النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اله
محذوفٌ؛ أي: الحياة الدنيا .
قال ابن مالك: (في استعمالها منكَّرًا إشكالٌ؛ لأنَّها تأنيث ((أدنى))، وهو
أفعل تفضيل، وكان حقَّها أنْ تستعملَ باللَّام؛ كـ((الكُبرى)) و((الحُسنى))، إلَّا أنَّها
خُلِعت عنها الوصفيَّةُ رأسًا، وأُجريتْ مُجرى ما لم يكن وصفًا؛ كـ(رُجْعى))
و ((بُهْمى))، ونحوُه قولُ الشاعر: [من البسيط]
وإنْ دعوتٍ إلى جُلَّى ومَكْرُمةٍ يومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فادْعِينا
فإنَّ (الجُلَّى)) مؤنَّث ((الأجلِّ))، فخُلِعتْ عنها الوصفيَّةُ، وجُعِلت اسمًا
للحادثة العظيمة).
قال الكرمانيُّ: (والدليلُ على جعلها اسمًا - أي: عَلَمًا - قلب الواو ياءً؛
لأَنَّه لا يجوزُ القلبُ إلَّا في الفُعْلى الاسميَّة).
وقال الأصفهانيُّ: ((الدنيا)) تأنيث ((الأدنى)) مثل: ((حُبْلى)) لا ينصرف؛
لاجتماع أمرين؛ أحدهما: الوصفيَّة، والثاني: لزوم حرف التأنيث).
وقال الكرمانيُّ: (ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها؛ إذ لا وصفيَّة ههنا، بلٍ
امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائمٌ مَقام العِلَّتين، فهو سَهْوٌ
منه).
(إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ): إمَّا أن يكون متعلِّقًا بـ (الهجرة)، والخبرُ محذوفٌ؛
أي: هجرته إلى ما هاجر إليه غيرُ صحيحةٍ أو غيرُ مقبولةٍ، وإمَّا أن يكون خبرَ
(فهجرتُه)، والجملةُ خبرَ المبتدأ؛ وهو (من كانت)، وأدخل (الفاء) في الخبر؛
لتضمُّنِ المبتدأ معنى الشرط، قاله الكرماني، وتتمَّة كلامه سيأتي في أوَّل(١)
(كتاب النكاح)(٢).
حدیث: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي
(٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ظَُّْا، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَام ◌َُهُ سَأَلَ
(١) زيادة من (ن).
(٢) [خ ٥٠٧٠].

٦٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُّ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،
فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي
فَأَعِي مَا يَقُولُ)) قَالَتْ عَائِشَةُ رُِّنَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ
الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا .
(أَحْيَانًا): انتصبَ على الظرفيَّة، وعاملُه (يَأْتِينِي) مؤخّرٌ عنه.
(مِثْلَ): هو حالٌ؛ أي: يأتيني مُشابهًا صوتُه صلصلةَ الجرَس، أو نَعْتًا
المصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إتيانًا مثلَ.
قال البِرْماويُّ: (ويُروى: ((في مثلٍ)) (١)، ورُجِّح بأنَّ الصلصلةَ حينئذٍ للوحي
بمنزلةِ القراءة للقرآن في فَهْم الخطاب، بخلاف رواية إسقاط ((في))؛ فإنَّ معناها
يرجع للمذكور بعده؛ وهو تمثُّل الملك له رجلًا فيكلِّمُه، فتكون القراءة تفسير (٢)
القرآن) انتهى.
وقال الطّيبيُّ: (يجوزُ أن يكون مفعولًا مطلقًا، والأحسنُ أن يكون حالًا؛
أي: يأتيني الوحي مُشابهًا صوتُه بصلصلة الجرَس).
(رَجُلًا): منصوبٌ إمَّا بالمصدر؛ أي: يتمثَّلُ تمثُّلَ رجلٍ، فحُذِفَ المضافُ،
وأُقيمَ المضافُ إليه مُقَامَهُ.
وإمَّا بالمفعوليَّة إنْ ضُمِّنَ (تمثَّلَ) معنى (اتَّخذ)؛ [أي: اتَّخذَ] المَلَكُ رجلًا
مِثالًا .
وإمَّا بالحاليَّة.
فإن قلتَ: الحالُ لا بُدَّ أن يكون دالًّا على الهيئة، والرجلُ ليس بهيئةٍ؟
قلتُ: معناه: على هيئةِ رجلٍ .
وقال ابن السِّيْد: (حالٌ موطِّئَةٌ على تأويلِ الجامدِ بمشتقٍّ؛ أي: رجلًا مرئيًّا
أو محسوسًا).
(١) انظر صحيح البخاري حديث رقم (٣٢١٥).
(٢) في (ن): (نفس). ولا معنى له.

٦٣
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَلاقه
فإن قلتَ: ليس التمثيلُ في حال هيئة الرجل، ومن شرط الحال أن يكون
حالًا عند صدور الفعل؟ قلتُ: يكون حالًا مقدَّرةً، وذلك(١) كثيرٌ.
وإمَّا بالتمييز، وقال شيخنا في ((الفتح)): (منصوبٌ على التمييز؛ أي: مثل
رجل).
[قوله: (فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ): رواه البيهقي من جهة القَعْنَبِيِّ عن مالكٍ:
(فَيُعَلِّمُنِي)؛ بالعين المهملة بَدَلَ الكاف].
(عَرَقًا): منصوبٌ على التمييز، منقولٌ من الفاعل.
حديث: أول ما بدئ به رسول اللّه وَّر من الوحي الرؤيا الصالحة
(٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا
جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ
فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ،
وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي
غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، قَالَ: "فَأَخَذَنِي
فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ،
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ،
فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطِّي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ
رَيِّكَ الَّذِى خَقَ جَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١-٣] " فَرَجَعَ
بِهَا رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رِّا،
فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةً
وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)) فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ، مَا
(١) في (ن): (وهو).

٦٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ،
وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ
وَرَقَّةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ فِي
الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ
عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى
مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ))، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطْ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ
إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ
تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ .
(مِنَ الْوَحْي): (مِن): فيها قولان؛ أحدهما: لبيان الجنس، الثاني:
للتبعيض، قال الَقَزَّاز بالأوَّل، كأنَّها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من
الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردّه عياض، وقال: (بل يجوز أن تكون
للتبعيض؛ لأنَّها من الوحي؛ كما في الحديث: ((أنَّها جزء من النبوّة))).
(الرُّؤْيَا): قال العلّامة سراج الدين البُلقينيُّ: ألف (الرؤيا) ليست
للاستغراق، وإنَّما هي لتعريف الحقيقة، وعلى مذهب أبي الحجّاج بن معزوز:
أنَّها لا تكون إلَّا للعهد، يكون المراد بها هنا: ما عُهِدَ مِنَ الرؤيا النوميَّة، ولكنَّ
المشهور انقسامها إلى عهدية وغيرها .
و (الصَّالِحَةُ): إمَّا صفة موضِّحة لـ (الرؤيا)؛ لأنَّ غير الصالحة تُسمَّى
بالحُلم؛ كما ورد: ((الرؤيا من الله، والحُلم من الشيطان))، وإمَّا مخصّصة؛ أي:
الرؤيا الصالحة لا الرؤيا السَّيِّئة، أو لا الكاذبة المسمّاة بأضغاث أحلام.
و (رُؤْيَا): بغير تنوينٍ مثلُ: (حُبلى).
فائدة: (مِن): تأتي على خمسةَ عشرَ وجهًا؛ منها: بيانُ الجنس، وكثيرًا ما
تقع بعدَ (ما) و(مهما)، وهما بها أَولى؛ لإفراطِ إبهامهما؛ نحو: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ﴾ [فاطر: ٢]، ﴿مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ﴿مَهْمَا

٦٥
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اليه
تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةِ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، وهي ومخفوضها في ذلك في موضع نصبٍ
على الحال، ومِن وقوعِها بعدَ غيرهما نحو: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ
ثِيَابًا خُضْرًا مِنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، الشاهدُ في غيرِ الأولى، فإنَّ تلك
للابتداء، وقيل: زائدةٌ؛ ونحوه: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرِّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحَجّ: ٣٠].
وأَنكر مجيءَ (مِن) لبيان الجنس قومٌ، وقالوا: هي في ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ ﴿مِن
سُندُسٍ﴾، الأُولى للتبعيض، وفي الثانية: ﴿مِنَ الْأَوْثَنِ﴾: للابتداء؛ والمعنى:
فاجتنبوا من الأوثان الرجس؛ وهو عبادتُها، وهذا تكلُّفٌ.
وفي كتاب ((المصاحف)) لابن الأنباريِّ: أنَّ بعض الزنادقة تمسَّكَ بقوله
تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةً﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] في الطعن
على بعض الصحابة، والحقُّ أنَّ (مِن) فيها للتبيين، لا للتبعيض؛ أي: الذين هم
هؤلاء، ومثلُه: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْغُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرُ عَظِيمٌ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٢]، وكلَّهم محسنٌ ومتَّقِ، ﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٣]، فالمقولُ فيهم
ذلك كانوا كفَّارًا، والله أعلم.
(مِثْلَ): منصوبٌ على الحال؛ أي: جاءتِ الرؤيا مُشبهةً فَلَقَ الصبح، وقال
شيخُنا: نصبٌ على الحال؛ أي: مُشبهةً ضياءَ الصبح، أو على أنَّه صفةٌ
المحذوفٍ؛ أي: جاءتْ مجيئًا مثلَ فَلَقِ الصُّبح.
[(فَلَقِ الصُّبْحِ): بالتحريك، وحكى الزمخشريُّ التسكين].
(حِرَاءٍ): يُصرف، ولا يُصرف.
(وَهُوَ التَّعَبُّدُ): الضميرُ راجعٌ للمصدر الذي تضمَّنه (يتحثَّث)، على حدٍّ:
﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
(اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ): متعلِّقٌ بـ (يتحنَّث)؛ أي: يتحنَّث الليالي، لا
بالتعبُّد؛ لأنَّه يَفسُدُ المعنى حينئذٍ، فإنَّ التحقُّث لا يُشترط فيه الليالي؛ بل يُطلق
على القليل والكثير.
و (الليالي): منصوبٌ على الظرف، و(ذواتِ): بكسر التاء علامة النصب.

٦٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
و (يَتَزَوَّدُ): بالرفع عطفًا على (يتحنَّث).
(وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ): جملةٌ في موضع الحال.
(فَجَاءَهُ الْمَلَكُ): إن قلتَ: مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي، بل هو
نفسه؛ إذٍ (١) المراد بمجيء الوحي: مجيء حامل الوحي؛ أي: الملك؛ فما معنى
الفاء التعقيبية؟ قلتُ: هذه الفاء تسمَّى التفسيريَّة؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى
بَارِيَكُمْ فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٥٤]؛ إذِ القتلُ نفسُ التوبة على أحدِ التفاسير،
وتسمَّى: التفصيليَّة أيضًا؛ لأنَّ مجيءَ الملَك ... إلى آخره تفصيلٌ للمُجمَل الذي
هو مجيءُ الحقِّ، ولا شكَّ أنَّ المفصَّل نفس المُجمَل، قاله الكرمانيُّ .
وقال شيخنا العلامةُ ابنُ حَجَرٍ في ((الفتح)): (هل الفاء للتفسير، أو التعقيب،
أو السبب؟ ومال إلى الثالث؛ ومعناه: أي: حتى قُضِيَ بمجيء الوحي، فبسبب
ذلك جاءه الملَك، ثمَّ قال: والثالث(٢) أقرب من الثاني).
وقال شيخُ الإسلام سراج الدين البُلقينيُّ: الفاء هنا(٣) يَحتمل أن تكون
للتعقيب؛ والمعنى بمجيء الحقِّ على هذا: انكشف الأمرُ عن أمرٍ مهمٌّ، فجاءه
الملك عقب ذلك.
فإن قيل: مجيءُ الملَك هو نفسُ مجيء الحقِّ، فكيف جعلتَه يعقُبُه؟ قلنا :
إنَّما بنينا التعقيبَ على أنَّ مجيءَ الحقِّ عبارةٌ عن الذي انكشف ووقع في القلب،
فأعقبه ظهورُ الملك.
ويَحتمل أن تكون الفاءُ للسبب، ولو جُعلت الفاءُ لمجرَّدِ العطفِ؛ لم يَبْعُد.
(مَا أَنَا بِقَارِئٍ): قيل: (ما) استفهاميَّةٌ، واحتجَّ مَن قال بهذا بأنَّه جاء في
روايةٍ: (ما أقرأ)، وقال (٤) النوويُّ: لا دلالةَ فيه؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ (ما) هنا أيضًا
نافية .
وقيل: نافيةٌ، وهذا هو الصوابُ؛ لأنَّ الباء تَمنعُ مِن كونها استفهامًا .
وقيل: الباءُ زائدةٌ .
(١) في (ص): (إذا).
(٣) في (ن): (هذه الفاء).
(٢) في (ص): (الثالث) دون واو.
(٤) في (ن): (قال).

٦٧
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَ ه
وعلى الصواب: فاسمُها: (أَنَا)، و(بِقَارِئٍ): الخبرُ.
تنبيه: قال الشيخ سراجُ الدين: اللام في (الملك) لتعريف الماهيَّة لا للعهد
إلَّا أنْ يكونَ يريد به: الملَك الذي عهده عليه السلام في بلاد طيِّئ، ونحو ذلك،
أو تكونَ قصدت عائشة بذلك ما عهده مِنْ تجرِبِتِه، والجملةُ التي هي: (جاءه
الملَك) - على أنَّ الفاء للتعقيب، أو للسبب ــ لا محلَّ لها من الإعراب، وعلى
أنَّ الفاء لمجرَّد العطف تكون في محلِّ جرِّ تفريعًا على أنَّ (حتى) في قوله: (حَتَّى
جَاءَهُ الْحَقُّ): جارَّةٌ.
(الْجَهْد): بنصبِ الدال وضمِّها، قاله النوويُّ عن صاحب ((التحرير))، فعلى
الرفع معناه: بلغ مني الجهدُ مبلغَه، فحذف (مبلغه)، وهو المفعول، وعلى
النصب معناه: بلغ الملَك مني الجهدَ.
قال شيخ الإسلام سراج الدين البُلقينيُّ: وعندي(١) أنَّ فاعلَ (بَلَغَ):
(الغظُ)، لا (جبريلُ)؛ لأنَّ الغطّ هو الذي بلغ حقيقةً إلى هذا الحدِّ، لا جبريلَ
عليه السلام.
وقال التوربشتيُّ: (لا أرى الذي يَروي بنصب الدال إلَّا وقد(٢) وَهِمَ فيه، أو
جوَّزه بطريق الاحتمال؛ فإنَّه إذا نصب الدال؛ عاد المعنى إلى أنَّه غظّه حتى
استفرغ قوَّته في ضغطته، وجهد جهده بحيث لم يَبقَ فيه مزيدٌ، وهذا قولٌ غيرُ
سديدٍ؛ فإنَّ البُنيةَ البشريّةَ لا تشتدُّ على استفراغ القوَّة الملكيَّة، لا سيَّما في مبدأ
الأمر، وقد دلَّتِ القضيّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك، وتَداخَلَه الرُّعب).
وقال الطِّيبيُّ: (لا شكَّ أنَّ جبريل في حال الغطّ لم يكن على صورته
الحقيقيَّة التي تجلّى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي،
فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلّى له وغطّه، وإذا صحَّتِ الرواية؛
اضمحلَّ الاستبعاد).
وقال شيخُنا في ((الفتح)): (وما المانع أن يكون قوَّاه الله تعالى على ذلك،
ویکون من جملة معجزاته؟) انتهى.
(١) في (ن): (عندي).
(٢) في (ن): (إلا قد).

٦٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
(﴿اقْرَأْ بِآسْمِ رَیِكَ﴾): يجوز فيه أوجه:
أحدها: أن تكون الباء للحال؛ أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربِّك؛ أي: قُلْ:
باسم الله، ثمَّ اقرأ، قاله الزَّمَخْشَرِيُّ .
الثاني: أنَّ الباء مزيدة؛ والتقدير: اقرأ اسمَ ربك، وقيل: الاسم صلة؛ أي:
اذكر ربك.
الثالث: أنَّ الباء للاستعانة، والمفعول محذوف؛ تقديره: اقرأ ما يوحى
إليك مستعينًا باسم الله .
الرابع: أنَّها بمعنى: (على)؛ أي: اقرأ على اسم ربك.
وقدَّم الفعل؛ لأنَّه أوقع؛ لأنَّها أوَّل سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهمَّ،
والعامَّةُ: على سكون الهمزة أمرًا من القراءة، وعاصم في رواية الأعشى: براءٍ
مفتوحة .
خَلَقَ اُلْإِنسَنَ﴾): يجوزُ أنْ يكونَ ﴿فَلَقَ﴾ الثاني تفسيرًا
(﴿الَّذِي خَلَقَ
ل﴿فَقَ﴾ الأوَّل؛ يعني: أنَّه أبهمه أوَّلًا، ثمَّ فسَّرَه ثانيًا ب﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾؛ تفخيمًا
الخَلْق الإنسان(١).
ويجوزُ أنْ يكونَ حذف المفعول من الأوَّل؛ تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنَّه
مطلق، فيتناول كلَّ مخلوق، وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِسَنَ﴾ تخصيصٌ له بالذّكر من بين
ما يتناوله الخَلْق؛ لأنَّ التنزيل إليه .
ويجوزُ أنْ يكونَ تأكيدًا لفظيًّا، فيكون قد أكَّدَ الصلةَ وحدَها؛ كقولك: الذي
قام قامَ زيدٌ.
والمرادُ ب﴿ اَلْإِنسَنَ﴾: الجنسُ؛ ولذلك قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع: عَلَقَة؛ لأنَّ
كلَّ واحدٍ مخلوقٌ مِنْ علقةٍ؛ كما في الآية الأخرى.
(لَقَدْ خَشِيْتُ): (اللام): جواب القسم المحذوف؛ أي: والله لقد خشيت.
(أَبَدًا): منصوب على الظرف.
(إِنَّكَ لَتَصِلُ): بالكسر على الابتداء.
(١) قوله: (تفخيمًا لخلق الإنسان) سقط من (ن).

٦٩
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَه
(فَانْطَلَقَتْ بِهِ): عدَّاه بالباء؛ لأنَّها انطلقت معه، بخلاف ما لو عُدِّي اللازم
بالهمز(١)؛ نحو: أذهبتُه؛ فإنَّه لا يلزم ذلك.
(ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ): قال الأستاذ العلامة النوويُّ: (بنصب ((ابن))، ويكتب
بالألف؛ لأنَّه بدل من ((ورقة))، ولا يجوز جرُّ ((ابن))، ولا كتابته بغير ألف؛ لأنَّه
يصير صفةً لـ((عبد العزى))، فيكون عبد العزى ابن عم خديجة، وهو باطل).
قال الكرمانيُّ: (كتابة الألف وعدمها لا يتعلَّق بكونه متعلِّقًا بـ((ورقة))، أو
بـ((عبد العزى))؛ بل عِلَّة إثبات الألف عدمُ وقوعِه بين عَلَمين؛ لأنَّ العمَّ ليس
عَلَمًا، ثمَّ الحكمُ بكونه بدلًا غيرُ لازم؛ لجواز أن يكون صفةً، أو بيانًا له) انتهى.
ووردَ في روايةٍ: (وهو ابن عم خديجة)، فيجوزُ الرفعُ.
(يَا ابْنَ عَمِّ): يجوزُ فيه الأوجهُ المشهورةُ في المنادى المضاف، قاله
بعضُهم .
(اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ): حذفت مفعول (اسمع)؛ وهو (ما يقول)، أو
(كلامَه)، ولم أقف على رواية فيها ذكر المفعول، قاله البُلقينيُّ.
قوله: (يَا ابْنَ أَخِي) اعلم أنَّه إذا كان المنادى مضافًا إلى مضاف إلى الياء؛
فالياء ثابتة لا غير؛ كقولك: (يا ابن أخي)، و(يا ابن خالي)، إلَّا إنْ كان (ابنَ
أُمِّ)، أو (ابنَ عمِّ)؛ فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عنِ الياء، وأن يُفتحا؛ للتركيب
المزجيِّ، وقد قرأ الأخوان، وأبو بكر، وابنُ عامرٍ في (الأعراف) و(طه): بكسر
الميم من (يَا ابْنَ أُمِّ)، والباقون: بفتحها، وقرئ(٢) بإثبات الياء ساكنة، وقرئ
أيضًا: بكسر الهمزة والميم، وهو إتباعٌ.
(يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا): قال الحَمْزِيُّ: (كذا لأكثرِهم (٣)، وللأصيليِّ وابنٍ
ماهان: ((جَذٌَ))؛ خبرُ (ليت))، والنصبُ على الحال، والخبرُ مضمرٌ؛ أي:
فأنصره، وأعينه) انتهى .
(١) في (ن): (بالهمزة).
(٣) يعني: بنصب (جذعًا).
(٢) في النسخ: (وقرأ).

٧٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
أو منصوبٌ على أنَّه خبرُ (كان) المقدَّرة؛ تقديرُه: يا ليتني أكون جَذَعًا، قاله
الخطّابيُّ، والمازريُّ، وابنُ الجوزيِّ.
أو منصوبٌ على الحالِ، والخبرُ (فيها)؛ والتقديرُ: ليتني كائنٌ فيها، ورجَّحَه
عياضٌ، وقال: (إنَّه الظاهرُ)، وصحَّحه النوويُّ، وقال: (إنَّه الذي اختاره
المحقّقون).
أو تكون(١) (ليت) عملتْ عملَ (تمنّيتُ)، فنصبتِ الاسمين، كما قال
الكوفيُّون، وأنشدوا: [من الرجز]
يَا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا
وقال القاضي: وقع للأصيليِّ الرفعُ، وهو خلافُ المشهور(٢)، وقال ابن
بَرِّي: المشهورُ عند أهل اللَّغة والحديثِ في هذا - كأبي عُبيدٍ وغيرِه -: بسكونٍ
العين، ومنهم مَنْ يرفعُه على أنَّه خبرُ (ليت)، ورُوي بالنصبِ بفعلٍ محذوفٍ؛
أي: جُعِلْتُ فيه جَذَعًا .
تنبيه: الذي قاله الخطّابيُّ ومَنْ تقدَّم يجيءُ على مذهب الكوفيِّينَ؛ كما قالوا
في قوله تعالى: ﴿أَنتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١٧١]؛ أي: يكن الانتهاءُ خيرًا
لكم، ومذهبُ البصريِّينَ أنَّ ﴿خَيْرًا﴾ في الآية منصوبٌ بفعلٍ مضمرِ يدُلُّ عليه
﴿أَنْتَهُوا﴾؛ تقديرُه: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.
وقال الفرَّاءُ: (انتهوا انتهاءً خيرًا لكم).
وضُعِّفَ هذا الوجه بأنَّ (كان) الناصبة لا تُضمر إلَّ إذا كان في الكلام لفظ
ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: (إنْ خيرًا؛ فخير).
قال ابنُ مالكٍ: ظنَّ أكثرُ الناسِ أنَّ (يا) التي تليها (ليت) حرفُ نِداءٍ،
والمنادى محذوفٌ؛ فتقديرُه: يا محمَّدُ؛ ليتني كنتُ(٣) حيًّا؛ نحو: ﴿يَلَيْتَنِ كُنْتُ
مَعَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٧٣]؛ أي: يا قوم ليتني، وهو عندي ضعيفٌ؛ لأنَّ قائل: (ليتني)
قد يكونُ وحدَه، فلا يكونُ معه منادَى ثابتٌ ولا محذوفٌ؛ كقول مريمَ: ﴿يَلَيْتَنِى
(١) في (ن): (يكون).
(٣) كذا في النسختين تبعًا لمصدره.
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١/ ١٤٣) (جذع).

٧١
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اليه
مِتُ قَبْلَ هَذَا﴾ [مَريَم: ٢٣]، ولأنَّ الشيءَ إنَّما يجوزُ(١) حذفُه مع صحَّة المعنى بدونه
إذا كان الموضعُ الذي ادُّعِيَ حذفُه فيه مستعملًا فيه ثُبوتُه؛ كحذفِ المنادى قبلَ
أمرٍ أو دعاءٍ؛ فإنَّه يجوزُ حذفُه؛ لكثرةِ ثُبوتِه، فإنَّ الآمرَ والدَّاعيّ يحتاجان إلى
توكيدِ اسمِ المأمورِ والمدعوِّ بتقديمِه على الأمرِ والدعاءِ، واستُعمِلَ ذلك كثيرًا
حتى صار موضعُه منبَّهَا عليه إذا حُذِفَ، فحَسُن حذفُه لذلك.
فمِنْ تُبوتِه قبلَ الأمر: ﴿يَحِى خُذِ اُلْكِتَبَ﴾ [مَريّم: ١٢]، وقبلَ الدعاء:
﴿يَمُوسَى آدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ومِن حذفِه قبلَ الأمرِ: ﴿أَلَا يَسْجُدُواْ﴾
[الثَّمل: ٢٥] في قراءة الكِسائيّ، أراد: أَلَّا يا هؤلاء اسجدوا.
ومثالُ ذلك قولُ الشاعر: [من الطويل]
أَلَا يَا اسْلَمِي ..
البيت.
فَحَسَّنَ حذفَ المنادى قبلَهما اعتيادُ ثُبوتِهِ في محلِّ ادِّعاء الحذفِ، بخلافٍ
(ليت)؛ فإنَّ المنادى لم تستعملْه العربُ قبلَها ثابتًا، فادِّعاءُ حذفِهِ باطلٌ؛ لخُلُوِّه
مِنْ دليلٍ، فتعيَّنَ كونُ (يا) هذه لمجرَّد التنبيه؛ مثل (ألا) في نحو: [من الطويل]
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةٌ
إشارةٌ :
قال الزمخشريُّ: ((يا)): حرفٌ وُضِعَ في أصله لنداء البعيد، وأمَّا نداء
القريب؛ فله ((أي)) والهمزة، ثمَّ استُعمِلَ في مناداة مَنْ سها وغفل وإنْ قَرُبَ؛
تنزيلًا له منزلة مَنْ بَعُدَ، فإذا نودي به القريب الفاطن؛ فذلك للتأكيد المؤذِن بأنَّ
الخطاب الذي يتلوه مَعْنِيٌّ به جِدًّا .
إن قلتَ: ما بال الداعي يقول في جُؤاره: يا رب، يا ألله، وهو أقرب إليه
من حبل الوريد؟
قلتُ: هو استقصارٌ منه لنفسه، واستبعادٌ لها مما يقرِّبه إلى رضوان الله
(١) في هامش (ن): (نسخة: يصح)، وهي مثبتة في هامش (ص).

٧٢
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
تعالى، مَعَ فَرْط التهالك على استجابة دعوته، والإذن لندائه)، وفي ((الانتصاف))
وهو إقناعي: (فإنَّ الداعي يقول في دعائه: يا قريبًا غيرَ بعيد، يا من هو أقربُ
إلينا من حبل الوريد، فأين هذا الكلام من الانتصاب في مقام البُعد؟) انتهى.
أقولُ: إنَّ هذا الكلام من الداعي غير منافٍ لانتصابه في مقام البُعد، ولا
بعيد منه؛ لأنَّ المراد: استقصار نفسه، واستبعادها مما يقرِّبه إلى رضوانه تعالى،
ثمَّ إِنَّه قد يُنَزَّل غيرُ البعيد منزلةَ البعيد؛ لكونه نائمًا، أو ساهيًا حقيقة، أو بالنسبة
إلى الأمر الذي له يناديه؛ يعني: أنَّه بلغ من عُلُوِّ الشأن إلى حيث إنَّ المخاطب لا
يفي بما هو حقُّه من السعي فيه وإن بذل وسعه، واستفرغ جهده، فكأنَّه غافل عنه
بعيد، قاله الشُّمُنِّيُّ.
(إِذْ يُخْرِجُكَ): استعمل (إذ) موافقةً لـ (إذا) في إفادة الاستقبال، وهو
استعمالٌ صحيحٌ - كما نَّه عليه ابنُ مالكِ - غَفَلَ عنِ التنبيه عليه أكثرُ النُّحاة(١)،
قال الطّيبيُّ: (ليس التنبيه عليه من وظيفة النُّحاة، بل هو وظيفة أهل المعاني)
انتھی .
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، و﴿إِذِ
الْقُلُوبُ﴾ [غافر: ١٨]، وقوله: ﴿إِذِ اٌلْأَغْلَلُ فِيَّ أَعْنَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، وقدِ استُعمِل
كلٌّ منهما في موضع الأخرى، ومن الثاني: ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾
[آل عِمرَان: ١٥٦]، ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةٌ﴾ [الجُمُعَة: ١١]، و﴿إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾
[التوبة: ٩٢] انتهى.
(أَوَمُخْرِ جِيَّ هُمْ (٢)): بفتح الواو على الاستفهام، و(أو)(٣) إذا جاءت
للتقرير، أو التوبيخ، أو الردِّ، أو الإنكار، أو الاستفهام؛ كانت الواو مفتوحةً،
وإذا جاءت للشك، أو التقسيم، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى
(الواو) على رأي بعضهم، أو بمعنى (بل)، أو بمعنى (حتى)، أو بمعنى (إلى)،
وكيف ما كانت عاطفة؛ فهي ساكنة الواو.
(١) ((شواهد التوضيح)) (ص٤٩).
(٣) ليست في (ن).
(٢) ليس في (ن).

٧٣
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَله
والياءُ في (مُخرِجِيَّ) مشدَّدة، وهو جمع (مُخرِج)، ويجوزُ تخفيفُها،
والصحیحُ: التشديد، وبه جاءتِ الرواية.
ثمَّ على التشديد يجوزُ فتحُها وكسرُها، ومنه قوله تعالى: ﴿بِنُصْرِفِىٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢]، قُرِئَ بهما في السبع؛ فقرأ حمزة بالكسر، وهي لغةٌ حكاها الفرَّاء
وقُظْرُب، وأجازها أبو عمرو، وقرأ الباقون بفتحها (١).
وقال الإمام السُّهيليُّ: (لا بُدَّ من تشديد الياء في ((مُخرِجيَّ))؛ لأنَّه جمع،
والأصل: ((مخرجوي))، فأَدغِمتِ الواو في الياء، وهو خبرُ ابتداءٍ مقدَّم، ولو كان
المبتدأ اسمًا ظاهرًا؛ لجاز تخفيف الياء، ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأً؛
كما تقول: ((أضاربي قومُك؟))، ((أخارجي إخوتُك؟)) فتُفرِد؛ لأنَّك رفعت به
فاعلًا، وهو حسن في مذهب سيبويه والأخفش، ولولا الاستفهام؛ ما جاز
الإفراد إلَّا على مذهب الأخفش؛ فإنَّه يقول: ((قائم الزيدون)) دون استفهام، فإن
كان الاسم المبتدأ من المضمرات؛ نحو: ((أخارجٌ أنت؟))، و((أقائمٌ هو؟))؛ لم
يصحَّ فيه إلَّا الابتداء؛ لأنَّ الفاعل إذا كان مضمرًا لم يكن منفصلًا، لا تقول:
((قام أنا))، ولا ((ذهب أنت))، وكذلك لا تقول: ((أذاهب أنت؟)) على حدِّ الفاعل،
ولكن على حدِّ المبتدأ، ولا بُدَّ من جمع الخبر، فعلى هذا تقولُ: ((أمخرجيَّ
هم؟)) تريد: ((أمخرجون؟))، ثم أضفت إلى الياء، وحذفت النون، وأدغمت الواو
كما يقتضي القياس)(٢) انتهى.
وقال الإمام ابنُ الملقِّن: (قال ابنُ مالكِ: الأصلُ فيه: ((أوَمخرجوني
هم؟))، سقطت نون الجمع للإضافة، واجتمعت یاء وواو، وسُبقت إحداهما
بالسكون، فأُبدلت الواو ياءً وأُدغمت، ثم أُبدلت الضمة التي كانت قبل الواو
كسرةً؛ تكميلًا للتخفيف(٣)، وفيه: (أومخرجوي)، ولم يذكر سقوط نون الجمع،
وفُتحت الياء في ((مخرجيَّ)) للتخفيف؛ لئلا تجتمع الأمثال: الكسرة، وياءان بعد
كسرتین) (٤) .
(١) انظر ((الحجة للقراء السبعة)) (٢٨/٥ - ٢٩).
(٢) ((الروض الأنف)) (١/ ٢٧٤).
((التوضيح)) (٢/ ٢٩٣).
(٤)
(٣) ((شواهد التوضيح)) (ص٥١).

٧٤
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
ثمَّ ذكر بعضَ كلام السُّهيليّ؛ وهو أنَّه لا بُدَّ من تشديد الياء في (مخرجيَّ)؛
لأنَّه جمعٌ، ثمَّ قال: (ههنا أمران:
أحدهما - وهو الأصل -: تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة كغيرها من
أدوات الاستفهام، كما نبَّه عليه ابنُ مالكٍ(١)؛ نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾
[آل عمران: ١٠١]، ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿فَأَىُّ ◌ُلْفَرِيقَيْنِ﴾
[الأنعام: ٨١]، ﴿فَأَنَّ تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]، والأصل: أن يُجاء بالهمزة بعد
العاطف كهذه المُثُل، فيقال: ((وَأَمُخرجي))(٢)، مثله: فاء ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]؛
لأنَّ همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من
الجمل، والعاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ ممَّا عطف، لكن خُصَّتِ الهمزة بتقديمها
على حرف العطف؛ تنبيهًا على أنَّها أصل أدوات الاستفهام؛ لأنَّ الاستفهام له
صدرُ الكلام، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُوا﴾
[البَقَرَة: ١٠٠]، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]، وقال الزمخشريُّ: ((بين الهمزة
وحرف العطف جملة محذوفة معطوف عليها بالعاطف ما بعده، تقديره: أكفروا
بالآيات البينات وكلما عاهدوا؟))(٣)، وكذلك يُقدَّرُ ببقيَّة(٤) المُثُل ما يَحسُن فيها،
وفيه من التكلُّف ومخالفة الأصول ما لا يخفى، كما نبَّه عليه ابن مالك)(٥)
انتھی(٦).
قال الطّبيُّ: (أقول: لا يجوز فيما نحن فيه أن يُقدَّر تقديم حرف العطف
على الهمزة؛ لأنَّ ((أَوَمخرجيَّ هم)) جوابٌ وَرَدَ على قوله: ((إذ يخرجك)) على
سبيل الاستبعاد والتعجّب، فكيف يستقيم العطف؟ ولأنَّ هذه إنشائيَّة وتلك
خبريَّة، والحقُّ أنَّ الأصل: ((أمخرجيَّ هم))، فأُريد مزيد استبعادٍ وتعجّبٍ، فجيء
(١) ((شواهد التوضيح)) (ص ٥٠).
(٢) في النسختين: (وأومخرجي)، وكذا في نسخ ((التوضيح)) لابن الملقن (٢/ ٢٩٤) كما
أفاده محققه، والمثبت هو المناسب للسياق.
(٣) ((الكشاف)) (١/ ١٣٢).
(٥) (شواهد التوضيح)) (ص ٥٠ - ٥١).
(٤) في (ن): (بقية).
(٦) (التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) لابن الملقن (٢/ ٢٩٤).

٧٥
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله اله
بحرف العطف على مقدَّر تقديره: ((أَمُعاديَّ هم ومخرجيَّ هم))، وأمَّا إنكار
الحذف في مثل هذه المواضع؛ فمستبعدٌ(١)؛ لأنَّ مثل(٢) هذه الحذوف من جملة
البلاغة(٣)، لا سيَّما حيث الأمارة(٤) قائمة عليها، والدليل عليه ههنا: وجود
العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور، فيجب أن يُقدَّر بعد الهمزة ما يوافق
المعطوف؛ تقريرًا للاستبعاد)(٥) انتهى.
وقال ابنُ الملقِّن: (الثاني: ((مخرجيَّ)) خبرٌ مقدَّم، و((هم)) مبتدأٌ، ولا يجوزُ
العكسُ كما نَّه عليه ابنُ مالكٍ(٦)؛ لأنَّ ((مخرجيَّ)) نكرةٌ؛ فإنَّ إضافته غيرُ محضٍ؛
إذْ هو اسمُ فاعلٍ بمعنى الاستقبال، فلا يتعرَّف بالإضافة، وإذا ثبت كونُه نكرةً؛
لم يصحَّ جعلُه مبتدأً؛ لئلّا يؤدِّيَ إلى الإخبارِ بالمعرفةِ عنِ النكرةِ مِنْ غِيرِ مصحّحٍ،
ويجوزُ أن يكون ((هم)) فاعلًا سدَّ مسدّ الخبر، و((مخرجيَّ)) مبتدأً على لغةٍ:
((أكلوني البراغيثُ))، ولو رُوي: ((مخرجي)) بسكون الياء أو فتحها مخفّفةً على أنَّه
مفرد - وقد سلف جوازُه - لصحَّ جعلُه مبتدأً وما بعدَه فاعلًا سدَّ مسدّ الخبر، كما
تقول: ((أوَمخرجي بنو(٧) فلان؟))؛ لاعتماده على حرف الاستفهام؛ كقوله عليه
الصلاة والسلام: ((أحيٍّ والداك؟)) (٨)، والمنفصلُ من الضمائر يجري مَجرى
الظاهر)، ومنه قولُ الشاعر: [من البسيط]
أَمُنْجِزْ أَنْتُمُ وَعْدًا (٩) وَثِقْتُ بِهِ أَمِ اقْتَفَيْتُمْ جَمِيعًا نَهْجَ عُرْقُوبٍ
ثمَّ ذَكَرَ جَزْمِ السُّهيليِّ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ مقدَّم، قال: ((ولو كان المبتدأ اسمًا
ظاهرًا؛ لجاز تخفيف الياء، ويكون الاسم الظاهر فاعلًا، لا مبتدأً))(١٠)(١١).
(١) رسمت في (ن) بالوجهين: المثبت و(فيستبعد).
(٢) في (ن): (قبل)، وهو تحريف.
(٤) في (ص): (الإشارة).
(٣) في (ن): (البلاغية)، وهو تحريف.
(٥) ((الكاشف عن حقائق السنن)) للطيبي (١٢/ ٣٧٢٢) (ح: ٥٨٤٣).
(٦) ((شواهد التوضيح)) (ص٥٢).
(٧) في النسختين: (بنون)، ولا يستقيم.
(٨) ((صحيح البخاري)) (٣٠٠٤).
(٩) في النسختين: (وعد)، ولا يستقيم.
(١٠) ((الروض الأنف)) (١/ ٢٧٤).
(١١) ((التوضيح)) (٢/ ٢٩٥)، وانظر ((ارتشاف الضرب)) (٤/ ١٨٤٧).

٧٦
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
(وَإِنْ يُدْرِكْنِي): مجزومٌ بـ (إن).
(أَنْ تُوُفِّيَ): بَدَلُ اشتمالٍ من (ورقة)؛ أي: لم تلبث وفاته.
(وَهُوَ يُحَدِّثُ): جملةٌ حاليَّةٌ من ضمير (جابر)؛ أي: قال جابر في حالة
تحديثه عن فترة الوحي.
(بَيْنَا): أصلُه (بين)، فأُشبعتِ الفتحةُ، فصارتْ ألفًا، وهو من الظروف
الزمانيَّة اللازمة للإضافة إلى الجملة الاسميَّة، والعامل فيه: الجواب إذا كان
مجرَّدًا من كلمة المفاجأة، وإلّا؛ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إيَّاها، ويحتاج
إلى جواب يتمُّ به المعنى، وقيل: اقتضى جوابًا؛ لأنَّه ظرف متضمِّنٌ لمعنى
المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه (إذ) و(إذا) خلافًا للأصمعيِّ،
والمعنى: أنَّ في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع(١) ..
(جَالِسٌ): بالرفع على الخبريَّة، كذا الرواية في ((البخاري))، وفي ((مسلم))
بالنصب على الحال(٢)، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: حاضرٌ(٣).
(﴿الْمُدَّثِرُ﴾): العامَّةُ على تشديد الدال وكسر الثاء، وأصلُه: المتدثّر،
فأُدغم، وفي حرف أُبيّ: (المتدثّر).
(﴿قُرْ﴾): إمّا أن يكون من القيام المعهود، وإمَّا مِن (قام) بمعنى الأخذ في
القيام؛ كقوله: [من الطويل]
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيفِهِ
وقولِ الآخر: [من الوافر]
عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ
في أحد القولين، والقول الآخر: (٤) أنَّ (قام) مزيدةٌ، وفي جعلها بمعنى
الأخذ في القيام نظرٌ؛ لأنَّه حينئذٍ يصير من أخوات (عسى)، فلا بُدَّ له من خبرٍ
يكون فعلًا مضارعًا مجرَّدًا من (أن).
(١) انظر ((عمدة القاري)) للعيني (١/ ٦٧)، ((شرح الرضي على الكافية)) (٣/ ١٩٨).
(٣) في النسختين: (حاضرًا)، ولا يصح.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٦١) (٢٥٥).
(٤) زيد في (ن): (على).

٧٧
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَه
(﴿فَذِرْ﴾): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: قومَك عذابَ الله، والأحسنُ ألَّ يقدَّر له
مفعولٌ؛ أي: أَوقع الإنذار.
(﴿وَرَبَّكَ﴾): مفعولٌ مقدَّمٌ، وكذا ما بعدَه؛ إيذانًا بالاختصاص عند مَن يرى
ذلك، أو للاهتمام به .
والفاء في (﴿فَكَِّرْ﴾) قال الزمخشريُّ: (دخلت لمعنى الشرط، كأنَّه قال:
((وما كان؛ فلا تدع تكبيره)))(١).
وقال أبو حيَّان: (وهو قريب ممَّا قدَّره النُّحاة في قولك: ((زيدًا فاضرب))،
قالوا: تقديره: تنبَّهْ فاضربْ زيدًا، والفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إمَّا
مضمَّن معنى الشرط، وإمَّا الشرط محذوفٌ، على الخلاف الذي فيه عند
النُّحاة)(٢).
حديث: كان رسول اللّه ◌َلير يعالج من التنزيل شدة
(٥) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ
أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا
تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ يُعَالِجُ مِنَ
التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ
كَمَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَهِ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ:
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧،١٦] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ
وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ : .
إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بَعْدَ
ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ وَكَمَا قَرَأَهُ.
(شِدَّةً): إمَّا مفعولٌ به لـ (يُعالِجُ)، وإمَّا مفعولٌ مطلقٌ؛ أي: معالجةً شديدةً.
(وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ): قال الكرمانيُّ: (أي: كان العلاجُ ناشئًا مِن
(١) ((الكشاف)) (٤/ ٤٨٦).
(٢) ((البحر المحيط)) (١٠/ ٣٢٥).

٧٨
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيحِ لسبط ابن العجمي/ الجزء الأول
تحريك الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاج منه، أو ((ما)) بمعنى: ((مَنْ)؛ إذ قد تجيء
للعقلاء أيضًا؛ أي: كان ممَّن يحرِّك) انتهى.
وقال غيرُه: أعاد (كان)، وهو جائزٌ إذا طال الكلامُ، كما في قوله تعالى:
﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ﴾ .
وقال الكرمانيُّ: (قال عياض: معناه: كثيرًا ما كان يفعلُ ذلك، وقيل:
معناه: هذا من شأنه ودأبه) انتهى كلامُ الكرمانيّ، فجعل (ما) كناية عن ذلك،
ومثلُه قوله: (كان ممَّا يقولُ(١) لأصحابه: ((مَن رأى منكم رؤيا)))، وأدغم النون
في ميم (ما)، وقيل: معناها: (ربَّما)، وهو قريبٌ من الأوَّل؛ لأنَّ (ربَّما) قد تأتي
للتکثیر .
وقال شيخُنا بعد إيراد كلام الكرمانيّ - وهو: أي: كان العلاجُ ناشئًا من
تحريكِ الشفتين؛ أي: مبدأُ العلاج منه، أو (ما) موصولةٌ، وأُطلقت على مَن
يَعقل مجازًا -: (وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الشِّدَّةَ حاصلةٌ له قبل التحريك، والصوابُ ما قاله
ثابتٌ: إنَّ المراد: كان كثيرًا ما يفعلُ ذلك، وورودُ (ممَّا) في هذا كثيرٌ، ومنه
حديثُ الرؤيا، ومنه قولُ الشاعر: [من الطويل]
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى وَجْهِهِ يُلْقِي اللْسَانَ مِنَ الْفَمِ
ويؤيِّدُه: ما في ((التفسير)): ((كان رسول الله وَّوَ إذا نزل جبريلُ بالوحي
وكان(٢) ممَّا يحرِّك به لسانَه وشفتيه))، فأتى بهذا اللفظ مجرَّدًا عن تقدُّمِ العِلاج
الذي قدَّره الكرمانيُّ، فظهر ما قال ثابتٌ، ووجهُ ما قال غيرُه: أنَّ ((مِن)) إذا وقع
بعدها ((ما))؛ كانت بمعنى (رُبَّما))، وهي تطلق على القليل والكثير، وفي كلام
سيبويه مواضعُ من هذا؛ منها قولُه: ((اعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا))(٣)، ومنه
حديثُ البراء: ((كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النبيِّ نَّهِ ممَّا نحبُّ أن نكونَ عن يمينه))(٤)،
(١) في النسختين: (كان يقول مما يقول).
(٢) الذي في النسختين و((الفتح)) (٣٩/١): (فكان)، والمثبت لفظ البخاري في ((صحيحه))
(٤٩٢٩).
(٣) ((الكتاب)) (٢٤/١).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده)) (٢٩٠/٤)، وابن ماجه في ((سننه)) (١٠٠٦).

٧٩
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَليل
وفي حديث سمرةً: ((كان رسول الله وَّه إذا صلَّى الصبح ممَّا يقول لأصحابه: مَن
رأى منكم رؤيا)))(١). (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) إلى قولهِ: (فَأَنْزَلَ اللهُ): جملةٌ معترضةٌ
بالفاء، وذلك جائزٌ؛ كما قال الشّاعر: [من الكامل]
وَاعْلَمْ - فَعِلْمُ المَرِءِ يَنْفَعُهُ - أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
(فَأَنْزَلَ اللهُ): عطفٌ على (كَانَ يُعَالِجُ).
(كَمَا قَرَأَهُ): (الهاء) للقرآن، وضميرُ الفاعِل عائدٌ إلى (جبريل)، وفي
بعضها: (قرأَ)؛ بحذف المَفعُول. [قوله: (قَرَأَهُ النَّبِيُّ وَ كَمَا قَرَأَ): كانَ النبيُّ لَه
يقرأُ ما قرأه جبريلُ بعينه، ولهذا قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]، ونحن
كذلك نقولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وهذا فيه دلالةٌ على التقيُّدِ بألفاظ القرآن،
وأنَّه لا يجوزُ تغييرُها ولا التعبيرُ عنها بغيرِ العربيَّةِ، ولا العدولُ إلى معناها، وهذا
اتّفاقٌ مِنَ العلماءِ إلَّا ما يُحكى عن بعضِهم، ويقال: إنّه رجعَ عنه. وأمَّا غيرُ
القرآنِ؛ فإنَّه إذا أتاه جبريلُ به يكونُ عليه السلام متصرِّفًا فيه، فيذكرُه بمعناه مرَّةً،
وبلفظِهِ أُخرى، والأغلبُ الأوَّلُ].
حدیث: کان رسول الله ﴾ ټ أجود الناس
(٦) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، (ح)
وحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ،
فَلَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ)).
(نَحْوَهُ): منصوبٌ مفعولُ (حَدَّثَنَا)؛ أي(٢): نحوَ الحديثِ الآتِي بَعْدَهُ، وهذا
خلافُ عمل الناسِ في عَودِ الضَّمير.
(وَكَانَ أَجْوَد): رَفعُ الدَّال أصُ وَأشهَرُ، قاله النوويُّ؛ أي: كانَ أجوَدُ
(١) ((فتح الباري)) (٣٩/١).
(٢) ليست في (ن).

٨٠
النَّاظِرِ الصَّحِيحِ عَلَى الجَامِعِ الصَّحِيح لسبط ابن العجمي / الجزء الأول
أكوانه في رمضان؛ أي: أحسنُ أيامِهِ فيها، فهوَ مُبتَدَأْ مُضَافٌ إلى المصدَر،
وخبره: (فِي رَمَضَانَ).
قال البُلقينيُّ: (وهذا الإعرابُ هو مقتضى كلام البخاري؛ إذ قال: ((بابٌ:
أجودُ ما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكون في رمضان))).
والنَّصبُ على أنَّه خَبَرُ (كَانَ)، وفيهِ بُعْدٌ؛ لأنَّه يلزمُ منه أنَّ خبرَها هو اسمُها،
ولا يصحُّ إلَّ بتأويلٍ بعيدٍ.
وقال المحبُّ: (قال شيخُنا أبو عبد الله السُّلَميُّ: يقال بالرَّفع، ولا يجوز فيه
النَّصب؛ لأنَّ ((ما)) مصدريَّةٌ مُضافٌ إلى ((أجودُ))، وتقديره: وكان جودُه الكثيرُ في
رمضانَ، وإذا قيل: وكان هو جوده في رمضان؛ بالنَّصب على الخبر؛ لم يجز
ذلك إلا اتِّساعًا، وهو قبيح، ولو قدَّرنا ((ما)) نكرةً مضافةً؛ لَدَخَلَ في ذلك مَنْ
يُتصوَّرُ منه الجودُ ومَنْ لا يُتصوَّر، وذلك غيرُ سائغ في اللُّسان) هذا آخِرُ كلامه.
قلتُ: ويمكن أن يُقال: تُخَصُّ النَّكرةُ باقتران الجود بها، فلا يَدخل فيه إلَّا
مَن يُتصوَّرُ منه الجودُ، وحينئذٍ يجوز النَّصب.
قال - أي: النَّوويُّ(١) - تَّه: (الرَّفع من ثلاثة أوجُهِ :
أحدُها: أن يكون بدلًا من المضمر بدلَ اشتمالٍ؛ كقولكَ: «نفعني زيدٌ علمُه
الغزيرُ)).
والثَّاني: أن يكون مبتدأً، و((في رمضانَ) خبرُه، والجملة خبر ((كان))،
[واسمها] المضمرُ.
والثَّالث: أن يكون هو نفسه اسم ((كان))، والخبر ((في رمضانَ))) انتهى.
وقال بعضُ المشايخ: (إنَّ ابنَ مالكِ سُئِل عن ذلك، فذكر للرَّفع ثلاثةَ
أوجُهٍ، وللنَّصبِ وجهين)، ثمَّ قال: (وفي ذهني أنَّه رجَّحَ الرَّفعَ، وأنَّ القُرطبيَّ إمَّا
رجَّحَ النَّصبَ، وإمَّا جزمَ به).
[وقال البُلقينيُّ: ((إنَّ النَّوويَّ سأَلَ ابنَ مالكِ عن ذلك، فذكر جوابه))، ثم
(١) قوله: ((أي النووي)): من (ن).