النص المفهرس
صفحات 381-400
(١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٣) حديث عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر، فروى عنهما، فهذا لا يفيد أيضاً في دفع الاضطراب، فإن الاحتمال لا يؤثر فيه ولا يغني عنه شيئاً، ألا ترى أن الترمذي قال في ((سننه))(١) في حديث زيد بن أرقم: وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، فحكم بالاضطراب في إسناده مع أنه قال في آخره: قال أبو عيسى: سألت محمداً عن هذا، فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعاً، فمع نقل الاحتمال عن شيخه لم يتوجه إليه، ولم يمتنع عن حكمه بالاضطراب في إسناده. وقد اختلف الحفاظ في هذا الاختلاف، فمال المصنف إلى أن حديث محمد بن عباد هو الصواب، كما في بعض النسخ، وفي بعضها : ((الصواب محمد بن جعفر))، وليس في النسخة الأحمدية هذا ولا ذاك، وقال ابن أبي حاتم في ((كتاب العلل)) عن أبيه أنه قال: والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه، ومال الدار قطني إلى الجمع بين الروايتين، وصحح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد ابن جعفر جميعاً، واختاره البيهقي، ومشى خلفهما الحافظ ابن حجر، فهذا الاختلاف يؤكد الاضطراب ويقويه. وأما الجواب عن الاضطراب في المتن فلا يصح أيضاً، فإن زيادة لفظ ((أو ثلاث)) ليس بشاذ، بل هو زيادة ثقة، وكذا رواية ((أربعين قلة)) ليس فيها اضطراب، فإنها رويت مرفوعةٌ وموقوفةً، فأما المرفوع فهو ما روي عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر، وضَعَّفَه الدارقطني بالقاسم، وأما الموقوف فذكر الدارقطني أن الثوري ومعمر بن راشد وروح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمر موقوفاً . (١) ((سنن الترمذي)) (١١/١). ٣٨٠ - (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٣) حديث ثم روى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم رووه عن ابن المنكدر عن ابن عمر قال: ((إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس))، وأخرج رواية سفيان من جهة وكيع وأبي نعيم عنه: ((إذا بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء))، وأخرج رواية معمر من جهة عبد الرزاق عن غير واحد عنه، فأخرج عن أبي هريرة من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة قال: ((إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثاً)). وأنت تعلم أن الموقوف فيما لا مجال للقياس فيه في حكم المرفوع، فصحت رواية أربعين قلة، وثبت الاضطراب في حديث الباب، ولو سلمنا دفع الاعتراض عن السند والمتن، فاختلاف مقدار القُلَّةِ يمنع عن العمل به . ولذا قال ابن عبد البر في (التميهد))(١): ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع. وقال في ((الاستذكار))(٢): حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه، وقال الطحاوي: إنما لم نقل به، لأن مقدار(٣) القلتين لم يثبت، ثم بعد ذلك يعارضه ما ثبت في آثار الصحابة من تنجس البئر بوقوع الحيوان (١) (٣٣٥/١). (٢) (١٠٢/٢). (٣) قال ابن رسلان: قلال هجر كانت معلومة عندهم حتى يضرب بها المثل في الكبير، ولذا ورد في حديث المعراج ((مثل قلال هجر": قلت: فما الحاجة إلى تقييده في حديث المعراج، ولو سلم فإذاً يكون أكبر الكبير بحيث يسع عشر قرب كما قال به بعض الشافعية، فلا يكون أقل من عشر في عشر. (ش). ٣٨١ (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٣) حدیث قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا لَفْظُ ابْنِ العَلَاءِ، وقَالَ عُثْمَانُ والْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ . فيها، ونزح الماء عنها، وقد أخرج الطحاوي(١) وغيره تلك الروايات مفصلة، من شاء فلينظر إليها(٢). (قال أبو داود: هذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر) معناه: يقول أبو داود: هذا الذي ذكرنا في السند من قوله: ((عن محمد بن جعفر بن الزبير)) هو لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي على خلاف لفظ ابن العلاء فقالا : عن محمد بن عباد بن جعفر، بدل عن محمد بن جعفر بن الزبير. وغرضه بيان الاختلاف بين ألفاظ الشيوخ، وهذا الاختلاف ليس مقصوراً على الاختلاف في اللفظ، فإن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر راويان مختلفان، وقد ذكرنا محمد بن جعفر، فأما محمد بن عباد بن جعفر، فهو محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي المكي، وثّقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه، وذكره ابن حبان في (الثقات))(٣). (١) ((شرح معاني الآثار)) (١١/١ - ١٨). (٢) وفي ((عارضة الأحوذي)) (٨٤/١) في حديث القلتين: مداره على مطعون عليه، أو هو مضطرب، أو موقوف. ثم بسطه أشد البسط، وأجاب عن المالكية في مقابل الحنفية والشافعية معاً، فارجع إليه . والجواب اللطيف عن روايات القلتين والبضاعة كلها: أنه ليس في طريق واحد منها أنها كانت موجودة فيها، بل الغرض دفع الوسواس، كما هو من دأب الشرع. ((العرف الشذي)) (ص ٦٠). (ش). (٣) (٩/٣). ٣٨٢ (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٣) حديث قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. (قال أبو داود: وهو الصواب) وفي نسخة: والصواب محمد بن جعفر، فعلى النسخة الأولى الضمير يرجع إلى محمد بن عباد بن جعفر، فعند أبي داود على هذه النسخة: الصواب محمد بن عباد بن جعفر، وأما من قال: محمد بن جعفر، فقد وهم. وأما على النسخة الثانية (١) فالصواب عند المؤلف: محمد بن جعفر، فمن قال: محمد بن عباد بن جعفر، فقد وهم، فاختار المؤلف (٢) طريق الترجيح. وبعضهم (٣) اختار طريق الجمع فقال في ((سنن الدارقطني))(٤): قال الشيخ أبو الحسن: فاتفق عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ومحمد بن حسان الأزرق، ويعيش بن الجهم، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسين بن علي بن الأسود، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، وعلي بن شعيب، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، وأبو مسعود، ومحمد بن الفضيل البلخي، فرووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، وتابعهم الشافعي عن الثقة عنده، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، و[قال] يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومن (١) قلت: وهو أولى إذا كانت الرواية عن عبيد الله مصغراً، وسيأتي في كلام الحافظ أن المصغر عنه ابن الزبير. (ش). (٢) وكذا اختار بعض الآخرين طريق الترجيح، فقال أبو حاتم: اختلف فيه على أبي أسامة فقيل عنه: عن محمد بن عباد، وقيل: عن محمد بن جعفر، والحديث لمحمد بن جعفر أشبه، وقال ابن منده: هو الصواب، كذا في ((الغاية)). (ش). (٣) منهم الدار قطني والبيهقي والحافظ كما تقدم، والحاكم كما يظهر من كتابه، قال ابن رسلان: قال ابن دقيق العيد: الحديث صحيح على طريقة الفقهاء وإن كان مضطرب الإسناد، فإنه يمكن الجمع بين الروايات. (ش). (٤) (١٧/١). ٣٨٣ (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٤) حديث ٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ. (ح): وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ زُرَبْعٍ - ؛ ذكرنا معه في أول الكتاب: عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير. فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعاً، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولان جميعاً عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعاً، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر (١) - رحمه الله -: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن [عبد الله بن] عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن [عبد الله بن] عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. ٦٤ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد) بن سلمة، (ح: وحدثنا أبو كامل) الجحدري، فضيل بن حسين بن طلحة البصري، ثقة حافظ، ابن أخي كامل بن طلحة، وأوثق منه، مات سنة ٢٣٧هـ، (ثنا يزيد - يعني ابن زريع -) بتقديم الزاي على الراء مصغراً، أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢ هـ (١) ((التلخيص الحبير)) (٢٤/١). ٣٨٤ 1 (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٤) حديث عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عِن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ابْنُ الزُّبَيْرِ -، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُمَرَ، عن أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ سُئِلَ عن الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. [انظر الحديث السابق] (عن محمد بن إسحاق) ) بن يسار، (عن محمد بن جعفر) بن الزبير، (قال أبو كامل: ابن الزبير) غرض المصنف بهذا الكلام أن شيخه موسى بن إسماعيل قال: محمد بن جعفر ولم يزد عليه شيئاً (١)، وأما شيخه أبو كامل فزاد في روايته بعد لفظة محمد بن جعفر صفة له، فقال: محمد بن جعفر بن الزبير، ثم اتفقا فقالا: عن عبيد الله إلى آخر السند. LL (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله: (أن رسول الله الفوري سئل عن الماء يكون في الفلاة، فذكر معناه) غرضه بإيراد هذه الرواية تقوية رواية وليد بن كثير برواية محمد بن إسحاق، وأنت تعلم أن الوليد بن كثير خارجي إباضي، ومحمد بن إسحاق اختلف في جرحه وتعديله، حتى قال بعض الأئمة فيه: إنه كذّاب، ودجّال، فما لا يكون قويًّا بنفسه لا يقوي غيره، فلا يبلغ درجة الصحة(٢)، والغرض الثاني زيادة لفظ قوله: ((يكون في الفلاة»، فإن هذا اللفظ ليس في رواية الوليد بن كثير، وبيان أن هذه الرواية موافقة لرواية وليد بن كثير في المعنى. (١) فكان محتملاً، لأن تكون النسبة إلى الجد، ويكون المراد محمد بن عباد بن جعفر كما تقدم، فتأمل. (ش). (٢) قال العلامة الكهنوي في ((إمام الكلام)) (ص ٢٨٠): إنه إن كان متكلماً فيه من جانب كثير من العلماء، لكن جروحهم لها محامل صحيحة، قد يعارضها تعديل جمع من ثقات الأمة، ولذا صرح جمع من النقاد بأن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن، بل صححه بعض أهل الاستناد ... إلخ، وقد مر عليه الكلام سابقاً (ص ١٨٩). ٣٨٥ (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٥) حدیث ٦٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ﴿ قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ)). [ق ٢٦٢/١، جه ٥١٨، حم ٢٣/٢ - ١٠٧] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ . ٦٥ - (حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أنا عاصم بن المنذر) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، قال أبو زرعة: ثقة، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال البزار: ليس به بأس، حدث بحديث واحد في القلتين، قال: ولا نعلمه حدث بغيره ولا روى عنه غير الحمادين. (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي) عبد الله (أن رسول الله ( 8) قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس) وهذا اللفظ صريح في عدم تنجس الماء بملاقاة النجاسة إذا كان الماء قلتين، فبناءً على هذا يمكن أن يرد تأويل صاحب («الهداية» أنه يضعف عن تحمل النجاسة، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد بأنه يحتمل أن يكون هذا اللفظ أورده الراوي حسب ما فهمه، ورواه بالمعنى الذي فهمه، وفهمه ليس بحجة فلا يكون حجة . (قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم) هذه العبارة موجودة في النسخة المجتبائية الدهلوية والمصرية، وأما في النسخة المطبوعة القديمة والمكتوبة الأحمدية في توجد فيهما، ولكن قال الدار قطني(١) بعدما أخرج رواية محمد بن إسحاق وذكر رواية عاصم بن المنذر الذي حدث به (١) ((سنن الدار قطني)) (٢٢/١). ٣٨٦ (١) كتاب الطهارة (٣٣) باب (٦٥) حديث حماد بن سلمة: وخالفه حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه موقوفاً غير مرفوع، وكذلك رواه إسماعيل بن علية [عن عاصم بن المنذر] عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفاً أيضاً، انتهى. فعُلِم بهذا أن هذه العبارة الموجودة في بعض النسخ معناها صحيح. وحاصل المعنى: أن عاصم بن المنذر روى عنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد هذا الحديث، فرفعه حماد بن سلمة، ووقفه حماد بن زيد، فاختلف الحمادان في رفعه ووقفه، والدارقطني قوى الرواية الموقوفة برواية إسماعيل بن علية، فالظاهر أن كونه موقوفاً أقوى من المرفوع، فالعجب من الذين يحكمون على هذا الحديث بالصحة من المحدثين، كيف يحكمون عليه بكونه صحيحاً على خلاف أصولهم؟ فإن الصحة درجة رفيعة لا يبلغها، إلَّا بعد تحقق جميع أجزائها وشروطها، وهو بعد في حيز المنع، كما سبقت الإشارة إليه، ولو سُلِّم فكم من حديث بلغ درجة الصحة لا يكون موجباً للعمل، إلَّا بعد ارتفاع الموانع، مثلاً لو كان الحديث منسوخاً أو مجملاً وإن كان صحيحاً لا يوجب العمل. ووجه مناسبة الحديث بترجمة الباب بأنه # سئل عن الماء وعما ينوبه من الدواب والسباع، فهذا يدل على أن دخول الدواب في الماء يُنَجِّسُه، لأنها تبول فيه غالباً، وأيضاً تكون أكارعها ملطخةً بالبول، وكذلك السباع إذا وردت الماء وشربت فسؤرها نجس، فدل هذا الحديث أن هذه تُنَجِّسُ الماء، فإنه ورد السؤال عنها، وخرج عن جوابه وَّ بطريق المفهوم أن الماء إذا خالطه هذه الأشياء وكان أقل من قلتين ينجس، والله أعلم بالصواب. ٣٨٧ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٦) حديث (٣٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي بِثْرِ بُضَاعَةَ ٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عن الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عن عُبَيَدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِیجٍ، (٣٤) (بَابُ مَا جَاءَ في بِثْرِ بُضَاعَةً) أي في طهارة مائها وعدم تنجسها بما يلقى فيها من النجاسات الغليظة ٦٦ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب، (والحسن بن علي) الخلال، (ومحمد بن سليمان الأنباري)(١) أبو هارون بن أبي داود، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق، وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال الخطيب: كان ثقة، وقال مسلمة: ثقة، وقال الحضرمي: مات سنة ٢٣٤هـ. (قالوا) أي الثلاثة المذكورة: (حدثنا أبو أسامة) حماد، (عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، قال البخاري: كان أبوه ممن لم ينبت من سبي قريظة، فخلي سبيله، ثقة عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولِد في عهد النبي وَلّ، مات سنة ١٢٠هـ، وقيل: كان يقصُّ في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة تحت الهدم سنة ١١٨ هـ. (عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج) ذكره الحافظ في (١) بتقديم النون على الباء الموحدة. ((ابن رسلان)). (ش). ٣٨٨ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٦) حديث عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ .. عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ويقال: ابن عبد الله(١) هو راوي ((حديث بئر بضاعة)) مستور، هكذا في ((التقريب)). وقال في ((تهذيب التهذيب))(٢) في ذكر عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري: وقيل: عبيد الله بن عبد الله، وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان، ثم قال: قلت: قال ابن القطان الفاسي: في هذا الرجل خمسة أقوال، فذكر الثلاثة، وزاد ما ذكره البخاري عن يونس بن بكير: عبد الله بن عبد الرحمن، فهذا قول رابع، والخامس قاله محمد بن سلمة عن ابن إسحاق: عبد الرحمن بن رافع، ثم قال: وكيف ما كان، فهو من لا يعرف له حال، وقال ابن منده: عبيد الله بن عبد الله بن رافع مجهول، نعم صحح حديثه أحمد بن حنبل وغيره، وقد نص البخاري على أن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم. (عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله وَ له: أنتوضاً(٣) من بئر بضاعة) بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضاً بالصاد المهملة، وهي بئر معروفة بالمدينة، قاله ابن الملك، وقال الطيبي نقلاً عن التوربشتي : بضاعة (٤) دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة - (١) هنا زيادة في الأصل، وهي: ((وقيل: عبد الله، وقيل: إنهما اثنان))، وهو سبق قلم . (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢٧/٧)، و«تقريب التهذيب» (٤٣٤٢). (٣) بصيغة المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ بصيغة الخطاب، وبالخطاب ضبطه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١٧/١) وصوّبه النووي، وجعل النون تصحيفاً كما حكاه عنه ابن رسلان. (ش). (٤) اسم موضع أو اسم رجل، قولان، كذا في ((الغاية)). (ش). ٣٨٩ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٦) حديث وَهِيَ بِثْرٌ يُظْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالثَّتْنُ؟ يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم ((علي القاري))(١). (وهي بئر(٢) يطرح) على صيغة المجهول، يجوز فيه التذكير والتأنيث، أي يلقى كما في رواية (فيها الحِيَضُ) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع حيضة، بكسر الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستثفرها (ولحم الكلاب). قال الطيبي(٣): ووجه معنى ((يلقى فيها)) أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية، فيلقي تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فَعَبَّر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوّزه مسلم، فأنَّى يظن (٤) ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم ((قاري))(٥)، وقيل: كانت الريح تلقيها بها أو يفعله (٦) المنافقون (مرقاة الصعود)). (والنتن) بفتح النون وسكون التاء وتكسر، وهي الرائحة الكريهة، والمراد بها ها هنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، وكان الماء كثيراً سيَّالاً يجري بها، ولكثرته لا يؤثر به ذلك ولا يغيره، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة . (١) ((مرقاة المفاتيح)» (٢/ ٥٧). (٢) قال ابن رسلان: كانت بئر بضاعة عيناً يجري منها الماء إلى بساتين بني ساعدة. (ش). (٣) ((شرح الطيبي)) (١٠٤/١). (٤) وبه جزم الخطابي (٥٩/١)، كما بسطه صاحب «الغاية)). (ش). (٥) «مرقاة المفاتيح)» (٥٧/٢). (٦) قال في ((الشامل)): يجوز أن يكون هذا من فعل المنافقين كانوا يلقون ذلك، كذا في ((مرقاة الصعود» (ص ١٧). (ش). ٣٩٠ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٦) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). [ن ٣٢٧، ت ٦٦، حم ١٥/٣، قط ٣٠/١، ق ١/ ٤] (فقال رسول الله (*): الماء) قيل: الألف واللام للعهد الخارجي، فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم كلي، كما قاله الإمام مالك (طهور) أي طاهر مطهر لكونه جارياً في البساتين، و (لا ينجسه(١) شيء)(٢) أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير، فما جاء في بعض الطرق أنه كان كنُقاعة الحِنَّاء، محمول على لون جوهر مائها . فإن قيل: لِمَ لم يجبهم بنعم حين قالوا: أنتوضأ؟ قلنا: لأنه يصير مقيداً بحال الضرورة وليس كذلك، وأيضاً فإنه يفهم من الاقتصار على الجواب بنعم أنه إنما يتوضأ به فقط، ولا يَتَطَهَّرُ به لبقية الأحداث والأنجاس، (نيل))(٣). والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه، سواء كان قليلاً أو كثيراً ولو تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة يتنجس، فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلاً إلَّا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة (١) قال الخطابي (٦٠/١): حديث بئر بضاعة لا يناقض حديث القلتين، فإن ماءها كان قلتين، بسطه صاحب «الغاية)»، وبسط أيضاً الكلام على جرح الحديث وتعديله، قلت: وهذ الحديث نظراً إلى إطلاقه لا يوافق أحداً من الأئمة الأربعة، فقيده المالكية بعدم التغير، والشافعية بقلتين، والحنفية بالجريان، وقال ابن رسلان: وقد جزم الشافعي بأن بئر بضاعة لا تتغير بإلقاء ما يلقى لكثرة مائها. (ش). (٢) قال ابن رسلان: نكرة في موضع النفي، عام لكل شيء، إلّا أن الإجماع خص منه المتغير بالنجاسة. (ش). (٣) الإشارة إلى ((نيل الأوطار)) في غير محله، محله فيما بعد كما أشرت إليه، فليتنبه . ٣٩١ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٦) حديث قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ رَافِعٍ. والحسن البصري وابن المسيب وداود الظاهري ومالك، وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وابن حنبل وإسحاق إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، واختلفوا في حد القليل الذي يجب صونه عن وقوع النجاسة فيه، فقيل ما ظن استعمالها باستعماله؛ وإليه ذهب أبو حنيفة - رحمه الله(١) -. قال القاري(٢): وأغرب ابن حجر في قوله: أخذ مالك بعموم هذا، يلزم عليه إلغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسوغ لذلك . قلت: المسوغ له أنه لم يقل بالمفهوم، كما هو قول أئمتنا، ثم قوله وقول أبي حنيفة: إن الماء يتنجس مطلقاً إلَّا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر، مخالف لهذا الحديث ولمنطوق حديث القلتين لا يضر، إذ ما خالفهما إلَّا وقد ثبت عنده ما يوجب مخالفتهما، وقد تقدمت علة القلة، وعلة الامتناع عن الأخذ بعموم هذا الحديث مشتركة بين أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله - انتھی. (قال أبو داود(٣): وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع)، غرض المصنف بهذا بيان الاختلاف الواقع بين الرواة في عبيد الله بن عبد الله بن رافع، فقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومرَّ تحقيقه في السند، فما قال (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٣٦/١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٨/٢). (٣) قال ابن رسلان: أعله ابن القطان لجهالة الراوي عن أبي سعيد، والاختلاف في الاسم هل هو عبيد الله أو عبد الله؟ والاختلاف في اسم أبيه. (ش). ٣٩٢ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٧) حديث ٦٧ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةً، بعضهم: عبد الرحمن بن رافع كما يقول المصنف، يحتمل(١) أن يكون معناه أن بعضهم يقول: عبد الرحمن بن رافع مكان عبد الله بن رافع والد عبيد الله كما هو قول ثانٍ في والد عبيد الله من قولين: أحدهما عبد الله والثاني عبد الرحمن، والاحتمال الثاني أن يكون معنى قول بعضهم: عبد الرحمن بن رافع، مكان عبيد الله بن عبد الله بن رافع، كما هو قول خامس على ما نقله الحافظ في ((تهذيب التهذيب»، فحينئذ يتوجه إليه قول البخاري: إن قول من قال: عبد الرحمن بن رافع وهم، والراجح هو الاحتمال الأول كما يسوق المصنف ذلك السند، فيقول: حدثنا أحمد بن أبي شعيب ... إلخ. ٦٧ - (حدثنا أحمد بن أبي شعيب)، هو أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب مسلم الحراني، أبو الحسن، مولى قريش، ثقة، مات سنة ٢٣٣هـ، فما قال فيه بعضهم: أحمد بن سعيد الحراني صوابه ابن أبي شعيب. (وعبد العزيز بن يحيى) بن يوسف البكائي مولاهم، أبو الأصبغ الحراني، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ثقة، قال الحافظ في ((التهذيب)): قلت: ذكر عبد الغني أن البخاري روى عنه في ((كتاب الضعفاء)) مات سنة ٢٣٥هـ (الحرَّانيان قالا) أي أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز: (حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم، أبو عبد الله الحراني، وثقه كثيرون، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، مات سنة ١٩١ هـ على الصحيح. (١) وبه جزم صاحب ((الغاية)). (ش). ٣٩٣ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٧) حديث عن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعِ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ، عنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رِّسُولَ اللّهِ بَّهِ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ (عن محمد بن إسحاق) بن يسار، (عن سليط) بفتح أوله وكسر اللام (ابن أيوب) بن الحكم الأنصاري المدني، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، أخرج له أبو داود والنسائي في قصة بئر بضاعة، قال الحافظ: مقبول، من السادسة . (عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي) منسوب إلى جد أبيه عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن حارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس، ولكن لم يشتهر عدوي بتلك النسبة، فإنه قال السمعاني في ((الأنساب))(١): العدوي بفتح العين والدال المهملتين، هذه النسبة إلى خمسة رجال. ثم قال: والثالث: عديُ الأنصارِ، منهم حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري(٢) من بني عدي بن النجار، شهد بدراً، وحارثة بن سراقة من بني عدي بن النجار، فهذا يرشدك أن المشهور الذي في الأنصار هو المنسوب إلى عدي النجار، ولهذا لم يقل أحد ممن ضبط أسماء الرجال لعبيد الله ولا لرافع بن خديج العدوي إلَّا أبو داود. (عن أبي سعيد الخدري قال) أي أبو سعيد: (سمعت رسول الله وَ﴾ وهو يقال له) أي في حال يسأل عنه، فالجملة حالية: (إنه يُستقى لك) (١) (١٦٧/٤) . (٢) وفي الأصل: حسان بن ثابت بن حسان بن عمرو الأنصاري، وهو سبق قلم، والتصويب عن ((الأنساب)) للسمعاني. ٣٩٤ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٧) حديث مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةً ! - وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْمَحَائِضُ وَعِذَرُ النَّاسِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)). [حم ٨٦/٣، ق ١ /٢٥٧، قط ٣٠/١] قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِثْرِ أي يطلب السقي لك (من بئر بضاعة و) الحال (هي) أي بئر بضاعة (بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض) جمع محيض، والمراد به خرق الحيض الملطخة بالدم (وعِذر الناس) بفتح عين وكسر ذال فراء، وروي بكسر عين وفتح ذال، أي: غائظُهم، تلقيها الرياح أو السيل، فإنه كان بمنخفض من المكان ومنحدر السيل. (فقال رسول الله *: إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والمراد من الماء ماء بئر بضاعة؛ لأن السؤال وقع عن مائها لا ينجسه شيء مما يلقى فيها من لحوم الكلاب والمحائض وعذر الناس، ولا يمكن أن يكون الحكم على عمومها بأن الماء مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً طاهر ومطهر لا ينجسه وقوع شيء، سواء كان مغيراً لأوصافه أو غير مغير؛ لأنه أجمعت الأمة على أن الماء قليلاً كان أو كثيراً إذا تغير أحد أوصافه بوقوع النجاسة يتنجس. ومحال عند العقل أن تلقى في البئر تلك النجاسات الكثيرة، ولا يتغير أحد أوصاف الماء، ويستحيل أيضاً أن يشرب من مثل ذلك الماء من في طبعه أدنى نظافة فضلاً عنه * الذي بلغ من النظافة واللطافة في أعلى المرتبة، فيجب تأويلها بما قاله العلماء من أنه يلقي فيها السيل تلك النجاسات ثم تخرج منها، فليس فيه حجة لأحد من المالكية والشافعية؛ لأنه يزيد على القلتين فلم يتنجس. (قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيِّم(١) بشر (١) أي القائم بخدمتها. ((ابن رسلان)). (ش). ٣٩٥ (١) كتاب الطهارة (٣٤) باب (٦٧) حديث بُضَاعَةَ عن عُمْقِهَا، فَقُلْتُ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ؟ قَالَ: إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُ أَنَا بِثْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي: مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِنَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال) أي القيم: (إلى العانة) أي منبت الشعرة تحت السرة، (قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة). لعل غرض المصنف بذلك بيان أن بئر بضاعة لما حكم بطهارة مائها مع وقوع تلك النجاسات فيها ثم لم يأمر النبي ◌ّ بإخراج مائها ثبت أن الماء لا ينجسه شيء، ثم لما أجاب البعض عنه بكون مائها جارياً في البساتين والنخلات وقالوا: إن عدم تنجسها لكونها جارية لا لأن الماء بإطلاقه لا ينجسه شيء، أراد أبو داود دفعه بأن الماء فيها كان إلى العانة أو إلى دون العورة، فكيف يحكم عليه بالجريان، ومما ينبغي أن يتنبه عليه أن الجريان لا يستلزم كونها نهراً، بل الجريان بكثرة النزع من البئر، كما هو في سقي الأشجار أيضاً جريان، وكذلك كثيراً ما يكون في داخل البئر مدخل الماء، ومخرجه، كما هو مشاهد في ((بئر أريس))، فيجري الماء فيها . (قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي: مددته) أي الرداء (عليها) أي على البئر (ثم ذرعته) أي الرداء، قال في ((القاموس)): وذرع الثوب كمنع: قَاسَه (فإذا عرضها) أي البئر (ستة أذرع) جمع ذراع بالكسر، من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (وسألت الذي فتح لي باب البستان) الذي فيه البئر (فأدخلني إليه) أي إلى البستان (هل غُيِّرَ بناؤها) أي بناء البئر (عما كانت عليه؟ قال: لا). ٣٩٦ (١) كتاب الطهارة (٣٥) باب (٦٧) حديث وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغِيِّرَ اللَّوْنِ. (٣٥) بَابُ الْمَاءِ لَا يُجْنِبُ لعل غرضه بهذا الكلام بيان أن المصنف رأى بئر بضاعة ومسحها بردائه ثم ذرعه، فإذا عرضها ستة أذرع وهي باقية على ما كانت عليه في زمان رسول الله (180 ولم تغير عن حالها، وماؤها يزيد على قلتين، فلأجل ذلك حكم رسول الله (* بعدم تنجسها بوقوع النجاسات. قال أبو داود: (ورأيت فيها ماء متغير اللون)(١)، ولعل وجه التغير أنها بقيت معطلة عدة أيام لم يخرج منها الماء، ولم يسق منها الأشجار، أو تغير لون الماء بوقوع أوراق الأشجار فيها من البستان، والله أعلم. (٣٥) (بَابُ الْمَاءِ لا يُجْنِبُ) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وعليها علامة النسخة، فيعلم منه أن هذا الباب ليس في بعض النسخ، ويقال: أجنب يجنب، والجنابة الاسم، وهي في الأصل البعد، والجنب يبعد مواضع الصلاة، ثم استعمل في النجاسة؛ لأنها يبعد ويجتنب عنها فلا تستعمل(٢). (١) وفي (الشرح الكبير)) للحنابلة (١٣/١): أجمع كل من يحفظ عنه على أن الوضوء بالمتغير من غير نجاسة حلَّت فيه، جائز، سوى ابن سيرين، فإنه كره ذلك، قلت: وفي ((الشرح الكبير)) (٦٨/١) للدردير: قولان لمالك في تغير البئر بالأوراق، وإن كان المعتمد الجواز. (ش). (٢) ولعل المقصود من الترجمة بيان حكم الماء المستعمل وهو الذي أزيل به الحدث، فالمذكور سابقاً ما وقع فيه الخبث أي النجاسة الحقيقية، وههنا النجاسة الحكمية. (ش). ٣٩٧ (١) كتاب الطهارة (٣٥) باب (٦٨) حديث ٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاءٌ، عن عِكْرِمَةَ، ٦٨ - (حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص) سلام(١) بن سليم الحنفي مولاهم، الكوفي، الحافظ، وثقه العجلي وابن معين وأبو زرعة والنسائي، مات سنة ١٧٩ هـ. (قال: حدثنا سماك)(٢) بكسر أوله وتخفيف الميم، ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن، وكان شعبة يضعفه، والثوري يضعفه بعض الضعف، وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك: سماك ضعيف، وقال صالح جزرة: يضعف، وقال ابن خراش: في حديثه لين، مات سنة ١٢٣هـ. (عن عكرمة)(٣) البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، أصله من البربر، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي، اختلف الناس في جرحه وتعديله، فبعضهم رموه بالكذب، وبعضهم رموه برأي الخوارج، ووثقه آخرون، قال ابن منده في ((صحيحه): أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أمة من علماء التابعين فمن بعدهم، وحدثوا واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام، روى عنه زهاء ثلاث مئة رجل من البلدان، منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد (٤) من التابعين (١) بتشديد اللام، له نحو أربعة آلاف حديث ((ابن رسلان)). (ش). (٢) قال الحافظ: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٣/٤). (ش). (٣) أطال الحافظ ترجمته في مقدمة ((الفتح)) (ص ٤٢٥). (ش). (٤) كذا في الأصل، والظاهر: ((لكثير من التابعين)). ٣٩٨ (١) كتاب الطهارة (٣٥) باب (٦٨) حدیث عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ الشَّبِيُّ وَِّ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا - أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرناً بعد قرن، وإماماً بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح، وميَّزوا ثابته من سقيمه، وخطأه من صوابه، وأخرجوا روايته، وهم البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به. ثم قال الحافظ: قال أبو عبد الله: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه، قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل غير جرحه، مات سنة ١٠٧ هـ. (عن) عبد الله (بن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ◌ِّ) هي ميمونة(١) خالة ابن عباس (في جفنة) بفتح الجيم، قصعة كبيرة، أي مدخلة يدها فيها تغترف (٢) منها (فجاء النبي ◌َّ ار ليتوضأ منها أو يغتسل) شك من الراوي (٣) (فقالت) ميمونة (له: يا رسول الله، إني كنت (١) كما في رواية الدارقطني (ح١٣٧) وغيره، وقيل: سودة، ولعلهما واقعتان. «ابن رسلان)). (ش). (٢) ولا بد من هذا التأويل لئلا يخالف الحديث روايات النهي عن الغسل في الماء الدائم، بل هو مصرح في رواية الدارقطني (ح ١٣٧): ((أجنبت فاغتسلت من جفنة، ففضلت فيه فضلة، فجاء النبي ◌َل* يغتسل منه»، الحديث، ذكره صاحب ((الغاية))، وكذا في رواية ((المصابيح)) عن ((شرح السنَّة)) كما في ((المرقاة)) (١٥٨/٢). (ش). (٣) دون ابن عباس، فالرواية عنه بدون الشك بلفظ ((يغتسل)). ((الغاية)). (ش). ٣٩٩