النص المفهرس

صفحات 361-380

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٥٩) حدیٹ
وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ ظُهُورٍ))(١). [ن ١٣٩-٢٥٢٣، جه ٢٧١]
ما ارتكبه من الفعل الحرام، ودخل تحت قوله ◌َ طاهر: «ثم ذكر الرجل يطيل
السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام،
وملبسه حرام)) الحديث، أو أضاعه واستهلكه، فدخل تحت قوله وَالر: ((نهى
عن إضاعة المال))، فيلزم عليه أن يدفعه إلى الفقراء، ولكن لا يريد بذلك
الأجر والثواب، ولكن يريد دفع المعصية عن نفسه، ويدل عليه مسائل
اللقطة .
(ولا صلاة(٢) بغير طهور)(٣) هو بالضم، الطهر، وبالفتح الماء الذي
يتطهر به، قال ابن حجر(٤): أي لا تصح، إذ نفي القبول إما بمعنى نفي
(١) قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، قال ابن سيد الناس في
(شرحه)): إذا قال الترمذي: ((أصح شيء)) لا يلزم منه أن يكون صحيحاً عنده،
وكذلك إذا قال: أحسن ((ابن رسلان)).
واختلفت الأئمة في مسألة طهارة بدن المصلي وثيابه ومحل صلاته عن الأنجاس،
فقال بها الجمهور مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَّغِيرْ﴾، وقالوا: دلالة الآية على
طهارة البدن بالأولى، ولم يقل المالكية في المشهور بالوجوب، بل قالوا بالسُّنِّية كما
في ((الشرح الكبير)) (٢٠٠/١)، والأوجه عندي أنه يصح استدلال الجمهور بهذا
الحديث، إذ الطهور بمعنى الطهارة، يعم الأحداث والأنجاس، كما جزم به القاري
(٣١٩/١) فتأمل! فلم أر أحداً في فروع الأئمة الثلاثة استدل به. (ش).
[قال العيني في ((شرح سنن أبي داود)) (١٨١/١): الحكمة في جمعه - عليه الصلاة
والسلام - في هذا الحديث بين الصدقة والصلاة، أن العبادة على نوعين: ماليٍّ
وبدني، فاختار من أنواع المال الصدقة ومن أنواع البدني الصلاة، انتهى ملخصاً].
(٢) قال ابن رسلان: في حديث جميع الرواة الصلاة مقدمة. (ش).
(٣) استدل بالحديث ابن رسلان على مسألة أخرى، وهي أنه مستدل الجمهور أن الوضوء
لا يجب لكل صلاة، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل الطهور غاية القبول، إلى آخر
ما قال. (ش).
(٤) (فتح الباري)) (٢٣٥/١).
٣٦٠

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٥٩) حدیث
الصحة كما ها هنا، وإما بمعنى نفي الثواب كما في الحديث: ((من أتى
عَرَّافاً لم تقبل صلاته أربعين صباحاً))، والحديث يدل على فرضية الطهارة
للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وعلى
تحريمها بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة
والنافلة وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة، إلَّا ما حكي عن الشعبي
ومحمد بن جرير من قولهما : تجوز صلاة الجنازة(١) بغير طهارة، وهذا
مذهب باطل، أجمع العلماء على خلافه، فلو صلى محدثاً متعمداً بلا عذر
يكفر عندنا لتلاعبه واستخفافه.
وأما من لم يجد ماء(٢) ولا تراباً، فقال النووي(٣): فيه أربعة أقوال
للشافعي، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحد منها قائل، أصحها عند
أصحابنا: يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكن من
الطهارة، والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء، والثالث: يستحب
أن يصلي ويجب القضاء، والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء،
وهذا القول اختيار المزني، وهو أقوى الأقوال(٤) دليلاً، فأما وجوب
الصلاة فلقوله ويلقر: ((وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم))، وأما الإعادة
(١) وحكي عن غيرهما أيضاً كما ذكره العيني (٣٤٨/١)، وحكى ابن القيم في حاشية
((السنن)) (٤٤/١) عن ابن حزم أنه قال: لا يحتاج الوتر إلى الطهارة، وبسط على
الحديث أشد البسط، ومال إلى أن سجدة التلاوة لا تحتاج إلى الطهارة. (ش).
(٢) وذكر في ((العارضة)) (٩/١) في المسألة ستة أقوال: منها مذهب مالك، لا أداء
ولا قضاء، وفي ((المنهل)) (٢٠٩/١): مذهب أحمد والمزني أقوى دليلاً،
وهو وجوب الصلاة بلا إعادة، والمشهور عند الشافعية وجوب الصلاة بوجوب
الإعادة، وسيأتي الكلام على المسألة في ((باب التيمم)). (ش).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)» للنووي (١٠٥/٢).
(٤) واختاره في ((شرح المهذب)) كما في القسطلاني (٤٠٢/١). (ش).
٣٦١

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٥٩) حديث
فإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني في كل صلاة
أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها، والله أعلم،
انتهى. وهذا عند الشافعية.
وأما عندنا فقال في ((البدائع))(١): وأما المحبوس في مكان نجس
لا يجد ماء ولا تراباً نظيفاً، فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف:
يصلي بالإيماء، ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي(٢)، وقول محمد
مضطرب، وذكر في عامة الروايات مع أبي حنيفة، وفي («نوادر أبي سليمان»
مع أبي يوسف.
وجه قول أبي يوسف: أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز
عن التشبه، فيؤمر بالتشبه، كما في ((باب الصوم)).
وقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه إذا كان المكان
رطباً، أما إذا كان يابساً فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده يُومىء
كيف ما كان، لأنه لو سجد لصار مستعملاً للنجاسة.
ولأبي حنيفة أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل
أهل مناجاته الطاهر لا المحدث، والتشبه إنما يصح من الأهل، ألا ترى
أن الحائض لا يلزمها التشبه في باب الصوم والصلاة لانعدام الأهلية.
والظاهر أن المصلي بغير طهارة إذا قصد به حرمة الوقت لا يكفر،
لأنه لا يصدق عليه أنه مستخفٍّ، بخلاف ما إذا صلى بغير طهارة عمداً
لا لهذا القصد، فإنه يكفر، لأنه مُسْتخفٍّ بالشرع حينئذ، ولو صلى بلا طهارة
حياءً أو رياءً أو كسلاً فهل يكون مستخفًّا أم لا؟ محل بحث، والأظهر في
(١) ((بدائع الصنائع)) (١٧٥/١).
(٢) انظر: ((الأم)) (٤٥/١).
٣٦٢

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦٠) حديث
٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَلَى صَلَاةَ أَحَدِكُمْ.
المستحي أن لا يكون مُسْتَخِفًّا بخلاف الآخرين، والله أعلم، ملخص من
القاري والنووي(١).
٦٠ - (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق قال:
أخبرنا معمر) بن راشد، (عن همام بن منبه)(٢) بن كامل الصنعاني اليماني،
أبو عقبة أخو وهب، ثقة، مات سنة ١٣٢ هـ على الصحيح، وأصل منبه من
خراسان من أهل هراة، أخرجه كسرى من هراة يعني إلى اليمن، فأسلم في
عهد النبي لة، فحسن إسلامه .
(عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (قال: قال رسول الله الله:
لا يقبل الله تَعَالَى صلاة أحدكم) أي قبول إجابة وإثابة، فإن الطهارة شرط
لصحة الصلاة، بخلاف المسبل إزاره والآبق، فإن صلاتهما لا تقبل أيضاً،
لكنها لا تقبل إثابةٌ، وتقبل إجابةً، فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من عدم
القبول عدم الجواز والصحة.
قال الحافظ(٣): والمراد بالقبول ها هنا ما يرادف الصحة
وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما فى الذمة،
ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبّر عنه بالقبول
مجازاً، وأما القبول المنفي في مثل قوله ◌َّي: ((من أتى عرافاً لم تقبل له
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢/٢)، و((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠٥/٢).
(٢) قال ابن العربي في ((العارضة)) (٨/١): هي صحيفة. (ش). [يعني: هذه الرواية
في صحيفة همام بن منبه].
(٣) ((فتح الباري)) (٢٣٥/١).
٣٦٣

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). [خ ١٣٥، م ٢٢٥، ت ٧٦، حم ٣٠٨/٢،
خزيمة ١١]
٦١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
عن سُفْيَانَ،
صلاة))، فهو الحقيقي، لأنه قد يصح العمل، ويتخلف القبول المانع.
(إذا أحدث)(١) أي صار ذا حدث(٢) قبل الصلاة أو في أثنائها،
والمراد بالصلاة المضافة صورتها أو باعتبار ما كانت (حتى يتوضأ) أي
حقيقة أو حكماً، أو يتوضأ بمعنى يتطهّر، فيشمل الغسل والوضوء والتيمم،
.(٣)
.
قاله القاري
قلت: والحديث تفسيرٌ وشرحٌ لقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ الآية(٤)، فهذه الآية بظاهرها تدل على أنه يجب
التوضؤ عند إرادة الصلاة في جميع الأحوال، وبَيَّن الحديث أن المراد في
الآية وجوب التوضؤ عند إرادة القيام إلى الصلاة حالة الحدث، فعلى هذا
معناها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ وأنتم محدثون ﴿فَأَغْسِلُواْ﴾ الآية.
٦١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع) بن الجراح،
(عن سفيان) تردد فيه صاحب ((غاية المقصود)) هل هو الثوري أو ابن عيينة؟
(١) قال ابن العربي (١٠/١): أحكام هذا الباب في ثمان مسائل، ثم عدها، وذكر الضابطة
في الحدث عند الأئمة الثلاثة كما ستأتي في ((باب الوضوء من الدم)). (ش).
(٢) وقال ابن دقيق العيد في ((إحكام الأحكام)) (١/ ١٢): الحدث يطلق على ثلاثة معان،
الخارج كما يقول الفقهاء: الأحداث كذا وكذا، والخروج، والمانع من العبادة
كما يقال: نويت رفع الحدث. (ش).
(٣) («مرقاة المفاتيح)» (٣٣٤/١).
(٤) سورة المائدة: الآية ٦.
٣٦٤

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
عن ابْنِ عَقِيلٍ،
وقال: لم أقف على تعيينه، وأغرب الشيخ سراج أحمد في ((شرحه)) على
((الترمذي)) فقال فيما ذكر في أول السند الذي رواه الترمذي عن هناد وقتيبة
ومحمود بن غيلان قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان، فقال: ابن سعيد
ابن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، ثم ذكر الترمذي بعد التحويل:
وحدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، فقال هذا
الشارح ها هنا: ابن عيينة أبي عمران الهلالي الكوفي، فما قال الشارح
هو على خلاف اصطلاح المحدثين، فإن السندين يجتمعان على سفيان،
فعلى اصطلاح القوم يجب أن يكون ما اجتمع عليه السندان واحداً، فلعل
هذا تسامح من الشيخ - رحمه الله -.
والذي يغلب على ظني أن الذي ها هنا هو الثوري، فإن الحافظ
ابن حجر (١) ذكر سفيان الثوري في شيوخ وكيع الذي روى عنهم، ولم يذكر
فيهم ابن عيينة، وقال في ترجمة وكيع في سلسلة من روى عن وكيع:
وشيخه سفيان الثوري، فهذا يفيد بأن لوكيع خصوصية مع الثوري التي
ليست بابن عيينة، فبهذا يتعين المبهم، قال الحافظ في ((النخبة)): وإن روى
الراوي عن اثنين متفقي الاسم، ولم يتميزا فاختصاصه بأحدهما يتبين
المهمل، انتهى.
(عن ابن عقيل) هو عبد الله بن محمد بن عقيل مكبراً، ابن أبي طالب
الهاشمي، نسب إلى جده، أبو محمد المدني، ضعفه كثير من المحدثين،
مثل يحيى بن معين والنسائي، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض
أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد
وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قال محمد بن إسماعيل:
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١١٣/٤).
٣٦٥

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
عن مُحَمَّدٍ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
((مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الظُّهُورُ،
وهو مقارب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من تكلم فيه، انتهى.
وهذا إفراط، وقال الذهبي في ((الميزان)): قلت: حديثه في مرتبة الحسن،
مات بعد سنة ١٤٠ هـ.
(عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي،
أبو القاسم المدني، ثقة عالم، المعروف بابن الحنفية، وهي خولة
بنت جعفر من بني حنيفة، ويقال: من مواليهم، سبيت في الردة
من اليمامة في خلافة أبي بكر، اختلف في موته، والراجح أنه مات
سنة ٨٠هـ، وقال البخاري في ((تاريخه الصغير)): قال أبو نعيم:
مات ابن الحنفية سنة ٨٠هـ.
(عن علي) بن(١) أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي(٢)،
أبو الحسن، أمير المؤمنين، كناه رسول الله وَ ر أبا تراب، ابن عم
رسول الله 8، وزوج ابنته فاطمة - رضي الله عنها -، من السابقين
الأولين، وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يُروَ لأحد من الصحابة من
الفضائل ما روي لعلي، قتل في رمضان سنة ٤٠هـ، قتله عبد الرحمن بن
ملجم، وجهل موضع قبره.
(قال) أي علي: (قال رسول الله وَلخر: مفتاح الصلاة(٣) الطهور)
بالضم ويفتح، أي مفتاحها الأعظم، فإنه من جملة شروطها، قاله القاري.
(١) قال ابن العربي: سند أبي داود أصح من سند الترمذي في ذلك، وقال أيضاً:
في الحديث بحثان وعشر مسائل. (ش). [انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٥/١)].
(٢) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٢٨٢/٣) رقم (٣٧٨٩).
(٣) بسط شيئاً من الكلام على هذه الاستعارة صاحب ((الغاية))، وسيأتي بعض الكلام على
الحديث في ((باب تحريمها التكبير)). (ش).
٣٦٦

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)). [ت ٣، جه ٢٧٥، دي ٦٨٧،
حم ١٢٣/١، ١٢٩، ق ١٥/٢، قط ٣٦٠/١]
(وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) قال المظهر(١): سمى الدخول
في الصلاة تحريماً، لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي،
وسمى التسليم تحليلاً لتحليل ما كان محرماً على المصلي لخروجه
عن الصلاة، قال الطيبي: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك
المحمى عن الأغيار، وجعل فتح باب الحرم بالتطهر عن الأدناس، وجعل
الالتفات إلى الغير والاشتغال به تحليلاً تنبيهاً على التكميل بعد الكمال،
انتھی، ((زجاجة)).
قلت: قد أجمعت الأمة على أن لا دخول في الصلاة إلّا بتكبيرة
الافتتاح، وهي قول العبد: ((الله أكبر))، ولا خلاف فيه، أو ((الله الأكبر))،
وخالف فيه مالك وأحمد، أو ((الله الكبير)) أو ((الله كبير)) وخالف فيهما
الشافعي أيضاً .
لمالك وأحمد النقل المتوارث من لدن النبي ◌َّر، وهي قضية متلقاة
من الشرع، فنهي فيها إلى ما أنهانا إليه الشرع، وكذلك قال الشافعي
- رحمه الله -، إلّا أنه يقول: الأكبر أبلغ في الثناء، لأن تعريف الخبر
يقتضي حصره في المبتدأ، فكان مشتملاً على المنقول وزيادة، فيلحق به
دلالة(٢) .
وقال أبو يوسف: إن كان يحسن التكبير لا يجوز بغير هذه
الأربعة من الألفاظ، لأن النص ورد بلفظ التكبير، قال الله تعالى:
(١) انظر ((مرقاة المفاتيح)) (٣٩/٢).
(٢) قلت: وأباح الشافعية التلبية بغير العربية، كما صرح به النووي في ((مناسكه))
(ص ١٨٠)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني مناسككم)). (ش).
٣٦٧

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾(١)، وقال ◌َله: و((تحريمها التكبير))، وفي العبادات البدنية
إنما يعتبر النصوص ولا يشتغل بالتعليل، ولذا لم يقم الخد والذقن مقام
الجبهة في السجود، والأذان لا يتأدى بغير لفظ التكبير، فتحريمة الصلاة
أولى، وإنما جاز بالكبير، لأن أفعل وفعيلاً في صفاته تعالى سواء، إذ
لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بعد المشاركة، لأنه لا يشاركه أحد
في أصل الكبرياء، فكان أفعل بمعنى فعيل.
وقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى -: إن قال بدلاً
عن التكبير: (الله أجل)) أو ((أعظم))، أو ((الرحمن أكبر))، أو ((لا إله إلّا الله))،
أو ((تبارك الله))، أو غيره من أسماء الله تعالى وصفاته التي لا يشارك فيها،
كالرحمن والخالق والرزاق، وعالم الغيب والشهادة، وعالم الخفيات،
والقادر على كل شيء، والرحيم لعباده، أجزأه ذلك عن التكبير، وذلك لأن
التكبير المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَّيِّرْ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام:
((وتحريمها التكبير))، وحيث ما ذكر من النصوص معناه التعظيم، فكان
المطلوب بالنص التعظيم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلّ﴾(٢)،
وهو أعم من لفظة ((الله أكبر)) وغيرها، ولا إجمال فيه، فالثابت بالفعل
المتوارث حينئذ يفيد الوجوب لا الفرضية، وبه نقول، حتى يكره لمن يحسنه
تركه، كما قلنا في القراءة مع الفاتحة، وفي الركوع والسجود مع التعليل.
وقال ابن عُليّة وأبو بكر الأصم: إن تكبيرة الافتتاح ليست بشرط،
ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية بغير تكبير، فزعما أن الصلاة أفعال
وليست بأذكار، حتى أنكرا افتراض القراءة في الصلاة، فأبو حنيفة ومحمد
(١) سورة المدثر: الآية ٣.
(٢) سورة الأعلى: الآية ١٥.
٣٦٨

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
- رحمهما الله - احتجا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ أَسْمَ رَيِّهِ، فَصَلَّ﴾، والمراد منه ذكر
اسم الرب لافتتاح الصلاة، لأنه عقب الصلاة (٣) الذكر بحرف يوجب
التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة
الافتتاح، فقد شرع دخول الصلاة بمطلق الذكر، فلا يجوز التقييد باللفظ
المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ
من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص، وأن الحديث
معلول به، لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولاً به من حيث اشتراط مطلق
الذكر، ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلاً لمخالفته الكتاب، فإذاً ترك
التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل.
على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم، قال تعالى: ﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾أي
عظمه تعظيماً، وقال تعالى: ﴿فَلَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبِرَهُ﴾ أي عظمنه، وقال تعالى:
﴿وَرَبَّكَ فَكَيِّرْ﴾ أي فعظم، فكأن الحديث وارد بالتعظيم، وبأي اسم ذكر فقد
عظم الله تعالى، وكذا من سبح الله تعالى، فقد عظّمه ونزّهه عما لا يليق به
من صفات النقص وسمات الحدوث، فصار واصفاً له بالعظمة والقدم،
وكذا إذا هلَّل، لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم
لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما .
والدليل على أن قوله ((الله أكبر)) أو ((الرحمن أكبر)) سواء، قوله تعالى:
﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾(٤) ولهذا يجوز
(١) ويظهر من كلام السندي على البخاري أنه يصح الاستدلال على كون تكبير التحريمة
خارجاً عن الصلاة بحديث أنس - رضي الله عنه -: كان النبي ◌َّر وأبو بكر وعمر
- رضي الله عنهما - يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. (ش).
(٢) سورة الإسراء: الآية ١١٠.
٣٦٩

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم فكذا هذا، والذي يحقق مذهبهما
ما روي عن عبد الرحمن السلمي أن الأنبياء - صلوات الله عليهم -، كانوا
يفتتحون الصلاة بلا إله إلّا الله، ولنا بهم أسوة، قاله الحلبي والكاساني(١).
وأما الخروج(٢) عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو
القاعدة عند الحنفية أن الخبر الواحد يفيد الوجوب، وعند مالك والشافعي
فرض، حتى لو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله تعالى: ((وتحليلها التسليم))
خص التسليم بكونه محللاً، فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين،
فلا يتحلل بدونه.
ولنا ما روي عن النبي ولو أنه قال لابن مسعود حين علَّمه التشهد:
((إذا قلتَ هذا، أو فعلتَ هذا، فقد قضيت ما عليك، إن شئت أن تقوم
فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)). والاستدلال به من وجهين؛ أحدهما: أنه
جعله قاضياً ما عليه عند هذا الفعل أو القول، وما للعموم في ما لا يعلم،
فيقضى أن يكون قاضياً جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضاً لم يكن
قاضياً جميع ما عليه بدونه، لأن التسليم يبقى عليه. والثاني: أنه خَيَّرَه بين
القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضاً ما خَيَّره، وأما
الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلّا أنه خص التسليم لكونه
واجباً، انتهى ما في ((البدائع)) ملخصاً.
قلت: حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه أحمد في
(١) ((بدائع الصنائع)) (٣٣٤/١) وحديث السلمي لم أجده، واستدل علماء الحنفية بقوله
تعالى: ﴿وَذَّكْرَ أَسْمَ رَبِهِ، فَصَلَى﴾، والمراد تكبيرة الافتتاح، لأن الذكر الذي يتعقبه
الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح. انظر: ((إعلاء السنن)) (١٥٨/٢).
(٢) وهناك اختلاف آخر في عدد السلام، وسيأتي في ((باب في السلام)). (ش).
٣٧٠
.

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
((مسنده)(١) قال: حدثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا الحسن بن الحرّ، ثني
القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وحدَّثني أن عبد الله بن مسعود
أخذ بيده، وأن رسول الله وَ لّ أخذ بيد عبد الله فعَلَّمه التشهد في الصلاة،
قال: ((قل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، قال زهير:
حفظت عنه إن شاء الله: ((أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا فقد قضيت
صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)»، انتهى.
وسياق هذا الحديث يوهم إلى أن قوله: «فإذا قضيت هذا، أو قال:
فإذا فعلت هذا ... إلخ)) يحتمل أن يكون من قول رسول الله وَّل، ويحتمل أن
يكون مدرجاً من قول عبد الله بن مسعود، فلو سُلّم أنه من قول ابن مسعود -
رضي الله عنه - فهو في حكم المرفوع، لأنه لا دخل للرأي فيه .
ويؤيد رفعه ما أخرجه الترمذي(٢) عن رفاعة بن رافع: ((أن
رسول الله ( 8* بينما هو جالس في المسجد))، الحديث. وفي آخره:
((ثم اجْلِسْ فاطمأن جالساً، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن
انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك، قال: وكان هذا أهون عليهم))،
الحديث. فهذا يدل صريحاً على أن قوله: ((فإذا فعلت ... إلخ)) مرفوع من
قوله ◌َلټ .
وأما ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة برواية القعنبي
وابن المثنى، ثم ذكر لفظ ابن المثنى، ثم قال في آخره: قال القعنبي :
(١) ((مسند أحمد)» (٤٠٠٧).
(٢) رقم الحديث (٣٠١).
٣٧١

(١) كتاب الطهارة
(٣١) باب
(٦١) حديث
عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وقال في آخره: «فإذا
فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من
صلاتك، وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)»، فهذا السياق
أيضاً يدل على أن قوله: ((فإذا فعلت هذا» يحتمل أن يكون مدرجاً من قول
أبي هريرة، أو مرفوعاً من قوله وَلّر، وأيضاً أنه مرفوع، لأن قوله: ((وقال
في آخره)) معناه قال أبو هريرة في آخر الحديث مرفوعاً من قول
رسول الله ◌َ، فمعنى هذا أن أبا هريرة زاد في آخره، وهذا على سبيل
التسليم وإلَّا فيمكن أن يكون ضمير لفظ ((قال)) راجعاً إلى رسول الله اله.
فعلى هذا معنى هذا الكلام بتقدير ((قال)» أي قال أبو هريرة: قال
رسول الله وَّر في آخره، ويؤيده قوله في آخر الحديث: ((وقال فيه: إذا
قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء»، معناه قال أبو هريرة في هذا الحديث
مرفوعاً: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء))، فإن هذه الجملة ليست
مدرجة قطعاً، بل هو مرفوع من قول رسول الله چ .
ويحتمل أن يكون ضمير ((قال)) في الموضعين أي قال في آخره، وقال
فيه، راجعاً إلى القعنبي أي زاد القعنبي في آخره على خلاف رواية
ابن المثنى، وأيضاً زاد القعنبي في هذا الحديث أي في أثنائه ((إذا قمت إلى
الصلاة فأسبغ الوضوء»، فالظاهر يدل على أن هذا الكلام من قول
رسول الله وَلتر وليس مدرجاً من قول الصحابي.
وأما الخروج بصُنْعه فقال بعض الفقهاء: هو فرض عند أبي حنيفة
- رحمه الله - خلافاً لهما، وقال الحلبي: اعلم أن كون الخروج بصنعه
فرضاً لم يرو عن أبي حنيفة صريحاً، وإنما ألزم بعض علماء المذهب به
استدلالاً من جوابه في المسألة الاثني عشرية، وهي الفساد برؤية المتيمم
٣٧٢
١

(١) كتاب الطهارة
(٣٢) باب
(٦٢) حديث
(٣٢) بَابُ الرَّجُلِ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ
٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
ابْنُ يَزِيدَ المُقْرِىء. (ح): وَثَنَا مُسَذَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
الماء بعد القعود قدر التشهد، ثم نقل الشيخ ابن الهمام عن الكرخي أنه
قال: لا خلاف بينهم في أن الخروج بفعله ليس بفرض، ولم يرو عن أبي
حنيفة - رضي الله عنه - بل هو حمل من أبي سعيد البردعي لما رأى خلافه
في المسائل المذكورة، وهو غلط، لأنه لو كان فرضاً لاختص بفعل
انتهى ملخصاً .
هو قُرْبة،
(٣٢) (بَابُ الرَّجُلِ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ)
يعني الوضوء على الوضوء من غير سبق حدث ليس بواجب،
بل هو فضيلة ومندوب إليه
٦٢ - (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الله بن يزيد)
العدوي، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن (المقرىء) القصير، أصله من
ناحية البصرة، وقيل: من ناحية الأهواز، وثّقه النسائي والخليلي، ثقة
فاضل، أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنة، مات سنة ٢١٣هـ وقد قارب المئة،
وهو من كبار شيوخ البخاري، فما قال صاحب ((غاية المقصود)» بعد ذكر
عبد الله بن يزيد المقرىء: والمقرىء بالضم والسكون وفتح الراء وهمزة
ثم ياء، نسبة إلى مقرى قرية بدمشق، غير صحيح، بل هو بضم الميم وكسر
الراء بعدها همزة، صيغة اسم فاعل من الإقراء(١)، وليس هو منسوباً إلى
مقرى التي هي قرية بدمشق، ولا تعلق له بتلك القرية.
(ح: وثنا مسدد) بن مسرهد (قال: حدثنا عيسى بن يونس،
(١) انظر: ((كتاب الأنساب)) (٣٤٤/٤).
٣٧٣

(١) كتاب الطهارة
(٣٢) باب
(٦٢) حديث
قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ زِيَادٍ، - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَنَا لِحَدِيثٍ
ابْنِ يَحْيَى أَضْبط-، عن غُطَيْفٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عن أَبِي غُطَيْفِ الْهُذَلِيِّ
قالا) أي عبد الله وعيسى: (ثنا عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم، بفتح أوله
وسكون النون وضم المهملة، الإفريقي، أبو أيوب، ويقال: أبو خالد،
القاضي، وكان ضعيفاً في حفظه، وكان رجلاً صالحاً، ولي قضاء إفريقية
لمروان، قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟
قال: نعم، وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى القطان
وغيره، ورأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث،
وكان ابن وهب يُظْريه، وكان أحمد بن صالح ينكر على من يتكلم فيه ويقول:
هو ثقة، وقال ابن رشدين عن أحمد بن صالح: من تكلم في ابن أنعم فليس
بمقبول، ابن أنعم من الثقات، قال البخاري عن المقرىء: مات سنة ١٥٦ هـ.
(قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أضبط) مراده بهذا الكلام أني
أخذت هذا الحديث من شيخين؛ أحدهما محمد بن يحيى بن فارس،
والثاني مسدد، فعن كليهما رويت هذا الحديث، ولكن ما روى محمد بن
يحيى فأنا له أشد ضبطاً وإتقاناً مني لحديث مسدد.
(عن غطيف) هو أبو غطيف بالتصغير، الهذلي، مجهول، وقيل:
هو غطيف، ويقال: غضيف، بالضاد المعجمة، قال الحافظ: قلت:
وضعفه الترمذي، (وقال محمد) بن يحيى: (عن أبي غطيف الهذلي)
قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: لا يعرف اسمه.
قلت: وضعفه الترمذي، وغرضه بهذا الكلام بيان الاختلاف بين لفظ
مسدد وبين لفظ محمد بن يحيى، فإن مسدداً ذكر في روايته عن غطيف،
وسماه محمد بن يحيى بالكنية، وقال: عن أبي غطيف، وزاد النسبة أيضاً
فقال: الهذلي.
٣٧٤

(١) كتاب الطهارة
(٣٢) باب
(٦٢) حديث
قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُهْرِ تَوَضَّأَ فَصَلَّى، فَلَمَّا
نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضَّأَ! فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ يَقُولُ:
((مَنَ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ)). [ت ٥٩، جه ٥١٢]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ .
(قال) أبو غطيف: (كنت عند ابن عمر) أي عبد الله بن عمر (فلما
نُؤْدي بالظهر توضأ) عبد الله (فصلَّى، فلما نودي بالعصر توضأ(١)) أي كرَّر
الوضوء وجَذَّده، (فقلت له) أي كلمته في تجديد الوضوء مع كونه توضأ
قبل، (فقال) أي أجاب ابن عمر: (كان رسول الله صل﴿ يقول: من توضأ(٢)
على طهر) أي على وضوء (كتب له عشر حسنات) في ((شرح السنَّة))(٣):
تجديد الوضوء مستحب(٤) إذا كان قد صلَّى بالوضوء الأول صلاة، وكرهه
قوم إذا لم يصل بالأول صلاة، ذكره الطيبي، وقال ابن الملك: وإن لم
يصل فلا يستحب، قلت: والظاهر في معناها الطواف والتلاوة، ولعل سبب
الكراهة هو الإسراف، قاله القاري(٥).
(قال أبو داود: وهذا) المذكور هو (حديث مسدد وهو أتم) من
حديث محمد بن يحيى، أورده ههنا وإن كان لحديث محمد بن يحيى
أضبط لكون حديث مسدد أتم (٦).
(١) والحديث أخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور برواية ابن لهيعة: أنه رأى ابن عمر
يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن أسُنَّة هذا
الوضوء لكل صلاة؟ قال: إن كان لكافياً وضوئي لصلاتي كلها ما لم أحدث، لكن
سمعت ... الحديث. ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) فيه إشعار بأن الغسل لا تجديد فيه، وكذا التيمم لا تجديد فيه. ((ابن رسلان)). (ش).
(٣) (٤٤٩/١).
(٤) وهكذا مذهب الشافعية كما بسطه ابن رسلان، وبسط مذهبنا صاحب ((السعاية)). (ش).
(٥) («مرقاة المفاتيح)» (٢٣/٢).
(٦) يشكل عليه ما نقله صاحب ((الغاية)) أن ابن ماجه أخرج حديث ابن يحيى أتم منه
(٥١٢). (ش).
٣٧٥

(١) كتاب الطهارة
(٣٣) باب
(٦٣) حدیث
(٣٣) بَابُ مَا يُنَجِسُ الْمَاءَ
٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً، عن الْوَلِيدِ بْنِ
کثیرٍ ،
(٣٣) (بَابُ ما يُنَجِّسُ المَاءَ)(١)
غرض المصنف من عقد هذا الباب
بيان الأشياء النجسة التي إذا خالطت الماء تُنَجِّسُه
٦٣ - (حدثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني، (وعثمان بن
أبي شيبة(٢)، والحسن بن علي) الخلال (وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة)
حماد، (عن الوليد بن كثير) المخزومي مولاهم، أبو محمد المدني،
ثم الكوفي، وثقه ابن معين وغيره، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة
إلّا أنه إباضي، وقال ابن سعد: له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث
وليس بذاك، وقال الساجي: وكان إياضياً ولكنه كان صدوقاً،
وقال في ((الخلاصة)): وثّقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن سعد:
ليس بذاك.
وقال السمعاني في ((الأنساب))(٣): الإباضي، بكسر الألف وفتح الباء
(١) اختلفوا في نجاسة الماء، فقالت الظاهرية والإمام مالك: إنه لا يتنجّس ما لم يتغير
أحد أوصافه، وقالت الثلاثة: يتنجس القليل بملاقاة النجاسة، ثم اختلفوا في مقدار
القليل والكثير، فقال الشافعي وأحمد: بالقلتين، ونحن: بالتحريك، كذا في ((الأجز))
(٣٨١/١). وبسط الكلام في ((أنوار المحمود)) (٢٩/١)، وذكر صاحب ((السعاية))
(٣٨٢/١) فيه خمسة عشر مذهباً. (ش).
(٢) عثمان بن محمد بن أبي شيبة. (ش).
(٣) (٧٠/١).
٣٧٦
:
:

(١) كتاب الطهارة
(٣٣) باب
(٦٣) حدیث
عن مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
عُمَرَ، عن أَبِيهِ قَالَ: ((سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ
الدَّوَابِّ والسِّبَاعِ،
الموحدة في آخره الضاد المعجمة، هذه النسبة إلى جماعة من الخوارج،
وهم أصحاب الحارث الإباضي، ويقال لهذه الفرقة: الحارثية أيضاً.
وخالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة وفي دعواه أن
الاستطاعة قبل الفعل، وأكفرته الإباضية في ذلك، والإباضية جماعة وفرق
مختلفة العقائد يكفر بعضهم بعضاً، انتهى. قلت: ورمي برأي الخوارج،
مات سنة ١٥١ هـ.
(عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، قال
الدارقطني: مدني، ثقة، مات بعد سنة ١١٠هـ، (عن عبيد الله) مصغراً (ابن
عبد الله بن عمر) وهذا في نسخة، وأما في النسخة المصرية والنسخة المطبوعة
الهندية القديمة ففيه: عبد الله مكبراً، وكلاهما ابن عبد الله بن عمر بن
الخطاب، فكنية عبد الله أبو عبد الرحمن المدني كان وصي أبيه، وكنية عبيد الله
أبو بكر، وهو شقيق سالم، وكلاهما ثقتان، مات عبيد الله سنة ست ومائة،
ومات عبد الله سنة ١٠٥ هـ.
(عن أبيه) هو عبد الله بن عمر (قال: سئل النبي ◌َّر) السائل غير
معلوم (عن الماء) أي عن طهارة الماء ونجاسته الذي يكون في الفلاة كما
في بعض الروايات (وما ينوبه)(١) عطف على الماء على سبيل البيان، نحو
أعجبني زيد وكرمه. يقال: ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى
(من الدواب والسباع) بيان لـ ((ما))، قال الخطابي: فيه دليل على أن سؤر
(١) حكى الدارقطني أن ابن المبارك صحّفه ((يثوبه)) بالثاء المثلثة من ثاب إذا رجع.
((ابن رسلان)). (ش).
٣٧٧

(١) كتاب الطهارة
(٣٣) باب
(٦٣) حديث
فَقَالَ رَِّ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)). [ن ٥٢، ت ٦٧،
جه ٥١٧- ٥١٨، ك ١٣٣/١، قط ١٥/١، دي ٧٣١، حم ٢ / ١٢ - ٢٦ -٣٨]
السباع نجس، وإلَّا لم يكن لسؤالهم وجوابه بهذا الكلام معنى، أو ذلك
لأن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وربما
لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، ذكرها الطيبي، والأول
مذهبنا، والثاني مذهب الشافعية(١).
(فقال) النبي (َ *: إذا كان الماء قلتين لم يحمل(٢) الخبث) قيل:
القلة الجرة الكبيرة التي تسع مئتين وخمسين رطلاً بالبغدادية، فالقلتان
خمس مئة رطل، وقيل: ست مئة، سُمِّيَتْ بذلك، لأن اليد تُقِلُّها، وقيل:
القلة ما يستقلها البعير، أخرجه الخمسة، وفي لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد:
((لم يُنَجِّسْه شيء))، وأخرجه أيضاً الإمام الشافعي وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم والدارقطني والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وقد
احتجّا بجميع رواته، وقال ابن منده: إسناد حديث(٣) القلتين على شرط
مسلم، قاله الشوكاني (٤).
(١) والمالكية وعن أحمد روايتان، ففي الحديث مسألتان: سؤر السباع، والحديث
يخالفهم، والثانية: مسألة تحديد الماء ولا يخالفنا فيه. (ش).
(٢) جمع ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) (ص ٤٠٢) بينه وبين قوله عليه الصلاة
والسلام: ((الماء لا ينجسه شيء)). (ش).
(٣) وأجيب عن حديث القلتين بثمانية أجوبة في ((تقرير المشكاة)) (لهذا العبد الضعيف)
منها: ما في ((الهداية)): أن أبا داود ضعفه، وأورد بأنه ليس هنا تضعيفه، ووجّه
بتوجيهات؛ منها: أنه يفهم التضعيف إذ أورد فيه الروايات المضطربة، وأورد عليه
بأنه رفع الاضطراب بقول أبي داود: ((هو الصواب))، وقيل: إن النُّسَخَ فيها مختلفة،
ولكن الاختلاف في حقنا لا في حق أبي داود، إذ رجح إحداها أيّاً منها، فلا يمكن
أن يقال: إن أبا داود ضعفه. (ش).
(٤) انظر: ((نيل الأوطار)) (٣٧/١).
٣٧٨

(١) كتاب الطهارة
(٣٣) باب
(٦٣) حدیث
ومداره على الوليد بن كثير فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير،
وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وقيل: عنه عن عبيد الله بن عمر،
وقيل: عنه عن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي
أيضاً بلفظ: ((إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس)) كما في رواية
لأحمد والدارقطني، وبلفظ: ((إذا بلغ الماء قلة، فإنه لا يحمل الخبث))،
كما في رواية للدارقطني وابن عدي والعقيلي، وبلفظ: ((أربعين قلة)) عند
الدارقطني، وهذا اضطراب في المتن.
وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون
محفوظاً من جميع تلك الطرق لا يعد اضطراباً، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة،
قال الحافظ: وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن
جعفر عن عبد الله بن عمر مكبراً، وعن محمد بن جعفر بن الزبير
عن عبيد الله بن عمر مصغراً، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم.
وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية ((أو ثلاث)) شاذة ورواية ((أربعين
قلة)) مضطربة. وأيضاً ضعفها الدار قطني(١) بالقاسم بن عبد الله العمري.
قلت: الجواب عن الاضطراب في الإسناد غير صحيح، فإن
الاضطراب في الإسناد يكون بالمخالفة بإبدال الراوي، ولا مرجح لإحدى
الروايتين على الأخرى، وإنما كان الاضطراب موجباً لضعف الحديث
لإشعاره بعدم ضبط الراوي، فالجواب عنه بأنه انتقال من ثقة إلى ثقة لا يدفع
الاضطراب بل يؤكده.
وكذلك لو قيل في الجواب بأن الوليد بن كثير يحتمل أن يكون روى
عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر، ويحتمل أن يكون روی
(١) انظر: (سنن الدار قطني)) (٦/١).
٣٧٩