النص المفهرس

صفحات 1041-1060

٣٩٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا
تَبْچِينِيَّ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
كَـ((ضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا)) وَأَتَمّ
قرأتُ بخطّ ابنِ هشام على قولِهِ: (لَا يَكُونُ خَبَرًا) ما لفظُه: (لا أعلمُ مَنِ
اشترطَ هذا غيرُ الناظم، وَلا بُدَّ منه؛ لئلا يُؤَدِّيَ إلى تهيئةِ العاملِ للعملِ وقطعِهِ
عنه)، وعلى المثالِ الأخيرِ ما لفظُه: (في هذا المثالِ نظرٌ؛ لأنَّه لو رُفِعَ فيه
((مَنُوظٌ)) على الخبريَّةِ؛ لصحَّ) انتهى.
سُورَةُ الْفُرْقَانِ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرِّ مَكَانًا
وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾
حديث: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا ...
٤٧٦٠ - قولُه: (قَادِرًا)، وفي نسخةٍ: (قَادِرٌ).
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾
حديث: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك
٤٧٦١ - (ثُمَّ أَيُّ): تقدَّمَ (ح ٥٢٧ و٢٧٨٢).
سُورَةُ الشَّعَرَاءِ
(﴿لَعَلَّكُمْ﴾): قال البخاريُّ: (كَأَنَّكُمْ)، قال الواحديُّ: كلُّ ما وقعَ في القرآنِ
مِنْ (لعلَّ)؛ فإنَّها للتعليلِ، إلَّا قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَّخْلُدُونَ﴾؛ فإنَّها للتشبيهِ، ويُؤيِّدُهُ ما
في حرفٍ أُبِيٍّ: (كَأَنَّكُمْ).
قال شيخُنا في ((الفتح)): (وفي الحصرِ نظرٌ؛ لأنَّه قيلَ مثلُ ذلك في قولِه
تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَنِعْ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقرأَ أَبَيُّ بنُ كعبٍ: (كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ)،
وقرأَ ابنُ مسعودٍ: (کَي تَخْلُدُونَ) انتهى .
ومجيءُ (لعلَّ) للتشبيهِ غريبٌ لم يذكرْهُ النُّحاةُ، والمشهورُ أنَّها للتعليلِ،
وتؤيِّدُه قراءةُ عبدِ اللهِ: (كَي تَخْلُدُونَ)، قاله الزركشيُّ.
اعلم أنَّ (لعلَّ) هنا على بابِها، وقيل: للتعليلِ، وتؤيِّدُه قراءةُ عبدِ الله: (كَي

٣٩٥
كِتَابُ النَّفْسِيرِ
تَخْلُدُونَ)، وقيل: للاستفهام، قالَه زيدُ بنُ عليٍّ، وبه قالَ الكوفيُّونَ، وقيل:
معناها: التشبيهُ، ويُؤْيِّدُهُ ما في حرفِ أُبَيِّ: (كَأَنَّكُمْ)، وقُرِئَ: (كَأَنَّكُمْ خَالِدُون)،
وكمْ مِنْ نصِّ عليها أنَّها تكونُ للتشبيهِ.
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ
٣١٤
وَآَخْفِضْ جَنَامَكَ﴾
حديث: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم
٤٧٧٠ - قولُه: (فَجَعَلَ الرَّجُلُ): تقدَّمَ أوَّلَ (البيع)(١).
(أَرَأَيْتَكُمْ): تقدَّمَ(٢).
(مُصَدِّقِيَّ): بتشديدِ الياءِ، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وحُذفتِ النونُ؛
للإضافةِ .
حديث: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا
٤٧٧١ - (يَا عَبَّاسُ بْنَ): تقدَّمَ(٣).
وقال الزركشيُّ: ((يا صفيَّةُ عمَّةَ رسولِ الله وَّ)؛ بنصبِ ((عمَّةَ))؛ مراعاةً
لمحلِّ المنادى، وكذلك ((يا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ))) انتهى.
سُورَةُ النَّمْلِ
(﴿رَدِفَ﴾: اقْتَرَبَ): قال الزركشيُّ: (هذا التفسيرُ يُرَدُّ به دَعوى المبرِّدِ ومَن
وافقَهُ: أنَّ اللَّامِ في قولِه: ﴿لَكُمْ﴾: زائدةٌ للتوكيدِ، فإنَّه إذا كانَ معناه: اقتربَ؛
كانتْ للتعديةِ؛ مثلُ: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]) انتهى.
!(٤)
وفيه خمسةُ(٤) أوجهٍ :
أظهرُها: أنَّ ﴿رَدِفَ﴾: ضُمِّنَ معنى فِعْلٍ يتعدَّى باللَّام؛ أي: دنا، وقَرُبَ،
وأَزِفَ، وبهذا فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ، وقد عُدِّيَ بـ(مِن) أيضًا على تضمُّنِهِ معنى:
(دنا)، قال الشاعرُ: [من الطويل]
(١) [خ: ٢٠٨٥].
(٣) [خ: ١٢٨ و٢٠٥٣].
(٢) [خ: ١١٦].
(٤) في (ص): (أربعة)، وصوابه المثبت.

٣٩٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
فَلَمَّا رَدِفْنَا مِنْ عُمَيْرٍ وَصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِرَاعًا وَالْمَنِيَّةُ تُعْنِقُ
أي: دنونا مِنْ عُميرٍ .
الثاني: أنَّ مفعولَه محذوفٌ، واللَّمُ للعلَّةِ؛ أي: رَدِفَ الخلقَ لأجلِكُم
ولشؤمِگُم.
الثالثُ: أنَّ اللَّامَ مَزيدٌ في المفعولِ تأكيدًا .
الرابعُ: أنَّ فاعلَ ﴿رَدِفَ﴾ ضميرُ ﴿اٌلْوَعْدُ﴾؛ أي: رَدِفَ الوعدُ؛ أي: قَرُبَ
ودنا مُقتضاهُ، و﴿لَكُمْ﴾: خبرٌ مُقدَّمٌ، و﴿بَعْضُ﴾: مبتدأ مؤخّرٌ، والوقفُ على هذا
على ﴿رَدِفَ﴾، وهذا فيه تفكيكٌ للكلامِ.
الخامسُ: أنَّ الفعلَ محمولٌ على مصدرِهِ؛ أي: الرادفةُ لكم، و﴿بَعْضُ﴾
على تقديرِ : ردافةُ بعضٍ؛ يعني : حتَّى يتطابقَ الخبرُ والمخبَرُ عنه، وهذا أضعفُ
ممَّا قبلَه.
و(رَدَفَ): بفتح الدالِ قرأَ الأعرجُ، وهي لغةٌ، والأشهرُ: الكسرُ، والله
أعلم.
سُورَةُ الْقَصَصِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾
حدیث: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله چپڼ
٤٧٧٢ - (كَلِمَةً): بالنصبِ على البدلِ مِن (لَا إِلَهَ إِلَّا اللـهُ)، أوِ الاختصاصِ،
ويجوزُ الرفعُ؛ أي: هي كلمةٌ.
(آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ): نُصِبَ على الظرفِ؛ أي: في آخِرٍ .
(عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: أنا على مِلَّةٍ.
﴿﴿ِ المَجَ غُلِبَتِ الرُّومُ﴾) [الروم: ١- ٢]، ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اُللَّهِ
سُورَةُ الرُّومِ: (
حديث أبي هريرة: ما من مولود إلا يولد على الفطرة
٤٧٧٥ - (﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾): فیه وجهانِ :
أحدُهُما : أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملةَ.

٣٩٧
كِتَابُ التَّفْسِیرِ
الثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارٍ فِعْلٍ؛ أي: الزمُوا .
سُورَةُ لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
حدیث: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله
٤٧٧٧ - حديثُ سؤالٍ جبريلَ: تقدَّمَ أوَّلَه(١).
وقال الزركشيُّ: ((فِي خَمْسٍ)): متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: هي).
سُورَةُ السَّجْدَةِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾.
حدیث: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحین ما لا عين رأت
٤٧٨٠ - (ذُخْرًا): قال الكرمانيُّ: (منصوبٌ متعلِّقٌ بـ((أَعْدَدْتُ))).
(مِنْ بَلْهِ): رأيتُ في ((توضيح ابنِ مالكٍ)): (المعروفُ استعمالُ ((بَلْهَ)) اسمَ
فِعْلٍ؛ بمعنى: ((اترُكْ))، ناصبًا لما يليه بمقتضى المفعولية، واستعمالُه مصدرًا
بمعنى التَّرْكِ، مضافًا إلى ما يليهِ، والفتحةُ في الأوَّلِ بنائيَّةٌ، وفي الثاني إعرابيَّةٌ،
وهو مصدرٌ مُهْمَلُ الفعلِ، ممنوعُ الصَّرْفِ).
وقال الأخفشُ: (بَلْهَ) ههنا: مصدرٌ؛ كما تقولُ: ضرْبَ زيدٍ، ونَدَرَ دخولُ
(مِنْ) عليه زائدةً.
وقال السفاقسيُّ: ضُبِطَ بفتح الهاءِ؛ كأنَّه ظنَّ بناءَها على الفتح؛ كـ(أينَ)
و(كيفَ)، وآخرونَ: بكسرِها، وَهو الوجهُ؛ لأنَّه مضافٌ إلى ما بعَدَهُ؛ مثلُ:
(قبلُ) و(بعدُ)، إذا أُضيفا؛ خُفِضَا، قيل: معناها: دَعْ ما أُطلعتُمْ عليه؛ فإنَّه سهلٌ
أو يسيرٌ في جنبٍ ما ذَخَرْتُه لهم، وقيل: بمعنى: فَضْل، والأشبَهُ أنَّها هنا بمعنى:
(سِوى) و(غير)، حكاهُ ابنُ فارس؛ لأجلِ قولِهِ: (مِنْ بَلْهِ)، وقال غيره: صوابُه:
(بَلْه) بغيرِ (مِنْ)، وصوابُه: (أطلعتُم).
إشارةٌ: وفي حاشيةٍ على ((البخاريِّ)): اتَّفقتْ نُسَخُ الصحيح على قولِه: (مِنْ
(١) [خ: ٥٠].

٣٩٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
بَلْهِ)، والصوابُ: إسقاطُ حرفِ (مِن) لا غير - هكذا نقلتْ هذه الحاشيةُ مِن خطّ
الصغاني - وعلى مذهبٍ الكوفيِّينَ: يجوزُ أنْ تكونَ (مِنْ) زائدةً؛ كما يقولونَ: (قدْ
كانَ مِن مطرٍ)، انتهت.
وقال شيخُنا في ((شرحِ الفتح)): ((مِنْ بَلْهِ مَا أُظْلِعْتُمْ عَلَيْهِ))، قال الخطّابيُّ:
كأنَّه يقولُ: ((دعْ ما أُطلعتُم عليه؛ فإنَّه سهلٌ في جنبٍ ما ادُّخِرَ لهم))، قلتُ: وهذا
لائقٌ بشرحِ (بَلْه))؛ بغيرٍ تقدُّم ((مِنْ)) عليها، وأمَّا إذا تقدَّمتْ (مِن)) عليها؛ فقد قيلَ:
هي بمعنى: ((كيفَ))، ويُقَال: بمعنى: ((أجل))، ويقال: بمعنى: ((غير)) أو
((سوى))، وقيل: بمعنى: ((فضل))، لكن قال الصغانيُّ: اتَّفقتْ نُسِخُ ((الصحيح))
على: ((مِنْ بَلْهِ))، والصوابُ: إسقاطُ كلمةِ ((مِن))، وتُعُقِّبَ بأنَّه لا يتعيَّنُ إسقاطُها
إلَّا إذا فُسِّرَتْ بمعنى: ((دع))، وأمَّا إذا فُسِّرَتْ بمعنى: ((مِن أجلٍ))، أو ((مِن غيرٍ))،
أو ((سوى))؛ فلا، وقد ثبتَ في عِدَّةِ مصنَّفاتٍ خارجَ ((الصحيح)) بإثباتِ ((مِن))،
وأخرجه سعيدُ بنُ منصورٍ، ومِن طريقه ابنُ مردويه مِن روايةٍ أبي معاويةَ عنِ
الأعمشِ کذلك) انتھی.
وقال ابنُ هشام: ((بَلْه)): على ثلاثةِ أوجهٍ: اسمٌ لـ((دَعْ))، ومصدرٌ بمعنى
التَّرْكِ، واسمٌ مُرادفٌ لـ((كيفَ))، وما بعدَها منصوبٌ على الأوَّلِ، ومخفوضٌ على
الثاني، ومرفوعٌ على الثالثِ، وفتحتُها بناءٌ على الأوَّلِ والثالثِ، وإعرابٌ على
الثاني، وقد رُوِيَ بالأوجهِ الثلاثةِ قولُهُ يصفُ السيوفَ: [من الكامل]
تَذَرُ الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا بَلْهَ الْأَكُفِّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ
وإنكارُ أبي عليٍّ أنْ يرتفعَ ما بعدَها مردودٌ بحكايةِ أبي الحسنِ وقُطْرُب له،
وإذا قيل: ((بله الزيدينٍ))، أو ((المسلمينَ))، أو ((أحمدَ))، أو ((الهنداتِ))؛ احتملتٍ
المصدريَّةَ واسمَ الفعلِ، ومِنَ الغريبِ أنَّ في ((البخاريِّ)) في تفسيرِهِ ((ألم
السجدة)): ((يقولُ اللهُ: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ
سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلبٍ بشرٍ، ذُخْرًا، مِنْ بَلْهِ ما أُطلعتُم عليه))، فاستُعْمِلتْ
معربةً مجرورةً بـ((مِنْ))، وخارجةً عنِ المعاني الثلاثةِ، وفسَّرها بعضُهم بـ((غير))،
وهو ظاهرٌ، وبهذا يتقوَّى مَنْ يعدُّها في ألفاظِ الاستثناءِ).
وقال في ((الصحاح)): (و((بله)): كلمة مبنيَّة على الفتح؛ مثل: ((كيف))،

٣٩٩
كِتَابُ التَّفْسِیرِ
ومعناها: ((دع))، قال كعبُ بنُ مالكِ يصفُ السيوفَ ....
وأنشدَ البيتَ الأوَّلَ، لكن بدلَ (تذر)) ((تدع)).
قال الأخفشُ: ((بله)) ههنا: بمنزلةِ المصدرِ؛ كما تقولُ: ((ضَرْبَ زيدٍ))،
ويجوزُ نصبُ ((الأكفِّ)) على معنى: ((دع الأكفَّ))، قال ابنُ هَرْمَة: [من البسيط]
تَمْشِي الْقَطُوفُ إِذَا غَنَّى الْحُدَاةُ بِهَاَ مَشْيَ النَّجِيبَةِ بَلْهَ الْجِلَّةَ النُّجُبًا
ويقال: معناها: سوى، وفي الحديث: ((أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا
عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌّ سمعتْ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ، بَلْهَ ما أُطلعتُم عليه)))
انتھی .
وفي ((المطالع)): ((بله)): أي: دعْ عنكَ؛ كأنَّه إضرابٌ عمَّا ذكرَهُ؛
لاستحقارِهِ في جنبٍ ما لم يُذْكَر، وقيل: معنى ذلك: كيفَ ما أُطلعتُم عليه؟).
وقال ابنُ الملقِّنِ: (قال ابنُ التِّينِ: ضبطه بفتح الهاء؛ كأنَّه رآه فيها بمثل(١):
((كيف)) و((أين))، وفي بعضِها بالكسرِ، وهو الظاهرُ؛ لأنَّه مضافٌ إلى ما بعدَه؛
مثل: (قبل)) و((بعد))، إذا أُضيفا؛ [خُفِضا]) انتهى، وتقدَّمَ نقلُهُ عنه.
وقال شيخُنا في ((الفتح)): (ووقعَ في ((المغني)) لابنِ هشام: أنَّ ((بَلْهَ))
استُعمِلَتْ معربةً مجرورةً بـ((مِنْ))، وأنَّها بمعنى: ((غير))، ولم يَذكُرْ سِواهُ، وفيه
نظرٌ؛ لأنَّ ابنَ التِّينِ حكى روايةً: ((مِنْ بَلْهَ))؛ بفتح الهاءِ معَ وجودِ ((مِنْ)، فعلى
هذا: فهي مبنيَّةٌ، و((ما)) مصدريَّةٌ، وهي وصلتُها في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ،
والخبرُ هو الجارُّ والمجرورُ المتقدِّمُ، ويكونُ المرادُ بـ«بَلْهَ)): ((كَيفَ)) التي يُقصَدُ
بها الاستبعادُ؛ والمعنى: مِنْ أين إطلاعُكم على هذا القدرِ الَّذي تَقْصُرُ عقولُ
البشرِ عنِ الإحاطةِ به؟ ودخولُ ((مِنْ)) على (بَلْه)) إذا كانتْ بهذا المعنى جائزٌ، كما
أشارَ إليه الشريفُ في ((شرح الحاجبيَّةِ))، قلتُ: وأوضحُ التوجيهاتِ لخصوصٍ
سياقٍ حديثِ البابِ حيثُ وَقِعَ فيه: ((ولا خطرَ على قلبٍ بشرٍ ذُخرًا مِنْ بَلْهِ ما
أُطلعتُم)): أنَّها بمعنى: (غير))، وذلك بيِّنٌ لمن تأمَّلَهُ، والله أعلم) انتهى.
ورأيتُ في ((الفائق)): ((بَلْهَ)): مِنْ أسماءِ الأفعال؛ كـ«رُوَيدَ))، و((صَه))،
(١) في (ص): (معنى)، والمثبت من مصدره.

٤٠٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الثاني
و(مَه))، يُقال: (بَلْهَ زيدًا))؛ بمعنى: ((دَعْهُ)) و((اتْرُكْهُ))، وقد يُوضَعُ موضِعَ المصدرِ،
فيقالُ: (بَلْهَ زيدٍ))؛ كأنَّه قيل: ((تَرْكَ زيدٍ))، ويُقلَبُ في هذا الوجهِ، فيُقالُ: ((بهل
زيدٍ))؛ لأنَّ حالَ الإعرابِ مَظِنَّةُ التصرُّفِ، و((ما أُطلعتُم عليه)): يصلُحُ أنْ يكونَ
منصوبَ المحلِّ ومجرورَهُ، على مقتضى اللَّغتينِ، وقد رُوِيَ بيتُ كعبٍ بنِ مالكٍ
الأنصاريِّ: [من الكامل]
تَذَرُ الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا بَلْهَ الْأَكُفِّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ
على الوجهينِ، المعنى: رأتْه وسَمِعَتْه، فحذف؛ لاستطالةِ الموصولِ
بالصلةِ، ونظيرُهُ قولُه تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا﴾؟ [الفرقان: ٤١]).
سُورَةُ الأَخْزَابِ: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَن يَنْنَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾
حديث: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آيةً من سورة الأحزاب
٤٧٨٤ - (فَقَدْتُ آيَةً): قرأناهُ مبنيًّا للفاعلِ، وقال الزركشيُّ: (بضمِّ أوَّلِهِ على
البناءِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه).
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَبَ لَكُمْ﴾
إشارةٌ: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]: قال البخاريُّ: (إِذَا
وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ؛ قُلْتَ: قَرِيبَةً، وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا، وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ؛
نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الْوَاحِدِ وَالإِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ، لِلذَّكْرِ
وَالْأُنْثَى) انتهى. هكذا وقعَ هذا الكلامُ هنا لأبي ذرِّ والنسفيِّ، وسقط لغيرِهِما،
وهو أوجهُ؛ لأنَّه وإنِ اتَّجَهَ ذِكْرُه في هذه السورةِ، لكن ليس هذا محلَّه.
قولُه: (وَإِذَا(١) جَعَلْتَهُ ظَرْفًا)؛ أي: اسمًا زمانيًّا، (وَبَدَلًا)؛ أي: عنِ الصفةِ؛
يعني: جعلتَهُ اسمًا مكانَ الصفةِ، ولم يقصدِ الوضعينٍ؛ يستوي فيه المذكّرُ
والمؤنَّثُ، والمثنَّى والجمعُ، وجمعُ الذَّكورِ والإناثِ، وقال بعضُهُم:
(الفعيلُ)(٢) يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّث.
(١) في (ص): (وأما إذا).
(٢) تحرفت في (ص) إلى: (الفصل).

٤٠١
كِتَابُ التَّفْسِيرِ
وقال في ((الكشّاف)): (أي: شيئًا قريبًا، أو في زمانٍ قريبٍ، أو لأنَّ
﴿السَّاعَةَ﴾ في معنى: اليومِ).
فائدة: قال بعضُهُم: ربَّما كانَ المضافُ مؤنَّئًا واكتسبَ التذكيرَ مِنَ المضافِ
إليه؛ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]: فـ(الرحمةُ): مؤنَّئَةٌ،
واكتسبتِ التذكيرَ بإضافتها إلى الله تعالی.
وقال ابنُ هشام: (قد يكتسبُ المضافُ إليه المذكَّرُ مِنَ المضافِ إليه المؤنَّثِ
تأنيثَه، وبالعكسٍ، وشرطُ ذلك في الصُّورتين: صلاحيةُ المضافِ للاستغناءِ عنه
بالمضافِ إليه، فمِنَ الأوَّلِ قولُهم: ((قُطِعَتْ بعضُ أصابِعِهِ))، وقراءةُ بعضِهِم:
(تَلْتَقِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) [يوسف: ١٠]، وقولُه: [من الرجز]
طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي نَقَضْنَ كُلِّي، وَنَقَضْنَ بَعْضِي
ومن الثاني قولُه: [من البسيط]
وَعَقْلُ عَاصِي الْهَوَى يَزْدَادُ تَنْوِيرَا
إِنَارَةُ الْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعٍ هَوّی
ويَحتملُه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، ولا
يجوزُ: ((قامتْ غُلامُ هندٍ))، ولا ((قامَ امرأةُ زيدٍ))؛ لعدم صلاحيةِ المضافِ فيهما
للاستغناءِ عنهما بالمضافِ إلیه) انتھی.
قال الشيخُ عزّ الدينِ الحاضري: (إنَّما قال: ((ويَحتملُه))؛ لأنَّه قيلَ: ﴿قَرِيبٌ﴾
((فعيل)) بمعنى: ((فاعل))، و((فعيل)) بمعنى: ((فاعل)) يجري على المذكَّرِ والمؤنَّثِ
بلفظِ التذكيرِ، قياسًا على ((فعيل)) بمعنى: ((مفعول(١)))) انتهى.
وقال الجوهريُّ في هذِه الآيةِ: (لم يقُل: ((قَرِيبَةٌ))؛ لأنَّه سبحانه أرادَ بالرحمةِ
الإحسانَ، ولأنَّ ما لا يكونُ تأنيثُهُ حقيقيًّا؛ يجوزُ فيه التذكيرُ، وقال الفرَّاءُ: إذا
كان ((القريبُ)) في معنى المسافةِ؛ يُذَكَّرُ ويُؤْنَّثُ، وإذا كان في معنى النسبِ؛ يؤنَّثُ
بلا اختلافٍ بينهم، تقولُ: ((هذِه المرأةُ قريبتِي))؛ أي: ذاتُ قرابتي) انتهى.
وهذا وهمٌّ؛ لوجوبِ التأنيثِ في نحو: (الشمسُ طالعةٌ)، و(الموعظةُ
(١) في (ص): (فاعل)، أو يكون القياس على (فَعول) بمعنى: (فاعل).

٤٠٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الثاني
نافعةٌ)، وإنَّما يتفرَّقُ حكمُ المجازيِّ والحقيقيِّ الظاهرَينِ لا المضمرَينِ.
وقال في ((الدُّرِّ المصون)): (إنَّما لم يؤنِّثْها وإنْ كانتْ خبرًا عن مؤنَّثٍ؛
لوجوه :
منها: أنَّها في معنى (١) الغفران، فحُمِلَتْ عليه، قاله النضرُ بنُ شُميلٍ،
واختارَهُ أبو إسحاقَ .
ومنها: أنَّها صفةٌ لموصوفٍ مذكَّرٍ حُذِفَ وبقيتْ صفتُهُ؛ والتقديرُ: إنَّ رحمتَ
الله شيءٌ قریبٌ .
ومنها: أنَّها في معنى العفو، أو المطر، أو الرَّحِم.
ومنها: أنَّها على النسب؛ أي: ذاتُ قُرْبٍ؛ كـ((حائضٍ))؛ أي: ذاتُ حَيْضٍ.
ومنها: تشبيهُ ((فعيل)) بمعنى: ((فاعل)) بـ((فعيل)) بمعنى: ((مفعول))، فيستوي
فيه المذكّرُ والمؤنَّثُ؛ كـ((جريح))، كما حُمِلَ هذا عليه حيث قالوا: ((أسير
وأُسَراء)»، و((قَبِيل وقُبَلَاء))، حَمْلًا على ((رَحِيم ورُحَمَاء))، و((عَليم وعُلَماء))،
و«حکیم وُگماء)).
ومنها: أنَّها مصدرٌ جاءَ على ((فعيل))؛ كـ((النَّقِيق)): وهو صوتُ الضِّفدِع،
و((الضَّغِيب)): وهو صوتُ الأرنبِ، وإذا كان مصدرًا؛ لزمَ الإفرادُ والتذكيرُ.
ومنها: أنَّها بمعنى ((مفعول)): ((مُقَرَّبَة))، قاله الكرمانيُّ، وليسَ بجيِّدٍ؛ لأنَّ
((فعيلًا)) بمعنى: ((مفعول)) لا ينقاس، وعلى تقديرِ اقتياسه؛ فإنَّما يكونُ مِنَ الثُّلاثيِّ
المجرَّدِ، لا مِنَ المزيدِ فيه، و((مُقَرَّبَة)) مِنَ المزید فيه.
ومنها: أنَّه مِنْ بابِ المؤنَّثِ المجازي؛ فلذلك جازَ التذكيرُ؛ كـ«طلعَ
الشمسُ))، قال بعضُهُم: وهو غيرُ جَيِّدٍ؛ لأنَّ ذلك حيث كان الفعلُ متقدِّمًا؛ نحو:
((طلعَ الشمسُ))، وأمَّا إذا تأخّرَ؛ وَجَبَ التأنيثُ، إلَّا في ضرورةِ الشِّعْرِ؛ كقولِه:
[من المتقارب]
وَلَا أَرْضَ أَبْقلَ إِبْقَالُها
(١) في (ص): (المعنى).

٤٠٣
كِتَابُ النَّفْسِیرِ
قلت: وهذا يجيءُ على مذهبٍ ابنٍ كيسانَ، فإنَّه لا يَقْصُرُ ذلك على ضرورةٍ
الشِّعْر؛ بل يُجيزُه في السَّعةِ، وقال الفرَّاءُ: («قريبٌ)) و((بعيدةٌ))؛ إمّا أنْ يُرادَ بها
النسبُ وعدمُه، فتؤنِّثُها العربُ ليس إلَّا، فيقولون: فلانةٌ قريبةٌ منِّي؛ أي: في
النَّسَبِ، وبعيدةٌ منِّي؛ أي: في النَّسَبِ، أمَّا إذا أُريدَ القُرْبُ في المكانِ؛ فإنَّه
يجوزُ الوجهانِ؛ لأنَّ ((قريبًا)) و((بعيدًا)) قائمٌ مَقامَ(١) المكانِ، فتقولُ: فلانٌ(٢) قريبةٌ
وقريبٌ، وبعيدةٌ وبعيدٌ؛ التقديرُ: هي في مكانٍ قريبٍ وبعيدٍ، وأنشد: [من
الطويل]
عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ يَّدْنُو وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ
فجمعَ بين اللَّغتينِ، إلّا أنَّ الزَّجَّاجَ ردَّ على الفرَّاءِ قولَه، وقال: ((هذا خطأٌ؛
لأنَّ سبيلَ المذكَّرِ والمؤنَّثِ أنْ يَجرِيا على أفعالِهِما)).
قلتُ: وقد كَثُرَ في شعرِ العربِ مَجيءُ هذِه اللفظةِ مذكَّرةً، وهي صفةٌ
لمؤنَّثٍ، قال امرؤ القيسِ : [من الطويل]
لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمُّ سَالِمِ رِيبٌ وَلَا الْبَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا
وفي القرآنِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وقال أبو عبيدةَ: ((﴿قَرِيبٌ﴾)) في الآيةِ ليس وصفًا لها، إنَّما هو ظرفٌ لها
وموضعٌ، فيجيءُ هكذا في المؤنَّثِ، والاثنينٍ، والجميع، فإنْ أُرِيدَ بها الصفةُ؛
وجبتِ المطابقةُ، ومثلُها لفظةُ بعيد أيضًا))، إلَّا أنَّ الأخفَشَ خطَّأَهُ، قال: لأنَّه لو
كانتْ ظرْفًا؛ لانتصبَ؛ كقولك: إنَّ زيدًا قريبًا منك، وهذا ليس بخطأٍ؛ لأنَّه
يجوزُ أنْ يُتَّسَعَ في الظرفِ، فيُعطى حكمَ الأسماءِ الصريحةِ، فتقولُ: زيدٌ أمامُك،
وعمرٌو خلفُك؛ برفعِ ((أمام)) و((خَلْف)).
وقد نصَّ النُّحاةُ على أنَّ نحوَ: ((إنَّ قريبًا منك زيدٌ)): أنَّ ((قريبًا)) اسمُ ((إنَّ)،
و((زيدٌ)) خبرُها، وذلك على الاتِّساع، و﴿مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلِّقٌ ب﴿قَرِيبٌ﴾،
واللهُ أعلمُ).
(١) في (ص): (مكان).
(٢) في (ص): (فلان).

٤٠٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الثاني
﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾
حديث: انذني له فإنه عمك تربت يمينك
٤٧٩٦ - (عَمّكِ): في أصلِنا المصريِّ مرفوعٌ، وهو خبرُ مبتدأِ محذوفٍ؛ أي: هو
عمُّك، والظاهرُ أنَّه يجوزُ النصبُ بنَزْعِ الخافضِ؛ أي: لِعَمِّكِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ، يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
a
(﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾): ﴿وَمَلَبِكَتَهُ﴾: بالنصبِ، وقراءةُ ابنِ
عبَّاسٍ - ورُويتْ عن أبي عمرٍو - بالرفع، وقد استدلَّ بهذِه القراءةِ الكِسائيُّ والفرَّاءُ
على أنَّه يُعطَفُ بالرفع على أسماءِ (إنَّ) وأخواتِها وإن لم يُستكمَلِ الخبرُ،
والمسألةُ مطوَّلةٌ .
سُورَةُ سَبَأ: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ﴾
حديث: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة ...
٤٨٠٠ - (مُسْتَرِقُ السَّمْع): قال الدِّمياطيُّ: صوابُه: (مسترقو) في الموضعینِ،
وقال شيخُنا: (في روايةٍ عليٍّ عند أبي ذرٍّ: ((وَمُسْتَرِقُ))؛ بالإفرادِ، وهو
فصيحٌ) انتھی.
أشارَ بذلكَ إلى ما رواهُ البخاريُّ في (سورةِ الحِجْرِ)(١).
سُورَةُ الزُّمَرِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾.
حديث: بين النفختين أربعون
٤٨١٤ - (إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ): بالنصبِ على الاستثناءِ.
(١) [خ: ٤٧٠١].

٤٠٥
كِتَابُ التَّفْسِيرِ
سُورَةُ حَمَ السَّجْدَةِ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُرُ﴾ الآية
حديث: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم
٤٨١٧ - (كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ): تُقرَأُ بإضافةِ (كَثِيرَة) إلى
(شَحْم)، وكذا: (قَلِيلَةُ فِقْهٍ قُلُوبُهُمْ)، وعلى هذا الضبطِ اقتصرَ الشيخُ سِراجُ
الدِّينِ في ((شرحه)) هنا، وقال في (التوحيد)(١): (ضبطناهُ بضمِ ((كَثِيرَةُ))،
وتنوينِ ((شَحْمٍ))، ورفع ((بُطُونُهُمْ))، وكذا ((قَلِيلَةُ فِقْهٍ قُلُوبُهُمْ)))، وقال ابنُ
التِّينِ: (رويناهٌ: ((كَثِيرَةٌ شَحْمُ))، وهو تجوُّزٌ على المعنى؛ أي: كَثُرَتْ شَحْمُ
بُطُونِهِمْ، وأصوبُ مِن هذا أنْ يَرفعَ ((كَثِيرَةُ)) بأنَّه خبرُ مبتدأٍ مقدَّمٌ، والمبتدأُ
(بُطُونُهُمْ))، ويَخفِضَ ((شَحْمًا)) بالإضافةِ، و((قَلِيلَةُ فِقْهِ قُلُوبُهُم)) على هذا)
انتھی .
وقال شيخُنا في ((الفتح)): (كذا للأكثرِ بإضافةِ (بُطُون)) لـ((شَحْمُ))، وإضافةٍ
((قُلُوب)) لـ((فِقْهُ))، وتنوين ((كَثِيرَةٌ)) و((قَلِيلَةٌ))، وذكرَهُ بعضُ الشُّرَّاحِ بلفظِ إضافةٍ
((شَخْمٍ)) إلى ((كَثِيرَةُ))، و(بُطُونُهُمْ)) بالرفع على أنَّه المبتدأُ؛ أي: بَطونُهُم كثيرةُ
الشحم، والآخرُ مثلُه، وهو محتملٌ).
وَقال الكرمانيُّ: (أَنَّث ((كثيرة))؛ إمَّا أن يكون ((الشحم)) مبتدأً، واكتسبَ
التأنيثَ مِنَ المضافِ إليه، و((كثيرةٌ)): خبرُه، وإمَّا أنْ تكونَ التاءُ للمبالغةِ؛ نحو :
(رجلٌ علَّامٌ))).
وقال ابنُ مالكِ: (سَرَى تأنيثُ ((البطون)) و((القلوب)) إلى ((الشحم)) و((الفقه))،
مع أنَّهما لا يُستغنَى عنهما بما أُضيفا إليهما، لكنَّهُما شبيهانِ بما يُستغنَى عنه؛
مثل: ((أعجبتني شحمُ بطونِ الغنم))، و((نفعتِ الرجالَ فِقْهُ قلوبِهِم))، وقد يكونُ
تأنيثُ ((كثيرة)) و((قليلة)) لتأوُّلِ ((الشحم)) بـ((الشحوم))، و((الفِقْه)) بـ((الفهوم))) انتهى.
سُورَةُ حَم الزُّخرُفِ
(﴿يَعْشُ﴾ [الزخرف: ٣٦]: يَعْمَى): قال السفاقسيُّ: يجبُ أنْ تكونَ القراءةُ
(١) [خ: ٧٥٢١].

٤٠٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
عليه بفتح الشينٍ، قلتُ: كذا قال ابنُ قُتيبةَ، فإنَّه حكى قولَ أبي عُبيدةً على قراءةٍ
الضمِّ أنَّهَ تُظْلِمُ عَينُه .
قال: وقال الفرَّاءُ: يُعرِض عنه، وقال: ومَن قرأَ (يَعْشَ)؛ بنصبِ الشينِ؛
أراد: تَعمى عينُه، قال: ولا أرى القولَ إلَّا قولَ أبي عبيدةَ، ولم أرَ أحدًا يُجيزُ.
(عَشَوْتُ عنِ الشيءِ): أعرضتُ عنه، إنَّما يُقالُ: (تعاشيتُ عن كذا):
تغافلتُ عنه كأنِّي لم أَرَهُ.
ومثلُه: (تعاميتُ)، ورجَّحَ غيرُه قولَ أبي عبيدةَ، فإنَّه إنَّما يُقالُ: (عشى)؛ إذا
مشى ببصرٍ ضعيفٍ، ونظيرُهُ (عَرَجَ): مشى مِشيةَ الأعرج، و(عَرَجَ): صارَ أعرجَ،
فكذلكَ عَشَى يَعْشى؛ إذا عَمِيَ .
إشارةٌ: (وَقِيلَهُ يَارَبَّ) [الزّخرُف: ٨٨]: قال البخاريُّ: (تَفْسِيرُهُ: أَيَحْسِبُونَ
أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ قِلَهُمْ؟) انتهى.
قال الزركشيُّ: (هذا يقتضي أنَّه فصلَ بينَ المتعاطفينِ بجُمَلٍ كثيرةٍ، وينبغي
حملُ كلامِهِ على أنَّه أرادَ تفسيرَ المعنى، ويكونُ التقدير: ويعلمُ قيلَه، فحذفَ
العاملَ، وقال السفاقسيُّ: هذا التفسيرُ أنكرَهُ بعضُهُم، وقال: إنَّما يصحُّ ذلك لو
كانتِ التلاوةُ: ((وَقِيلَهُمْ))، وقيل: المعنى: ((إلَّا مَنْ شَهِدَ بالحقِّ، وقال قيلَه: يا
رب؛ إنَّ هؤلاء قوم لا يؤمنون!)) على الإنكارٍ) انتهى.
وقال والدي تَّتُهُ تعالى: (وَقِيلَه) ... إلى أنْ قال: ((وَلَا نَسْمَعُ قِيلَهُمْ))؛ أي:
أنَّه منصوبٌ على العطفِ على المفعولِ)) انتهى، وقد قرأَ بالنصبِ مَن عدا عاصم
وحمزة(١)، وقيل: إنَّه منصوبٌ على المصدرِ؛ أي: مَن شَهِدَ وقال قيلَه، وقد قرأَةً
عاصمٌ وحمزةُ بخفضِ اللَّامِ، وكسرِ الهاءِ، بالعطفِ على ﴿السَّاعَةَ﴾ [الزخرف:
٨٥]؛ أي: (٢) علمُ قيلِه، وقيل: على القسم) انتهى كلام والدي.
(١) زيد في (ص) تبعًا لما في ((التلقيح)): (والكسائي)، وكذا في الموضع اللاحق، وليس
بصحيح، انظر ((النشر)) (٢/ ٢٧٧).
(٢) زيد في (ص): (على)، ولا يستقيم.

٤٠٧
كِتَابُ النَّفْسِيرِ
واعلم [أنَّ] إذا قلنا: إنَّ الواوَ للقسم؛ فالجوابُ إمَّا محذوفٌ؛ تقديرُه:
لَتُنْصَرُنَّ، أو لَأفعلَنَّ بهم ما أُريدُ، وإمَّا مَذكورٌ؛ وهو قولُه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءٍ قَوْمٌ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨]، ذكرَهُ الزمخشريُّ.
وأمَّا قراءةُ النصبِ؛ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّه منصوبٌ على محلِّ ﴿السَّاعَةَ﴾؛ كأنَّه قيلَ: إنَّه يعلَمُ الساعةَ،
ويعلَمُ قِيلَهُ كذا .
الثاني: أنَّه معطوفٌ على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٧٨]؛ أي: لا نَعْلَمُ
سِرَّهم ونجواهُم، ولا نَعلَمُ قِيلَهُ.
الثالثُ: عطفٌ على مفعولٍ ﴿يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] المحذوفِ؛ أي:
يكتبونَ ذلك، ويَكْتُبُونَ قِيلَهُ كذا أيضًا.
الرابعُ: أنَّه معطوفٌ على مفعولٍ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] المحذوفِ؛ أي:
يعلمونَ ذلك، ويعلمونَ قِیلَه .
الخامسُ : أنَّه مصدرٌ؛ أي: قال قِيلَهُ.
السادسُ: أنْ ينتصِبَ بإضمارٍ فعلٍ؛ أي: اللهُ يعلَمُ قيلَ رسولِه؛ وهو
محمَّدٌ ◌َلتِ.
السابعُ: أنْ ينتصِبَ على محلِّ ﴿بِالْقِ﴾ [الزخرف: ٨٦]؛ أي: شَهِدَ بالحقِّ
وبقیله .
الثامنُ: أنْ ينتصبَ على حذفِ حرفِ القَسَمِ .
وقرأَ الأعرجُ، وأبو قلابةَ، ومجاهدٌ، والحسنُ: بالرفع، وفيه أوجهٌ؛ فانظرِ
المطوَّلات.
سورة الذُّخَان
(﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ﴾ [الدخان: ٥٤]: أَنْكَحْنَاهُمْ): تقدَّمَ كلامُ البِرماويِّ أنَّ هذا
خلافُ المشهورِ عندَ المفسِّرينَ؛ بل معناهُ: قَرَنَّاهم، فإنَّ (زوَّج) لا يتعدَّى بالباءِ
على الأفصح، قال في ((المحكم)): (يقال: تزوَّجَ امرأةٌ وبامرأةٍ، وأبى بعضُهم

٤٠٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي/ الجزء الثاني
تعدِّیه بالباءِ، وقال: ليس من كلام العرب) انتهى.
ورأيتُ في ((حادي الأرواح)) لابن القيِّم: ([قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ﴾]:
قال أبو عُبيدةَ: ((جعلناهم أزواجًا))؛ كما يزوَّج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين
اثنين، وقال يونس: قرنًّاهم، وليس مِن عقد التزويج، قال: والعربُ لا تقولُ:
تزوَّجتُ بها، وإنَّما تقولُ: تزوَّجتُها، قال مَن نصرَ هذا القول: والتنزيلُ يدُلُّ على
ما قاله يُونُسَ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَحْتَكَهَا﴾.
[الأحزاب: ٣٧]، ولو كانَ على ((تزوَّجتُ بها))؛ لكانَ قال: زوَّجناكَ بها، وقال ابنُ
سلام: تميم تقول: تزوَّجتُ امرأةً، وتزوَّجتُ بها، وحكاه الكِسائيُّ أيضًا، وقال
الأزهريُّ: تقولُ العربُ: زوَّجتُه امرأةً، وتزوَّجتُ امرأةً، وليس مِن كلامِهِم:
تزوَّجتُ بامرأةٍ .
قال: وقولُه تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾؛ أي: قرنَّاهُم، وقال الفرَّاء: هي
لغةُ أزدِ شنوءة، قال الواحديُّ: وقولُ أبي عبيدةً في هذا أحسنُ؛ لأنَّه جَعَله(١) مِنَ
التزويج الذي هو بمعنى: جعلِ الشيءِ زوجًا، لا بمعنى عقدِ النِّكاحِ، ومِن هذا
يجوزُ أَنْ يُقالَ: كان فردًا فزوَّجتُه بآخَرَ؛ كما يُقال: شَفَعْتُه بأُخرى، وإنَّما تمتنعُ
الباءُ(٢) عندَ مَن يمنعُها إذا كانَ بمعنى: عقدِ التزويج.
قلتُ: ولا يمتنعُ أنْ يُرادَ الأمرانِ معًا، فلفظُ ((التزويج)) يدُلُّ على النكاحِ،
كما قال مجاهدٌ: ((أنكحناهم الحورَ))، ولفظُ الباءِ يدُلُّ عَلَى الاقترانِ والضمِّ،
وهذا(٣) أبلغُ مِنْ حذفها) انتھی.
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: ﴿وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية
حديث: قال الله ريق: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر
٤٨٢٦ - (وَأَنَا الدَّهْرُ): بالرفع ضبطَهُ المحقِّقونَ؛ أي: أنا الفاعلُ لما يصفونَه
(١) في (ص): (جعل)، والمثبت من مصدره.
(٢) في (ص): (البناء).
(٣) في (ص): (هذا) بغير عاطف.

٤٠٩
كِتَابُ النَّفْسِيرِ
للدهرِ، أو الخالقُ، أوِ المقدِّرُ لما ينسبونَه إليه، فإذا سَبَبْتُمُ الذي تعتقدونَ أنَّه
فاعلُ ذلك؛ فقد سَبَبْتُمُوهُ.
وحكى الراغبُ: أنَّ (الدهرَ) الثاني غيرُ الأوَّلِ، وإنَّما هو قَصَدَ معنى
الفاعلِ؛ أي: إنَّ اللهَ هو الدهرُ؛ أي: المتصرِّفُ المدبِّرُ لما يحدُثُ، قال:
والأوَّلُ أظهرُ.
ولا يصحُّ أنْ يُقالَ: هو اسمُ الله، وكانَ أبو بكر بنُ داودَ الظاهريُّ یرویهِ
بالفتح نصبًا على الظرفِ؛ أي: أنا طولَ الدهرِ بيدي الأمرُ، وكانَ يقولُ: (لو كانَ
مضمَوَمَ الرَّاءِ؛ لصارَ اسمًا مِنْ أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ)، وهذا الذي قاله ليسَ بلازم،
لا سيَّما على روايةٍ: (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)(١)، وهو على ما ذكرنا، وقد جوُّزَ
النصبَ جماعةٌ؛ منهمُ النَّخَّاسُ، وقال القاضي: نصبَهُ بعضُهُم على الاختصاصِ،
والظرفُ أصُّ، انتهى كلام الزركشي.
وقال ابنُ قُرقُولَ: (رُوِيَ بالنصبِ والرفعِ، وهو أكثرُ، [والنصب] على
الظرفِ، وقيل: على الاختصاصِ).
وقال ابنُ الجوزيِّ: (هو باطلٌ مِنْ وجوهٍ :
أحدُها: أنَّه خلافُ أهلِ النقلِ، فإنَّ المحدِّثينَ المحقّقينَ لم يضبطوها إلَّا
بالضمِّ، ولم يكُنِ ابنُ داودَ مِنَ الحفّاظِ، ولا مِنْ علماءِ النقلِ .
ثانيها: أنَّه ورد بألفاظِ صِحاحٍ تُبطِلُ تأويلَهُ.
ثالثُها: تأويلُه يقتضي أنْ تكونَ عِلَّةُ النهي لم تُذكَر؛ لأنَّه إذا قال: ((لا تَسُبُّوا
الدهرَ؛ فأنا الدهرَ أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ))؛ فكأنَّه قال: لا تَسُبُّوا الدهرَ فأنا أُقَلِّبُه،
ومعلومٌ أنَّه يُقَلِّبُ كلَّ شيءٍ مِنْ خيرٍ وشرٍّ، وتقليبُه للأشياءِ لا يمنعُ ذَمَّها، وإنَّما
يتوجَّهُ الأذى في قولِه: ((يُؤذيني ابنُ آدَمَ)) على ما أشرنا إليه)، وسيأتي في (كتاب
الأدب) إن شاء الله تعالى وقدَّرَه(٢).
وقال شيخُنا في ((الفتح)): (وهذِه الأخيرةُ - يعني: روايةَ: ((فإنَّ اللهَ هوَ
الدهرُ))- لا تُعَيِّنُ الرفعَ؛ لأنَّ للمخالفِ أنْ يقولَ: التقديرُ: فإنَّ اللهَ هوَ الدهرَ
(١) [خ: ٦١٨٢].
(٢) [خ: ٦١٨١].

٤١٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
يُقَلِّبُ، فيرجعُ للروايةِ الأُخرى، وكذا تركُ ذِكْرٍ عِلَّةِ النهي لا يُعَيِّنُ الرفعَ؛ لأنَّها
تُعرَفُ مِنَ السياقِ؛ أي: لا ذنبَ له، فلا تَسُبُّوهُ) انتهى .
وقال الطّيبيُّ: (روى السجستانيُّ نصبَ ((الدهر)) في ((أنا الدهرَ))؛ أي: أُقَلِّبُ
الليلَ والنهارَ في الدهرِ، وقيل: الرفعُ أولى، وأقولُ: وهو كذلك؛ لأنَّه لا طائلَ
تحتَه على تقديرِ النصبِ، أمَّا معنًى؛ فلأنَّه لا فائدةَ في قوله: ((أنا أُقلِّبُ الليلَ
والنهارَ في الدهرِ))؛ لأنَّ الكلامَ مَسُوقٌ للردّ على السابِّ والإنكارِ عليه، وأمَّا
لفظًا؛ فإنَّ تقديمَ الظرفِ إمَّا للاهتمام، أوِ الاختصاصِ، ولا يقتضي المقامُ ذلك؛
لأنَّ الكلامَ مفرٌَّ في شأنِ المتكلِّم، لا في الظرفِ؛ ولهذا عرَّفَ الخبرَ باللَّام؛
الإفادةِ الحصرِ، فكأنَّه قيلَ: أنا أُقَلِّبَ الليلَ والنهارَ، لا ما تَنْسبونه إليه.
[و] قيل: ((الدهر)) الثاني غيرُ الأوَّلِ، وإنَّما هو مصدرٌ بمعنى الفاعلِ؛
ومعناه: أنا الدهرُ المصرِّفُ المدبِّرُ.
وقال الراغب: ((والأظهرُ أنَّ معناهُ: أنا فاعلُ ما يُضافُ إلى الدهرِ مِنَ الخيرِ
والشَّرِّ، والمَسَرَّةِ والمَسَاءَةِ، فإذا سببتُمُ الَّذي تعتقدونَ أنَّه فاعلُ ذلك؛ فقد
سَبَيْتُمُوني)).
وقال القاضي ناصرُ الدين: ((قيل: فيه إضمارُ المضافِ؛ والتقديرُ: أنا مُقَلِّبُ
الدهرِ، والمتصرِّفُ فيه؛ والمعنى: أنَّ الزمانَ يُذعِنُ لأمري، لا اختيارَ له، فمَنْ
ذمَّهُ على ما يظهَرُ فيه صادرًا مِنِّي؛ فقد ذمَّنِي، فإنِّي الضارُّ النافعُ)).
ولقائلٍ أنْ يقولَ: قد تقرَّرَ في المعاني أنَّ المعرَّفَ إذا أُعيدَ؛ كانَ الثاني غيرَ
الأوَّلِ، وعلى التقاديرِ لا يلزمُ اتِّحادُ المعنى؛ لأنَّ السببَ غيرُ المسبّب؟ قلتُ:
وردَ النهيُ على السابِّ الدهريِّ الذي يسُبُّ الدهرَ لا لِذاتِهِ، بل لتصرُّفاتِه وحوادِثِه
التي على خلافٍ مُرادِهِ، وقولِه: إنَّه هو الفاعلُ الحقيقيُّ، وإنَّه مستقلٌّ بها؛
كقولِهِم: ﴿وَمَا يُهْلِكُآ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجائية: ٢٤]، على قصر القلبِ كما مَرَّ، فقيلَ
لهم: ما تعتقدونَه مِنَ الفاعلِ الحقيقيِّ هو اللهُ تعالى، ويعضُدُ هذا التقرير
قولُه ◌َّهِ: (بِيَدِي الأمرُ، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ))، فإنَّه وَّهِ أوقعَ ((بيدي الأمرُ أُقَلِّبُ
الليلَ والنهارَ)) بيانًا وتفسيرًا لقولِه: ((الدهر))، ولا ارتيابَ أنَّ الدهرَ لغةً ليس
بذلك).

٤١١
كِتَابُ التَّفْسِيرِ
ورأيتُ في ((الفائق)): ((لا تسُبُّوا الدهرَ؛ فإنَّ الدهرَ هو اللهُ))، ورُوِيَ: ((فإنَّ
اللهَ هو الدهرُ))، الدهرُ: الزمانُ الطويلُ، وكانوا يعتقدونَ فيه أنَّه الطارقُ
بالنوائبٍ؛ ولذلك اشتقُّوا مِن اسمه: ((دَهَرَ فلانًا خَطْبٌ))؛ إذا دهاهُ(١)، وما زالوا
يَشْكُونَه ويذمُّونَه)، ثمَّ ذكرَ أشعارًا، ثمَّ قال: (فنهاهُم عليه السلام عن ذمِّ الدهرِ،
وبيَّنَ لهم أنَّ الطوارِقَ التي تنزِلُ بهم مُنزِلُها اللهُ تعالى دونَ غيرِهِ، وأنَّهُم متى
اعتقدوا في الدهرِ أنَّه المُنزِلُ وذمُّوه؛ كانَ مرجعُ الذِّ إلى العزيز الحكيم - [تعالى
عن ذلك علوًّا كبيرًا] - والذي يحقِّقُ هذا الموضعَ ويَفصِلُ بين الروايتين: هو أنَّ
قولَه: ((فإنَّ الدهرَ هو اللـهُ)) حقيقتُهُ: فإنَّ جالبَ الحوادثِ هو اللهُ لا غيرُه، فوضعَ
((الدهر)) موضعَ ((جالب الحوادث))؛ كما تقولُ: إنَّ أبا حنيفةً أبو يوسف؛ تريد:
أنَّ النهاية في الفقه أبو يوسف لا غيرُه، فتضعُ أبا حنيفةَ موضعَ ذلك؛ لشهرتِهِ
بالتناهي في علمِهِ؛ كما شُهِرَ الدهرُ عندَهم بالحوادثِ، ومعنى الروايةِ الثانيةِ :
((فإنَّ اللهَ هوَ الدهرُ)): فإنَّ اللهَ هو الجالِبُ للحوادثِ لا غير الجالب؛ ردًّا
لاعتقادِهم أنَّ اللهَ ليس مِن جَلْبِها في شيءٍ، وأنَّ جالبَها الدهرُ؛ كما لو قلتَ: إنَّ
أبا يوسف أبو حنيفة؛ كأنَّ المعنى: أنَّه النهايةُ في الفقهِ، لا المتقاصرُ.
((هو)) فصلٌ، أو مبتدأُ خبرُه اسمُ ((الله))، أو ((الدهرُ))، في الروايتين).
وقال أبو جعفرِ النَّخَّاسُ: (يجوزُ النصبُ؛ أي: بأنَّ اللهَ باقٍ مقيمٌ أبدًا لا
يزولُ).
سُورَةُ مُحَمَّدٍ: ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾
حديث: خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم ...
٤٨٣٠ - (مَهْ): قال ابنُ مالكِ: (أصلُ ((مَهْ)) في هذا الموضع ((ما)) الاستفهاميَّة
حُذِفتْ ألفُها، ووُقِفَ عليها بالهاءِ للسَّكْتِ، والشائعُ: أَلََّ يُفعَلَ بها ذلك إلَّا
وهيَ مجرورةٌ، ومِنَ استعمالِها هكذا غيرَ مجرورةٍ قولُ أبي ذُؤَيبٍ: ((قَدِمتُ
المدينةَ ولِأهلِها ضجيجٌ بالبكاءِ؛ كضجيجِ الحجيجِ أهلِّوا بالإحرامِ، فقلتُ:
(١) في (ص): (وهاه)، والمثبت من مصدره.

٤١٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الثاني
مَهْ؟ فقيلَ لي: هَلَكَ النبيُّ وَّ))) انتهى ما رأيتُه في ((توضيحه)).
سُورَةُ الْفَتْحِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾
حديث: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس
٤٨٣٣ - (كُلَّ ذَلِكَ): بالنصبِ على الظرفِ.
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ الآية
حديث: كاد الخيران أن يهلكا
٤٨٤٥ - (يَهْلِكَا): قال السفاقسيُّ: كذا وقعَ بغيرِ نونٍ، وكأنَّه نُصِبَ بتقدير :
(أَنْ).
قلتُ: رواهُ بعضُهُم: (أَنْ يَهْلِكًا)؛ فالحذفُ على الأصلِ، انتهى.
وفي بعضِها: (أَنْ يَهْلِكَانٍ)، وإثباتُ النونِ مع الناصبِ والجازمِ لغةٌ، قال
الشاعرُ: [من البسيط]
يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ
وقال الشاعر: [من البسيط]
أَنْ تَقْرَآنِ(١) عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا
وتقدَّم(٢).
(أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ): وفي بعضِها: (أبو بكرٍ)، الأُولى على لغةِ القصرِ .
سُورَةُ ق: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾
حديث: يلقى في النار وتقول هل من مزيد
٤٨٤٨ - (قَطِ قَطِ): بالتخفيفِ والسكونِ، وبكسرِ القافِ، وهي روايةٌ عندَ أبي
ذرٍّ .
وقال السفاقسيُّ: فيه رواياتٌ: فتحُ القاف وسكونُ الطاء، وفتحُ القاف
(١) في (ص): (تقرأ).
(٢) [خ: ٧٤٧] [خ: ١٥٦٠].

٤١٣
كِتَابُ النَّفْسِيرِ
وكسرُ الطاء من غير تنوينٍ، وفتحُ القاف وكسرُ الطاءِ بالتنوين، فهذه ثلاثُ لغاتٍ
مع فتح القاف، والرابعةُ: قِطْ؛ بكسرِ القافِ، وسكونِ الطاء.
سُورَةُ ﴿وَالنَّجْرِ﴾، ﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾
حديث: إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل ...
٤٨٦١ - (مِثْلَهُ): منصوبٌ.
سُورَةٌ ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءٌ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ
١٤
وَلَقَد تَّرَّكْنَهَآ ءَايَةٌ﴾
حديث: كان النبي ◌َّ يقرأ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾
٤٨٦٩ - (﴿مُذَّكِرِ﴾): أصلُه: مُذْتَكِر، فاستُثقِلَ الخروجُ مِن حرفٍ مجهورٍ - وهو
الذالُ- إلى حرفٍ مهموسٍ - وهو التاءُ- فأُبدِلتْ(١) التاء دالًا؛ لتقارُب
مخرجَيهِما، وأُدغمتِ الذالُ في الدالِ، وقد قُرِئَ بهذا الأصلِ .
سُورَةُ الرَّحْمنِ
(﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]): منصوبٌ بالاستقرارِ الذي تضمَّنَهُ
الخبرُ؛ وهو قولُه: ﴿فِى شَأَنٍ﴾.
﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّثَانِ﴾
حديث: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ...
٤٨٧٨ - (آنِيَتُهُمَا): مبتدأٌ، خبرُه: (مِنْ فِضَّةٍ).
سُورَةُ الْحَشْرِ: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾
حديث: لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات
٤٨٨٦ - (كَيْتَ وَكَيْتَ): قال أهلُ العربيَّةِ: أصلُها (كَيَّة)؛ بالتشديدِ، والتاءُ فيها
(١) زيد في (ص) تبعًا لمصدره: (من)، ولعلَّ حذفها هو الصواب.