النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كِتَابُ الْعِلْمِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسٍ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبٍ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَِّ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَاٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ رَكْ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةٌ، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَاً إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، قَالَ موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَارْتَدًا عَلَ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ " . (تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ): وفي بعضها: (تَمَارَى وَالْحُرُّ)، ففيه العطفُ على الضَّميرِ المرفوعِ المتَّصلِ بلا فَضْلٍ، وتقدَّم قريبًا(١). باب رفع العلم وظهور الجهل حديث: إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ... (٨٠) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التََّّحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: " إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا". (أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ): هو في محلِّ النَّصبِ بأنَّهُ اسمُ (إِنَّ). حديث: من أشراط الساعة أن يقل العلم (٨١) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ (١) حديث رقم (٧٤). ١٦٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول مَالِكِ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ". (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ): بفتح اللَّامِ جوابُ قَسَمِ محذوفٍ؛ ولهذا جازَ دخولُ النونِ المؤگِّدة علیه . (حَدِيثًا): قائمٌ مَقامَ المفعولين لقوله: (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ). وقال البِرْماويُّ: (قائمٌ مَقامَ المفعولِ الثَّاني، والثَّالثُ محذوفٌ). (سَمِعْتُ): بيانٌ أو بَدَلٌ لقوله: (لَأُحَدِّثَنَّكُمْ). و (أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ): هو في محلِّ رفعٍ بالابتداء. باب فضل العلم حديث: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن (٨٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي غُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ)) قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((العِلْمَ)). (حَتَّى إِنِّي): بكسر الهمزة على تقدير كونِ (حَتَّى) للابتداء، وتُفتح على تقدير كونِها(١) جارَّةٌ . (يَخْرُجُ): الضَّميرُ فيه إمَّا (٢) راجعٌ إلى (اللَّبن)، وإمَّا إلى (الرِّيِّ) تجوُّزًا، وهو حالٌ إنْ كانتٍ(٣) الرُّؤيةُ بمعنى الإبصار، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (أَرَى) إن كانت بمعنى العلم. (١) في (ن): (كون حتى). (٣) في النسختين: (كان). (٢) (إمَّا): سقطت من (ن). ١٦٣ كِتَابُ الْعِلْم (قَالَ: ((العلمَ))): بالنَّصب؛ أي: أوَّلتُه العلمَ، ويجوزُ الرَّفعُ؛ أي: المؤوَّلُ به العلم. باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها (وَهُوَ وَاقِفٌ): جملة حالية. حديث: أن رسول اللّه ◌َّلل وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ... (٨٣) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنّى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)) فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)) فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ وَهِ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخّرَ إِلَّا قَالَ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). (يَسْأَلُونَهُ): إمَّا حالٌ من فاعل (وقف)؛ أي: وقف رسولُ الله وَ لِّ مسؤولًا ، وإمَّا من (النَّاس)؛ أي: وقف لهم سائلينَ عنه، وإمَّا استئنافٌ؛ بيانًا لعلَّةٍ الوقوف. (قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ): لا بُدَّ فيه من تقدير (لا) في الأوَّل؛ لأنَّ الكلامَ الفصيحَ قلَّما تقعُ (لا) الدَّاخلةُ على الماضي فيه إلَّ مكررةً، وحسُنَ ذلك هنا؛ لأنَّه وقعَ في سياقِ النَّفي، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَمَآَ(١) أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. وفي ((مسلم)): (مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ). (وَلَا حَرَجَ): خبرُ (لَا) محذوفٌ؛ أي: لا حرجَ عليك. وقال الزَّركشيُّ: (قوله: ((وَلَا حَرَجَ)) فيه حذفُ خبرِ ((لَا)) للعلم به؛ كقوله تعالى: ﴿لَا ضَيْرٌ﴾ [الشعراء: ٥٠]. (١) في النسختين: (ما). ١٦٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول باب من أجاب الفتيا بإشارة الید والرأس حديث: أن النبي ◌َّلتر سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي (٨٤) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َرَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: ((وَلَا حَرَجَ)) قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: ((وَلَا حَرَجَ)). (قَالَ: لَا حَرَجَ): لفظ (قَالَ) بيانٌ لقوله: (أَوْمَأَ)؛ ولهذا ما (١) ذَكَرَ الواوَ العاطفة، أو حالٌ. و (قَالَ): أي سائِلٌ آخرُ، أو ذلك السَّائلُ بعينِه . (فَأَوْمَأَ) أي: رسولُ الله وَّرِ (أَنْ لَا حَرَجَ)، وكلمةُ (أَنْ) إمَّا صلةٌ لقوله: (أَوْمَأَ)، وإمَّا تفسيريَّةٌ؛ إذْ في الإيماءِ معنى القولِ، وفي بعضها: (وَلَا حَرَجَ) مع الواو بدون (أَنْ)، ومعناه: يعني: أنَّه أشار باليد بحيث يُفهَمُ مِنْ تلك الإشارةِ أنَّه لا حرج، سيَّما وقد سُئل عنِ الحرج، أو لفظُ (قَالَ) ههنا مقدَّرٌ؛ أي: أوما قال - أو قائلًا -: وَلَا حَرَجَ. حديث: ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته (٨٦) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَنِ النَّبِيُّ ◌َهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ (١) ما: نافية، وعدم ذكر الواو العاطفة في قوله: (لَا حَرَجَ) هي رواية أبي ذرِّ، وروايةُ غيرِه بذكرها : (وَلَا حَرَجَ). ١٦٥ كِتَابُ الْعِلْم فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةٍ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّ المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنَا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ" . (سُبْحَانَ اللهِ!) إِنْ قلتَ: كيف أضافَ؟ قلتُ: نُكِّر، فأضيف. قال ابن الحاجب: (كونه علمًا إنَّما هو في غير حالة الإضافة، وهو مفعول مطلق التُزم إضمار فعله). (آيَةٌ؟): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؟ (إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا): استثناءٌ مفرٌَّ، وكلُّ مفرَّعْ متَّصلٌ، معناه: كلُّ شيءٍ لم أَكنْ أُريتُهُ مِن قبلٍ مُقامي ههنا رأيتُه في مَقامي هذا، و(رَأَيْتُهُ) في موضع الحال، وتقديرُه: (ما مِن شيءٍ لم أكنْ أُرِيتُه كائنًا في حالٍ مِنَ الأحوالِ إلَّا في حالٍ رؤيتي إيَّه)، وجاز وقوعُ الفعلِ مستثنّى بمثل هذا التَّأويل. (حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ): [حتى]: إِنْ كانت عاطفةً؛ فما بعدَها منصوبٌ عطفًا على المفعول في (رَأَيْتُهُ)، أو ابتدائيةً؛ فمرفوعٌ، أو جارَّةً؛ فمخفوضٌ؛ نحو: (أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رَأْسِها). (مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ): هما بغيرِ التنوينِ مضافانٍ إلى (فِتْنَةِ الْمَسِيحِ). إِنْ قلتَ: كيفَ جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه بأجنبيٍّ؛ وهو قوله : (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ؟). قلتُ: هي جملةٌ معترضةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المستفادِ مِنْ كلمة (أَوْ)، والمؤكِّدةُ للشَّيءِ لا تكون أجنبيّةً منه؛ فلذلك جاز الفصلُ بينهما وبين ما أُضيفا إليه . إِنْ قلتَ: هل يصحُّ أن يكونَ لشيءٍ واحدٍ مضافان؟ قلتُ: ليس ههنا مضافانٍ، بل مضافٌ واحدٌ؛ وهو أحدُهما لا على التعيين، ١٦٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول ولئن سلَّمنا؛ فتقديره: مثلَ فتنةِ المسيح، أو قريبَ فتنةِ المسيحِ، فحُذف أحدُ اللَّفظين منهما لدلالة الآخر عليه. فإن قلتَ: ما توجيهُه على ما في بعض النُّسخ من وجودِ (مِنْ) قبلَ (فِتْنَةِ)، و(مِنْ) لا تتوَسَّطُ بين المضافِ والمضافِ إليه في اللفظ؟ قلتُ: لا نسلِّم امتناعَ إظهارِ حرفِ الجرِّ بين المضاف والمضاف إليه؛ إذْ بعضُهم جوَّزَ التَّصريحَ بما هو مقدَّرٌ مِنَ (اللَّام) و(مِن) وغيرهما في الإضافات، وهو مثلُ قولِهم: لا أبا لك، وإنْ سلَّمنا؛ فهُما (١) ليسا بمضافينٍ إلى الفتنة المذكورة على هذا التَّقدير، بل مضافان إلى الفتنة المقدَّرة، والمذكورُ - وهو (مِنْ فِتْنَةِ) - هو بيانٌ لذلك المقدَّرِ . وفي بعضِ النُّسخِ: (قَرِيْبًا)، فيكون توجيهُه حينئذٍ: (مِنْ) صلةٌ له، ويقدَّر لفظُ (فِتْنَة) قبلَ لفظِ (قَرِيْبًا)؛ ليكونَ (المثل) مضافًا إليه، انتهى كلام الكرمانيِّ. قال القاضي: ((مِثْلَ أَوْ قَرِيْبَ)) كذا في كثيرٍ من نُسخ ((البخاري))، وكذا رويناه عن الأكثرِ في ((الموطأ))، ورويناه عن بعضهم: ((مَثَلًا أَوْ قَرِيْبًا))، ولبعضهم: ((مِثْلَ أَوْ قَرِيْبًا)»، وهو الوجهُ). وقال ابن مالك: (يُروى في ((البخاريِّ)): ((أَوْ قَرِيْبَ)) بغيرِ تنوينٍ، والمشهورُ: ((أَوْ قَرِيْبًا))، ووجهُهُ أنْ يكون أصلُه: ((مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبًا من فتنة الدَّجال))، فَحُذِفَ ما كان ((مثل)) مضافًا إليه، وتُرك على هيئتِهِ قبلَ الحذف، وجازَ الحذف لدلالةِ ما بعدَه، والمعتادُ في صحَّةِ هذا الحذفِ أن يكون مع إضافتين؛ كقولٍ الشَّاعر: [من الطويل] أَمَامَ وَخَلْفَ المَرْءِ مِنْ لُظْفِ رَبِّهِ وجاء أيضًا في إضافةٍ واحدةٍ؛ كما هو في الحديث. وأمَّا رواية (قَرِيبَ) بغيرِ تنوينٍ؛ فأراد: مثلَ فتنةِ الدَّجال أو قريبَ الشَّبهِ مِنْ فتنةِ الدَّجال، فحُذفَ المضافُ إليه، وبقيَ (قَرِيبَ) على هيئِهِ، وهذا الحذفُ في (١) في النسختين: (أنهما)، والصواب المثبت من ((الكواكب الدراري)) (٦٩/٢)، وانظر ((اللامع الصبيح)) (٤١٨/١). ١٦٧ كِتَابُ الْعِلْم المتأخِّرِ لدلالةِ المتقدِّم عليه قليلٌ؛ مثلَ قراءةِ ابنِ مُحَيصِنٍ: (لَا خَوفُ عَلَيْهِمْ) [البقرة: ٣٨، وغيرها] أي: لا خوفُ شيءٍ، وكقولِ الشَّاعرِ: [من السريع] أَقُولُ لمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ! أراد: سبحانَ الله! فحذفَ المضاف إليه وتركَ المضافَ بحالِه، يقول الشَّاعر: العجبُ منه إذْ يَفخرُ!) انتهى. وقال أبو البقاء: ((قَرِيْبًا)) منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: افتتانًا قريبًا من فتنة الدَّجال؛ ولذلك قال: ((أو مثلَ)) بإضافته إلى ((الفتنة))). و (أَيّ): الرِّوايةُ المشهورةُ فيه الرَّفعُ، وهو مبتدأٌ، وخبرُه: (قَالَتْ أَسْمَاءُ)، وضميرُ المفعولِ محذوفٌ، وفعلُ الدِّراية معلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب إِنْ كانتْ (أَيُّ) استفهاميَّةٌ، ويجوزُ أن يكونَ أيضًا مبتدأً مبنيًّا على الضمِّ على تقديرِ حذفٍ صدرٍ صلتِه، والتقدير: لا أدري أيُّ ذلك هو قالته أسماء، وأمَّا توجيه النَّصب؛ فبأن يكون مفعولًا لـ (لَا أَدْرِي)(١) إِنْ كانتْ موصولةً، أو مفعولَ (قَالَتْ) إِنْ كانتْ استفهاميَّةً أو موصولةً، أو يُقال: إنَّه(٢) مِنْ شريطةِ التَّفسير بأنْ يشتغلَ (قَالَتْ) بضميرِه المحذوفِ، ويَحتمل أن تكون الدِّرايةُ بمعنى: المعرفةِ. وقال الزَّركشيُّ: (بنصبٍ ((أَيَّ)). (إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا): قال الكرمانيُّ: ((إِنْ)) هي المخفَّفةُ من الثَّقيلةِ؛ أي: إنَّ الشَّأن) انتهى . وقد رأيتُ في ((شرح الألفية)) لابن عقيل: (اختُلفَ في هذه ((اللَّام)): هل هي لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق بين [((إِنْ))] النافيةِ و((إنْ)) المخفَّفةِ من الثقيلة، أم هي لامٌ أخرى اجتُلبتْ للفرق؟ وكلامُ سيبويه يدُلُّ على أنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق. وتظهرُ فائدةُ الخلاف في مسألةٍ جَرَتْ بين ابنِ أبي العافية وابنِ الأخضر؛ وهي في قوله بَّرَ: (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا))؛ فمَنْ جعلَها لامَ الابتداء؛ (١) في (ن): (مفعولَ ((لا أدري))). (٢) في النسختين و((الكواكب)): (إنَّ)، والمثبت موافق لما في ((اللامع)). ١٦٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول أَوْجَبَ (١) كسرَ ((إِنْ))، ومَنْ جعلها أخرى اجتُلِبَت للفرق؛ فَتَحَ ((أَنْ))، وجرى الخلافُ قبلَهما في هذه المسألة بين أبي الحسن الأخفش الصَّغير، وبين أبي عليٍّ الفارسي، فقال الفارسيُّ: ((هي لامٌ غيرُ لام الابتداء اجتُلِيتْ للفرق))، وبه قال ابنُ أبي العافية. وقال الأخفشُ الصَّغير: ((إنَّها لامُ الابتداء دَخَلَتْ للفرق)»، وبه قال ابنُ الأخضر) انتهى. وقال السَّفاقُسِيُّ: (بفتح الهمزةِ على جعْلِها مصدريَّةً؛ أي: عَلِمنا كونَكَ مُوقِنًا)، ورُدَّ بدخولِ اللَّام. وقال ابنُ هشام: (وإذا خُفِّفَتْ ((إِنَّ))؛ نحو: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]، (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ) [الطارق: ٤]؛ فاللَّامُ عند سيبويه والأكثرين لامُ الابتداء، أفادتْ - مع إفادتها توكيدَ النِّسبة وتخليصَ المضارع للحال ـ الفرقَ بين ((إِنْ)) المخفَّفة من الثَّقيلة و((إِنْ)) النَّافية؛ ولهذا صارتْ لازمةً بعدَ أنْ كانتْ جائزةَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يدُلَّ دليلٌ على قصدِ الإثبات؛ كقراءةِ أبي رجاءٍ: (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لِمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيَا) [الزّخرُف: ٣٥]؛ بكسر اللَّام؛ أي: لِلَّذي، وكقوله: [من البسيط] إِنْ كُنْتُ قَاضِيَ نَحْبِي يَوْمَ بَيْنِكُمُ لَوْلَمْ تَمُنُّوا بَوْعَدٍ غَيْرٍ تَوْدِيعٍ ويجبُ تركُها مع نفي الخبر؛ كقوله: [من الطويل] إِنِ الْحَقُّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَإِنْ هُوَلَمْ يَعْدَمْ خِلَافَ مُعَانِدٍ وزعم أبو عليٍّ، وأبو الفتحِ، وجماعةٌ: أنَّها لامٌ غيرُ لام الابتداء اجتُلِبَتْ للفرقِ . قال أبو الفتحِ: قال لي أبو عليٍّ: ظننتُ أنَّ فلانًا نحويٌّ محسنٌ حتَّى سمعتُه يقول: إنَّ اللَّمَ الَّتي تصحبُ الخفيفةَ هي لامُ الابتداء، فقلتُ له: أكثرُ نَحْوِيِّي بغداد على هذا. انتهى. (١) في النسختين: (وَجَبَ)، والمثبت من مصدره. ١٦٩ كِتَابُ الْعِلْم وحجَّةُ أبي عليٍّ دخولُها على الماضي المتصرِّف؛ نحو: ((إِنْ زَيْدٌ لَقَامَ))، وعلى منصوبِ الفعلِ المؤخَّرِ عنْ ناصبه في نحو: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وكلاهما لا يجوزُ مع المشدَّدة. وزعمَ الكوفيونَ: أنَّ اللَّامَ في ذلك كلِّه بمعنى: ((إلَّا))، وأنَّ ((إِنْ)) قبلَها نافيةٌ، واستدلُّوا على مجيءِ اللَّام للاستثناء بقوله: [من البسيط] أَمْسَى أَبَانُ ذَلِيْلًا بَعْدَ عِزَّتِهِ وَمَا أَبَانُ لَمِنْ أَغْلَاَجِ سُودَانٍ وعلى قولهم يُقالُ: ((قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنَا))؛ بكسرِ الهمزةِ؛ لأنَّ النَّافيةَ مكسورةٌ دائمًا، وكذا على قولٍ سيبويه؛ لأنَّ لامَ الابتداءِ تُعلِّقُ العاملَ عنِ العملِ . وأمَّا على قولِ أبي عليٍّ وأبي الفتحِ؛ فتُفْتَحُ) انتهى. باب تحريض النبي وَجُلّ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان ... حديث: مرحبًا بالقوم - أو: بالوفد - غیر خزایا ولا ندامی (٨٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَقْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: ((مَنِ الوَقْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ)) قَالُوا: رَبِيعَةُ فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَقْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)) قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّ فِي شَهْرٍ حَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَنَ وَحْدَهُ، قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَاً الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَخْدَهُ؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ)) وَنَهَاهُمْ عَنِ "الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَم وَالمُزَقَّتِ " قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: ((النَّقِيرِ)) وَرُبَّمَا قَالَ: ((المُقَيَّرِ)) قَالَ: ((احْفَُّوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ)) . (نَدْخُل): بغير الواوِ مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعُه بأنَّه حالٌ، أو استئنافٌ، أو ١٧٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول بَدَلٌ، أو صفةٌ بعدَ صفةٍ، وجزمُه بأنَّه جوابُ الأمرِ، وتقدَّم(١). فإِنْ قلتَ: الدُّخولُ ليس هيئةً لهم، فكيف يكون حالًا؟ قلتُ: حالٌ مقدَّرةٌ؛ أي: نُخبر مقدرين دخولَ الجَنَّةِ، وفي بعضها: (نُخْبِرْ)(٢)؛ بالجزم، وعلى هذه الرِّواية (نَدْخُلْ) بَدَلٌ منه، أو هو جوابٌ للأمر بعدَ جوابٍ. (وَتُعْطُوا): حَذَفَ النُّونَ؛ لأنَّ الواوَ العاطفةَ إذا كان المعطوفُ عليه اسمًا تُقدَّرُ (أنْ) الناصبةُ بعدَها، قاله الكرمانيُّ . وقال البِرْماويُّ: (نُصِبَ بـ((أَنْ)) مقدَّرةً؛ لأنَّه عطف على المصدر؛ نحو: [من الوافر] وَلَبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي فكأنَّه عَطفُ مصدرٍ مقدَّر على صريحٍ). قال الزَّركشيُّ: (كقولِه تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ، لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] على قراءةِ النَّصب). وأراد مثلَه في نصبِه بمقدَّرٍ، لا العطفِ على مصدرٍ؛ لأنَّ ذلك جوابُ الاستفهام. باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله حدیث عقبة: أنه تزوج ابنه لأبي إهاب (٨٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَّيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةً ابْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابٍ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا (١) حديث رقم (٥٣). (٢) في النسختين: (ندخل)، وهو خطأ، والمثبت من ((الكواكب الدراري)) (٢/ ٧٢-٧٣)، وهو الصواب. ١٧١ كِتَابُ الْعِلْم أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ لَهِ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ : ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ)) فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. (أَرْضَعْتِينِي): بإشباع الكسرة. (وَلَا أَخْبَرْتِنِي): عطفٌ على (مَا أَعْلَمُ). (بِالْمَدِينَةِ): متعلّقٌ بـ (كائنًا) مقدَّرًا، لا بقوله: (فَرَكِبَ). (كَيْفَ): هو ظرفٌ سؤالًا عن الحال، وقد قيل: هو أيضًا حالٌ، وهما يَسْتَدْعِيانِ عاملًا يعملُ فيهما؛ يعني: كيفَ تُباشِرُها وتُفضِي إليها وقد قيلَ: إنَّك أخوها؟! إنَّ ذلك بعيدٌ مِن ذِي المروءَةِ. باب التناوب في العلم حديث عمر: كنت أنا وجار لي من الأنصار (٨٩) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، (ح) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: (لَا)) فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. (وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ): بالرَّفعِ، وجاءَ بالنَّصبِ مفعولٌ معه. قال ابنُ مالكِ في هذا الحديثِ، وفي حديثٍ: كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((كنت وأبو بكر وعمر ... )) الحديث(١): (تضمَّنَ هذا صحةَ العطفِ على (١) رقم (ح: ٣٦٧٧). ١٧٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول ضميرِ الرَّفعِ المتَّصلِ غيرَ مفصولٍ بتوكيدٍ أو غيرِهِ، وهو ممَّا لا يُجيزُه النَّحْوِيُّونَ في النَّثْرِ إلَّا علَى ضَعْفٍ، ويزعمونَ: أنَّ بابَهُ الشِّعْرُ، والصَّحيحُ جوازُه نثرًا ونظمًا، فمن الَّشْرِ ما تقدَّم)(١). وقال في ((ألفيَّتِه)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْمِ نَاشِيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ اعلم أنَّه يُعْطَفُ على الظّاهرِ والضَّميرِ المنفصلِ والضَّميرِ المتَّصلِ المنصوبِ بلا شرطٍ؛ كـ (قامَ زيدٌ وعمرٌو)، و(إِيَّاكَ والأسدَ)، ونحو: ﴿بَعْنَكُمُ وَالْأَوَلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]، ولا يَحسُنُ العطفُ على المرفوع المتَّصلِ - بارزًا كانَ أو مستترًا - إلَّا بعدَ توكيدِه بضميرٍ منفصلٍ؛ نحو: ﴿لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، أو وجودٍ فاصلٍ - أيَّ فاصلٍ كانَ - بينَ التَّابعِ والمتبوعِ؛ نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ [الرعد: ٢٣]، أو فَضْلٍ بـ (لا) بين العاطفِ والمعطوفِ؛ نحو: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقدِ اجتمعَ الفصلانِ في نحو: ﴿مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَآبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويضعُفُ بدون ذلك؛ كـ (مررتُ برجُلٍ سَواءٍ والعَدَمُ) بالرَّفعِ؛ أي: مُسْتَرِ هوَ والعَدَمُ، وهوَ فاشٍ في الشِّعْرِ، قال الشَّاعر: [من الكامل] وَرَجَا الْأُخَيْطِلُ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَأَبِّ لَهُ لِيَنَالًا فعطفَ (وَأَبٌّ) على الضَّمير المُسْتَكِنِّ في (لَمْ يَكُنْ) مِنْ غيرِ توكيدٍ ولا فَضْلٍ، وهوَ شاذٌّ، هذا ما قالوهُ. قال بعضُهم: (وكيفَ يكونُ شاذًّا وفي ((صحيح البخاري))(٢): ((كُنْتُ وَأَبُو (١) أي: مِنْ قولِ عمرَ في حديثِه (٢٤٦٨): (كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ)، وقولِ النبيِّ ◌َّ في حديث عليٍّ (٣٦٧٧): كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ... )) الحديثَ، وما سبق من ابن عباس: أنَّه تمارى هو والحرُّ بن قيس (٧٤)، وعبارةُ ابنُ مالك في ((شواهد التوضيح)) (ص١٧٠- ١٧١) (٤٠): (فمِنَ النَّثرِ ما تقدَّم مِنْ قولٍ عليٍّ (٢) [٣٦٧٧]. وعمرَ ◌ًّا). ١٧٣ كِتَابُ الْعِلْم بَكْرٍ وَعُمَرُ ... ))، وفيه: ((كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ))؟!) انتهى. (فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ): إِنْ كانتْ (إِذَا) شرطيَّةً؛ فالعاملُ فيها (جِئْتُ) أو (نَزَلْتُ)، وإِنْ كانتْ ظرفيَّةً؛ فالعاملُ (جِئْتُ). (فَضَرَبَ بَابِي): عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فسمعَ اعتزالَ الرَّسُولِ بَّه عن زوجاتِه، فرجعَ إلى العوالي، فجاءَ إلى بابي، فضَربَ، ومثلُ هذهِ الفاءِ تُسمَّى بالفصیحةِ . (أَثَمَّ هُوَ؟): (أَثَمَّ) خبرٌ، و(هُوَ) مبتدأٌ . باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره حديث: أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف (٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ ابْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ وَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ)). (أَشَدَّ غَضَبًا): نُصِبَ (غَضَبًا) على التَّمييز، وفي بعضها: (مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ)(١). فإِنْ قلتَ: الضميرُ راجعٌ إلى رسولِ الله وَّرِ؛ فيلزمُ أَنْ يكونَ المفضَّلُ والمفضَّلُ عليه شيئًا واحدًا . قلتُ: جازَ ذلك باعتبارينٍ، فهو مفضَّلٌ باعتبارِ يومئذٍ، مفضَّلٌ علیه باعتبارِ سائرِ الأيَّامِ. (١) في هامش اليونينية: (منه) ورمز لابن عساكر، ثم قال: (قضيَّةُ ما في الفرع: أنَّ((مِنْهُ)) بدلُ ((مِنْ))، لكن في ((القسطلاني)) و((الكرماني)) و((البرماوي)) [٦/٢]: وفي روايةٍ: ((مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ)))، وكذا هنا، وفي ((عمدة القاري)) (١٠٦/٢)، وعبارة القسطلاني في ((الإرشاد)) (١٨٩/١): (وفي رواية ابن عساكر: ((مِنْهُ مِنْ يَومِئِذٍ)))، والذي ذكره الكرماني في ((الكواكب الدراري)) (٧٩/٢): (وفي بعضها: ((منه يومئذٍ))) على البدلية، وسيأتي هكذا برقم (٧٠٢) و(٧٠٤) و(٦١١٠) و(٧١٥٩). ١٧٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول (وَذَا الْحَاجَةِ): بالنَّصبِ، ورُوِيَ بالرَّفعِ، فِإِنْ صحَّ؛ فهو معطوفٌ على موضع خبرٍ (إِنَّ) قبل دخولها(١)، أو على الضَّمَيَر الَّذي هو في الخبر المقدَّم. حديث: أن النبي ◌َّ سأله رجل عن اللقطة (٩١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: ((وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)) قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: ((لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّتْبِ)). (١) كذا في النسختين: (موضع خبر ((إن)) ... )، وهي عين عبارة الزركشي في ((التنقيح)) (٦٨/١)، والبرماوي في ((اللامع الصبيح)) (٧/٢)، وهو خطأ، والصواب ما قاله الحافظ في ((الفتح)) (٢٢٤/١)، والعيني في ((عمدة القاري)) (١٠٧/١): (وجهُه: أنْ يكون معطوفًا على محلِّ اسم ((إنَّ))، وهو رفعٌ، مع الخلاف فيه)، وقول العيني: (مع الخلاف فيه) يريد به الخلاف الذي ذكره النحويون في علَّة الرفعِ في الاسمِ المعطوفِ بعد أن تستكملَ (إنَّ) اسمَها وخبرَها، قال ابنُ مالك في ((ألفيته»: وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبٍ (إِنَّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ فيجوزُ في الاسم الواقع بعدَ اسم (إنَّ) وخبرِها النصبُ عطَفًا على اسم (إنَّ)، وهو ظاهرٌ، ويجوزُ الرفعُ، وَاختلفَ فِيه؛ فَالمشهور: أنَّه معطوف على محل اسم (إنَّ)؛ فإنَّه في الأصل مرفوعٌ لكونه مبتدأً، وذهب قومٌ إلى أنَّه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، وهو الصحيحُ، وهو الوجهُ الثاني الذي ذكره العيني حيث قال: (ويجوزُ أن يكونَ المبتدأُ محذوفَ الخبر، وتكونَ الجملةُ معطوفةً على الجملة الأولى، والتقدير: وذو الحاجة كذلك)، واعتمده الدماميني في ((مصابيح الجامع)) (٢٢٤/١)، والقسطلاني في ((إرشاد الساري)) (١٨٩/١) حيث قالا: ((ذو)) مبتدأُ حُذِفَ خبرُه، والجملةُ عطفٌ على الجملة المتقدِّمةِ)، هذا وأضاف الحافظ وجهًا آخر فقال: (أو هو استئنافٌ)، وتعقَّبه العيني فقال: (وقال بعضُهم: أو هو استئنافٌ، قلتُ: لا يصحُّ أنْ يكون استئنافًا؛ لأنَّه في الحقيقة جوابُ سؤالٍ، وليس هذا محلَّه)، ولعل مراد الحافظ بقوله: (استئناف) الوجه الصحيح الذي اعتمده الدماميني والقسطلاني، وانظر ((شرح ابن عقيل)) (٣٧٥/١ -٣٧٦). ١٧٥ كِتَابُ الْعِلْمِ (فَضَالَّةُ الْإِبِلِ): مبتدأُ خبرُه محذوفٌ؛ أي: ما حكمُها؟ كذلك هو أم لا؟ وهو مِن بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ. حديث: سئل النبي ◌َّ- عن أشياء كرهها (٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: ((سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ)) قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: ((أَبُوكَ حُذَافَةُ) فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)) فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ رَتْ. (أَشْيَاءَ): غيرُ منصرفٍ؛ لأنَّ أصلَه (فَعْلَاء) كالشَّعْراء، جَمْعٌ على غيرِ واحدِهِ، فنقلوا الهمزةَ الأولى إلى أوَّلِ الكلمةِ فقالوا: أشياء، فتقديره: (لَفْعَاء). وقال الأخفش والفرَّاء: (هو ((أَفْعِلَاء)) كالأنبياء، فحُذفتِ الياء الَّتي بين الياء والألف؛ للتَّخفيف، فوزنه ((أَفْعَاء))). وقال الكِسائيُّ: (هو ((أَفْعَال)) كالأفراخ، تركوا صَرْفَها؛ لكثرةِ الاستعمال؛ لأنَّها شُبِّهَت بـ((فَعْلَاء))). باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ): (أَلَا) حرفُ التنبيهِ ذُكِرَ ليدُلَّ على تحقيقٍ ما بعدَه، و(قَوْلُ) مرفوعٌ عطفًا على (الْإِشْرَاكُ)؛ لأنَّه أشارَ إلى حديثٍ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)) ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((الْإِشْرَاكُ ... )))، فههُنا أيضًا مرفوعٌ؛ لأنّه حکایةٌ عنه، انتهى. وشاهدتُ بخطّ العلّامةِ شمسٍِ الدِّين بن الركن النَّحْويِّ ضَبَطَ (قَوْل) بالنَّصبِ، وتقديرُه: اجتنبوا، أو نحو ذلك. (ثَلاثًا): متعلِّقٌ بـ (قَالَ) لا بقوله: (بَلَّغْتُ). ١٧٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول حديث: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه (٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِّ وَّهِ أَنَّهُ كَانَ (إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا)). (فَسَلَّمَ): ليس جوابًا لـ (إِذَا)، بلِ الجوابُ هو (سَلَّمَ)، و(فَسَلَّمَ) مِن تتمَّةِ الشَّرط. (حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ) أي: لتُفهَم، لا بمعنى: إلى أَنْ تُفْهَم؛ لأنَّ قولَه: (ثَلَاثًا) تنفي عنه معنى الغاية . باب تعليم الرجل أمته وأهله حديث: ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه (٩٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَام، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: " ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ وََّ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانٍ"، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ. (صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ): إِنْ كان مِنَ (الحياةِ)؛ فلا ينصرفُ؛ لزيادةِ الألفِ والنُّونِ، وإِنْ كان مِنَ (الحِينٍ)؛ فينصرفُ، وإنَّما يُمنعُ الاسمُ مِنَ الصَّرْفِ إذا وُجِدَتْ فيهِ عِلَّتانِ مِنْ عِلَلٍ تِسْعِ، أو واحدةٌ تقومُ مَقام ◌ِلَّتين (١)، والعِللُ التِّسْعُ يَجمَعُها قولُه: [من البسيط] عَدْلٌ وَوَصْفٌ وَتَأْنِيثٌ وَمَعْرِفَةٌ وَعُجْمَةٌ ثُمَّ جَمْعٌ ثُمَّ تَرْكِيبُ (١) في (ن): (العِلَّتين). ١٧٧ كِتَابُ الْعِلْم وَالنُّونُ زَائِدَةً مِنْ قَبْلِهَا أَلِفٌ وَوَزْنُ فِعْلٍ وَهَذَا الْقَوْلُ تَقْرِيبُ إشارةٌ : (زَائِدَةً) في البيت: منصوبةٌ على أنَّها حكايةٌ عن حالٍ في مثْلٍ قولِنا: (يَمنعُ الاسمَ الصَّرفَ: الُّونُ زائدةً)؛ إذ لا عاملَ ههنا ينصبُها على الحالِ، ولا يُمكِنُ رفعُها بأَنْ تكونَ خبرَ مبتدأٍ وهو (النُّونُ)؛ لأنَّ الجملةَ - وهي قولُنا: (النُّونُ زائدةً) - ليستْ تُسبِّبُ منع الصَّرْفِ، ولا بأِنْ تكونَ صفةً لـ (النُّونِ)؛ لكونِها نكرةً، و(النُّونُ) معرفةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْكَمَ بزيادةِ اللَّم في (النُّونِ)، والدليلُ عليها ذِكْرُ بقيَّةِ الأسبابِ في البيتينِ نكرةً. (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانٍ): (ثَلَاثَةٌ): مبتدأٌ، وتقديرُه: ثلاثةُ رجالٍ؛ أي: فالمميِّزُ محذوفٌ، أو رجالٌ ثلاثةٌ، و(لَهُمْ أَجْرَانٍ) جملةٌ خبرُه، و(رَجُلٌ) بَدَلٌ من (ثَلَاثَةٌ)، أو الجملةُ صفتُه، و(رَجُلٌ) وما عُطِفَ عليه خبرُه، و(رَجُلٌ) بَدَلُ بعضٍ من كلِّ بالنَّظرِ إلى كلِّ رَجُلٍ، وبالنَّظرِ إلى المجموعِ بَدَلُ الكُلِّ، انتهى كلام الكرمانيِّ. وقال السَّخوميُّ: (و((رَجُلٌ)): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: أحدُها رَجُلٌ ... ، وكذا ((الْعَبْدُ)) و((رَجُلٌ))(١)؛ أي: ثانيها العبدُ المملوكُ ... ، وثالثها رَجُلٌ ... ، ويجوز أن يكونَ عَظْفَ بيانٍ، و((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)): صفةٌ لـ((رَجُلٌ))، وكذا «آمَنَ بِنَبِّهِ»). (فَأَحْسَنَ): الفاءُ: للترتيبِ أيضًا، لكنَّها دون (ثمَّ)؛ كما في قولكَ: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل؛ يعني: التَّأديبُ والتَّعليمُ بالرِّفقِ أحسنُ وأفضلُ منه بالعنفِ . باب عظة الإمام النساء وتعليمهن حديث: أشهد على النبي ◌َّرِ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع (٩٨) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ وَهِ - أَوْ قَالَ (١) قوله: (ورجل) سقط من (ن). ١٧٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَله - ((خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ)) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِّ وَلَ . (وَمَعَهُ بِلَالٌ) - في بعضِ النُّسخِ بغيرِ واوٍ -: جملةٌ اسمِيَّةٌ وقعتْ حالًا، وذلك جائزٌ بغيرِ ضعْفٍ، قال الله تعالى: ﴿ أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البَقَرَة: ٣٦]. (فَظَنَّ (١) أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ): حلَّتْ (أَنَّ) واسمُها وخبرُها محلّ مفعولَي (ظَنَّ). باب الحرص على الحديث حديث: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد ... (٩٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ یَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ)). (لَقَدْ ظَنَنْتُ): اللَّامُ: جوابُ قسم محذوفٍ. (يَسْأَلنِي): يجوزُ في اللَّام الرَّفَعُ والنَّصبُ؛ لأنَّ كلمةَ (أَنْ) إذا وقعتْ بعدَ الظَّنِّ؛ يجوزُ في مَدْخُولِها الوجهَانِ. (أَوَّل): منصوبٌ؛ لأنَّه في حكم الظّرْفِ، ووقعتْ حالًا . وقال أبو البقاء: (نُصِبَ ((أَوَّلَ)) هنا على الحال؛ لأنَّه في معنى: لا يسألني أحدٌ سابقًا لك، وجازَ نصبُه على الحالِ على النَّكرةِ؛ لأنَّها في سياقٍ لنَّفي فتكونُ عامّةً) انتهى. (١) قوله: (فظن) مثبت من (ن). ١٧٩ كِتَابُ الْعِلْم وقال ابن السُّبكي في ((الطبقات الكبرى)): ((أَوَّلُ)): أفعلُ تفضيلٍ، وهي مضمومةٌ على أنَّها صفةٌ لـ((أَحَدٌ))، وقد رددتُ على مَن يفتحُها). وقال عياضٌ: (إنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ((ظَنَنْتُ))). ويجوزُ الرَّفعُ بأنَّهُ صفةُ (أَحَدٌ) أو بدلٌ من (أَحَدٌ). قال ابن الملقِّن: (والرِّوايةُ بالرَّفع، وذكرَ بعضُهم أنَّه رُوِيَ أيضًا بالنَّصب). فائدة: قال أبو محمَّد الحلبي: (الرَّفعُ روايتُنا)، وقال السَّفاقُسِيُّ: (النَّصبُ روایتُنا). (لِمَا رَأَيْتُ): (مَا) موصولةٌ، والعائدُ محذوفٌ، [و] (مِنْ): بيانيَّةٌ؛ [أي: اللَّذي رأيتُهُ مِن حرصك]. أو [مَا] مصدريَّةٌ، و(مِنْ) تبعيضيَّة(١) مفعولٌ لـ (رَأَيْتُ)؛ أي: لرؤيتي بعضَ حرصك. (مِنْ قَلْبِهِ): يَحتمل تعلُّقه بـ (خَالِصًا)، أو بحالٍ مِنْ ضميرٍ (قَالَ)، وهذا أرجحُ؛ أي: ناشئًا مِنْ قلبِهِ، ومحلُّ الإعرابِ حينئذٍ للمتعلَّق، لا لنفسِ الجارِ والمجرور. باب كيف يقبض العلم (مَا كَانَ مِنْ حَدِيثٍ): (كَانَ): إمَّا تامَّةٌ، أو ناقصةٌ، قاله الكرماني. حدیث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا (١٠٠) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوَلَ اللَّهِ وَه يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلَّوا وَأَضَلُّوا)) قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) العبارة في النسختين: (من: بيانية، أو مصدرية ومن وعلى تبعيضية ... ). ١٨٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ نَحْوَهُ. (انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ): حالٌ مِنَ (الْعِلْمَ)، و(انْتِزَاعًا): مفعولٌ مطلقٌ قُدِّمَ على فِعْلِه، أو هو مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ مقدَّرٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وقيل: مفعولٌ مطلقٌ عن معنى (يَقْبِضُ)؛ نحو: (رجع القهقرى)، و(يَنْتَزِعُهُ): صفةٌ مُبَيِّنَةٌ لـ (الانتزاع). و (الْعِلْمَ) [الثاني]: مِنْ بابٍ وضعِ الظَّاهرِ موضِعَ(١) المُضمَرِ. وقال بعضُهم: (انْتِزَاعًا) - مصدرُ (يَنْتَزِعُهُ) قُدِّمَ على (يَنْتَزِعُهُ) -: حالٌ من الضميرِ في (يَقْبِضُ)، أو نصبٌ مفعولٌ له؛ أي: لا يُقبضُ للانتزاع، أو على أنَّه حالٌ من المفعول؛ أي: في حال كونِ العلمِ منتَزَعًا . و(يَنْتَزِعُهُ) جوابٌ عمَّا يُقال: ممَّن يُنتَزَعُ العلمُ؟ والضميرُ البارزُ في (يَنْتَزِعُهُ) يعودُ إلى (الْعِلْمَ)، (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ): مِن بابِ إقامةِ المظهرِ مُقَامَ المضمَرِ؛ لازدياد تمكينِ المظهَرِ؛ كقولِ الشاعر: [من البسيط] إِنْ تَسْأَلُوا الْحَقَّ نُعْطِي الْحَقَّ سَائِلَهُ دون (نعطيه)، وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، دون (هو الصمد). والضميرُ في (إِذَا لَمْ يَتْرُكْ): للهِ تعالى؛ أي: حتى إذا لم يتركِ اللهُ عالمًا في الدنيا، وفي (حَتَّى) [دلالةٌ] التدريج (٢)، وفي (إِذَا) إشعارٌ بأنَّ المذكورَ معها واقعٌ لا محالةَ؛ إذِ الأصلُ فيها القطعُ بَوقوعِ الشرطِ، ثمَّ قال: (اتَّخَذَ) بلفظِ الماضي دونَ (يتخذ)؛ لكونِه في حالِ المقطوع به؛ لأنَّه ضروري الوقوع نظرًا إلى إخبارٍ المخبر الصادق. [(فَأَقْتَوْا): الفتوى مِنَ (الفتى)؛ وهو الشابُّ القويُّ، وسُمِّيتِ الفتوى]؛ لأنَّ المُفتي يُقَوِّي السائلَ في جوابِ الحادثةِ (٣). (١) في (ص): (بموضع). (٢) في (ص): (للتدريج)، والمعنى: أن (حتى) تدل على أنَّ قبض العلماء واقعٌ بالتدريج، انظر ((عمدة القاري)) (١٣١/٢). (٣) قوله: (وقال بعضهم: انتزاعًا) إلى هنا سقط من (ن).