النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اليهود تعقّبَهُ الْبُلقينيُّ، وانظُرْهُ أوَّلَ ((الصَّوم))(١)](٢). وقال البِرْماويُّ: (فأمَّا الرَّفع؛ فمن وُجوهٍ : أحدُها: أنَّ اسم ((كان)) ضمير النَّبِيِّ وَّرِ، و((أجوَدُ)) مبتدأٌ مضافٌ للمصدر المُؤَوَّل من ((مَا)) المصدريَّة والفعل؛ أي: أجودُ أكوانِه، و((في رمضان)) خَبرُه؛ أي: حاصلٌ له، والجملةُ خبرُ («كَانَ». [الثاني] (٣): كذلك، إلّا أنَّ خبرَ المبتدَأِ محذوفٌ سدَّتِ الحالُ مسدَّهُ؛ وهي ((فِي رَمَضَانَ))؛ أي: حاصلًا فيه، فهوَ على حدٍّ: ((أخطبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا)). الثَّالث والرَّابع: كالوجهين السَّابقين، إلّا أنَّ اسم ((كَانَ)) ضميرُ الشَّأن. الخامس: أنَّ الضَّمير للنَّبِيِّ وََّ، وهو اسم ((كانَ))، و((أجوَدُ)): بدلُ اشتمالٍ منه . السَّادس: يقدَّر(٤) في الكلام ((وقتَ))؛ كما في نحو: ((جاءك مَقْدَمَ الحاجٌ))؛ أي: وَقتَ قدومه، والتَّقدير هنا: كان أجودُ أوقاتٍ أكوانه وقتَ كونه في رمضانَ، وإسنادُ الجود إلى أوقاته على سبيل المبالغة؛ كما في إسناد نحو: ((نهارُه صائمٌ)). وأمَّا النَّصب؛ فعلى أنَّه خبرُ ((كانَ))، لكنْ لا بإضافتها إلى ما بعدها، بل تكون ((ما)) مصدريَّةً وقتيَّةً؛ أي: كان أجودَ مُدَّةً كونه في رمضان؛ أي: أجودَ ممَّا (٥) هو في غيره وإن كان جودُه دائمًا؛ لأنَّ رمضانَ مَوسِمُ الخير، واللهُ تعالى يتَفضَّل فيه على عباده، فهو متابعٌ سنَّةَ الله في ذلك؛ ولأنَّه يُلاقي البَشَرَ كمُلاقاة أمينِ الوحي، فشَكَرَ اللهَ بالإنعام على عباده(٦)، وأحسَنَ إليهم كما أحسنَ إليه، ولأنَّه يُناجي الرَّسول وهو جبريل، فيقدِّم بين يدي نجواهُ صدقةً، وهذا وإن كان نُسِخَ؛ فالنسخُ للوجوب لا يلزمُ منه نسخُ الجوازِ ولا الاستحبابِ)(٧). (١) [خ: (١٩٠٢). (٢) ما بين المعقوفين وقع في (ص) في الهامش، وفي (ن) بعدُ عقب كلام البرماوي بعد قوله: (ولا الاستحباب)، ولعل هذا هو مكانه المناسب. (٣) سقط من النسختين. (٤) في (ن): (مقدَّر). (٥) في النسختين: (ما)، والمثبت من مصدره. (٦) قوله: ((على عباده)): ليس في (ن). (٧) ((اللامع الصبيح)) (٧٥/١-٧٦). ٨٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول (حِيْنَ يَلْقَاهُ): في موضع حالٍ، فإنْ جُعِلَ ما قبله(١) حالًا؛ فهو من تداخُل الحال؛ لأنَّ الثانية من شيءٍ في الأُولى، فهي حالٌ مِن حالٍ. (كَانَ يَلْقَاهُ): يَحتمل كونُ الضَّمير المرفوع لـ (جبريل)، والمنصوب لـ (الرَّسُول)، وبالعكس. (فَيُدَارِسُهُ): يتعدَّى لمفعُولين ثانيهما: (الْقُرْآنَ)؛ لأنَّ المفاعَلة في المتعدِّي لواحدٍ تُصيِّرُه متعدِّيًا لاثنين؛ كـ((جاذبتُه الثوبَ)). (فَلَرَسُولُ اللهِ): قَالَ الكرمَانيُّ: (بفتح اللَّام؛ لأنَّه لام الابتداء زِيدَ على المبتدأ؛ للتأكيد)(٢) انتهى. وقال والدي تَّقُ تعالى: (الذي كنتُ أفهمُه أنَّها لامُ الابتداء دخلت للتَّأكيد)(٣). وقال الزَّرْكَشيُّ: (إنَّها لامُ القَسَم)(٤). وقال شيخُنا الحافظ أبو الفضل في ((الفتح)): (الفاءُ سببيَّةٌ، واللَّامُ للابتداء، وزِيْدَت في الابتداءِ؛ للتَّأكيد، وهي جوابُ قَسَم محذوف)(٥) انتهى. وقال ابن الملقِّن: (بفتح اللَّام)(٦)، ولم يُبَيِّنْ ما هي. وقال العلامة سراج الدِّين البُلقينيُّ: (إِعلم أنَّ السَّبب يغلب على الفاء العاطفة للجملة؛ كما في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِنْ زَيِّهِ. كَلِمَةٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وتقع الفاءُ المذكورة في عطف الصِّفة، ومنه: ﴿لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ فَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٢ -٥٣]. واللَّامِ: هي لامُ الابتداء، وهي مفتوحةٌ أبدًا، وفائدتُها: تأكيدُ مضمون الجملة، ولا تجتمعُ مع ((إنَّ)؛ لأنَّ لكلٍّ منهما صدرَ الكلام، فزحلقوها في باب ((أنَّ)) عن صدر الجملة، وأما في غير باب ((إنَّ))؛ ففي دخولها على الخبر المقدَّم (١) في (ن): (بعده)، ولا يصح. (٣) ((التلقيح)) (١٣/١). (٥) ((فتح الباري)) (٤١/١). (٢) ((الكواكب الدراري)) (٥١/١). (٤) ((التنقيح)) (١٩/١). (٦) ((التوضيح)) (٣٥٩/٢). ٨٣ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله إليه خلافٌ؛ نحو: ((لَقام زيدٌ))، وفي دخولها على الفعل المضارع؛ نحو: ((لَيقوم زيدٌ)) خلافٌ، وأجاز بعضُهم دخولَها على الماضي الجامد؛ نحو: ﴿لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]، وبعضُهم يُجيز دخولَها على المتصرِّف المقرون بـ((قد))؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥]، والمشهورُ: أنَّ هذه لام القَسَمِ). حديث أبي سفيان: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قریش (٧) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأُمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَاذَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمَّ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا . قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا . قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ ٨٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبٍ قَوْمِهَا . وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا ، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ، قُلْتُ رَجُلٌ يَظْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنٍ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الَهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَاَم، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إلَى كَلِمَةٍ سَوَآَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عِمرَان: ٦٤] قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ ٨٥ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اله سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُقًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأُم يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءٌ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّ اَلْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأُنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنٍ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرٍ رَسُولِ اللَّهِ لهِ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقَلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنَّ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقَّ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ وََّ، وَأَنَّهُ نَبِيٍّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرٌ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَابِعُوا هَذَا النَِّيَّ؟ فَخَاصُوا خَيْصَةَ حُمُرِ الوَخَشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَبِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَفْلَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (أَنَّ هِرَقْلَ): لا ينصرف للعلميَّة والعُجمة، وزعم الجواليقيُّ: أنَّه عجميٍّ تكلَّمت به العرب. (فِي رَكْبٍ): أي: حالَ كونه كائنًا في جملة رَكْبٍ وهو أميرُهم؛ ولهذا أرسَلَ إليه، أو معناه: أرسل إليه في شأن الرَّكب وطلبهم إليه. وقال العلّامةُ البُلقينيُّ: (يَحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون ((في)) بمعنى : ((مع))، الثَّاني: أن يكون أرسل إليه وهو في ركب). ٨٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول (بِالشَّأُم): إمَّا أن يتعلَّق بـ (تِجَارًا)، أو بـ (كَانُوا)، أو يكون وصفًا آخر لـ (رَكْب). (وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ): قال الزَّرْكَشيُّ: مفعول معه. قال البِرْماويُّ: (وفيه نظرٌ، فالعطفُ فيه ظاهرٌ؛ مِنْ عَظْفٍ عامٍّ على خاصِّ؛ للتَّشارُك في العامل). (فَأَتَوْهُ): الفاءُ فصيحةٌ؛ إذ تقدير الكلام: أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب إليه، فجاء الرَّسول، فطلب إتيانهم، فأتوه، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجِّ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]؛ أي: فضرب؛ فانفجرت. (فِي مَجْلِسِهِ): إنْ قلتَ: الدُّعاء مستعمل بـ (إلى)؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى عَاصِرٍ دَارٍ سَبِئَتِ السَّلَمِ﴾ [يونس: ٢٥]، فالمناسب: فدعاهم إلى مجلسه؛ قلتُ: (في) ليس صلةً للدُّعاء؛ إذ المراد: دعاهم حالةَ كونه في مجلسه؛ أي: محلِّ حُكمِه، لا حالةَ كونه في الخلوة أو في الحرم ونحوه. (وَحَوْلَهُ): بالنَّصب ظرفُ مكانٍ، وهو خبرُ المبتدأ الذي بعده. (بِتَرْجُمَانِهِ): الباءُ زائدةٌ للَّوكيد؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيكُمْ إِلَى اٌلَّلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]. (فَقَالَ: أَيُّكُمْ): الفاءُ فصيحةٌ؛ أي: فقال للتَّرجُمان: قُلْ: أيُّكم أقربُ ... ؟ فقال الثَّرجُمانُ ذلك. (أَقْرَبُ): إنْ قلتَ: (أَقْرَبُ) أفعل التَّفضيل، فلا بُدَّ أن يُستعملَ بأحد الوجوه الثلاثة: الإضافة، و((اللَّام))، و((مِن))، وههنا مجرَّدٌ عنها، ثمَّ إنَّ معنى القُرْبِ لا بُدَّ أنْ يكونَ من شيءٍ، فأين صِلتُهُ؟ قلتُ: كلاهما محذوفان؛ أي: أيُّكم أقربُ من النَّبِّ ◌َِّ من غيركم؟ [وقال البُلقينيُّ: ((أَيُّكُم)): مبتدأٌ، ومضافٌ إليه، وخبرُه: ((أَقْرَبُ))، و((نَسَبًا)): منصوب على التَّمييز](١). (١) ما بين المعقوفين جاء في (ص) عقب قوله: (وجاءت به الرواية) الآتي. ٨٧ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَله (أَدْنُوهُ): بفتح الهمزة. (كَذَبَنِي): بالتَّخفيف، قال التَّيميُّ: (هو متعدٍّ لمفعولين، تقول: كذبتُهُ الحديثَ؛ كما في ((صدق))، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّنْيَا﴾ [الفتح: ٢٧]، وهذا من الغرائب أن يكون بالتَّخفيف متعدِّيًا لاثنين، وبالتَّشديد لواحد). (يَأْثِرُوا عَلَيَّ): أي: عنِّي؛ لأنَّ (أَثَرَ) يتعدَّى بـ (عن). (عَنْهُ): أي: عليه، وكذلك في رواية الأصيلي، و(عليَّ) بمعنى: (عنِّي)؛ كما هو في قوله: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ (كَانَ أَوَّل): هو بالرَّفع اسمُ (كان)، وخبرُه: (أَنْ قال)، ويجوز العكس، وجاءت به الرِّوايةُ. (كَيْفَ نَسَبُهُ): (كيف): خبرٌ مقدَّمٌ، و(نَسبُه): مبتدأٌ مؤخّرٌ. (قَظُ): قال الكرمانيُّ: (لا تُستعمل إلَّا في الماضي المنفيِّ، والاستفهامُ ههنا حُكمُه حكمُ النَّفي فيه). وقال شيخُنا الحافظ أبو الفضل في ((الفتح)): (استُعمل ((قطُ)) بغير أداة النَّفي وهو قليل، ويَحتملُ أن يكون معناه كأنَّه قال: هل قال هذا القول أحدٌ، أو لم يقله قطُّ؟). وقال ابنُ مالكٍ في قوله: (وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَظُ): (في هذا الحديث استعمالُ ((قظُ)) غير مسبوقٍ بنفي، وهو ممَّا خَفِيَ على كثيرٍ من النَّحْويين؛ لأنَّ المعهودَ استعمالُها لاستغراق الزَّمان الماضي بعد نفي؛ نحو: ((ما فعلتُ ذلك قٌ))، وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي، وله نظائرُ). (قَبْلَهُ): في روايةٍ: (مثلَهُ)، فيكونُ نصبُه على البدل من (هذا القولَ). (مِنْ مَلِكٍ): رُوي على وجهين: (مِنْ) بكسر الميم، و(مَلِكِ) بفتح الميم وكسر اللَّام، وهي روايةُ الأكثر، الثَّاني: (مَنْ) بفتح الميم، وبفتحها أيضًا وفتح اللَّام [(مَلَكَ)] على أنَّه فعلٌ ماضٍ، وهي روايةُ الكُشْمِيهَنِيِّ، والهَرويِّ، وابنِ عساكر. ٨٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول والأوَّلُ أصحُّ وأشهرُ، ويؤيِّدُه روايةُ ((مسلم)) (١): (فِي آبَائِهِ مَلِكٌ) بحذف (مِنْ)، وكذا في تفسير ((البخاري))(٢)، وعلى هذاً: يَحتمل أن تكون (مِنْ) زائدة في الرِّواية الأخرى؛ لأنَّها في سياق الاستفهام. وقال البُلقينيُّ: وَرَجَّح بعضُهم الرِّوايةَ الثَّانية بأنَّ هِرَقلَ إنَّما أراد أن يسأل أبا سفيانَ عن حدوثِ المُلْكِ لبعضٍ آبَاءِ النَّبِيِّ وَّر في وقتٍ من الأوقات، ولم يكن غرضُ هِرَقلَ السُّؤالَ عن ثبوتِ استمرارِه في المُلْكِ، وهذا التَّرجيحُ مُتعقّبٌ؛ لأنَّ غايةَ السُّؤال هل وقع ذلك؟ وهو صالحٌ للوجهين، والتَّرجيحُ المتقدِّمُ أرجحُ. (سَخْطَةً): منصوبٌ مفعولٌ من أجله. (كَلِمَةٌ): مرفوعةٌ منوَّنةٌ فاعلٌ. (غَيْر): قال الكَرمانيُّ: (إِمَّا منصوبٌ صفةً لـ((شَيْئًا))، وإمَّا مرفوعٌ صفةً لـ«كَلِمَةٌ)). فإنْ قلتَ: كيف يكون صفةً لهما وهما نكرة وهو مضاف إلى المعرفة؟ قلتُ: كلمةُ (غَيْرُ)) لا تتعرَّف بالإضافة إلَّا إذا اشتهر المضافُ بمغايرةِ المضافِ إليه، وهھنا لیس کذلك) انتھی . وقال البِرْماويُّ بعد إيراد كلام الكرمانيِّ: (قلتُ: لكن هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجمهورُ على خلافه، فنحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يُعرَبُ بدلًا من ﴿الَّذِينَ﴾، أو صفةً له؛ تنزيلًا للموصول منزلةَ النَّكِرة، فجاز وصفُه بالنَّكرة). وقال والدي تَّتُهُ تعالى: (بالضمِّ صفةً لـ((كَلِمَةٌ))، ويجوزُ فيها النَّصبُ على الاستثناء). واقتصر الزَّركشيُّ على الرَّفع صفةً لـ (كَلِمَةٌ). (قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ): قال الكرمانيُّ: (أفصحُ من ((قِتالُكُمُوه))؛ باتِّصال الضَّمير؛ فلذلك فَصَلَه) انتهى. (١) (ح: ١٧٧٣). (٢) (خ: ٤٥٥٣). ٨٩ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اله وفي كلام ابن الملقِّن: (فيه انفصالُ ثاني الضَّميرين، والاختيارُ: ألَّا يجيءَ المنفصلُ إذا تأتَّى أنْ يجيءَ المتَّصلُ)، قال ابنُ مالكِ: (منها: قولُ سَهْل بن سعدٍ: ((فأعطاه إيَّاه))؛ يعني: القائل: ((ما كنتُ لِأُوثِرَ بنصيبي منكَ أحدًا)). وقولُ هِرَقلَ: ((كيفَ كان قِتالُكم إِيَّاه؟)). وقولُ المرأةِ: ((يا رسول الله؛ إنِّي نَسجتُ هذه بيدي؛ لِأَكْسُوَكَها)). وقولُ رجلٍ مِنَ القومِ: ((يا رسول الله؛ أُكْسُنيها)). وقولُ القوم للرَّجل: ((ما أحسنتَ سألتَها إِيَّاه)). في الحديث الأوَّل والثَّاني: استعمالُ ثاني الضَّميرين منفصلًا مع إمكانٍ استعمالِهِ متَّصلًا، والأصلُ: ألَّا يُستعملَ المنفصلُ إلَّا عند تعذَّرِ المتَّصلِ). (الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ): إنْ قلتَ: (الْحَرْبُ) اسمٌ مفردٌ، و(السِّجَالُ) جمعٌ، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر؛ قلتُ: (الحربُ) اسمُ جنسٍ. (يَنَالُ منَّا وَنَنَالُ مِنْهُ): جملةٌ تفسيريَّةٌ . (وَحْدَهُ): قال الجوهريُّ: (منصوبٌ عند أهل الكوفة على الظَّرْف، وعند أهل البصرة على المصدر) انتهى. ورأيتُ في ((القاموس)) ما لفظُه: (ونصبُه على الحالِ عند البصريين لا على المصْدَرِ، وَغَلِطَ الجَوهريُّ)(١). (دَعَا بِكِتَابٍ): أي: دعا الناسَ بكتابه، فالكتابُ مدعوِّ به لا مدعوٌّ؛ فلهذا عُدِّيَ إليه بالباء، أو الباءُ زائدةٌ؛ أي: دعا الكتابَ، على سبيل المجاز، أو ضُمِّنَ (دَعَا) معنى: (اشتغل) ونحوه. (مَعَ): بفتح العين على اللُّغة الفصيحة، غيرَ أنَّ المفتوحةَ تكونُ اسمًا وحرفًا، والمسكَّنَةُ حرفٌ لا غيرُ، وأنشدَ سيبويه: [من الوافر] ورِيشِيْ مِنْكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ قال اللِّحيانيُّ: (وحكى الكِسائيُّ: أنَّ ربيعةً وغَنْمًا يُسكِّنون العين، ويقولون: (١) ((القاموس المحيط)) (ص٣٢٤) مادة (وحد). ٩٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول ((معْكم)) و((معْه))، قال(١): فإذا جاءتِ الألف واللَّام وألف الوصل؛ اختلفوا؛ فبعضُهم يفتح العين، وبعضُهم يكسرها، فيقولون: معَ القوم ومعَ ابنك، ومعٍ القوم ومعٍ ابنك، [والفتحُ كلامُ](٢) العامَّة). (مِنْ مُحَمَّدٍ): [(مِنْ) لابتداء الغاية]، وليست من الابتداء في المكان ولا في الزَّمان(٣)، قال الأستاذ أبو حيَّان: (مِن) التي لابتداء الغاية تأتي في غير المكان والزَّمان، كما جاء في هذا الحديث، وتقول: قرأتُ مِن أوَّل (البقرة) إلى آخرها . (عَظِيمِ الرُّومِ): هو بدلٌ يجوزُ قطعُه وإتباعُه. (أَمَّا بَعْدُ): (أمَّا): حرفُ شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيد، و(بَعْدُ): اسمُ زمانٍ دالٌ على تأخيرِ الواقع فيه عمَّا أضيفَ إليه، وهو بضمِّ الدَّال، وأجاز الفرَّاءُ بالنَّصب والتَّنوين، وبالرَّفع والتَّنوين، وأجاز هشامٌ فتحَ الدَّال من غير تنوين، وأنكرَه النَّخَّاسُ. واعلم أنَّ في ((البخاريِ)): (أَمَّا بَعْدُ؛ مَا بَالُ رِجَالٍ)(٤). و(أَمَّا مُوسَى؛ كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي)، وفي بعضها: (إِذَا انْحَدَرَ)(٥) . وقولُ عائشةَ: (وأَمَّا الذين جَمَعُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ؛ طَافُوا)(٦). وقولُ البراءِ بنِ عازبٍ: (أَمَّا رسولُ اللهِ وَّهِ؛ لَمْ يُوَلِّ)(٧) . وقد تقدَّم الكلامُ على (أَمَّا)(٨)، وحقُّها أنْ تصحبها الفاءُ؛ نحو: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ﴾ [فُصَلَت: ١٥]، ولا تُحذف هذه الفاءُ غالبًا إلَّا في شِعْرٍ، ومع قولٍ أغنى (١) ليس في (ن). (٢) ما بين المعقوفين سقط من النسختين، وهو مستدرك من المصادر. (٣) قوله: (وليست مِنَ الابتداء ... ) تقدم في النسختين على قوله: (من محمد)، وما بين المعقوفين مستدرك من ((التوضيح)) (٣٩٩/٢). (خ: ٢١٦٨). (٤) (٥) (خ: ١٥٥٥). (٦) (خ: ١٦٣٨). (٧) (خ: ٣٠٤٢). (٨) يعني: قبل أسطر؛ من أنَّها حرف شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيد. ٩١ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اليهود عنه، مَقُولُهُ؛ نحو: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛ أي: فيقال لهم: أكفرتُم، [وقد خُولفتِ القاعدةُ في هذه الأحاديثِ]، فعُلِمَ بتحقيقٍ عَدَمُ التَّضييقِ، وأَنَّ مَنْ خصَّهُ بالشِّعر أو بالصُّورةِ المعيَّنةِ مِنَ النَّثْرِ مُقَصِّرٌ في فتواهُ، وعاجزٌ عن نُصْرَةِ دَعواهُ، قاله ابنُ مالكٍ. قال الكَرمانيُّ: (إِنْ قلتَ: ((أمَّا)) للتَّفصيل؛ فلا بُدَّ فيه من التَّكرارِ، فأينَ قَسِيمُه؟ قلتُ: المذكورُ قبلَه قَسِيمُه، وتقديره: أمَّا الابتداءُ؛ فبسم الله، وأمَّا المكتوبُ؛ فمِنْ محمَّدٍ، وأمَّا بعد ذلك؛ فكذا). (بِدِعَايَةٍ): الدِّعايَةُ مبنيَّةٌ مِن قولِك: (دَعَا يَدْعُودِعَايَةً)؛ نحو: (شَكَا يَشْكُو شِكَايَةً)، وقد تُقامُ المصادرُ مُقامَ الأسماءِ، وفي ((مسلم)): ((بداعية)» (١)، قال النَّوويُّ: (أي: الكلمة الدَّاعية إلى الإسلام، ويجوزُ أنْ تكونَ (الداعية) بمعنى: الدَّعوة؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَهُ﴾ [النجم: ٥٨]؛ أي: كَشْفٌ). قال الكرمانيُّ: ((دعوةُ الإسلام)) مثلُ: ((شجرةِ الأراكِ))؛ أي: أدعوكَ بالمدعوِّ الَّذي هو الإسلامُ، والباءُ بمعنى: ((إلى))، وجوَّزَ بعضُ النُّحاةِ إقامةَ حروفِ الجرِّ بعضها مُقامَ بعضٍ؛ أي: أدعوكَ إلى الإسلام). (تَسْلَمْ): مجزومٌ جوابُ الأمرِ . (يُؤْتِكَ): إمَّا جوابٌ ثانٍ للأمرِ، وإمَّا بدلٌ أو بيانٌ للجواب الأوَّل. (لَقَدْ أَمِرَ): جوابٌ للقَسَمِ المحذوفِ؛ أي: واللهِ لقد أَمِرَ، فاعلُه (أَمْرُ). (إِنَّهُ يَخَافُهُ): قال الكرمانيُّ: (بالكسر؛ استئنافٌ تعليليٍّ؛ أي: أَمِرَ لأنَّه، وبالفتح؛ بأنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ(أَمِرَ))). وقال ابن المُلقِّن: (بكسر الهمزة، ويجوزُ على ضَعْفٍ فتحُها على أنَّه مفعولٌ لأجله). قال القاضي: (وضُعِّف الفتحُ؛ لوجودِ اللَّام في الخبر(٢) -لكن جوَّزَه بعضُ النُّحاةِ، وقد قُرِئَ شاذًا: ﴿إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] بالفتحِ في ﴿إِنَّهُمْ﴾ - (١) (خ: ١٧٧٣). (٢) أي: إنَّه ليخافُه، وهي رواية مسلم في ((صحيحه)) (١٧٧٣). ٩٢ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول والمعنى على الفتح في الحديث: عَظُمَ أَمْرُهُ؛ لأجْلِ أَنَّه يَخافُه مَلِكُ بني الأصفر) انتھی. وقال الحَمْزِيُّ: (كذا ضبطناه بالفتح؛ أي: من أجل ذلك عَظُمَ الأمرُ على أبي سُفيان، قال: والكسرُ صحيحٌ على استئنافِ الإخبارِ عمَّا رآه من هِرَقلَ، ولا سيَّما إذا ثبتتْ لامُ التّأكيد في الخبر). (صَاحِبَ إِيلِيَاءَ): قال ابن المُلقِّن: (منصوبٌ على الاختصاص، وخبرُ ((كان)): ((سُقُفَّا))(١)، ويجوزُ أن يكونَ ((يُحَدِّثُ أَنَّ مِرَقْلَ))، وهو أوجهُ في العربيَّة، وأصحُّ في المعنى، كما قال القاضي). وقال البِرْماويُّ: (قال عِياضٌ: نصب على الاختصاص والحال، لا خبرُ ((كان))؛ لأنَّ خبرَها إمَّا ((أُسْقُقًّا)) أو ((يُحَدِّثُ))، وجوَّزَ غيرُه أن يكون خبرًا ثانيًا لـ((كان))، ومنعَ الزركشيُّ رفعَه صفةٌ لـ((ابن النَّاطور))(٢)؛ لأنَّه معرفةٌ، و((صاحِبَ)) لم يتعرَّف بالإضافة؛ لأنَّها في تقدير الانفصال، وجوَّزه الكَرمانيُّ؛ لأنَّ الإضافة معنوية، قلتُ: وهو الظَّاهر). وقال الكَرمانيُّ: (منصوبٌ على الاختصاص، ومرفوعٌ على أنَّه صفةٌ لـ((ابن النَّاطور))، و((أُسْقُفًّا)): [منصوبٌ] على الحالية، ومرفوعٌ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ(٣)؛ أي: كان ابنُ النَّاطور صاحبَ إيلياءَ وصاحبَ هِرَقلَ [أُسْقُفًّا على النصارى يُحَدِّثُ]) انتھی. وقال الزَّرْكشيُّ: (قال القاضي: ((صَاحِبَ)): منصوبٌ على الحال والاختصاص، لا على خبرِ ((كان))؛ لأنَّ خبرَها ((أُسْقُفًّا))، أو قوله: ((يُحدِّثُ أنَّ هِرَقلَ))، وهو أوجهُ، قلتُ: يجوزُ أن يكون على خبر ((كان))، ويكون ((أُسْقُفًّا)) خبرًا ثانيًا، فإن قيل: هلَّا جاز رفعُ ((صَاحِبَ)) على الصِّفة؛ قيل: لا؛ لأنَّ ما قبلَه معرفةٌ، و(صَاحِبَ إِيلِيَاءَ) نكرةٌ، والإضافةُ لا تُعَرِّفُهُ؛ لأنَّها في تقديرِ الانفصال) انتهى. (١) في النسختين و((التوضيح)): (سقف)، ولعل المثبت هو الأصح. (٢) في (ن): (الناظور) بالمعجمة، وكذا في المواضع اللاحقة، والمثبت من (ص)، وهي رواية أبيٍ ذَرِّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ. (٣) أي: هو أَسْقُفِّ على نصارى الشام. ٩٣ كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وليه وقال الدِّمياطيُّ: (منصوبٌ على الاختصاص، لا على الخبر، وخبرُ ((كان)): (يُحدِّثُ أنَّ هِرَقلَ))، وهو الأوجهُ، وقيل: ((سُقُّفًّا))) انتهى. قال والدي تَُّ تعالى بعد نقل كلام الدِّمياطيِّ: (ويحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، ونُقل الإعرابان عن القاضي). وقال شيخُنا في ((الفتح)): (منصوبٌ على الاختصاص أو الحال، والإضافةُ تقوم مَقامَ التَّعريف). (وَهِرَقْلَ): قال الدِّمياطيُّ: (بنصب اللَّام، معطوفٌ على ((إيلياءَ))، وموضعُهُ خفضٌ بالإضافة). (شَأْنُهُمْ): مرفوعٌ فاعلٌ. (أُتِيَ): مبنيٌّ للمفعول، ووقعَ جوابًا لـ (بَيْنَا) مجرَّدًا من (إِذْ) و(إذا)؛ نحو: فَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا وهو العامل في (بينا)؛ لأنَّه جوابٌ. (هَذَا يَمْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةَ): قال السُّهيليُّ في ((أماليه)): ((هَذا يَمْلِكُ)): مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكورُ يَملِكُ هذه الأُمَّةَ، و((قد ظَهَرَ)): جملةٌ مستأنفةٌ، لا في موضع الصِّفة ولا الخبر، ويجوزُ أن يكون ((يَمْلِكُ)» نَعْتًا؛ أي: هذا رجلٌ يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ، وقد جاء النَّعتُ بعد النَّعتِ، ثمَّ حُذِفَ المنعوتُ، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع لا في الماضي، قاله ابن السَّرَّاج، وحكاه عنِ الأخفش) انتهى. وقال شيخُنا في ((الفتح)): ((هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ)): كذا لأكثرِ الرُّواةِ بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وللقابِسيِّ بالفتح ثمَّ الكسر، ولأبي ذَرِّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ وحدَهُ: ((يَمْلِكُ)) فعلٌ مضارعٌ. قال القاضي: أظنُّها ضمَّةَ الميم اتَّصلتْ بها فتصحَّفت. ووجَّهَهُ السُّهيليُّ: بأنَّه مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكورُ يَملِكُ هذه الأُمَّةَ، وقيل: يجوزُ أن يكون ((يَمْلِكُ)) نَعْتًا؛ أي: هذا رجلٌ يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ. وقال شيخُنا: يجوزُ أن يكون المحذوفُ الموصولَ على رأي الكوفيين والأخفش؛ أي: هذا الذي يَملِكُ، وهو نظيرُ قولِهِ: [من الطويل] ٩٤ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ على أنَّ الكوفيِّينَ يجوِّزون استعمالَ اسم الإشارةِ بمعنى الاسمِ الموصولِ(١)، فيكونُ التَّقديرُ: الذي يَملِكُ، قلتُ: وفيه نظرٌ؛ لاتِّفاقِ الكلِّ على حذف الياء في أوَّلِه، فذلك دالٌّ على ما قال القاضي، فيكون شاذًّا، على أنَّني رأيتُ في أصلٍ معتمدٍ وعليه علامةُ السَّرَخْسِيِّ بباءٍ موخَّدةٍ في أوَّلِهِ، وتوجيهُها أقربُ من الأوَّل؛ لأنَّه حينئذٍ(٢) تكون الإشارة بـ((هذا)) إلى ما ذكره من نظره في حكم النُّجوم، والباءُ متعلِّقةٌ بـ(ظَهَرَ))؛ أي: هذا الحُكمُ ظهرَ بملك(٣) هذه الأمة الَّتي تختتن) انتهى. وقال النَّوويُّ: (معناها: هذا المذكورُ يَمْلِكُ الأُمَّةَ، وهو قد ظَهَرَ). (نَظِيرَهُ): بالنَّصب خبر (كان). (إِلَى حِمْصَ): لا تنصرف للعُجمةِ، والعلميَّةِ، والتَّأنيث. قال البِرْماويُّ: (لا تنصرفُ، قال الكرمانيُّ: لأنَّها أعجميَّةٌ، قلتُ: وفيه نظرٌ؛ فإنَّ ساكنَ الوسطِ من ذلك يُصرَفُ حتمًا على الأرجحِ؛ كـ: ((نوح)) و ((لوط))، وقيل: فيه الوجهانِ في ((هند))، وإنَّما المنعُ للَّأنيث والعلميَّة. نعم؛ قال بعضهم: إنَّه كـ(هند)) في جواز الوجهين، والمنعُ أولى، ولكنَّه مردودٌ؛ لأنَّ الوجهين حيث لا يكون أعجميًّا، وإلّا؛ فالمنعُ متحتِّمٌ كـاجور)» و ((ماه) عَلَمَي بلدين، فإن أراد الكرمانيُّ ذلك؛ فحَقٌّ، إلّا أنَّه لم يفصح بالمراد). (فَتُبَايِعُوا): مجزومٌ جوابًا للاستفهام؛ نحو: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ﴾ [الأعراف: ٥٣]. (آنِفًا): نصبُهُ على الحال. (آخِرَ): بالنَّصب على الأرجح؛ أي: آخِرَ شأنِه في أمرِ النَّبِيِّ وَه . (١) ليس في (ص). (٣) في (ن): (لملك)، والمثبت أولى. (٢) في (ن): (وحينئذٍ). كِتَابُ الإِيْمَانِ بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ بَهُ: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)) (وَالْحُبُّ فِي اللهِ): (الحُبُّ) مبتدأٌ، و(مِنَ الْإِيمَانِ) خبرُه، ويَحتملُ أن تكون الجملةُ عطفًا على ما أضاف إليه الباب، فتدخل في ترجمة الباب؛ كأنَّه قال: والحبِّ في الله من الإيمان، وألَّ تكون، بل ذُكِرَتْ(١) لبيانِ إمكانِ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ كذكرِ الآيات، وعلى التَّقديرين: يَحتملُ أن يقصدَ به الحديثَ النَّبويّ وقد ذُكِرَ على سبيل التَّعليق، وأن يكون كلامَ البخاريِّ؛ كقوله: (وهو قَوْلٌ وفِعْلٌ). و (فِي) هنا : للسببيَّة؛ أي: بسببٍ طاعةِ الله ومعصيتِه، ومِنَ الفقهاءِ مَن قال: إنَّها قد تَرِدُ للسبيَّةِ، واختارَهَ مِنَ النُّحاةِ ابنُ مالكٍ فقط؛ كقوله تعالى: ﴿لَمَتَّكُرْ في مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]؛ أي: بسببٍ، وقولِه تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَاً أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وكقولِهِ وَّرَ: ((في النَّفسِ المؤمنةِ مئةٌ مِنَ الإِبِلِ»، وقولِه: ((دَخَلَتِ النَّارَ فِيْهَا))، ولم يُثبتْهُ البيضاويُّ(٢)، قال الإمامُ(٣): لأنَّ المرجعَ فيه إلى أهلٍ (١) في النسختين: (ذكر)، والصواب ما أثبتناه. (٢) أي: في كتابه ((منهاج الوصول إلى علم الأصول))، والبيضاوي: هو الإمام الفقيه الأصولي المفسِّر القاضي ناصرُ الدين أبو الخير أو أبوِ سعيد عبدُ الله بن عمر بن محمد البيضاوي الشافعي، عالم أذربيجان، كان عالمًا مبرَّزًا نظّارًا خيّرًا صالحًا متعبِّدًا، وَلِيَ قضاء شيراز، وصنّف التصانيف، ومنها: تفسيره المشهور ((أنوار التنزيل)) مختصر ((الكشاف))، و((تحفة الأبرار شرح المصابيح))، و((طوالع الأنوار)) في التوحيد، و((منهاج الوصول إلى علم الأصول))، و((شرح التنبيه))، و((الغاية القصوى في دراية الفتوى))، و((شرح الكافية))، و((لب اللباب في علم الإعراب))، وغيرها، توقّي تَّفُ تعالى بتبريز سنة (٦٨٥هـ)، وقيل: (٦٩١ هـ)، انظر ((الوافي بالوفيات)) (٢٠٦/١٧)، ((طبقات الشافعية الكبرى)) (١٥٧/٨)، ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢/ ١٧٢)، ((بغية الوعاة)) (٤٧/٢). (٣) أي: الفخر الرازي في ((المحصول في علم الأصول)) (٥٤٨/١)؛ إذ هو أصل كتاب = ٩٥ ٩٦ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول اللُّغةِ، ولم يذكرْهُ أحدٌ منهم، وأمَّا ما استدلُّوا به؛ فيُمكِنُ حملُهُ على الظَّرفيَّة التَّقديريَّة مجازًا. وأصلُ (في) الّرفيَّةُ. وقال ابنُ هشام في ((التوضيح)): (ولـ(في)) [٤] ستَّةُ معانٍ ... إلى أنْ قال: وللسببيَّة؛ نحو: ﴿لَمَِّّكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ﴾ [النُّور: ١٤]). وقال في ((المغني)): (لهُ عشَرةُ معانٍ ... الثالث: التعليلُ؛ نحو: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِ فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، ﴿لَسَتَكُرْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]. وفي الحديث: ((أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا))). (إِنَّ لِلْإِيمَانِ): بكسرِ الهمزةِ؛ على الحكايةِ. (نُؤْمِنْ): بالجزم؛ جوابُ الأمرِ. (حَتَّى يَدَعَ): منصوبٌ بـ (أنْ) المقدَّرةِ. باب دعاؤكم إیمانکم (٨) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةً ابْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، نظُّهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ: " بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ" . (خَمْسٍ) (١) أي: دعائم أو قواعد، ويَحتملُ أنَّ المرادَ: خمسة أشياءَ، وإنَّما حُذفتِ الهاءُ؛ لكون الأشياءِ لم تُذكَر؛ كقولِه تعالى: ﴿يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والمعنى: عشرة أشياء، وكقولِه عليه الصَّلاة والسَّلام: = الأرموني ((الحاصل))، والأخير هو أصل كتاب البيضاوي ((المنهاج))، والفخر الرازي: هو الإمام العلامة فخر الدِّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي الثَّيمي الطَّبَرِستاني الرازي، ولد سنة (٥٤٤هـ)، وهو مفسِّرٌ، متكلِّمٌ، فقيهٌ، أصوليٍّ، حكيمٌ، أديبٌ، شاعرٌ، طبيبٌ، ويلقَّب عند علماء الأصول بـ (الإمام)، بلغت تصانيفه (٧٥) مصنفًا، منها: تفسيره الكبير ((مفاتيح الغيب))، و((المحصول في علم الأصول))، توفي تَّثُ تعالى سنة (٦٠٦هـ)، وله اثنتان وستون سنة، ودفن بظاهر هَرَاة، انظر ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) (ص٤٦٢)، ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٤)، ((الوافي بالوفيات)) (١٧٥/٤)، ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٨١/٨). (١) في (ن): (على خمسٍ). ٩٧ كِتَابُ الإِئْمَانِ ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ... ))، واللُّغةُ الفُصحى إذا حُذِفَ المعدودُ تُحْذَفُ الهاءُ، وقد اختُلفَ في حذفِها من الآيةِ على أوجهٍ، فانظر ذلك من المطوّلات. (شَهَادَة وَإِقَام وَإِيتَاء وَالْحَجّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ): (شَهَادَةٍ): مجرورٌ وما عُطِفَ عليه، مجرورٌ بأنَّه بدلٌ من (خمسٍ) بدلَ الكلِّ مِنَ الكلِّ، ومرفوعٌ بأنَّه خبرُ مبتدأِ محذوفٍ؛ وهو: (هي). (وَإِقَام): أصلُه: (إقامة) بالتَّاء حذفتْ. وقال البِرْماويُّ: (أصلُه: ((إقوام))، فنُقِلت فتحةُ الواو إلى السَّاكن قبلها، فحُذِفتِ الواو، ويجبُ حينئذٍ أن يعوَّض عنها، فيقال: إقامة، أو ذِكْرُ المضاف إليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ﴾ [النور: ٣٧]). وقال ابن عَقيلِ: (إقامة واستقامة، وأصله: إقوامٌ واسْتِقْوامٌ، فنُقِلتْ حركةُ العين إلى الفاء، وقُلبتِ الواوُ ألفًا؛ لمجانسةِ الفتحةِ قبلَها، فالتقى ألفانٍ، فحُذفتِ الثانيةُ منهما، ثمَّ عُوِّضَ منها تاءُ التأنيثِ، فصارَ ((إقامة)) و((استقامة))، وقد تُحذف هذه التاءُ؛ كقولهم: أجابَ إجابًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ﴾ [النور: ٣٧])(١) . و (إِيتَاءِ): يتعدَّى إلى مفعولين، الثاني محذوفٌ؛ أي: مُستَحِقٌّها . باب أمور الإيمان (بَابُ: أُمُورِ الْإِيْمَانِ) أي: الأمورِ الَّتي هي الإيمانُ؛ لأنَّ عندَه (٢) الأعمال والأقوال مِنَ الإيمانِ، فالإضافةُ بيانيَّةٌ، أو: الأمورِ الَّتي للإيمان في تحقيقٍ حقيقته وتكميلِ ذاتِه، فالإضافةُ بمعنى اللَّام، قالَه البِرْماويُّ. باب المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده (بَابٌ: المُسْلِمُ): قال ابن الملقِّن: يجوزُ فيه التَّنوينُ والإضافةُ. (١) ((شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك)) (٥٧٤/٢)، وقول ابن عقيل سقط من (ن). (٢) أي البخاري تكَّتُهُ. ٩٨ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول زاد الكرمانيُّ: والوقف على السكون - قال: وكذا نظائرُ هذا البابِ ممَّا هو كلامٌ مستقِلٌّ، وتكونُ الإضافةُ إلى الجملةِ) انتهى لفظُه. والألفُ واللَّامُ(١) للكمالِ؛ نحو: (زيدٌ الرَّجُلُ)؛ أي: الكاملُ في الرجوليَّة. حديث: المسلم من سلم المسلمون من لسانه (١٠) حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﴿ًُّا، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. (وَإِسْمَاعِيلَ): مجرورٌ معطوفٌ على (عَبْدِ اللهِ)(٢)، وعلامةُ الجرِّ فيه الفتحةُ؛ لأنَّه لا ينصرِفُ. بَابٌ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ قال الكرمانيُّ: ((أَيُّ)) بالرَّفع لا بالجرِّ، سواءٌ نوَّنتَ البابَ أم لم تنوِّنْهُ، وسواءٌ وُقِفَ عليه أم لا، ومعناهُ: أَيُّ خصالِ الإسلام أفضل؟ إذْ شرطُ ((أيِّ)) أنْ تدخلَ على متعدِّدٍ، ونفسُ الإسلام لا تعدُّد فيه، ولَأنَّ الجوابَ يدُلُّ على أنَّ السُّؤالَ عنِ الخصلةِ لا عنِ الإسلامِ نَفسِه، فحُذفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَهُ. فإن قلتَ: أفعلُ التَّفضيلَ لا بُدَّ أن يُستعمل بأحد الوجوه الثَّلاثة(٣)، و((أفضلُ)) ههنا مجرَّدٌ عن الكلِّ؛ قلتُ: تقديرُه: أفضلُ مِن سائرِ الخصالِ، والحذفُ عندَ العِلْمِ به جائزٌ). (١) أي: في قوله: (المسلمُ). (٢) أي: عبد الله بن أبي السَّفَر، وإسماعيلُ: هو ابن أبي خالد البجلي الأحمسي. (٣) وهي: الإضافة، و(اللَّام)، و(مِن). ٩٩ كِتَابُ الإِيمَانِ ولا بُدَّ في الحديث من تقدير، ولك فيه تقديران: أحدُهما: أيُّ خِصال الإسلام أفضلُ؟ فقال: مَنْ سَلِمَ؛ أي: أفضلُ خِصالِهِ مَنْ سَلِمَ، لا بدَّ من ذلك؛ ليطابق الجواب السؤال. الثَّاني: أيُّ ذوي الإسلام أفضل؟ فيكونُ قولُه: (مَنْ سَلِمَ) غيرَ محتاجٍ إلى تقديرٍ، قالَه أبو البقاء. وللكرمانيِّ هنا كلامٌ - تعقَّبَهُ شيخُنا - ذكرتُه في المطّوَّل، وكذا لابنِ الملقِّن. باب إطعام الطعام من الإسلام (بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ): برفع (إطعَامُ) مبتدأٌ، و(مِنَ الْإِسْلَام) خبرُهُ . حديث: أن رجلاً سأل النبيَّ ◌َلّره أي الإسلام خير؟ (١٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو ◌َظَهَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). (تُطْعِمُ) أي: إطعامُ، على حدٍّ: (تسمع بالمُعَيْدِي ... )؛ أي: سماعُك. قلتُ: وفي ((شرح التَّسهيل)) لابن مالكِ: أنَّ سَبْكَ الفعلِ مصدرًا لا يحتاجُ لحرفٍ مصدريٍّ قبلَه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: إراءَتُكُمُ البرقَ. باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه حدیث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١٣) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بَلُبه، عَنِ النَّبِّ وََّ وَعَنْ حُسَيْنِ المُعَلِّم، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). (حَتَّى يُحِبَّ): (حَتَّى) ههنا جارَّةٌ، لا عاطفةٌ ولا ابتدائيَّةٌ، وما بعدَها خلافُ ما قبلَها، و(أَنْ) بعدَها مضمرةٌ، ولهذا نُصِبَ (يُحِبَّ)، ولا يجوزُ رفعُه هنا؛ لأنَّ ١٠٠ النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول عدمَ الإيمانِ ليسَ سببًا للمحبَّةِ. (يُحِبَّ): بالنَّصب كما تقدَّم، وفاعلُه مضمرٌ، وهو: المكلَّفُ، أو المؤمنُ، أو الرَّجلُ. باب حب الرسول وَله من الإيمان حديث: فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه (١٤) حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ)) . (أَحَبَّ إِلَيْهِ): فصلَ بين أَفْعَلَ ومعموله، والفصلُ بالأجنبيِّ غيرُ جائزٍ، لا مطلقًا، مع أنَّ في الظرف توسعةً. باب حلاوة الإيمان حدیث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان (١٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ لَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ". (ثَلَاثٌ): قال الكرمانيُّ: (هو مبتدأٌ، وليس نكرةً صِرفةً؛ لأنَّ التَّنوينَ عوضٌ عنِ المضاف إليه؛ أي: ثلاثُ خصالٍ، أو لأنَّه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ وهو مبتدأ بالحقيقة؛ أي: خصالٌ ثلاثٌ. قال المالكيُّ في ((شرح التَّسهيل)): مثالُ الابتداءِ بنكرةٍ هي وصفٌ: قولُهم: ضعيفٌ عاذَ بقَرْمَلَةٍ؛ أي: إنسانٌ ضعيفٌ التجأ إلى قَرْمَلَةٍ؛ أي: شجرةٍ ضعيفة. وأقولُ: لا تمسُّك فيه؛ لاحتمال أن يكون من باب: ((شَرِّ أهَرَّ ذَا نَابٍ))(١)، (١) أَهرَّه: حمله على الهرير، وذا الناب: السبع، وهو مثلٌ يُضرَبُ في ظهور أماراتِ الشَّرِّ ومَخايلِه، وانظر ((مجمع الأمثال)) (٢١١/٢-٢١٢)، ((المستقصى)) (١٣٠/٢).