النص المفهرس

صفحات 221-240

(١) كتاب الطهارة
(٨) باب
(١٦) حديث
عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: ((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ)). [م ٣٧٠، ت ٩٠، ن ٣٧، جه ٣٥٣، ق ٩٩/١،
خزيمة ٧٣]
(عن ابن عمر) أي عبد الله (قال: مرَّ رجل على النبيِ وَ ◌ّر وهو يبول(١)،
فسلم عليه فلم يرد عليه) يعني لم يرد السلام عليه ولم يجبه، وقد كان جواب
السلام ورده واجباً، فعُلِم من ذلك أن في هذه الحالة لا ينبغي أن يسلم عليه،
ولو سلم لا يستحق الجواب، وقد صرح علماء الحنفية وغيرهم بكراهة
السلام في مثل هذه الحالة، قال في ((الدر المختار))(٢) نظماً:
ومِن بعدٍ ما أَبْدَى يُسَنُّ ويُشْرَعُ
سَلاَمُكَ مَكْرُوْهٌ على مَنْ سَتَسْمَعُ
خَطِيبٌ وَمَنْ يُصْغي إليهم وَيَسْمَعُ
مُصَلٍّ وتالٍ ذَاكِرٌ وَمُحَدِّثٌ
وَمَنْ بَحَثُوا في الفِقْهُ دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا
مُكَرِّرُ فِقْه جَالسٌ لقَضَائِهِ
كَذَا الأَجْنَبِيَّاتُ الفَتِيَّاتُ أَمْنَعُ
مُؤذِّن أيضاً أَوْ مُقِيمٌ مُدَرِّسٌ
وَمَنْ هُو مع أهلٍ لَهُ يَتَمَنَّعُ
وَلُغَابُ شَطْرَنْجِ وَشِبْهِ بِخُلْقِهِمْ
وَمَنْ هُو في حالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ
وَدَعْ كَافراً أيضاً وَمَكْشُوفَ عَوْرَةٍ
ووجه كراهة السلام نهيه وَلّر عن السلام في هذه الحالة كما في
ابن ماجه(٣) عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً مَرَّ على النبيِ وَّر وهو يبول
فسلّم عليه، فقال له رسول الله وَلجر: ((إذا رأيتني على مثل هذه الحالة
(١) اختلفت الروايات في أن السلام كان حال البول أو بعده، بسطه صاحب ((الغاية))،
وسيأتي في «البذل)) أيضاً. كتب في ((التقرير)): أن رد السلام في حالة الاستنجاء
بالحجر جائز، وفي ((العرف الشذي)) (ص ٧٢) عن مولانا محمد مظهر
السهار نفوري: لا يجوز. (ش).
(٢) انظر: ((رد المحتار)) (٣٧٣/٢).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٣٥٢).
٢٢٠
:

(١) كتاب الطهارة
(٨) باب
(١٦) حديث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ تَيَمَّمَ
ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. [م ٣٧٠]
فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك))، ووجه كراهة الجواب
في مثل هذه الأحوال ما قد مرَّ من أن الكلام عند كشف العورة مكروه،
فكيف بذكر الله تعالى فإنه يكون أشد كراهة، فإن قيل: يخالفه ما ورد
((أنه (* يذكر الله تعالى على كل أحيانه))، قلنا: المراد من الأحيان حالة
الطهارة والحدث لا حالة كشف العورة والخلاء، والله تعالى أعلم.
(قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره) هاتان تعليقتان وصلهما
المؤلف في باب التيمم في الحضر، والمراد من الغير أبو الجهيم
وابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي وَ ل* تيمم(١) ثم رد(٢) على الرجل
السلام) .
لعل غرض المصنف بذكر هذا التعليق أنه 8# لم يرد على المسلم
الجواب، لأنه لم يكن على طهر، فلما حصل له الطهر بالتيمم رد عليه
السلام، فيمكن أنه ◌َ﴿ اختار الأفضل، فإنه وإن كان رد السلام وذكر الله
تعالى بعد الفراغ من البول جائزاً، لكن الذكر على الطهر أفضل، وأما قبل
أن يفرغ من البول فكان رد السلام في تلك الحالة مكروهاً، وما ورد،
أنه وَ* كان إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)) أو قال: ((الحمد لله الذي
أذهب عني الأذى وعافاني)»، محمول على بيان الجواز، أو يقال: إن هذه
الأذكار مختصة بذلك الوقت .
(١) استدل به البخاري على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت، وحجة
لأحد القولين عن مالك في التيمم للجنازة ((ابن رسلان))، وسيأتي ما قال العيني في
(باب التيمم في الحضر)) (٤٤/٣). (ش).
(٢) كتب في ((التقرير)): أن هذا تفضل منه عليه الصلاة والسلام، وإلّا فلا يجب الرد على
من سلم عند التخلي وأخواته، وقال ابن رسلان: لا يستحق الجواب. (ش).
٢٢١

(١) كتاب الطهارة
(٨) باب
(١٧) حدیث
١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا
سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن الْحَسَنِ،
١٧ - (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي، بفتح العين
والنون، أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، مشهور بكنيته واسمه، ثقة
ثبت حافظ، كان هو وبندار فرسَي رمان، قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب))(١): قال صالح بن محمد: صدوق اللهجة، وكان في عقله شيء،
وقال النسائي: لا بأس به، كان يغير في كتابه، قال: وقد سئل عمرو بن
علي عنهما، فقال: ثقتان، يقبل منهما كل شيء إلَّا ما تكلم به أحدهما في
الآخر، ولد سنة ١٦٧ هـ، ومات سنة ٢٥٢هـ.
(ثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي من بني سامة بن
لؤي، أبو محمد، ويلقب أبا همام، وثقه كثيرون، وقال: محمد بن سعد: لم
يكن بالقوي، وقال أحمد: كان يرى القدر، وقال ابن حبان: كان متقناً في
الحديث، قدرياً غير داعية إليه، سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه،
وقال بندار: والله ما كان يدري أي رجليه أطول، مات سنة ١٨٩ هـ(٢).
(ثنا سعيد) بن أبي عروبة، بفتح العين، واسمه مهران العدوي، مولى
بني عدي بن يشكر، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير
التدليس، واختلط، ورمي بالقدر، مات سنة ١٥٦ هـ.
(عن قتادة) بن دعامة، (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم
أبيه يسار، بالتحتانية والمهملة، أبو سعيد الأنصاري مولاهم، وأمه خيرة
مولاة أم سلمة رضي الله عنها، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيراً،
ويدلس، مات سنة ١١٠ هـ، وقد قارب التسعين.
(١) (٤٢٦/٩).
(٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)» (٣٣٦/٤/ ٣٦٧٥).
٢٢٢

(١) كتاب الطهارة
(٨) باب
(١٧) حديث
عن حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ، عن الْمُهَاجِرِ بْنِ قِنْفُذٍ: أَنَّهُ
أَتَى النَّبِيَّ ◌ََّ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ،
ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ.
(عن حضين) بمهملة ثم معجمة مصغراً (ابن المنذر) بن حارث
الرقاشي، بتخفيف القاف وبالمعجمة (أبي ساسان) البصري بمهملتين،
وهو لقبه(١)، وأبو محمد كنيته، كان صاحب راية علي يوم صفين،
ولا يعرف حضين غيره، مات على رأس المئة(٢).
(عن المهاجر بن قنفذ)(٣) بضم القاف والفاء، ابن عُمَيْر بن جُدْعان،
بضم الجيم وسكون المعجمة، التيميّ القرشي، أسلم يوم فتح مكة،
استعمله عثمان على شرطته، سكن البصرة، ومات بها (أنه أتى النبي (وَ ل
وهو يبول، فسلّم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ(٤)، ثم اعتذر إليه)(٥)،
وهكذا في رواية النسائي ((وهو يبول))، وفي رواية ابن ماجه ((وهو يتوضأ))،
وهكذا في رواية أحمد بن حنبل في ((مسنده))، وفي رواية لأحمد ((أن
النبي (## كان يبول أو قد بال)).
قال الشيخ عبد الغني في ((إنجاح الحاجة)): قوله: ((وهو يتوضأ)):
يحتمل أن يكون المراد من التوضؤ البول بطريق الاستعارة، لأن الاستعارة
(١) وبسط صاحب ((الغاية)) نظائره من أنهم قد يلقبون بصورة الكنية. (ش).
(٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)» (٢١٩/٢ / ١٣٦٦).
(٣) قيل: إنه لقب واسمه عامر، بسطه صاحب ((الغاية)) (ص ٣٩). (ش).
(٤) بمعناه اللغوي على ما حمل عليه الأساتذة وبهم التأسي، ويحتمل التعدد،
كذا في ((التقرير)). (ش).
(٥) بسط ابن رسلان في الاعتذار. (ش). [قلت: قال العيني في ((شرح أبي داود)) (١/ ٧٤):
فيه استعطاف منه - عليه السلام - لخاطر الرجل، وتطييب لقلبه، حيث أخّر جواب سلامه
حتى لا يخطر بباله أنه - عليه السلام - قد تغير عليه، وهذا من آدابه وأخلاقه].
٢٢٣

(١) كتاب الطهارة
(٨) باب
(١٧) حديث
بين السبب والمسبب وغيرهما من المناسبات، والمناسبة ها هنا ظاهرة،
وعلى هذا فمناسبة الحديث بالترجمة صريحة، وأما إذا كان المراد من
الوضوء الاستنجاء العرفي فتكون المناسبة بالاستنباط، وهو أنه إذا سلم
على الرجل وهو غير متوضٍ وَسِعَه تأخير رد السلام، ففي حالة البول
أولى، انتهى.
فإن قلت: قد ثبت عنه وَّر من حديث عائشة - رضي الله عنها - :
أنه كان إذا خرج من الخلاء يقول: ((غفرانك)). أخرجه أبو داود(١) وصححه
الحاكم وأبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان، وعن أنس: كان يقول إذا خرج
من الخلاء: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني))، أخرجه
ابن ماجه(٢)، فهذا يدل على أن الدعاء بعد أن يخرج من الخلاء مندوب،
وحديث الباب يدل على كراهة ذكر الله عَزَّ وَجلَّ على غير طهارة.
قلت: قد ثبت عنه # أنه يذكر الله تعالى في كل أحيانه محدثاً
وطاهراً، وأيضاً أن ذكر الله تعالى بالطهارة أفضل، والذكر على نوعين: إما
مختص بوقت أو غير مختص به، فالذكر المختص بالوقت يستحب أن يؤتى
به في ذلك الوقت، سواء كان طاهراً أو محدثاً، فالأذكار التي وردت عقيب
الخروج من الخلاء مستحب إتيانها بذلك الوقت، فالأفضل فيه أن يأتي بها
عقيب الخروج من الخلاء، وهو وقت الحدث ضرورة.
وأما السلام فإنه ذكر غير مختص بوقت، فإذا سلّم أحدٌ لا يجب ردُّه
على الفور، بل يجوز أن يؤخر الجواب إلى أن لا يفوت، فإذا تطهر بالوضوء
أو التيمم ثم أجاب يكون آتياً بالجواب مع الأفضلية، ولكن إذا خاف الفوت
(١) ((سنن أبي داود)) ح (٣٠).
(٢) (سنن ابن ماجه) ح (٣٠١).
٢٢٤
أَ

(١) كتاب الطهارة
(٩) باب
(١٨) حديث
فَقَالَ: (إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ذكره إِلَّ عَلَى طُهْرٍ))، أَوْ قَالَ:
((عَلَى طَهَارَةٍ)). [ن ٣٨، جه ٣٥٠، حم ٨٠/٥، ق ٩٠/١، ك ١/ ١٦٧]
(٩) بَابٌ: فِي الرَّجُلِ يَذْكُرُ اللّهَ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ ظُهْرٍ
١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ،
يرده مُحدثاً، فعلى هذا الأَفضل لهذا الذكر أن يكون على طهر، فوضح
الفرق(١) بين الذكرين وحصل التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
(فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى ذكره إلَّا على طهر، أو قال)
أي الراوي: (على طهارة) أو للشك في لفظ طهر أو طهارة، ولعل المراد
بالكراهة خلاف الأولى والأفضل، قال الخطابي(٢): فيه دليل على أن السلام
الذي يحيي به الناس بعضهم بعضاً، اسم من أسمائه تعالى كما جاء مرفوعاً.
(٩) (بَابٌ: في الرَّجُلِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ ظُهْرٍ)
هل يجوز ذلك؟
١٨ - (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني، أبو كريب
الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، حافظ، أحد الأثبات المكثرين. مات سنة
٢٤٨ هـ.
(ثنا ابن أبي زائدة) وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني،
بسكون الميم، أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن حافظ، نسب إلى جده، لأن
(١) أو يقال: إنه شؤون، ويقال لها في اصطلاح الصوفية: البسط والقبض، فإن أحوال
الصوفية كلها مستنبطة من أحواله مقلد.
هزار بار بشويم دهن ز مشك وكلاب هنوزنام توكفتن كمال بي أدبى ست . (ش).
(٢) ((معالم السنن» (١٨/١).
٢٢٥

(١) كتاب الطهارة
(٩) باب
(١٨) حدیث
عن أَبِيهِ، عن خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ - يَعْنِي الْفَأْفَاءَ-، عن الْبَهِيِّ، عن عُرْوَةَ،
أبا زائدة جده، وإنما أبوه زكريا بن أبي زائدة، مات سنة ١٨٣ هـ وله ثلاث
وستون سنة .
(عن أبيه) وهو زكريا بن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد الهمداني
الوادعي، بكسر الدال المهملة ثم عين مهملة، نسبة إلى وادعة بطن من
همدان، مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يُدَلِّس، وسماعه من
أبي إسحاق بأخرة، مات سنة ١٤٨ هـ.
(عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي
الكوفي أبو سلمة، ويقال: أبو المقسم المعروف بالفَأُفَاء، أصله مدني،
رُمي بالإرجاء والنصب، قُتِل بواسط سنة ١٣٢هـ، لما زال(١) دولة بني أمية.
قال محمد بن حميد عن جرير: كان الفأفاء رأساً في المرجئة، وكانَ يُبْغض
عليّاً (يعني الفَأْفَاءَ)(٢) لقبٌ يُعْرَفُ به.
(عن البهي) بفتح الموحدة وكسر الهاء وتشديد التحتانية، مولى
مصعب بن الزبير، أبو محمد، والبهي لقبه، واسمه عبد الله، ويقال: اسم
أبيه يسار، هكذا كتب بالمثناة التحتانية والمهملة المخففة في ((التقريب)»
و (تهذيب التهذيب))، وفي شرحَي أبي داود: «غاية المقصود)) و ((عون
المعبود» كتب بالموحدة والشين المعجمة، ولعله غلط من الناسخ، صدوق
يخطىء، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قلت: قال ابن سعد: كان ثقة معروفاً بالحديث. وقال ابن أبي حاتم
في ((العلل)) عن أبيه: لا يحتج بالبَهي، وهو مضطرب الحديث.
(عن عروة) بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله
(١) هكذا في الأصل، والصواب: زالت.
(٢) من يُكثر تلفظ الفاء بغير حاجة، كذا في ((التقرير)). (ش).
٢٢٦

(١) كتاب الطهارة
(٩) باب
(١٨) حديث
عن عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ يَذْكُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى
كُلِّ أَحْيَانِهِ)). [م ٣٧٣، ت ٣٣٨١، جه ٣٠٢، حم ٦/ ٧٠]
المدني، ثقة فقيه مشهور، مات سنة ٩٤هـ، ومولده في أوائل(١) خلافة عمر
رضي الله عنه - وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما -،
فهو ابن أخت عائشة - رضي الله عنها -.
(عن عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقاً،
تكنى أم عبد الله، وأمها أم رومان، ولدت بعد المبعث بأربع سنين
أو خمس، وتزوّجها رسول الله وَالز وهي بنت ست، وقيل: سبع، ودخل بها
وهي بنت تسع، وقُبض رسول الله و 18 وهي بنت ثماني عشرة سنة، ماتت
سنة ٥٧هـ ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وَدُفِنَتْ بالبقيعِ(٢) .
(قالت: كان رسول الله وَ﴿ يذكر الله(٣) عَزَّ وَجَلَّ على كل أحيانه)،
المراد من عموم الأحيان حالة التطهر والحدث، سواء كان الحدث أصغر
أو أكبر، إلّا أن الأكبر يحجزه عن قراءة القرآن، وأما الحدث الأصغر
فلا يمنعه عن تلاوة القرآن وغيرها من الأذكار (٤)، وكذلك حالة كشف
(١) كذا في ((التقريب)» (١٩/٢)، وقيل: في أوائل خلافة عثمان (ش). [اختلف في
مولده، فقال الزرقاني في ((شرح الموطأ)) (١٢/١) وغيره تبعاً لمصعب الزبيري:
إن مولده أوائل خلافة عثمان، وكذا في النسخة المحققة لـ ((التقريب))، ولكن رجح
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (١٨٤/٧)، وجزم في ((التقريب)) (١٩/٢) بأن مولده
أوائل خلافة عمر الفاروق، وكذا قال المزي في ((تهذيب الكمال)» (١٥٦/٥)،
وهو الذي رجحه شيخنا في «أوجز المسالك)» (١/ ٢٦٢)].
(٢) انظر ترجمتها في: ((أسد الغابة)) (٣٤١/٥) رقم (٧٠٩٤).
(٣) قال العيني في (شرح سنن أبي داود)) (٧٦/١): قوله: ((يذكر الله)) عام يشمل جميع
أنواع الذكر، ويستثنى منه قراءة القرآن في حين الجنابة والحيض؛ لأنه ثبت بدلائل
أُخر عدم القراءة للجنب والحائض.
(٤) وعلى هذا إجماع. ((ابن رسلان)). (ش).
٢٢٧

(١) كتاب الطهارة
(١٠) باب
(١٩) حديث
(١٠) بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكرُ اللَّهِ تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ
١٩ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عن أَبِي عَلِيِّ الْحَنَفِيِّ،
عن هَمَّامِ،
العورة كالجماع، وقضاء الحاجة من البول والغائط، فإنه أيضاً لا يذكر الله
تعالى في تلك الأحوال، بل لا يتكلم فيها مطلقاً، إلَّا لبيان الجواز في حالة
كشف العورة، فالذي ورد من الحديث في الباب المتقدم الدال على كراهة
ذكر الله تعالى يحمل على خلاف الأولى، كما ذكرناه قبل، ويمكن أن يكون
المراد من ذكر الله عَزَّ وَجَلَّ الذكر القلبي، وهو المعبّر بالحضور، فحينئذ
يكون عموم الأحيان شاملاً لجميع أحيانه لا يُستثنى منه حين، لأنه ◌َّ كان
دائم الذكر، لا ينقطع ذكره القلبي في يقظة ولا نوم ولا في وقت ما .
(١٠) (بَابُ الخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)
أي يكون فيه النقوش الدالة على ألفاظ مدلولها ذكر الله تعالى
(يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ) بحذف حرف الاستفهام،
يعني: أيدخل به الخلاء أم لا؟
١٩ - (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي
الجهضمي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٠ هـ.
(عن أبي علي الحنفي) عبيد الله بن عبد المجيد البصري، ذكره
ابن حبان في ((الثقات)»، ووثقه العجلي والدارقطني وابن قانع، وضعفه
العقيلي، وعن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، مات سنة ٢٠٩هـ.
(عن همام) بن يحيى بن دينار العوزي، بفتح المهملة وسكون الواو
وكسر المعجمة، مولاهم، أبو عبد الله وأبو بكر البصري، ثقة ربما وهم،
قال الساجي: صدوق سيِّىء الحفظ، ما حدَّث عن كتابه فهو صالح،
وما حدَّث عن حفظه فليس بشيء، مات سنة ١٦٤ هـ.
٢٢٨

(١) كتاب الطهارة
(١٠) باب
(١٩) حديث
عن ابْنِ جُرَيْج، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسِ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ لَه
إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ)). [ت ١٧٤٦، ن ٥٢١٣، جه ٣٠٣،
حم ٣١١/٢، ق٩٥/١، ك ١٨٧/١، حب ١٤١٣]
(عن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
الأموي مولاهم، منسوب إلى جده، أبو الوليد أو أبو خالد المكي،
ثقة فقيه فاضل، أحد الأعلام، وكان يُدَلِّسُ ويُرْسِل، مات سنة ١٥٠هـ،
قال الحافظ: قال المخراقي عن مالك: كان ابن جريج حاطب
ليل، وعن ابن معين: ليس بشيء في الزهري، وقال الدارقطني: تَجَنَّبْ
تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس لا يُدَلِّسُ إلَّا فيما سمعه
من مجروح.
(عن الزهري، عن أنس) بن مالك (قال) أنس: (كان النبي ◌ِّلـ
إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء (وضع(١) خاتمه).
وفي رواية الترمذي والنسائي ((نزع)) بدل ((وضع))، فمعنى وضع خاتمه
يعني ينزع خاتمه من الأصبع، ثم يضعه خارج الخلاء، ولا يدخل الخلاء
مع الخاتم، وهذا لتعظيم (٢) اسم الله عَزَّ وَجَلَّ.
ويدخل فيه كل ما كان فيه اسم الله تعالى من القرطاس والدراهم
إذا كان فيه اسم الله تعالى، بل إذا كان منقوشاً فيه الحروف ينبغي لمن دخل
الخلاء أن يضعه قبل دخول الخلاء، لأن الحروف مادة كلامه وأسمائه
تعالى، فلها أيضاً شرف وعظمة، وكذلك عند الجماع والاستنجاء وغير
ذلك من الحالات .
(١) وكذا الحاكم (١٨٧/١)، وابن حبان (١٤١٣). ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) لما كان عليه ((محمد رسول الله)) واختلف في كيفيته، ومحل الكلام فيه ((كتاب
الخاتم». (ش).
٢٢٩

(١) كتاب الطهارة
(١٠) باب
(١٩) حديث
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عن ابْنِ جُرَيْجِ،
عن زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أَنَسٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ اتَّخَذَ خَاتَّمًا
مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ)). وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ همَّامٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّ همَّامٌ.
(قال أبو داود(١): هذا حديث منكر) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛
الأَول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني: تبديل المتن بمتن
آخر، (وإنما يعرف (٢) عن ابن جريج، عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن
الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب
الزهري، (عن الزهري، عن أنسٍ: أن النبي ◌ُ * اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه،
والوهم فيه من همام، ولم يروه إلَّا همام)، وخالفه الترمذي، وقال بعد تخريج
هذه الرواية: هذا حديث حسن صحيح غريب(٣)، ولعل الحق مع الترمذي،
لأن المنكر من الحديث ما كان فيه الراوي الضعيف بسوء حفظه أو جهالته
أو نحو ذلك مخالفاً للقوي، فالراجح المعروف، ومقابله المنكر.
قال الحافظ في ((شرح النخبة)) (٤): وإن وقعت المخالفة مع الضعف
أي إن كان الراوي المخالف ضعيفاً بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك،
فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله المنكر. وأيضاً قال الحافظ في موضع
آخر من ذلك الكتاب: والثالث: المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر
قيد المخالفة، يعني ما يكون الطعن فيه بسبب كثرة الغلط لا يكون منكراً،
إلّا على رأي من لا يشترط في المنكر مخالفة الثقة الضعيف كما تقدم،
وأما من يشترط فيه ذلك فلا .
(١) وقال النسائي: غير محفوظ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه. (ش).
(٢) قال المنذري: والمعروف عن أنس طرح خاتم الذهب، ورد على أبي داود،
ورد ابن القيم على المنذري. (ش). [انظر: ((تهذيب ابن القيم)) (٢٤/١)].
(٣) ((سنن الترمذي)) (٣٥٥/٣)، ح (١٧٤٦).
(٤) (ص ٤٠) ط الهند.
٢٣٠

(١) كتاب الطهارة
(١٠) باب
(١٩) حدیث
فقول أبي داود: ((وهذا حديث منكر)) لا يكاد يصح على المذهبين،
لأن هماماً ثقة حافظ، روى له الشيخان واحتجًّا به فليس بضعيف، ولا ممن
يطعن بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الجهالة، أو ظهور الفسق،
فلا يكون حديثه منكراً على المذهبين، نعم لو قال أبو داود: وهذا حديث
مدلس لكان له وجه؛ لأن أصحاب ابن جريج رووا عن ابن جريج بزيادة
واسطة بينه وبين الزهري وخالفهم همام فحذفه.
وقوله: ((والوهم فيه من همام)) مراده بذلك أن أصحاب ابن جريج
أخرجوا بهذا السند، أن النبي ◌َّ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه، فغَيَّرَ همام
وقلب هذا المتن بمتن آخر، وهو ((كان النبي و 8* إذا دخل الخلاء وضع
خاتمه))، فهذا هو الوهم الذي وقع في الحديث من همام.
وهذه الدعوى أيضاً لا دليل عليها، بل يمكن أن يكون هذان
حديثين مختلفين مرويين بهذا السند كما قال في ((درجات مرقاة
الصعود))(١): ولا مانع أن يكون هذا متناً آخر في ذلك المتن، وقد مال
إليه ابن حبان فصّحهما معاً، فلا علة له عندي إلَّا تدليس ابن جريج،
فإن وجد عنه تصريحه بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في تنقيده،
انتھی .
وأما قول الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح غريب))، فلعل حكمه
بالصحة يكون مبنياً على أن يكون المتنان عند الترمذي بسندين مختلفين،
ويكون المتن الأول عنده بدون واسطة زياد بن سعد، ولم يكن بين
ابن جريج والزهري في رواية ذلك المتن واسطة، ويكون المتن الثاني مروياً
بزيادة زياد بن سعد بين ابن جريج والزهري، فيكون الحديثان عند الترمذي
(١) (ص ١٠).
٢٣١

(١) كتاب الطهارة
(١٠) باب
(١٩) حدیث
صحيحين بسندين، ويمكن أن يكون حكمه بالصحة مبنياً على أن لهذا
الحديث شاهداً .
قال الشارح في ((درجات مرقاة الصعود)»: أخرج البيهقي(١) من طريق
يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس: ((أن
رسول الله* لبس خاتماً نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء
وضعه))، وابن المتوكل هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في
((التقريب)): صدوق يخطىء، وقال ابن معين: لا أعرفه.
فلما تعاضدت رواية همام برواية يحيى بن المتوكل - ولعله عند
الترمذي ثقة - حكم بصحته، نعم يشكل على هذا حكم الترمذي بأنه
غريب، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: إن حكم الصحة لغيره، والغرابة مبنية على
الاختلاف في يحيى بن المتوكل، فعلى رأي من وثقه حكم بالصحة، وأما
على رأي من ضعفه كابن المديني والنسائي وابن معين فحكم بالغرابة، لأن
وجوده كالعدم.
وأما رواية ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس ((أن
النبي ◌َل اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه))، فأنكرها المحدثون وقالوا: هذا
وهم من الزهري، إذ الذي ثبت من طرحه و 18 خاتمه فإنما هو خاتم ذهب
لا خاتم فضة، وكان خاتم فضة عنده وَلّ إلى آخر عمره الشريف، ثم عند
أبي بكر كذلك، ثم عند عمر كذلك، ثم عند عثمان حتى سقط في زمانه في
(بئر أريس))، فهذا الوهم ليس من همام بل من الزهري، ولعل هماماً أراد
أن يصحح الرواية التي أنكرها المحدثون بحمل الإلقاء على إلقائه ووضعه
عند قضاء الحاجة، لا على الإلقاء تحريماً له، حتى يلزم الخلاف،
(١) ((السنن الكبرى)) (٩٥/١).
٢٣٢

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢٠) حديث
(١١) بَابُ الاسْتِيْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ
٢٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَنَّادٌ.
هذا ما حكاه مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا مولانا
رشید أحمد الگنگوهي رحمة الله عليه .
(١١) (بَابُ(١) الاسْتِيْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ)
والاستبراء (٢): استنقاء الذَّكَر عن البول، قال في ((المجمع))(٣):
وكذلك الاستبراء الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهارة، وهو أن يستفرغ
بقية البول وينقي موضعه ومجراه، حتى يبرئهما منه، فاستبراء الذكر طلب
براءة من بقية بول فيه بتحريكه ونثره وما أشبه ذلك(٤)، حتى يعلم أنه لم يبق
فيه شيء منه .
٢٠ - (حدثنا زهير بن حرب وهناه) بفتح الهاء وتشديد النون،
ابن السري بفتح مهملة وكسر راء خفيفة وشدة تحتانية، ابن مصعب
(١) بوّب الترمذي («باب التشديد في البول».
(٢) قال ابن عابدين: الاستبراء: طلب البراءة بشيء من المشي أو التنحنح أو النوم،
حتى يستيقن بزوال الأثر، وأما الاستئقاء: فهو طلب النقاوة بأن يدلك المقعد
بالأحجار أو بالأصبع عند الاستنجاء بالماء، والاستنجاء: استعمال الأحجار
أو الماء، هذا هو الأصح في تفسير هذه الثلاثة. (ش).
(٣) (١٦٥/١).
(٤) كالمشي، فهذا الباب وما سيأتي من باب الاستنجاء بالأحجار حجة على منكري
التقليد إذا قالوا: إن أخذ الحجارة بدعة، لم يثبت، ولم يعلم الجهلة أنه إتيانٌ
بالمأمور إذ الاستنزاه من البول واجب، فما يخرج من البول ويتقاطر منه يجب
الاستبراء منه لهذه الروايات، وأجاد الكلام فيه صاحب ((مظاهر حق))، والآثار
المؤيدة لنا في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٨٧/١)، والتلخيص الحبير)) (١٦١/١).
(ش).
٢٣٣

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢٠) حدیث
قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ
عن طَاؤُسٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((مَرَّ النَّبِيّ ◌ََّ عَلَى قَبْرَيْنِ
فَقَالَ: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي گَبِيرٍ:
التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة، ولد سنة ١٥٢هـ، ومات سنة ٢٤٣ هـ(١).
(قالا) أي زهير وهناد: (ثنا وكيع، ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهداً
يحدث(٢) عن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحِمْيريّ
مولاهم، الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقب، ثقة فقيه فاضل،
مات سنة ١٠٦ هـ(٣).
(عن ابن عباس) أي عبد الله (قال: مر النبي (وَ ﴿ على قبرين) (٤) اختلف
هل هما كافران أو مسلمان؟ كذا في ((درجات مرقاة الصعود))(٥) (فقال:
إنهما(٦) يعذبان (٧) وما يعذبان في كبير)، المراد بالكبير ها هنا فعل يشق تركه
وإن كان كبيراً عند الله تعالى، فعلى هذا يحصل التوافق(٨) بين الروايات.
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٣٤/٣/ ١٩٩٥).
(٢) هكذا أخرج البخاري، وأخرج أيضاً برواية منصور عن مجاهد عن ابن عباس بدون
الواسطة، قال الحافظ (٣١٧/١): ظاهره صحة الطريقين، ورجح الترمذي طريق
الأعمش. (ش).
(٣) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٤٩٥/٣/ ٢٩٤٥).
(٤) زاد ابن ماجه: ((جديدين))، قال الحافظ في: ((فتح الباري)» (٣٢٠/١) لا يعرف
اسمهما ولا أحدهما، والظاهر أنه على عمد من الرواة ستراً عليهما، وما حكاه
القرطبي في ((التذكرة)) وضعّفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ غلط جداً، بسطه
ابن رسلان. (ش).
(٥) (ص ١٠)، سيأتي مفصلاً في الشرح. (ش).
(٦) الضمير إلى المقبورين كما يدل عليه لفظ قبرين، أو إلى القبرين، والمراد مَن فيهما.
«ابن رسلان)). (ش).
(٧) قال ابن العربي (٩٠/١): فيه حجة لأهل السنَّة أن عذاب القبر حق، ثم بسطه. (ش).
(٨) قال ابن رسلان: زاد البخاري في الأدب (ح ٦٠٥٥): ((بلى إنه لكبير))، فاستدرك، =
٢٣٤

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢٠) حديث
أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، ثُمَّ
دَعَا بِعَسِيبٍ رَظْبٍ فَشَقَّهُ باثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا
(أما هذا) أي ذاك الرجل، وأشار إلى أحد القبرين (فكان لا يستنزه
من البول)(١)، أي: لا يستبرىء ولا يجتنب من ملاقاة البول أو لا يطهره،
وهذا الفعل وإن كان بظاهره غير كبير لكنه يؤدي إلى أمور كبيرة، لأنه
يتسبب(٢) بطلان الصلاة.
(وأما هذا) أي ذاك الرجل الآخر، وأشار إلى القبر الثاني (فكان يمشي
بالنميمة) وهي: نقل الحديث على جهة الفساد(٣) والشر، نَمَّ الحديث ينمّه
فهو نَمَّام، وهو من أقبح القبائح، والإصرار المفهوم من لفظ ((كان)) يشعر
بأنها كبيرة. (ثم دعا (٤) بعسيب رطب) أي جريدة (فشقه باثنين، ثم غرس)(٥)
أي غرز (على هذا) أي القبر (واحداً، وعلى هذا) أي القبر (٦) الآخر
ولفظ ابن حبان: ((يعذبان عذاباً شديداً في ذنب هَيِّن))، وقيل: ((ليس بكبير)) في مشقة
=
الاحتراز كما جزم به البغوي، ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة، وقيل: ليس بكبير
بمجرده بل صار كبيراً بالمواظبة، وقال ابن العربي (٩٠/١): الفرق بين الكبير
والصغير غامض. (ش).
(١) قال ابن رسلان: لا حجة في عمومه لنجاسة الأبوال كلها، لأن المراد به بول
الإنسان، انتهى مختصراً، وقال أيضاً: فيه حجة لمن قال: القليل من البول وسائر
النجاسات كالكثير، وهو قول مالك، ولم يخففوا في شيء منه. (ش).
(٢) وإليه مال القاري ((مرقاة المفاتيح)) ٣٥١/١)، فإن مآله إلى عدم التحفظ عن البول
المؤدي إلى بطلان الصلاة غالباً. (ش).
(٣) أما نقل ما فيه مصلحة أو إزالة مفسدة فهو مطلوب. ((ابن رسلان)). (ش).
(٤) وفي حديث أحمد والطبراني أن الذي أتى به أبو بكرة - رضي الله عنه -. ((ابن رسلان)). (ش).
(٥) لفظ البخاري ((وضع))، وهو أعم. (ابن رسلان)). (ش).
(٦) وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام مر بقبر فوقف عليه،
فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ويحتمل
أن تكون هذه قضية أخرى ((ابن رسلان)). (ش).
٢٣٥

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢٠) حديث
وَاحِدًا، وَقَالَ: (لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا))
(واحداً، وقال) أي رسول الله وَّل: (لعله(١) يخفف عنهما ما لم يببسا)(٢).
قال الحافظ في ((فتح الباري)): قال المازري: يحتمل أن يكون(٣)
أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة، انتهى. فعلى هذا ((لعل))
هاهنا للتعليل، وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة
بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس
في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطباً، فيحصل
التخفيف ببركة التسبيح (٤)، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من
الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة كالذكر وتلاوة القرآن من باب
الأولى، وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر
عملاً بهذا الحديث، قال الطرطوشي: لأن ذلك خاص ببركة يده، وقال
القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيَّب وهو قوله:
«ليعذبان)).
قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر
يخفف عنه العذاب أن لو عُذب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن
لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده
الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسّى بريدة بن الحصيب
الصحابي بذلك، فأوصى أن توضع على قبره جريدتان، كما سيأتي في
(١) الضمير للشأن ((ابن رسلان)). (ش).
(٢) بسط ابن رسلان في ضبطه واختلاف الروايات فيه. (ش).
(٣) ولفظ مسلم في الحديث الطويل: ((وأجيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما لم ييبسا)).
(ش). [انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٥/٢)].
(٤) قال ابن عابدين (٢٤٥/٢): صرح به جمع من الشافعية، وهذا أولى مما حكاه بعض
المالكية من أن التخفيف حصل ببركة يده الشريفة. (ش).
٢٣٦

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢٠) حديث
قَالَ هَنَّادٌ: ((يَسْتَتِرُ)) مكان ((يَسْتَنْزِهُ)). [خ ٢١٨، م ٢٩٢، ت ٧٠، ٥ ٣١،
جه ٣٤٧، حم ٢٦٦/٥]
الجنائز من هذا الكتاب، وهو أولى أن يتبع من غيره(١)، انتهى.
وأما الاختلاف الذي وقع في أنهما كانا كافرين أو مسلمين، فرجَّح
الاحتمال الثاني الحافظ العسقلاني - رحمه الله -، وقال: أما حديث الباب
فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمَيْن، ففي رواية ابن ماجه: ((مر
بقبرين جديدين))، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد: ((أنه و للمر بالبقيع(٢)
فقال: من دفنتم اليوم ها هنا))، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، ويقوي
كونهما مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: ((يعذبان
وما يعذبان في كبير))، و ((بلى وما يعذبان إِلَّا في الغيبة والبول))، فهذا الحصر
ينفي كونهما كافرين، لأن الكافر وإن عُذِّبَ على ترك أحكام الإسلام، فإنه
يُعَذَّبُ مع ذلك على الكفر بلا خلاف، قال: وجزم ابن العطار في ((شرح
العمدة)» بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين،
لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما لتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما، ولو كان
ذلك من خصائصه لبيّنه، يعني كما في قصة أبي طالب، انتهى.
(قال هناء(٣): ((يستتر))(٤) مكان ((يستنزه)))، الغرض منه بيان اختلاف
الألفاظ لزهير وهناد، فإن زهيراً قال: ((لا يستنزه)»، بالنون والزاء بعدها
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٢٠/١).
(٢) وفي رواية للبخاري: ((مر بحائط من حيطان مكة أو المدينة))، وفي ((الأفراد))
للدارقطني: ((أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية))، ((ابن رسلان)). (ش).
انظر: ((فتح الباري)) (٣٢٠/١).
(٣) اعلم أن تنصيص المؤلف على ذكر لفظ أحد الراوين تصريح منه بأن اللفظ المذكور
من قبل الراوي الثاني الذي لم يصرح بلفظه، كذا في ((التقرير)). (ش).
(٤) قال ابن العربي ((عارضة الأحوذي)) ٩١/١): يروى هذا اللفظ بثلاثة أوجه:
(يستتر))، و((يستنزه))، و((يستبرىء))، ثم بسط معانيه. (ش).
٢٣٧

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢١) حديث
٢١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ،
عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ بََّ بِمَعْنَاهُ.
هاء، وقال هناد: ((لا يستتر)) بالمثناتين الفوقيتين، فمعنى ما روى هناد من
لفظ (يستتر)) يحتمل أن يكون معناه(١): لا يستتر عن أعين الناس، والأولى
أن يقال: معنى لا يستتر، أي: لا يجعل بينه وبين البول ستراً، حتى
لا يصيبه البول، فحينئذ يوافق هذا معنى ما روى زهير.
٢١ - (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير) بن عبد الحميد بن قُرط،
بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، الضبي الكوفي، نزيل ري
وقاضيها، ثقة، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ١٨٨ هـ.
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة
ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، أحد الأعلام المشاهير، قال أبو حاتم:
متقن لا يخلط ولا يدلس، مات سنة ١٣٢ هـ.
(عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ﴿ بمعناه)، والغرض من
نقل هذا السند بيان الاختلاف في رواية مجاهد، فإن الأعمش أدخل في
روايته بين مجاهد وابن عباس طاوساً، ولم يذكر منصور بين مجاهد وبين
ابن عباس أحداً، وكذلك البخاري أخرج الروايتين.
قال الحافظ(٢): روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه
وبين ابن عباس طاوساً، كما أخرجه المؤلف بعد قليل، وإخراجه له على
الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهداً سمعه عن طاوس
(١) لكن يشكل على هذا ربطه بقوله: ((من بوله))، فالصحيح المعنى الثاني، واختاره
ابن رسلان. (ش).
(٢) ((فتح الباري)) (٣١٧/١).
٢٣٨

(١) كتاب الطهارة
(١١) باب
(٢١) حديث
قَالَ: ((كَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ))، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ((يَسْتَنْزِهُ)).
[انظر الحديث السابق]
عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن
في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح
ابن حبان بصحة الطريقتين معاً، انتهى.
قلت: وعلى هذا يدل صنيع أبي داود وتخريجه إياهما بأن الطريقين
عنده صحيحان، ولكن قال أبو عيسى الترمذي في ((سننه))(١): ورواية
الأعمش أصح، واستدل عليه بقوله: سمعت أبا بكر محمد بن أبان يقول:
سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور، وهذا يدل
على أن رواية الأعمش أرجح عنده من رواية منصور عن مجاهد، ولعل
الحق مع المصنف والبخاري والجمهور، والله أعلم.
ثم بعد ذلك ذكر الاختلاف الواقع في قوله: يستتر ويستنزه عن منصور
والأعمش، كما ذكر ذلك الاختلاف في روايتي زهير وهناد.
(قال) أي جرير: (كان لا يستتر من بوله، وقال أبو معاوية: يستنزه).
ظاهر صنيع أبي داود يقتضي أن يكون رواية أبي معاوية وهو محمد بن
خازم عن منصور، ولكن ليس الأمر هكذا، بل رواية أبي معاوية
عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، كما يدل عليه رواية
((صحيح البخاري)) وغيره من كتب الصحاح، فعلى هذا كان الأنسب
للمصنف أن يذكره في رواية وكيع عن الأعمش، ويمكن أن يعتذر عنه أنه
ذكره هاهنا ليقابل رواية جرير عن منصور، وكونه برواية الأعمش كان غير
خافٍ عند المحدثين، ولكن وقع في البخاري برواية أبي معاوية لفظ:
((فكان لا يستتر))، مخالفاً لقول أبي داود ومسلم.
(١) ((سنن الترمذي)) (١١٣/١)، ((باب التشديد في البول)).
٢٣٩