيادة قوله: ((إذا ولغ))، الحديث، وأخرج الدارقطني برواية حماد بن
زيد عن أيوب موقوفاً، وليس فيها ((أولاهن بالتراب))، وأما رواية حبيب بن
الشهيد عن محمد، فلم أجدها في كتب تتبعتها .
٧٢ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان بفتح
طاء مهملة، وقيل: بكسرها، وبخاء معجمة وبراء وبنون، التيمي(١)،
أبو محمد البصري، قيل: إنه كان يلقب بالطفيل، ثقة، وقال ابن خراش:
صدوق يخطىء من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة، وعن يحيى بن
سعيد القطان قال: إذا حدثكم المعتمر بشيء فأعرضوه، فإنه سيِّىء الحفظ،
مات سنة ١٨٧ هـ.
(ح: وحدثنا محمد بن عبيد) بن الحساب بكسر الحاء وتخفيف
السين المهملتين، الغبري بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة،
البصري، ثقة، مات سنة ٢٣٨هـ (قال: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم
(جميعاً)، أي: المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد كلاهما اجتمعا في
الرواية عن أيوب.
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني، بفتح المهملة
بعدها معجمة، ثم مثناة، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، أبو بكر البصري،
(١) ولم يكن تيمياً، بل نزل فيهم فنسب إليهم. ((ابن رسلان)). (ش). انظر: ((تهذيب
الكمال)» (١٦٩/٧) أيضاً.
٤١٣

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٣) حديث
عن مُحَمَّدٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ، وَزَادَ: ((وَإِذَا
وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً)). [ت ٩١، حم ٢٦٥/٢، ٤٢٧، خزيمة ٩٥ - ٩٦،
قط ١/ ٦٤، ك ١/ ١٦١، ق ٢٤٠/١]
٧٣ - حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَظَّارِ
قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ، عنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
◌َّبِيَّ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ،
مولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد،
رأى أنس بن مالك، مات سنة ١٣١ هـ.
(عن محمد) بن سيرين، (عن أبي هريرة بمعناه) أي بمعنى حديث
هشام (ولم يرفعاه) أي لم يرفع المعتمر بن سليمان وحماد بن زيد (وزاد)(١)
أي أيوب: (وإذا ولغ الهر غُسل) الإناء الذي ولغ فيه (مرة).
قلت: وقد ذكرنا قبل أن الطحاوي أخرج رواية أيوب برواية
المعتمر بن سليمان مرفوعة، وليس فيها زيادة قوله: ((وإذا ولغ الهر غسل
مرة))، وكذلك أخرج الدار قطني(٢) رواية أيوب برواية حماد بن زيد موقوفة
على أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: ((يهراق ويغسل سبع مرات)).
ولم يذكر فيها ((أولاهن بالتراب))، وكذلك ليس فيها زيادة قوله: ((وإذا ولغ
الهر غسل مرة))، سيجيء تحقيق حكم ما ولغ فيه الهر في بابه .
٧٣ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبان) بن يزيد
(العطار قال: حدثنا قتادة، أن محمد بن سيرين حدَّثه، عن أبي هريرة
أن نبي الله ◌َ* قال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات،
(١) قال المنذري (٦٢/١) عن البيهقي: هذا مدرج، كذا في ((الغاية)). (ش).
(٢) ((سنن الدارقطني)) رقم (١٨٣).
٤١٤

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٣) حدیث
السَّابِعَةَ بِالتُّرَابِ))(١). [ق ٢٤١/١، قط ٦٤/١]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَمَّا أَبُو صَالِحِ، وَأَبُو رَزِينٍ،
السابعة بالتراب)، فروى هشام بن حسان وأيوب السختياني وقتادة
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة حديث ولوغ الكلب، واتفقوا على
الغسل سبع مرات، ولكن اختلفوا في التراب(٢)، فقال هشام بن حسان:
((أولاهن بالتراب))، واختلف على أيوب فيما رووا عنه.
روى الدارقطني من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن
أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: ((يهراق ويغسل سبع مرات))،
ولم يذكر ((أولاهن بالتراب)»، وأخرج الطحاوي من طريق معتمر بن سليمان
عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر مثل حديث أبي صالح،
وزاد: ((أولاهن بالتراب)).
وكذلك أخرج المصنف أبو داود هذا الحديث من طريق معتمر بن
سليمان وحماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة بمعنى حديث
هشام، وكان في حديث هشام ((أولاهن بالتراب))، فيفهم منه أن في حديث
أيوب هذه الجملة موجودة من طريق معتمر، وكذلك من طريق حماد بن
زيد، وقال قتادة: ((السابعة بالتراب)).
(قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين)، هو مسعود بن مالك
(١) وقع في ((تحفة الأشراف)) (٥٨١/٩) رقم (١٣٧٩٩): روى أبو داود عن الحارث بن
مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة: أن رسول الله وسلم قال: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات))
قال المزي: هذا في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم.
(٢) قال ابن دقيق العيد في ((إحكام الأحكام)) (٢٩/١): لكن المقصود عند الشافعية
التتريب في مرة من المرات. (ش).
٤١٥

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٣) حديث
وَالأَعْرَجُ، وَثَابِتُ الأَحْنَفُ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ، وَأَبُو السُّدِّيِّ
عَبْدُ الرَّحْمُنِ: رَوَوْهُ عن أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ.
الأسدي الكوفي، أسد خزيمة، مولى أبي وائل الأسدي، ثقة فاضل، مات
سنة ٨٥هـ، وهو غير أبي رزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة،
ووهم من خلطهما(١) (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (وثابت) بن عياض،
بكسر مهملة وخفة تحتية وضاد معجمة، (الأحنف) بمهملة ونون، الأعرج،
العدوي مولاهم، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقال
ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقة (وهمام بن منبه،
وأبو السدي)(٢) أي والد السدي وهو إسماعيل بن (عبد الرحمن) بن
أبي كريمة، مولى قيس بن مخرمة، روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل
السدي، قال: الحافظ في ((التقريب)): مجهول الحال، من الثالثة، وقال في
((تهذيب التهذيب)): قلت: وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (رووه) أي رووا
هذا الحديث (عن أبي هريرة، ولم يذكروا التراب).
فأما رواية أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة ففيها: ((فليرقه(٣)
وليغسله سبع مرار))، أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه، وأما رواية
الأعرج عن أبي هريرة فأخرجها البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه،
وأما رواية ثابت الأحنف فأخرجها النسائي مثل رواية الأعرج، وأما رواية
همام بن منبه فأخرجها مسلم ولفظها: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه
أن يغسله سبع مرات))، وأما رواية أبي السدي عن أبي هريرة فلم أجدها
في كتب تتبعتها، ولعلهم لم يخرِّجوا روايته لجهالته إلَّا ما ذكره الحافظ
في ((فتح الباري)) ولفظه: وفي رواية السدي عند البزار ((إحداهن))،
(١) انظر: ((التقريب)) (رقم الترجمة ٦٦١٢).
(٢) وكان يقعد بسدة باب الجامع بالكوفة. ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) تكلموا على زيادة ((فليرقه))، وصححه ابن دقيق العيد. (ش).
٤١٦
1

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٤) حدیث
٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: ثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التََّّاح، عن مُطَرِّفٍ،
عن ابْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ:
(مَا لَهُمْ وَلَهَا؟))،
وهذا مخالف لقول أبي داود: ولم يذكروا التراب، فإن فيها ذكر التراب،
نعم أخرج الإمام أحمد في ((مسنده))(١) حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة
عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر التراب(٢).
٧٤ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: ثنا يحيى بن سعيد)
القطان، (عن شعبة قال: حدثنا أبو التيَّاح، عن مطرف) بن عبد الله بن
الشخير، بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها
تحتانية ثم راء، الحرشي، بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة، العامري،
أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، ولد في حياة النبي ◌َّر، وكان من
عباد أهل البصرة وزهادهم، مات سنة ٩٥هـ.
(عن) عبد الله(٣) (بن مغفل) يقول: (أن رسول الله ## أمر بقتل
الكلاب)(٤)، ولعل الأمر بالقتل لنجاستها ولمنعها من دخول الملائكة
في البيت (ثم قال: ما لهم) أي للناس (ولها؟) أي للكلاب، لم يتعرضون
لقتلها؟ فأفاد النهي عن القتل، وأما الإذن في الاقتناء فلا، فلذلك قال:
(١) (٤٨٢/٢).
(٢) قال الحافظ (٢٧٥/١): ما ثبت التتريب في شيء من الروايات عن أبي هريرة
- رضي الله عنه - إلَّا عن ابن سيرين على أن بعض الرواة لم يذكره عنه، إلى آخر
ما قاله الزرقاني (٨٣/١). (ش).
(٣) قال ابن العربي (١٣٤/١): إسناده صحيح لا غبار عليه. (ش).
(٤) أخذ بظاهره المالكية، وقال الجمهور: الأمر بالقتل منسوخ، بسطه صاحب ((الغاية))،
وسيأتي شيء من ذلك، وراجع: ((تأويل مختلف الحديث)) (ص ١٥٦). (ش).
٤١٧

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٤) حدیث
فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وفِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ
فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ وَالثَّامِنَةَ عَفِّرُوهُ بِالتُّرابِ)). [م ٢٨،
ن ٦٧، جه ٣٦٥، حم ٨٦/٤، دي ٧٣٧]
(فرخّص) لهم، يعني بعد النهي عن القتل (في كلب الصيد، وفي كلب
الغنم، وقال) رسول الله وَالر: (إذا ولغ(١) الكلب في الإناء فاغسلوه سبع
مرار، والثامنة عفّروه بالتراب).
وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب
ثمان مرار، ويخالف مذهب الشافعية وغيرهم الذين أوجبوا الغسل من
ولوغ الكلب سبع مرات، فأجابوا عنه كما قال النووي: أما رواية
((وعفروه الثامنة بالتراب))، فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه
سبعاً، واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكان التراب قائماً مقام غسلة،
فسمِّیت ثامنة .
ولهذا قال الحافظ(٢): وتعقبه ابن دقيق العيد(٣)، بأن قوله: ((وعفّروه
الثامنة بالتراب)»، ظاهر في كونها غسلة مستقلة.
قلت: وأنت ترى أن هذا التأويل ضعيف غير مرضي، ويرده ظاهر
قوله ◌َله: ((والثامنة))، أي وفي الغسلة الثامنة عفروه بالتراب، والغسلة
لا تكون إلَّا بالماء، فيجب أن تكون غسلة ثامنة بالماء، ويكون معه التعفير
بالتراب.
(١) قال ابن العربي (١٣٦/١): يحتمل أن يرجع الأمر بالغسل عند الولوغ إلى المنهي عنه،
أو إلى المأذون باتخاذه، ثم برهن على أنه لا يمكن الثاني فيتعين الأول. (ش).
(٢) ((فتح الباري)) (١/ ٢٧٧).
(٣) في «الإحكام)) (٢٩/١)، قال: الحديث قوي، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويل.
(ش).
٤١٨

(١) كتاب الطهارة
(٣٧) باب
(٧٤) حدیث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ مُغَفَّلٍ .
وكذلك يرد ما قاله ابن دقيق العيد: لكن لو وقع التعفير في أوله قبل
ورود الغسلات السبع، كانت الغسلات ثمانية، ويكون إطلاق الغسلة على
التتريب مجازاً، انتهى، فإن لفظ الحديث يوجب أن يكون التتريب مع الغسلة
الثامنة، فهذه التأويلات تخالفه صريحاً .
واعلم أن حديث ابن مغفل هذا يومىء إلى أن ما أمر ◌َلقر من غسل
ما ولغ فيه الكلب ثمانياً كان حين شدد في أمر الكلاب، حتى أمر بقتلها؛
لأنه جمع بينهما، وقد مرَّ أنه لو سُلُّمَ أن الأمر بقتل الكلاب من رسول الله وَّه
كان في ابتداء الإسلام، وابن مغفَّل أسلم سنة سبع، فالظاهر أن يكون كما لم
يسمع الأمر بقتل الكلاب من رسول الله وَلقر، لأنها واقعة ابتداء الإسلام،
بل رواه من بعض الصحابة مرسلاً، كذلك حكم ولوغ الكلب لم يسمعه
منه ◌َ*، بل سمعه من بعض الصحابة، ورواه مرسلاً، وكيفما روى الصحابي
يحتج به ويقبل، لأنهم كلهم عدول.
(قال أبو داود: وهكذا قال ابن مغفَّل)(١)، هذه العبارة لا توجد في
النسخة المكتوبة الأحمدية ولا المطبوعة المصرية، وتوجد في النسخ
المطبوعة الهندية، والظاهر أن هذه العبارة ليس لها فائدة يعتَدُّ بها، ويمكن أن
يكون مراده بأن قول ابن مغفل في هذه المسألة موافق لما رواه من حديث
رسول الله ◌َّ# الذي يدل وجوب ثماني غسلات من ولوغ الكلب(٢).
(١) وذكر مولانا أسعد الله عميد جامعة مظاهر العلوم في توجيهه: أن الرواة اختلفوا في
ذكر ابن مغفل، فذكره بعضهم هكذا، وبعضهم بلفظ ابن المغفل بالتعريف، فأشار
المصنف إلى أن شيخه هكذا قال بالتنكير، فتأمل. (ش).
[قلت: وفي أكثر مصادر الصحابة ((ابن مغفل)) بالتنكير، انظر: ((أسد الغابة)) (٨٣/٣)
رقم (٣٢٠٢)، و((تهذيب الكمال)) (٢٩٥/٤) رقم (٣٥٧٨)، و((المغنى)» (ص ٢٣٨)].
(٢) بخلاف أبي هريرة، فإنه روي عنه الإفتاء بالثلاث مع روايته بالغسل سبعاً.
٤١٩