النص المفهرس

صفحات 61-80

تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري
ففي الأول: الأعنى والأهمّ شرح التراجم وبيان أغراض الإِمام
في ما أودعه من العلوم في تراجم الأبواب، ووضع تراجم خاصة
لم يتعرّض لمثلها المحدِّثون في كتبهم قاطبة، ولا تقلّ هذه
المشكلات عن شرح الأحاديث، وربما يصرف أكثر جهود الشارحين
والمدرِّسين في بيانها وتفهيمها، وقد تضاربت الأقوال والأبحاث مِن أقدم
العصور إلى اليوم، ولا يزال كثير منها إلى اليوم روضاً أنفاً لم يرتع
في حماه أحد، ولم تطمئن القلوب الصادية بالبيان الشافي، ولم تشف
غلّة الباحث .
وهكذا الثاني: فيه من أغراض الإِمام المؤلف في تعليقاته وبيانها
الشافي وتخريجها، فتراجم الإِمام في الأبواب وإن كانت واضحة غير أنَّ
أغراضها في تعليقاته ربما تخفى وتحتاج إلى بحث وكشف، وأبواب
الاستحاضة أشدّ إغلاقاً وأكثر إشكالاً من جهة غرض المؤلف، ولا يزال
قدر كثير منها في خفاء وغموض ودقّة، قَلَّ من ينتهض بأعبائها بما يشفي
الغليل، فلا ريب أنَّ كمال كل شرح إنما يبدو في حل تلك المشكلات
وبيان تلك المعضلات.
فأقدم شرح وأول شرح هو ((معالم السنن)) للإِمام الخطابي وبينه وبين
أبي داود نحو ثمانين عاماً، فقد شرح الأحاديث شرحاً فقهيّاً لا حديثيّاً،
وإن كان أبرع شرح من جهة المسائل الفقهية وأعلاها، فإنه لم يتعرَّض لحلّ
التعليقات بما تحتاج إليه الأجيال المتأخّرة، وكل شرح له خصائص لا تغني
عن الآخر.
وشروح المتأخِّرين من أهل الهند فيها فوائد، ولكن من جهة الحلّ
الصائب المقنع لا تسمن ولا تغني من جوع.
وأحسن شرح في كثير من الجهات هو كتاب: ((المنهل العذب
المورود))، للشيخ محمود الخطّاب - رحمه الله - من أهل العصر، ولكن
٦٠

تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري
سرعان ما تغيّرت خطّته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال
واحد، ثم لم يتمّ، ومن قام لتكملته وهو ابنه لم يفر فريه.
و (غاية المقصود)) من شروح الهند، ولم يؤلف منه إلَّا جزء واحد،
ولو تم لكان شرحاً جيّداً لولا ما فيه من إساءة أدب بأئمّة الدِّين.
و ((عون المعبود)) مع عدم إصابته في كثير من المشكلات نصب عينيه
الردّ على الحنفيّة.
و ((أنوار المحمود)» يا ليت لو لم ينسبه إلى الاستفادة من الأكابر، ففيه
من المغامز، وقد أساء بنسبه إلى إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه
- رحمه الله -.
ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري(١) شيخي بالإِجازة والإفادة:
ومن أحسن الشروح لـ (سنن أبي داود)): شرح الشهاب ابن رسلان
أحمد بن محمد المقدسي تلميذ المزِّي. ويقول: هو محفوظ في مكتبة
(لاله لي) في الآستانة في أربعة مجلَّدات تحت رقم (٤٩٨ - ٥٠١).
ويقول: وفي شروح المتأخّرين مجازفات توجب التحرِّي البالغ والتحرُّز
الشدید، انتهى.
وشرح ابن رسلان كان قد تيسَّرت نسخته لصاحب ((بذل المجهود))
بالمدينة بعد إنجازه الشرح، فاشتراه وأرسله إلى مكتبة ((مظاهر العلوم))
(سهارونفور))، ولا أدري هل هو نسخة كاملة أو ناقصة(٢)؟ وهل هو
نسخة جيِّدة أو غير جيِّدة؟ ولست أُريد المقارنة ولا التنبيه على أقذائها،
إنما أقول: كانت هناك فجوة لحلّ أبي داود وأغراضه وشرح كل حديث
لفظاً لفظاً .
(١) انظر: ((مقدمات الإمام الكوثري)) (ص ٣٨٧).
(٢) قلت: وصلت إلى باب في الخرص.
٦١

تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري
فقام الإِمام الشيخ خليل أحمد الأنصاري نزيل المدينة المنوّرة -
زادها الله نوراً -، فسدَّ هذا الفراغ، وملأ هذه الفجوة، وجاء بشرح يحتاج
إليه كلّ مَن حاول تدريس الكتاب من حلّ الأغراض، وشرح الألفاظ،
واستنباط فقه الحديث من مواضعه، والكلام الملخّص المنفّح في الرجال،
وشرح المتن بما تقرّ به العيون.
ومن أعظم خصائص هذا الشرح إيراد توجيهات صدرية انشرح لها
صدر مثل الشيخ الكنكوهي، فإنَّ الله سبحانه قد خصَّه بنور في قلبه كانت
تنقشع به ظلمات حَلَّتْ في البين من مقاصد المؤلف، أو كانت مشكلة من
جهة أغراض المشار في الحديث، ولولا مخافة طول البحث لجئت بغرر
النقول في الأبحاث المشكلة من كل ناحية من شرح الأحاديث، أو غرض
المؤلف، حتّى تنجلي مكانته العليا .
ويقول شيخنا إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميري، محدّث
هذه العصور ونابغتها، في التقريظ على هذا الشرح ما لفظه: ((وإنَّ كتاب
(السنن)) للإِمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى -
ثالث الكتب الستّة، ولا تخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم
والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحلّه وحقّه كافٍ، وقد
وجّه الله تعالى المولى العلّامة العارف الفقيه المحدِّث، شيخنا وشيخ الفقه
والحديث، مسند الوقت مولانا خليل أحمد السهار نفوري، خليفة شيخنا
وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكنگوهي - رحمه الله تعالى - لخدمته،
فوفّى كلّ حقّ لها .
شَفَى وَكَفَى مَا فِي الصُّدُورِ فَلَمْ يَدَعْ
لِذِي إِرْبَةٍ فِي القَوْلِ جَدّاً وَلاَ هَزَلاً
فشرح المتن وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلاها، وصعبة
فسّلها وأَلَّنها، كما أُلِين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين
المفترق والمثَّفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه ووجّه
٦٢

y'
تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري
لأصحابنا الحنفية، فجاء تعليقاً يشرح الصدور وينوِّر القلوب، ويكون وديعة
له عند الله تعالى، ومنّة في رقاب الناس، وصنيعة إلى العلماء، جزاه الله
تعالى عنّا وعن سائر المسلمين)) .
وبالجملة نلخّص القول في شيء من خصائصه:
أمّا أوَّلاً: فإنه شرح ممزوج، فالكتاب ينتفع به التلميذ والشيخ،
والغبي والذكي في آنٍ واحدٍ .
أمّا ثانياً: فإنه لخّص البيان في رجال الإِسناد من «تهذيب التهذيب»
و ((الميزان)) وغيرهما حتى يتلألأ أمام الباحث حال الإِسناد.
أمّا ثالثاً: فإنه جاء بالضبط للأسماء في كل مؤتلف ومختلف لكي
يزول الاشتباه للناظر.
أمّا رابعاً: فإنه شرح المتن شرحاً وافياً بالمقصود، فإن كانت هناك
رواية أوضح منه في ((الصحاح)) أو ((السنن)) يذكره أو يشير إليه.
أمّا خامساً: فإنه يستوفي بيان المذاهب من مصادر موثوقة مع أدلّتها،
وكثيراً ما يستوفي أقوال الصحابة والتابعين.
أمّا سادساً: فإنه يأتي بأقوال المشايخ من أرباب العلم، فإذا كان
هناك شرحٌ خاصٌّ أو حلٌّ لمشكل مِن أكابر مشايخ هذه البلاد ولا سيّما
قطب عصره الكنكوهي فإنه يذكره، وقد جاءت غرر أقوال منه في كثير من
المواضع.
أمّا سابعاً: فإنه ينبّه على اختلاف الرواية في اللفظ واختلاف الرُّواة
في الأسانيد إن كان هناك اختلاف مع ترجيح بعضها على بعض.
أمّا ثامناً: فإنه ذكر المباحث الفقهية والمباحث الحديثية على حدّ
سواء تشفي غّة الفقيه والمحدِّث معاً .
هذا ما بدا لي في غاية الارتجال، لم أنتهز فرصة للقيام بحقّ كل
٦٣

تقديم العلامة الشيخ محمد يوسف الحسيني البنوري
ما امتاز به الشرح من إبداء خفاياه، وما بقي في زواياه، ولم تكن في
الوقت فسحة، ولا في الطبيعة نشاط، غير أنّ قمت بما تيسَّر نزولاً على
رغبة بعض الأكابر سعادة للراقم، والله سبحانه ولي كل توفيق ونعمة،
وصلَّى الله على صفوة البريّة سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
کتبه
محمد يوسف بن السيِّد محمد زكريا الحسيني البنّوري
يوم الخميس ٩ رجب ١٣٩٣ هـ
٦٤

ترجمة المؤلّف، بقلم العلاَّمة عبد الحيّ الحسني
ترجمة مؤلّف بذل المجهود
من ((نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر))
المؤلّفه العلّامة السيِّد عبد الحيّ الحسني (م ١٣٤١هـ)
الإِمام المحدِّث العالم الفقيه خليل أحمد السهارنفوري:
هو الشيخ العلامة الفقيه خليل أحمد بن مجيد علي بن أحمد علي بن
قطب علي بن غلام محمد الأنصاري الحنفي الأنبيتهوي، أحد العلماء
الصالحين، وكبار الفقهاء والمحدِّثين.
وُلِد في أواخر صفر سنة تسع وستين ومائتين وألف في خؤولته في
قرية ((نانوته)) من أعمال سهارنفور، ونشأ ببلدة ((أنبيتهه)) من أعمال
سهارنفور، وقرأ العلم على خاله الشيخ يعقوب بن مملوك العلي
النانوتوي(١)، والشيخ محمد مظهر النانوتوي(٢)، وعلى غيره من العلماء في
المدرسة العربية بديوبند، وفي ((مظاهر العلوم)) بسهارنفور، والعلوم الأدبية
على الشيخ فيض الحسن السهار نفوري(٣) في لاهور.
قرأ فاتحة الفراغ في سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، وعُيِّن أستاذاً
مساعداً ((معين المدرِّسين)) في مظاهر العلوم، وأقام مدة في ((بهوبال))
و (سكندرآباد)) و((بهاول پور)) و((بريلي)) يُدَرِّسُ ويُفيد، إلى أن اختير
(١) (ت ١٣٠٢ هـ) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٨/ ٥٥٠).
(٢) (ت ١٣٠٢هـ) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٤٨٠/٨).
(٣) (ت ١٣٠٤ هـ) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٣٨٩/٨).
٦٥

ترجمة المؤلّف، بقلم العلاَّمة عبد الحيّ الحسني
أستاذاً في دار العلوم بـ ((ديوبند)) في سنة ثمان وثلاثمائة وألف، ومكث
ست سنين .
ثم انتقل إلى ((مظاهر العلوم)) في سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف،
وتولّى رئاسة التدريس فيها، واستقام على ذلك أكثر من ثلاثين سنة منصرفاً
إليها انصرافاً كلّيّاً، وتولّى نظارتها سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف،
وصرف همّته إليها، ونالت به المدرسة القَبول العظيم، وطبقت شهرتها
أرجاء الهند، وأصبحت تضارع دار العلوم في العلوم الدينية، والمكانة
العلمية، وأَمَّها الطلبة من الآفاق، إلى أن غادرها في سنة أربع وأربعين إلى
الحرمين الشريفين، فلم يرجع إليها .
وكان قد بايع الشيخ الإِمام العلّامة رشيد أحمد الگنگوهي بعد
ما فرغ من التحصيل واختص به، وسعد بالحج والزيارة سنة سبع وتسعين
ومائتين وألف، ولقي بمكة الشيخ الأجلّ الحاج إمداد الله المهاجر،
فأكرم وفادته، وخصّه بالعناية، وأجازه في الطرق، ورجع إلى الهند،
فأجازه الشيخ الإمام العلامة رشيد أحمد الكنگوهي، واختص به الشيخ
خليل أحمد اختصاصاً عظيماً، وانتفع به انتفاعاً كبيراً، حتى أصبح من
أخصّ أصحابه، وأكبر خلفائه، ومن كبار الحاملين لعلومه وبركاته،
والناشرين لطريقته ودعوته.
وكان قد دَرَس الحديث دراسة إتقان وتدبُّر، وحصلت له
الإِجازة عن كبار المشايخ والمسندين كالشيخ محمد مظهر النانوتوي،
والشيخ عبد القيُّوم البدهانوي(١)، والشيخ أحمد دحلان(٢) مفتي الشافعيّة،
والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجددي المهاجر(٣)، والسيد أحمد
(١) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٢٥٥/٧).
(٢) انظر ترجمته في: ((معجم المؤلِّفين)» (٢٢٩/١).
(٣) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٢٩٦/٧).
٦٦

ترجمة المؤلّف، بقلم العلاَّمة عبد الحيّ الحسني
البرزنجي(١)، وعني بالحديث عناية عظيمة تدريساً وتأليفاً، ومطالعة
وتحقيقاً .
وكان من أعظم أمانيه أن يشرح ((سنن أبي داود)). فبدأ في تأليفه سنة
خمس وثلاثين وثلاثمائة وألف، يساعده في ذلك تلميذه البار الشيخ محمد
زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي، وانصرف إلى ذلك بكلّ همّته وقواه،
وعكف على جمع المواد وتهذيبها وإملائها، لا لذّة له، ولا همَّ في غيره،
وأكبّ على ذلك إلى أن سافر إلى الحجاز السفرَ الأخيرَ في سنة أربع
وأربعين وثلاثمائة وألف، ودخل المدينة في منتصف المحرم سنة خمس
وأربعين، وانقطع إلى تكميل الكتاب حتى انتهى منه في شعبان سنة خمس
وأربعين، وتمّ الكتاب في خمس مجلّدات كبار.
وقد صبّ فيه الشيخ مهجة نفسه، وعصارة علمه، وحصيلة دراسته،
وقد أجهد قواه، وأرهق نفسه في المطالعة والتأليف، والعبادة والتلاوة،
والمجاهدة والمراقبة، حتى اعتراه الضعف المضني، وقلَّ غذاؤه، وغلب
عليه الانقطاع، وحُبِّب إليه الخلاء، والشوق إلى اللقاء، يصرف أكثر
أوقاته في تلاوة القرآن، ويحضر الصلوات في المسجد الشريف بشقّ
النفس، وقد ودَّع تلاميذه، وخاصّة أصحابه للهند، وبقي في جوار
النبي وَلّر، نزيل المدينة، وحِلْس الدار، مشغول الجسم بالعبادة والذكر،
مربوط القلب بالله ورسوله، منقطعاً عمّا سواه، حتى أجاب داعي الله في
المدينة المنوّرة .
كان الشيخ خليل أحمد له الملكة القوية، والمشاركة الجيدة في الفقه
والحديث، واليد الطولى في الجدل والخلاف، والرسوخ التامّ في علوم
الدِّين، والمعرفة واليقين، وكانت له قدم راسخة، وباع طويل في إرشاد
الطالبين، والدلالة على معالم الرشد ومنازل السلوك، والتبصُّر في غوامض
(١) انظر ترجمته في: ((معجم المؤلِّفين)) (١٦٤/١).
٦٧

ترجمة المؤلِّف، بقلم العلاّمة عبد الحيّ الحسني
الطريق وغوائل النفوس، صاحب نسبة قوية، وإفاضات قدسية، وجذبة
إلهيّة، نفع الله به خلقاً كثيراً .
وخرَّج على يده جمعاً من العلماء والمشايخ، ونبغت بتربيته جماعة
من أهل التربية والإِرشاد، وأجرى على يدهم الخير الكثير في الهند وغيرها
في نشر العلوم الدينية، وتصحيح العقائد، وتربية النفوس، والدعوة
والإِصلاح، من أجلّهم: العلّامة الكبير الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي،
وشقيقه المصلح الكبير الشيخ محمد إلياس بن إسماعيل الكاندهلوي
الدهلوي صاحب الدعوة المشهورة المنتشرة في العالم، والمحدِّث الجليل
الشيخ محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي السهار نفوري، صاحب
((أوجز المسالك)) و ((لامع الدراري)) والمؤلَّفات المقبولة الكثيرة، والشيخ
عاشق إلهي الميرتهي، وغيرهم.
كان جميلاً وسيماً، مربوع القامة، مائلاً إلى الطول، أبيض اللون،
تغلب فيه الحمرة، نحيف الجسم، ناعم البشرة، أزهر الجبين، دائم البشر،
خفيف شعر العارضين، يحبّ النظافة والأناقة، جميل الملبس، نظيف
الأثواب في غير تكلُّف أو إسراف، وكان رقيق الشعور، ذكيّ الحسّ،
صادعاً بالحق، صريحاً في الكلام في غير جفاء، شديد الاتِّباع للسُّنَّة،
نفوراً عن البدعة، كثير الإِكرام للضيوف، عظيم الرفق بأصحابه، يحبّ
الترتيب والنظام في كلّ شيء، والمواظبة على الأوقات، مشتغلاً بخاصة
نفسه، وبما ينفع في الدِّين، متنحِّياً عن السياسة مع الاهتمام بأمور
المسلمين، والحمية والغيرة في الدين، حجَّ سبع مرّات، آخرها في شوال
سنة أربع وأربعين من الهجرة.
له من المصنَّفات: ((المهنّد على المفنّد)»، و «إتمام النِّعَم على تبويب
الحكم))، و ((مطرقة الكرامة على مرآة الإمامة)) و ((هدايات الرشيد إلى إفحام
العنيد)) كلاهما في الردّ على الشّيعة الإِماميّة، و((بذل المجهود في شرح
سنن أبي داود)».
٦٨

ترجمة المؤلّف، بقلم العلاَّمة عبد الحيّ الحسني
كانت وفاته بعد العصر من يوم الأربعاء في السادس عشر من ربيع
الآخر سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف في المدينة المنوَّرة، وشُيِّعَتْ
جنازته في جمع عظيم، ورُؤِيَتْ له رؤيا صالحة، ودُفِن في البقيع لدى مدفن
أهل البيت(١).
(١) الترجمة منقولة بتعديل يسير من المجلد الثامن، لكتاب ((نزهة الخواطر))، طبع دائرة
المعارف العثمانية، حيدرآباد، الهند. انظر: (١٤٥/٨).
وانظر ترجمته في كتاب: ((تذكرة الخليل)) للشيخ الميرتهي، و ((مقدمة أوجز المسالك»
(ص ١٣٥) أيضاً.
٦٩

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
ترجمة المؤلف الشيخ السهار نفوري
بقلم أحد كبار العلماء(١)
قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن
يُنِيبُ﴾(٢)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى
عِلْمٍ عَلِمٌ﴾(٣)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِّنَا مَن نَّشَةُ وَلَا تُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٤)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَخْلَمُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءً﴾(٥).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما من نبي بعثه الله في أُمّته قبلي إلَّا كان
له في أُمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره ... ))
الحديث(٦)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تزال طائفة من أُمَّتي منصورين
لا يضرّهم مَن خذلهم حتى تقوم الساعة)»(٧)، وقال عليه الصلاة والسلام:
(١) المراد به شيخ الإسلام الإمام المحدِّث السيد حسين أحمد المدني، المتوفَّى لإحدى
عشرة خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف (انظر ترجمته في:
النزهة الخواطر)» (١٢٦/٨ - ١٣٢)، ولم يصرح الكاتب العلّام باسمه تواضعاً منه
وختمه بالعبارة الآتية: ((كتبه بعض المنتسبين إلى أعتاب حضرة الشيخ - غفر الله له
ولوالديه ومشايخه أجمعين - )».
(٢) سورة الشورى: الآية ١٣.
(٣) سورة يوسف: الآية ٧٦.
(٤) سورة يوسف: الآية ٥٦.
(٥) سورة البقرة: الآية ١٠٥ .
(٦) أخرجه مسلم برقم (٨٠).
(٧) أخرجه الترمذي برقم (٢٢٨٧).
٧٠

مقدمة
ترجمة المؤلِّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
((إنَّ الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرساً))(١).
وقال ابن سيرين: (إنَّ هذا العلم دين فانظروا عمَّن تأخذون
دينكم)(٢).
وبناءً على ما تلونا من الآيات، وسردنا من الروايات، وعلى ما يماثله
من الآيات والأحاديث والأقوال لم يزل الأسلاف يذكرون تراجم المشايخ
والأعلام، ويبثّون ما منحهم الله تعالى من المزايا والمكارم بين الأنام،
وأتوا بتصانيف مفردة وغير مفردة في أحوال الرجال، ولم يتساهلوا في تبيين
الحق وضبط طبقات أهل الفضل والكمال، فمن مُقِلِّ ومُكْثِرٍ، ومطنب
وموجز، كي تطمئنّ النفوس بإفاضاتهم، وتستقرّ القلوب لدى إفاداتهم، ولا
تبقى مَظنَّةٌ لريب المرتابين، وتنقطع أعناق شُبُهَات المنكرين والجاحدين،
ويكون ذريعة للسان الصدق في الآخرين، وأسوة حسنة للهداة والمتأسين،
ومُهَيِّجاً لِهِمَم الضُّعفاءِ مُذَكِّراً للغافلين، وهدايةٌ للمعرضين عن المقال
جانحين إلى الَقائلين، فلا يستمطر كل وَبْلِ (٣) وطَلِّ، ولا يقصد باب كلّ مَن
جلَّ وقلَّ، ولا يعتمد على كلّ مَن عرف أو جهل: استحسنًا أن نوشح هذا
الكتاب بنبذة من ترجمة المؤلّف دام مجده، فنقول:
هو الثقة، الثبت، الحجّة، الحافظ، الصدوق، محيي السُّنَّة السنِّيَّة،
قامع البدع الشنيعة، شعاره طريقة رسول الله، دثارَه(٤) التقوى ومخافة الله،
لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يزعجه عن الطريق القويم مهابة غَوِيّ
ظالم، حاز قصبات السبق في ميادين الفضل والكمالات، فأعيى الأقران،
ونشر ألوية الجهاد في سبيل الله بالحجج والبيِّنات، فَأَبْكُمَ كُلَّ مُتَشَدِّقٍ
لِسانٍ، نبعتْ من إفاداته عيونُ العلم والنُّهَى، وتفجَّرتْ من إفاضاته أنهارُ
(١) أخرجه ابن ماجه برقم (٨).
(٢) أخرجه مسلم في ((المقدّمة))، باب بيان أنَّ الإسناد من الدِّين.
(٣) الوَبْل: المطر الشديد.
(٤) في الأصل: «ثارَه)» والصواب ما أثبتناه.
٧١

مقدمة
ترجمة المؤلِّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
الإِحسان والتُّقَى، أشرقت أراضي التحديث بأنوار رواياته، وتلألأت أفلاك
التفقُّه بأضواء دراياته، أبو حنيفة زمانه، وشبلي عصره ودورانه، مولانا
أبو إبراهيم خليل أحمد الأيُّوبي الأنصاري نسباً ومحتداً، والحنفي الرشيدي
مشرباً ومذهباً، والچشتي القادري النقشبندي السهروردي طريقة ومسلكاً،
لا زالت بحار فيضه زاخرة على ممرّ الليالي والأيام، وشموس إفاداته لامعة
على رؤوس الخلائق والأنام.
يتّصل نسبه الظاهر إلى سيِّدنا أبي أيُّوب الأنصاري الخزرجي
- رضي الله تعالى عنه -، ووُلِد - دام مجده ــ في أواخر صفر سنة تسع
وستين بعد الألف والمائتين من هجرة مَن هو مدار الفضائل الروحيّة ومحظّ
الفيوض الرحمانية - عليه الصلاة والسلام - في أخواله بـ ((نانوته)) - كورة من
نواحي سهارنفور - الهند. ثم ترعرع في ظلال أبويه الكريمين - رحمهما الله
تعالى - في موطنهما كورة «انبيتهه».
وسُمِّي بظهير الدِّين أحمد أيضاً لدلالته على ما يقارب زمان مولده،
وللتفاؤل بأنه سيصير ظهيراً للدِّين الحنيف حسبما صاح به الهاتف
المنيف .
كانت لوائح الذكاء والفطانة تشرق على سرر جبينه في أيام صباه،
ومنادي الأقدار كان يُسمع كلّ ذي عقل بأنه سيكون خليل الخليل فتحمد
عقباه، فأبرزت لطائف الأقدار مكنوناتها، ولفظت قوى الأرواح
بمخزوناتها، حين أخذ عالم الأسباب بما تقرر في عوالم الأمثال، وصارت
ألسنة الشهادة تروي له مسلسلات الأفضال، فاشتغل بالعلوم في صباه
وأقرانه بين الماء والطين.
وتأذَّب بآداب الصلاح لدى والده الشاه مجيد علي المرحوم، فمجد
في المتعلمين، صار يقرأ ويستفيض سحبه الهطالة في موطنه، حتى
لفظته الأقدار إلى رياسة ((كواليار)» فلازمه إلى مقرّه، وهنالك اشتغل
٧٢

مقدمة
ترجمة المؤلِّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
بمبادىء العلوم العربية على عمّه مولانا الشيخ أنصار علي المرحوم،
ثم بعد برهة رجع إلى وطنه، فحضر لدى علماء البلد من أرباب المعرفة
والعلوم، ولم يزل يستغرف بحارهم الزاخرة، ويستمطر سحبهم الهطالة
إلى أن أُسِّسَت دار العلوم الإِسلامية الفيحاء، بـ ((ديوبند)) الشهيرة الزهراء
في سنة ألف ومائتين وثلاث وثمانين من هجرة مَن له المجد والعلياء،
فارتحل إليها مقتبساً عن أنوار شموسها، ومستضيئاً بأضواء كواكبها
وبدورها .
ثم بعد أشهر لمّا تأسست هذه الكلية التي هي منابع للعلوم
ومظاهرها، ومطالع لشموس المعارف ومشارقها، المدرسة العلية ((مظاهر
العلوم)) بـ (سهارنفور))، قصدها مُشَمِّراً عن ساق الجد في تحقيق المسائل
وحفظها وإتقان العلوم ووعيها .
ولم يزل يجدُّ في الاستشراق عن كواكبها الدريّة وسيّاراتها المضيئة
حتى أن فرغ مِن سائر الكتب الدرسية، والفنون الآلية العربية، والعلوم
العقلية والنقلية، المتوسّطات منها والانتهائية، حينما كان مدار أكثر الإفاضة
ساعتئذٍ على فخر الأكابر والأماثل، قدوة الأماجد والأفاضل، أستاذ
الأساتذة، قدوة الأئمة والجهابذة، رئيس العلماء ورأسهم، وإمام أهل
التحقيق وأساسهم، مركز دائرة الذكاء والبهاء، وشمس نجوم الأخلاق
النبوية والسخاء، صدر المدرِّسين والمحدِّثين، سند المفسِّرين والمتكلِّمين،
العارف بالله مولانا الشيخ محمد مظهر النانوتوي الحنفي الجشتي القادري
النقشبندي السهروردي(١) - قدَّس الله سرّه العزيز - فأخذ عنه الأُمّهات
وغيرها من كتب الحديث والتفسير والأصول والفروع، سماع فقه ودراية،
ولم يقتنع بسرد الألفاظ ومجرد الرواية، وهو - رحمه الله تعالى - مِن أرشد
تلامذة إمام عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه مولانا مملوك علي النانوتوي
(١) المتوفّى سنة ١٣٠٢هـ، تقدَّمت الإشارة إلى ترجمته (ص ٦٥).
٧٣

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
الصديقي الحنفي(١) - قدَّس الله سرّه العزيز - جدّ المؤلِّف أبي أُمّه،
عن شمس العلماء وإمام الأتقياء مولانا رشيد الدِّين خان الدهلوي
الحنفي(٢) - قدَّس الله سرّه العزيز - عن أبي حنيفة زمانه وبخاري عصره
وأوانه، رئيس الحكماء المحقّقين وسند الأولياء العارفين مولانا الشاه
عبد العزيز الدهلوي العمري الحنفي(٣) - قدَّس الله سرّه - وقد روى حضرة
مولانا محمد مظهر المومأ إليه ((صحيح البخاري)) عن الشهير في الآفاق
مولانا الشاه محمد إسحاق العمري الدهلوي(٤) ثم المكي الحنفي - قدَّس الله
سرّه العزيز -.
وكذلك يروي حضرة الأستاذ المؤلِّف سائر كتب الحديث قراءةٌ
وإجازةً عن حبر الأُمّة كاشف الغمّة مولانا الشيخ عبد القيُّوم البدهانوي
ثم البهوبالي، ختن حضرة العلّامة الشّاه محمد إسحاق الموما إليه
- نَوَّر الله مرقده - .
ويروي أيضاً سائر كتب الحديث وفنونها عن أستاذ الأساتذة رئيس
الكرام والجهابذة الإِمام الحجّة مولانا عبد الغني العمري المجددي
الدهلوي ثم المدني - قدَّس الله سرّه العزيز - ح، وعن الشهير الإِمام الحجّة
السيِّد أحمد زيني دحلان مفتي الشافعيّة في زمانه بمكة المكرّمة - رحمه الله
تعالى - ح، وعن صدر علماء دار الهجرة السيِّد أحمد البرزنجي مفتي
الشافعيّة بالمدينة المنوّرة - رحمه الله تعالى -.
ولم يزل مولانا الخليل - دام مجده - يغترف من بحار حبر الأمة
مولانا محمد مظهر - قُدِّس سرّه العزيز - ويكتسب الأخلاق والمعاني من
(١) انظر ترجمته وتراجم مشايخه في: ((أوجز المسالك)) (١٣٦/١ - ١٥٠).
(٢) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (١٨٠/٧).
(٣) انظر ترجمته في: ((أبجد العلوم) (٤٤/٣)، و((نزهة الخواطر)) (٢٦٨/٧).
(٤) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٥١/٧).
٧٤

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
صحبته الفيحاء، وينوّر قلبه من معارفه الزهراء إلى أن ارتوى بما لديه من
عذب العلوم وكتبها، وشهد له الأساتذة الأعلام بمناصب التكميل وأعالي
رُتَبها، وذلك في سنة ثمان وثمانين بعد الألف والمائتين من الهجرة،
وكانت سنّه الشريفة إذ ذاك تسع عشرة سنة .
ثم لم تقتنع نفسه المنهومة في العلم، الحريصة في العرفان، بذلك
القدر من الحكمة والإِيقان، فأقلقه(١) إلى مركز دوائر الأدبيّات العربيّة، ومنبع
أنهار المعالم اللغوية، أستاذ الأساتذة، إمام الحفّاظ الجهابذة، أصمعيّ
زمانه، وسيبويه دورانه، مولانا الشيخ فيض الحسن السهار نفوري(٢) الحنفي
- قُدِّس سرّه العزيز - وقد كان إذ ذاك مرجع الفنون العربية ومدارها في ((كليّة
لاهور))، فأقام لديه شهوراً يرتشف مِن عذب بنات شفاهه، ويشنّف آذانه من
مزاهر آدابه وبيانه، إلى أن رقته ألطاف المبدأ الفيّاض إلى معارج القيام بخدمة
العباد، وإيصالهم إلى خفايا مكمنة في فطرهم من الهداية والرشاد، فولي
خدمة التدريس بـ ((منكلور))، فشمر عن ساق الجد في طرق الإِفادة، وأسهر
الليالي مجتهداً في مطالعة الفنون والإِفاضة.
وهنالك أخذته الجذبة الإِلهيّة، والسابقة الأزليّة، واللطائف القدسية،
والمنح الربّانيّة فأقلقته إلى حضور ربّ الأرباب والدخول في حلقة
الروحانيين الذين أزيل عنهم الرين والحجاب، فوقف مدّة يتطلّع إلى
شموس زمانه والأقمار، ويستطلع بغيته في كلّ جنّة ذات ثمار وأزهار، إلى
أن تَغَرَّد بلبل التفريد، ورَتَّحَ عندليب التوحيد، وغَنَّى بلحن ناشط سديد،
أن دعِ الهيام والحيرة، واقصد الباب الرشيد، فإنَّ هنالك الفوز والوصول
لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فلبّاه بقلبه، واعتقده
إشارة ربّه، فلم يصبر حتى أن ألقى نفسه بفناء إمام العارفين سند الواصلين،
(١) قوله: أقلقه، أي: حرّكه.
(٢) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)) (٣٩٢/٨).
٧٥

مقدمة
ترجمة المؤلِّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
قطب السالكين، شمس الهداة الكاملين، الفاني الباقي، والمرشد الصافي،
السالك المجذوب، والصديق المحبوب، قطب العالم مولانا وسيِّدنا
أبي مسعود رشيد أحمد الأيُّوبي الأنصاري الكنكوهي الحنفي الچشتي
القادري النقشبندي السهروردي - قدَّس الله سرّه العزيز -.
فلم يزل واقفاً على أعتابه، يستغيث سحبه الهطالة، ويستضيء شموسه
اللَّمَّاعة، إلى أن أوصلته العواطف الرَّبَّانيَّة والسوابق الصمدانيَّة أعلى
درجات الوصول والنهاية، وبلغ غاية درجات السلوك والهداية، فحقق له أن
يفوّض إليه تسليك عباد الله والتربية، وإحياء الأرواح والنفوس بأمطار
الرياضات والتزكية، فأجاز له حضرة قطب الأقطاب مولانا الگنگوهي
المومأ إليه - قدَّس الله سرّه العزيز - إجازة الإِرشاد والإِيصال، بأن كتب
بأحواله القدسية ومدارجه العالية إلى ذروة المجد والكمال، إمام العارفين،
وحجّة الله في العالمين، القطب الربّاني، والإِمام الصمداني، مولانا الحاج
إمداد الله المكي الچشتي النقشبندي القادري السهروردي العمري(١) .
قدَّس الله سرّه العزيز - ، فَبَجَّلَهُ وأكرمَهُ بالخرقة والإِجازة، وأقامه مقام
نفسه، وأَلْبَسَه(٢) ما كان على رأسه من الطاقية والعمامة، فيا حبّذا من نعمة
خصّه الله تعالى بين الأخلاء والأصفياء، وأمدَّه بإمدادات حسده عليها
أرباب الأحوال والاهتداء، وذلك سنة ست وتسعين لدى حضوره الحرمين
الشريفين، والحجازين المكرمين.
وقد كان قبل ذلك تشرَّف بالحج والزيارة الشريفة سنة ثلاث وتسعين
بعد الألف والمائتين، حین إقامته ببلدة بهوپال.
وفي هذه المرة اجتمع بسيِّد أرباب الكشف والشهود، وملاذ قاصدي
أحاديث الرسول عليه السلام والوفود، إمام الرويّة والرواية، قطب الهداية
(١) انظر ترجمته في: ((نزهة الخواطر)» (٧٩/٨).
(٢) في الأصل: ((لبسه)) والصواب ما أثبتناه.
٧٦

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
والدراية، مفخر المحدِّثين، وسند المفسِّرين، مَن انتهت إليه رئاسة الحديث
بدار الهجرة، واشتهر فضله شرقاً وغرباً بين أرباب الكمال والمهرة، مولانا
العارف بالله الشيخ عبد الغني(١) الحنفي المجددي النقشبندي الدهلوي ثم
المدني المومَأ إليه سابقاً - قدَّس الله سرّه العزيز - ، فمنحه حضرة الشيخ
الإِجازة العامّة بجميع ما كانت تصح له روايته عن شيخيه المعروفين
والإِمامين الهمامين، مولانا العارف بالله الشهير في الآفاق مولانا الشيخ
محمد إسحاق العمري(٢) الدهلوي ثم المكي - قدَّس الله سرّه العزيز -،
ومولانا العارف بالله الشيخ محمد عابد الأنصاري(٣) الحنفي السندي ثم
المدني - قدَّس الله سرّه العزيز -، وأسانيدهما مشهورة.
ثم بعد رجوعه من هذه السفرة الأولى حداه القضاء والقدر لتكميل
أهل ((بهاول پور)) وتربيتهم، فَأَدَّى هذه الخدمة الشريفة لدى بعض الخواص
من سُكّانها، ثم ولي خدمة التدريس والإِفادة بمدرستها المشهورة لدى
أرباب العلم والإِفاضة، فأقام هنالك اثنتي عشرة سنة يسقي ظِماءهم بفراته،
ويداوي جرحاهم بمرهم وعظه وشفاء كلماته، فدرَّس هنالك وصنَّف،
وقلوباً أحياها، وآذاناً (٤) شنف، فضرب الناس بعطن، وانقطع عنهم الظمأ
وحرارة الفتن.
ثم ولي بعد إقامته برهة بـ ((بريلي)) تدريس أعالي الفنون وكتب
الحديث بالمدرسة العالية الديوبندية المشهورة في القديم والحديث، فلم يزل
ينوّر قلوب الطالبين بشموس علومه ومعارفه، ويحيي أرواح عفاة الفنون
بمعجزات البيان ومعالمه، إلى أن حان أن ينتبه طالع ((مظاهر العلوم))،
ومنذ مدّة كان غارباً في النوم والغفلة، فاستولت عليها حوادث الدهر،
(١) انظر ترجمته في: ((مقدمة أوجز المسالك)) (١٤٤/١).
(٢) انظر: المصدر السابق (٣١/١).
(٣) انظر ترجمته في: ((اليانع الجني)) (ص ٩٩)، و ((البدر الطالع)) (٢٢٧/٢).
(٤) في الأصل: ((أحزانا)) والصواب ما أثبتناه.
٧٧

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
فلم تبق له إلَّا اسمه ورسمه، فسعى أركانها إلى حضرة القطب الكنگوهي
المومأ إليه - قُدِّس سرّه العزيز - طالبين أمره الشريف بقَبول صدارة التدريس
بها فلبّاه، ورقاها إلى أوج الكمالات فكلّ مسابق أعياه، وذلك في
سنة أربع عشرة بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة، فاقتصرت عليه الكتب
العالية من الحديث والتفسير والفقه والأصول وغيرها، فدرسها بغاية
الإِتقان والتحرير، حتى أنْ ضرب الناس بأكباد إبلهم إلى فنائه ورحابه،
وصار المشرق والمغرب يلفظ أفلاذ أكباده إلى أعتابه وجنابه، فنقح
المسائل ورتب ونشر الأحاديث في الآفاق وألَّف، وفتح آذاناً صمّاً،
وأحيا قلوباً غلفاً .
وحيث إنَّ ((سنن أبي داود)) كان مِن أُمَّهات الأحاديث وأصولها،
وجامعاً للمعتبر من الروايات وفروعها، كافياً لمن أراد التبصُّر في السنن
النبوية، معتمداً لمن قصد الاجتهاد في المعارف الدِّينية، وتوجَّه إليه الأئمّة
الحاذقون بالشروح والحواشي، وخدموه بإزالة غموضاته وكشف الغواشي،
فمنهم مَن توجّه إلى فقه الأحاديث والمتون، ومنهم مَن قَصَد الأسانيد
والاستيعاب لكلّ ما يجب من العلوم والفنون، فمن مطوّل ومختصر، ومن
مطنب ومقتصر .
ولما رأى حضرة الأستاذ - مدَّ الله ظلّه العالي - أنَّ هذه الشروح
والحواشي قد لعبت بها بنات الأفلاك وحوادث الدهر، ولم يبق لها في
صفحات الوجود إلَّا أساميها الموجبة للحسرات والويلات لأبناء العصر،
قصد أن يشرحها شرحاً وجيزاً يحلّ مشكلاته، ويفصل معضلاته، ولا يترك
شيئا من عُجَرِه وبُجَره، ولا يبقي مستوراً من خبايا كنوزه وبدره.
ولكن عاقته عوائق الدهر عن الإسعاف، وصادمته صوارف الزمان
بكل جور واعتساف، فلم يزل يقاومها بكلّ همّة واستقلال، ويصرف
لمعارضتها ثواقب العزم بغاية القوَّة والكمال، إلى أن أيَّدته النفحات
القدسية والألطاف العلويّة، فشرع في المأمول، واجتهد في المسؤول،
٧٨

مقدمة
ترجمة المؤلّف، بقلم الشيخ حسين أحمد المدني
وكان قد سوّد مضامينها في السنين السالفة، وزَّيَّن صفحات الأوراق بجواهر
ألفاظها اللامعة، بيد أنه لم يكن يتفرَّغ للتكميل بهجوم مشاغل التدريس
والتعليم، وكثرة أفكار تتعلَّق بترتيب المدرسة والتنظيم.
فلما رجع حضرته من الحجّة السادسة سنة ألف وثلاثمائة وأربعين
فرّغ نفسه للتأليف، وتوجَّه بشراشره للترشيق والتصنيف، وشَمَّر نفسه
عن ساق الجد في التسويد والترتيب، مُعْرِضاً عن الإِطناب المُمِلّ والإِيجاز
الغريب، فجاء بحمد الله عزَّ وجلّ ما يروق به عيون الأرواح، وتنجلي به
الغموم والهموم، وتطمئن الخواطر بالسكون وغاية الارتياح.
وقد حصل الفراغ من تسويد الجزء الأوَّل سنة أربعين بعد الألف
والثلاثمائة، ومن الثاني منه سنة اثنتين وأربعين بعد الألف والثلاثمائة، ثم
شرع في الجزء الثالث منه، وعلى الله الإِيفاء بالمقاصد والتكميل، ومن
فضله ومنه يُرجى الجزاء الحسن والثواب الجزيل.
وللمؤلِّف - دام مجده وعُلاه - تصانيف عديدة في مهمّات المسائل
وفروعها، وتأليف جميلة في إحقاق العقائد الحقّة وتوطينها، وله ملكة في
فنون الجدل والمناظرة، وإقامة البراهين والحجج الباهرة، فإنه داهية
كبرى على الشيعة الشنيعة الفاجرة، وطامة عظمى على المبتدعة الضالّة
العاجزة .
فمنها: ((المهنّد على المفنّد))، ذكر فيها معتقداته ومعتقدات مشايخه
الكرام أتباع الأسلاف العظام، وأهل السُّنَّة الفخام، رداً على ما افترى
عليهم الخبثاء اللئام، مما تقشعِرّ منه الجلودُ، وتفتّت عنه العظام.
ومنها: ((تنشيط الآذان))، ذكر فيها ما أخطأ فيه بعض مَن ادَّعى العلم،
وانتحله أنَّ محلّ الأذان خارج المسجد يوم الجمعة لدى الخطبة .
ومنها: ((مطرقة الكرامة على مرآة الإِمامة))، كتاب بسيط في ردّ
الروافض، ذكر فيه أصولهم القبيحة، ومعتقداتهم الشنيعة، وأتى على
٧٩