النص المفهرس
صفحات 841-860
٨٤١
١٢ - كتاب الجمعة
٩٠٤ - حدّثنا سُرَيجُ بنُ النُّعمانِ قال : حدَّثَنَا فُلَيَحُ بنُ سُليمانَ
عن عثمانَ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ عثمانَ التَّيْميِّ عن أنسِ بنِ مالكِ
رضيَ الله عنه: ((أن النبيِّ وَّ كَانَ يُصَلِّ الْجُمعَةَ حِينَ تَمِيلُ
الشَّمْسُ )) .
( مهنة): بنون وفتحات، جمع: ((ماهن))، ككتبة وكاتب ، أي :
خدمة .
٩٠٥ - حدّثنا عَبدانُ قال : أخبرنا عبدُ الله قال : أخبرنا حميدٌ
عنْ أَنْسِ قال: ((كُنَّا نبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقيلَ بَعْدَ الْجُمُعَة)) (*).
( كنا نبكر)، زاد ابن حبان: ((مع النبي ◌َِّ)).
١٧ - باب: إذا اشتدّ الحرّ يومَ الجمعة
٩٠٦ - حدّثنا محمدُ بنُ أبي بكرِ الْمُقَدَّمِيُّ قال : حدَّثَنِي حَرَميُّ
ابنُ عُمارةَ قال : حدَّثَنَا أَبو خَلْدةَ - هوَ خالدُ بنُ دينار - قال :
سمعتُ أَنْسَ بنَ مالكِ يقولُ: ((كَانَ النَبِيُّ ◌َّهِ إِذَا اشْتَدُّ البَرْدُ بِكَّرَ
بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاةِ» يَعْنِي الجُمُعَةَ.
قال يونسُ بنُ بُكيرِ: أخبرَنَا أَبو خَلدةَ وقال: ((بالصلاة))،
ولم يَذكرِ الجمعة .
وقال بشْرُ بن ثابت: حدَّثَنا أَبو خلدةَ قال: (( صلَّى بنا أميرٌ
الجُمعةَ، ثم قال لأنسٍ رضي الله عنه: كيف كان النبيّ وَُّله يصلي
93
الظهر ؟)) (١)
(*) الحديث ٩٠٥ ، طرفه في : (٩٤٠).
(١) وصله الإسماعيلي، والبيهقي في ((سننه)) ١٩٢/٣) بلفظ: ((كان إذا كان
الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها)) - أفاده الحافظ في ((الفتح))
(٣٨٩/٢)، وجود الألباني إسناده في (مختصر البخاري: ص/ ٢١٩).
٨٤٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( خلدة ) : بفتح المعجمة ، وسكون اللام .
( يعني الجمعة ) : هو من كلام بعض الرواة ، قاله لفهمه التسوية بين
الجمعة والظهر ، وإلا فالتصريح في الحديث السابق أنه كان يبكر بها
مطلقاً، ولهذا قال الشافعية : لا إبراد في الجمعة .
وقد أخرج الإسماعيلي هذا الحديث من وجه آخر ، وقال: (( الظهر
بدل يعني الجمعة )) .
(أمير): هو ((الحكم)) ابن عم ((الحجاج)) أمير البصرة.
١٨ - باب : المشي إلى الجمعة ، وَقول الله جلّ
ذكرهُ : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ ﴾ (١)
وَمَن قال : السعيُّ : العملُ وَالذَّهابُ لقول الله تعالى :
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ (٢) .
وقال ابنُ عبّاس رضيَ الله عنهما : يحرُمُ البيعُ حينئذ (٣).
وقال عطاءٌ : تحرُمُ الصِّنّاعات كلُّها (٤) .
(١) الجمعة : ٩ .
(٢) الإسراء : ١٩ .
(٣) ذكره ابن حزم من طريق عكرمة عن ابن عباس بلفظ: (( لا يصلح البيع يوم
الجمعة حين ينادي للصلاة ، فإذا قضيت الصلاة فاشتر وبع)) ، ورواه ابن
مردويه من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً - أفاده الحافظ في ((الفتح))،
وقال: وإلى القول بالتحريم ذهب الجمهور ، وابتداؤه عندهم من حين الأذان
بين يدي الإمام، لأنه الذي كان في عهد النبي بَّر. ا هـ (الفتح: ٣٩٠/٢).
(٤) وصله عبد بن حميد في ((تفسيره)) بلفظ: ((إذا نودي بالأذان حرم اللهو
والبيع، والصناعات كلها ، والرقاد ، وأن يأتي الرجل أهله ، وأن يكتب
كتاباً)) - أفاده الحافظ وسكت عنه وقال : وبهذا قال الجهور أيضاً . ا هـ
(المصدر السابق: ٣٩١/٢) .
٨٤٣
١٢ - كتاب الجمعة
وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ عنِ الزُّهريِّ: إِذا أَذَّنَ المؤذِّنُ يومَ الجُمعة
وَهُوَ مُسافَرٌ فعليهِ أَن يَشْهَدَ (١) .
٩٠٧ - حدّثّنا علىُّ بنُ عبد الله قال: حدَّثَنَا الوَليدُ بنُ مُسلمٍ
قال: حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أبي مريمَ قال : حدَّثَنَا عَبَايةُ بنُ رفاعةَ قال :
أَدرَكَنِي أَبو عَبسٍ وَأَنا أَذهبُ إلى الجُمعة ، فقال: سمعتُ النبيَّ
وَسيِّلم
يقول: ((مَنِ اغْبَرَّ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ)) (*).
٩٠٨ - حدّثنا آدمُ قال: حدَّثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ قال: حدّثَنَا الزُّهريُّ
عن سعيد وأبي سَلمةَ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنهُ عنِ النبيِّ وَِّ.
وَحَدَّثَنَا أَبَوِ اليمَان قال: أخبرَنَا شُعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال : أخبرني
أبو سَلمةَ بنُ عبد الرَّحمنِ أَنَّ أبا هريرةَ قال : سمعتُ رَسولَ الله
وَّه يقول: ((إذَا أُقيمَت الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأُتُوهَا تَمْشُونَ
عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أَدْرَكْتُمَّ فَصَلُوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)).
٩٠٩ - حدّثنا عمرُو بنُ عليٍّ قال: حدَّثني أبو قُتيبةَ قال :
حدَّثَنا عليُّ بِنُ المَبَارَكِ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن عبدِ الله بنِ أبي
قَتَادةَ : لا أعلمُه إلا عن أبيه .
( وقال عطاء : تحرم الصناعات كلها ) ، أخرجه عبد في ((تفسيره))
بلفظ: (( إذا نودي بالأولى حرم اللهو والبيع والصناعات كلها والرقاد ، وأن
يأتي الرجل أهله ، وأن يكتب كتاباً )) .
( عباية ) : بفتح المهملة والموحدة .
(١) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، كان على قضاء
بغداد، وانظر الاختلاف في أثره هذا عن الزهري في ((فتح الباري)) (٣٩١/٢)
و ((عمدة القاري)) (٢٠٤/٦).
(*) الحديث ٩٠٧، طرفه في: (٢٨١١).
٨٤٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( أبو عبس ): بفتح المهملة وسكون الموحدة ، واسمه: (( عبد الرحمن
ابن جبر )) بفتح الجيم وسكون الموحدة ، وليس له في البخاري غير هذا
الحديث .
١٩ - باب : لا يُفُرِّق بينَ اثنَيَنِ يومَ الجمعةِ
٩١٠ - حدّثنا عَبدانُ قال: أخبرَنَا عبدُ الله قال : أخبرنا ابنُ أبي
ذئب عن سعيد المقبريِّ عن أبيهِ عنِ ابنِ وَدِيعةَ عن سَلمانَ الفارسيِّ
قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا
اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثم ادهن أو مس من طيب ، ثم راح فلم يفرق
بين اثنين فصلى ما كتب له، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمعَةِ الأُخْرَى)).
( لا يفرق ) أي : الداخل .
٢٠ - باب : لا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يومَ الجُمعةِ وَيَقعُدُ في مكانه
٠
٩١١ - حدّثنا محمدٌ قال: أخبرَنَا مَخْلَدُ بنُ يزيدَ قال : أخبرَنَا
ابنُ جُرَيج قال : سمعتُ نافعاً يقولُ : سمعتُ ابنَ عمرَ رضيَ الله
عنهما يقولُ: ((نَهَى النَبِيُّمَّ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَفْعِدِهِ
وَيَجْلِسَ فِيهِ)) . قلت لنافع : الجمعةَ ؟ قال : الجمعةَ وغيرها (*).
٢١ - باب : الأذان يومَ الجمعة
٩١٢ - حدّثْنا آدمُ قال: حدَّثَنَا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عنِ
السائب بنِ يَزِيدَ قال: ((كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمعَة أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ
الإِمَامُ عَلَى الِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النِبِيِّ بَّهِ وَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ
(*) الحديث ٩١١ ، طرفاه في : (٦٢٦٩، ٦٢٧٠).
( ** ) الحديث ٩١٢، أطرافه في: (٩١٣، ٩١٥، ٩١٦).
٨٤٥
١٢ - كتاب الجمعة
عَنْهُمَا ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضيى اللهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ
الثَّالثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ)) ( ** ).
( إذا جلس الإمام)، زاد ( ) (١): ((وإذا أقيمت الصلاة)).
( زاد النداء الثالث ) ، سماه هنا ثالثاً باعتبار زيادته على الأذان
والإقامة، وفيما سيأتي للثاني الفاء للإقامة ، وفي رواية الأول : لأنه يفعل
مقدماً على الأذان بين يدي الخطيب والإقامة .
( الزوراء ) : بفتح الزاي وسكون الراء وبعدها راء ممدودة . قال أبو
عبد الله: / ... إلى آخره، لأبي وحده .
[٦٣ /أ]
ولابن خزيمة: (( زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها :
الزوراء )) .
وفي الطبراني: ((فأمر بالنداء الأول على دار يقال لها ((الزوراء)).
فائدة: روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ((الأذان الأول يوم
الجمعة بدعة، أي: لم يكن في عهده وََّ)).
وذكر الفاكهي : (( إن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج ،
وبالبصرة زياد)).
وفي تفسير ((جويبر)) بسند منقطع عن معاذ: ((أن عمر أمر مؤذناً أن
يؤذن بالناس يوم الجمعة خارجاً من المسجد حتى يسمع الناس ، وأمر أن
يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي وَّل وأبي بكر ، ثم قال عمر:
نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين )) .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قال سليمان بن موسى : ((أول
من زاد الأذان بالمدينة عثمان ، فقال عطاء : كلا ، إنما كان يدعو الناس
دعاء ولا يؤذن غير أذان واحد )) .
(١) بياض بالأصل، وهذه الزيادة - التي ذكرها المصنف بعد - من رواية أبي عامر
عن ابن أبي ذئب عند ابن خزيمة والبيهقي من طريق ابن أبي فديك ، عن ابن
أبي ذئب، انظر: ((الفتح)) (٣٩٣/٢ - ٣٩٤).
٨٤٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وعطاء لم يدرك عثمان ، فالذي في ((الصحيح)) هو المعتمد .
٢٢ - باب : المؤذِّن الواحد يومَ الجُمعة
٩١٣ - حدّثنا أبو نُعَيم قال: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلمةَ
الماجشونُ عن الزُّهريِّ عنِ السائبِ بنِ يزيدَ: «أَنَّ الَّذِي زَادَ
النَّأْذِينَ الثَّالِثَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ كَثُرَ
أَهْلُ المَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلنبيِّ،وَهِ مُؤَذِّنٌ غَيْرُ وَاحِد، وَكَانَ التَّأْذِينُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ » يَعْنِي عَلَى الِنْبَرِ .
٢٣ - باب : يُجيبُ الإِمامُ على المنبرِ إِذا سمعَ النداءَ
٩١٤ - حدّثنا ابنُ مُقاتل قال: أخبرنا عبد الله قال : أخبرَنَا أَبو
بكرِ بنُ عثمانَ بنِ سَهلِ بن حُنَيَفِ عن أبي أمامةَ بنِ سَهلِ بنِ
حنيف قال : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ
أَذَّنَ الْمُّؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ، قَالَ مُعَاوِيَةُ : اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
أَكْبَرُ ، قَالَ: أَشْهَدُ أَن لا إلَهَ إلا الله، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا ، فَلَمَّا
أَنْ قَضَى التَّأْذينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
عَلَى هَذَا الَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ: (( مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ
مَقَالَتِي )) .
( أن قضى ) أي: فرغ، و((أن)) زائدة، وسقطت للأصيلي ،
وللكشميهني: ((فلما انقضى)) أي : انتهى .
٢٤ - باب : الجلوسِ على المنبرِ عندَ التأذينِ
٩١٥ - حدثنا يحيى بنُ بُكَير قال : حدَّثَنَا اللَّيثُ عن عُقَيلِ عنِ
٨٤٧
١٢ - كتاب الجمعة
ابنِ شِهابٍ أَنَّ السائبَ بنَ يزيدَ أَخبرهُ : ((أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِي يَوْمَ
الجُمُعَةِ أَمَرَ بِه عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَسْجِد وَكَانَ التَّْذِينُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ
حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ )) .
٢٥ - باب : التأذين عندَ الخطبة
٩١٦ - حدّثنا محمدُ بنُ مُقاتل قال : أخبرنا عبدُ الله قال :
أخبرَنَا يونسُ عن الزُّهريِّ قال : سمعتُ السائبَ بنَ يزيدَ يقول :
(إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
عَلَى الِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَه وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَثُرُوا أَمَرَ عُثْمَانُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ فَأَذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى
ذَلكَ )).
( باب : التأذين عند الخطبة ) ، قال ابن المنير : فيه استنصات الناس
لسماعها ، وسكون اللغط ، وإحضار الأذهان للذكر .
٢٦ - باب : الْخُطبة على المنبر
وقال أنس رضي الله عنه: خطبَ النبيُّ وَّهِ على المنبر (١).
٩١٧ - حدّثنا قُتيبةُ بنُ سعيد قال: حدَّثَنا يعقوبُ بنُ
عبدِ الرّحمنِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبد القاريُّ القرشيُّ
الإِسكندرانيُّ قال: حدَّثَنَا أَبو حازمٍ بنُ دينارٍ : أَنَّ رجالاً أَتَوا
(١) وصله البخاري في الاعتصام ، وفي الفتن مطولاً ، وفيه قصة عبد الله بن
حذافة، ومن حديثه أيضا في الاستسقاء في قصة الذي قال: ((هلك المال)) -
أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣٩٧/٢)، قلت : والحديث المشار إليه سيأتي برقم
(٩٣٣) .
٨٤٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
سهلَ بنَ سعد الساعديَّ ، وقدِ امْتَرَوا في المنبرِ مِمَّ عُودُهُ ؟ فسألوهُ
عن ذلكَ فقال: وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ
وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَ
إِلَى فُلانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - مُرِي غُلامَك النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ
أَعْوَاداً أَجْلِسُ عَلَّيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ ، فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ
الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ فَأَمَرَ بِهَا
فَوُضِعَتْ هَهُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهْوَ
عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ
ثُمَّ عَادَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَاَ
صَنَعْتُ هَذَاَ لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي)).
( امتروا ) : من المماراة ، وهي : المجادلة .
( مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً ) ، اختلف في اسم صانع المنبر
على أقوال :
أحدها : ميمون ، وهو الأصح .
ثانيها : إبراهيم .
ثالثها : باقول .
رابعها : باقوم .
خامسها : صيام : بضم المهملة وتخفيف الموحدة .
سادسها : قبيصة .
سابعها : كلاب مولى العباس .
ثامنها : تميم الداري .
تاسعها : ميناء .
واختلف في سنة عمله ، فقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة ثمان ، وكان
ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات ، وسبب
٨٤٩
١٢ - كتاب الجمعة
ذلك أن معاوية كتب إليه أن يكمل المنبر إليه ، فأمر به فقلع ، فأظلمت
المدينة ، وانكسفت الشمس حتى رأوا النجوم ، فخرج مروان فخطب
فقال: (( إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه ، فدعى نجاراً فزاد فيه ست
درجات ، وقال : إنما زدت فيه حين كثر الناس )) ، أخرجه الزبير بن بكار
في (( أخبار المدينة )) من طرق .
قال ابن النجار: ((واستمر ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع
وخمسين وستمائة ، فاحترق)).
قلت : وكأن ذلك كان إشارة إلى زوال دولة آل البيت النبوي بني
العباس ، فإنها انقرضت عقب ذلك بقليل في فتنة التتار .
قال ابن النجار : (( ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين
منبراً ، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً ، فأزيل منبر المظفر
فلم يزل ذلك إلى سنة عشرين وثمانمائة ، فأرسل الملك المؤيد منبراً فلم يزل
إلى سنة ستين وثمانمائة ، فأرسل الظاهر خشقدم منبران .
( الغابة ) : بالمعجمة ، وتخفيف الموحدة : موضع من عوالي المدينة ،
وأصلها كل شجر ملتف .
( في أصل المنبر ) أي : على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه .
( ولتعلموا ) : بكسر اللام ، وفتح المثناة والعين ، بالتشديد اللام على
حذف إحدى التاءين .
٩١٨ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ قال : حدَّثَنا محمدُ بنُ جَعفر
قال : أخبرني يحيى بنُ سعيد قال : أخبرني ابنُ أَنَسِ أَنه سمعَ
جابرَ بنَ عبد الله قال: ((كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَبِيُّ وََّ فَلَمَّا وُضِعَ
لَهُ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ حَتَّى نَزِلَ النبيّ
فَوَضَّعَ يَدَهُ عَلَيْهِ » .
قال سليمانُ عن يحيى : أخبرني حفصُ بنُ عُبَيْدِ الله بنِ أَنسٍ أَنه
سمعَ جابراً .
٨٥٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
٩١٩ - حدّثنا آدمُ بن أبي إياس قال : حدَّثَنا ابنُ أَبي ذِئبٍ عنِ
الزُّهريِّ عن سالم عن أبيهِ قال : سمعتُ النبيَّ
وَالله يَخطُبُ على
المنبرِ فقال: (( مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ)).
( العشار): بكسر المهملة بعدها معجمة، جمع (( عُشراً )) بالضم ثم
الفتح ، وهي الناقة الحامل التي [ مضت ] (*) لها عشرة أشهر .
وقال الخطابي: (( التي قاربت الولادة)).
٢٧ - باب : الخطبة قائماً
وقال أنسٌ: بَيْنا النبيُّ ◌َلِّ يَخطبُ قائماً (١).
٩٢٠ - حدّثنا عُبيدُ الله بنُ عمرَ القواريرىُّ قال : حدَّثَنا خالدُ بنُ
الحارث قال : حدَّثَنَا عُبيدُ الله عن نافع عنِ ابنِ عُمرَ رضيَ الله
عنهما قال : كَانَ النبيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ قَائِماً ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ كَمَا
تَفْعَلُونَ الآنَ ( ** ) .
و
٢٨ - باب : يَستقبلُ الإمامَ القومَ
واستقبالِ الناسِ الإِمامَ إِذا خَطَبَ
واستقبلَ ابنُ عمرَ وَأَسُ رضي الله عنهُم الإمام (٢).
(*) ما بين معكوفتين جاء على هامش المخطوطة ملحقاً .
(١) طرف من حديث الاستسقاء المشار إليه في الهامش قبل السابق .
( ** ) الحديث ٩٢٠، طرفه في: (٩٢٨).
(٢) وصله عن ابن عمر البيهقي في «سننه)) (١٩٩/٣) بسند حسن عنه ، عن نافع:
أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام ، فإذا خرج لم
يقعد الإمام حتى يستقبله - أفاده الحافظ في (( الفتح)).
وقال : وأما أنس فرويناه في نسخة نعيم بن حماد بإسناد صحيح عنه: (( أنه
كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يوم الجمعة يستقبله بوجهه حتى يفرغ من
الخطبة))، ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن أنس: (( أنه جاء يوم الجمعة فاستند
إلى الحائط واستقبل الإمام )) .
=
٨٥١
١٢ - كتاب الجمعة
٩٢١ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فضالَة قال: حدَّثَنا هشامٌ عن يحيى عن
هلالِ بنِ أبي ميمونةَ حدَّثَنا عطاءُ بنُ يَسارِ أنه سمعَ أَبا سعيدٍ
الْخُدري قال: إنَّ النبيَّ وََّ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا
حَوْلَهُ (*) .
٢٩ - باب : من قال في الخطبة بعد الثَّاء: أَما بعدُ
رواه عِكرِمةُ عنِ ابنِ عباسٍ عنِ النبيِّ ◌ٍَّ(١).
٩٢٢ - وقال محمودٌ: حدَّثَنَا أَبَو أُسامةَ قال: حدَّثَنا هشامُ بنُ
عُروةَ قال : أخبرَتْني فاطمةُ بنتُ المنذرِ عن أَسماءَ بنتِ أَبي بكر
قالت : دَخَلْتُ عَلَى عَائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ ،
قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ: آيَةٌ ،
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا - أَيْ نَعَمْ - قَالَتْ: فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ جدا
حَتَّى تَجَلَانِي الْغَشْيُ وَإِلَى جَنِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلَتُ
أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِيَ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَقَدْ تَجَلَّت
الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّاً
بَعْدُ )) - قَالَتْ: وَلَغَطَ نَسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْكَفَأْتِ إِلَيْهِنَّ
لأُسَكِّنَهُنَّ- فَقُلْتُ لعَائِشَةَ: مَا قَالَ ؟ قَالَتْ: قَالَ: (( مَا مِنْ شَيْءٍ
لَمْ أَكُنْ أُرِيْتُهُ إِلَا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَإِنَّهُ قَدْ
أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ
= قال ابن المنذر : لا أعلم في ذلك خلافاً بين العلماء ، وحكى غيره عن سعيد
ابن المسيب والحسن شيئا محتملاً، وقال الترمذي: لا يصح عن النبي وَلّ فيه
شيء - يعني صريحاً .
(*) الحديث ٩٢١، أطرافه في: (١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧).
(١) وصله البخاري آخر الباب .
٨٥٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
الدَّجَّال يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُل؟ فَأَمَّا
الْمُؤْمِنُ - أَوْ قَالَ الُوقِنُ شَكَّ هِشَامٌ - فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ هُوَ
مُحَمَّدٌ وَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيْنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا ،
فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحاً ، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِن بِهِ. وَأَمَّا
الْمُنَافِقُ - أَوْ قَالَ: المُرْتَابُ شَكَّ هِشَامٌ - فَيُقَالُ لَهُ: مَا عَلْمُكَ بِهَذَا
الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقَّلْتُ)).
قَالَ هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَة: فَأَوْعَيْتُهُ غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا
يُغَلِّظُ عَلَيْهِ .
( أما بعد )، قال الزجاج: ((إذا كان الرجل في حديث ، فأراد أن
يأتي بغيره قيل (*): أما بعد)) .
واختلف في أول من قالها ، فقيل : داود عليه السلام ، وقيل : يعقوب
[٦٣/ ب] عليه السلام، وقيل: يعرب بن قحطان ، وقيل : كعب بن لؤي / وقيل:
سحبان بن وائل ، وقيل : قسي بن ساعدة .
فائدة: قال ابن حجر (١): ((تتبع الحافظ عبد القادر الرهاوي
الأحاديث التي وقع فيها : ((أما بعد)) ، فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابياً.
٩٢٣ - حدّثنا محمدُ بنُ مَعْمر قال: حدَّثَنَا أَبو عاصمٍ عنِ
جَرِيرِ ابنِ حازمٍ قال : سمعتُ الحَسنَ يقول : حدَّثَنَا عمرُو بنُ
تَغْلبَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ أُتِيَ بِمَالِ أَوْ سَبْي فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى رِجَالاً
وَتَرَّكَ رِجَالاً فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَّ تَرَكَ عَتَبُوا فَحَمَّدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَّيْه ،
ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعِ الرَّجُلَ،
وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِيَ أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَاماً لِمَا
أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَّ الْجَزَّعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي
(*) كذا بأصل المخطوطة، والصحيح كما هو في ((فتح الباري)) (٤٠٤/٢): ((قال)).
(١) ابن حجر في ((الفتح)) (٤٠٦/٢).
٨٥٣
١٢ - كتاب الجمعة
قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والخَيْرِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ - فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ
لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ وَ حُمْرَ النَّعَمِ)) (7).
( تغلب ) : بفتح المثناة وسكون المعجمة ، وكسر اللام ، بعدها موحدة.
٩٢٤ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير قال: حدَّثَنَا اللَّيثُ عن عُقَلِ عنِ
ابن شهاب قال: أَخبرَنِي عُروةُ أَنَّ عائشةَ أخبرَتْهُ أَنَّ رسولَ اللهِ وَةَ
خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَالٌ
بِصَلاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ ،
فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الَسْجِد مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالثَةِ، فَخَرَجَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّبِعَةُ عَجَزَ
المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ
أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: (( أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ
مَكَانُكُمْ لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا » .
تابعه يونس .
٩٢٥ - حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال:
أَخبرَنِي عُرُوهُ عن أبي حميد الساعدي أنه أخبره أن رسول الله مَله
قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاة فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ :
((أَمَّا بَعْدُ )). تابعَهُ أبو مُعاويةَ وَأَبو أُسامةَ عن هِشامٍ عن أبيهِ عن
أبي حُمَيَدٍ عن النبيِّ وَلَه قال: ((أما بعد)). تابعَهُ العَدَنيّ عن
سُفيانَ في ((أما بعد)) ( ** )
(*) الحديث ٩٢٣، طرفاه في: (٣١٤٥، ٧٥٣٥).
( *** ) الحديث ٩٢٥، أطرافه فى: (١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩ ،
٧١٧٤، ٧١٩٧) .
٨٥٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
٩٢٦ - حدّثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيبٌ عنِ الزُّهريِّ قال:
حدَّثَني عليُّ بنُ حُسينِ عَنِ الْمِسوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ قالَ : قَامَ رَسُولُ
الله وَّ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: (( أَمَّا بَعْدُ)). تابَعُه الزُّبِيدِيُّ
عنِ الزُّهريِّ (*).
٩٢٧ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ أَبانَ قال : حدَّثَنَا ابنُ الغَسيلِ قال :
حدَّثَنَا عكرمةُ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهما قال : صَعِدَ النَبِيُّ
وَةِ المِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسِ جَلَسَهُ مْتَعَطّفاً مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكَبَيْهِ قَدْ
عَصَبَّ رَأْسَهُ بِعِصَابَّةٍ دَسِمَّةٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (( أَيُّهَا
النَّاسُ إليَّ، فثابوا إليه، ثم قال: (( أما بعد ، فإن هذا الحي من
الأنصار يقلون ويكثر الناس، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئاً مِنْ أُمَّ مُحَمَّد ◌َلَّه
فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَداً أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَداً فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ
وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهم)) ( ** ).
٣٠ - باب : القَعدة بينَ الْخُطْبَتَين يومَ الجمعة
٩٢٨ - حدّثنا مسدَّدٌ قال: حدّثَنا بشرُ بنُ المفضَّل قال : حدثنا
عُبيدُ الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: (( كانَ النَبيَّ
وَلَّهُ يَخْطُبِ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدْ بَيْنَهُمَا)).
٣١ - باب : الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة
٩٢٩ - حدّثْنا آدمُ قال: حدثنا ابنُ أبي ذِئبٍ عنِ الزُّهريِّ عن
أبي عبدِ الله الأغرِّ عن أبي هريرة قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((إِذَا كَانَ
(*) الحديث ٩٢٦، أطرافه فى: (٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠،
٥٢٧٨) .
( ** ) الحديث ٩٢٧، طرفاه في: (٣٦٢٨، ٣٨٠٠).
٨٥٥
١٢ - كتاب الجمعة
يَوْمُ الْجُمُعَة وَقَفَتِ المَلائِكَةُ عَلَى بَابِ المَسْجِد يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ
وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلَ الَّذِيَ يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ
كَبْشاً ، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ
وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ (*).
(المهجر) أي: المبكر، قاله الخليل فيما نقله صاحب ((اليواقيت))،
وقيل : هو السير في وقت الحر من الهاجرة .
٣٢ - باب: إذا رأى الإمامُ رجلاً جاءَ وهوَ يَخطُبُ
أَمَرَهُ أَن يُصلِّيَ رَكعَتَينِ
٩٣٠ - حدّثنا أبو النُّعمان قال: حدَّثَنا حمادُ بنُ زيد عن عمرو
ابن دينارِ عن جابرِ بنِ عبد الله قال : جَاءَ رَجُلٌ وَالنبيُّ
صَّى اللّهِ
وَسِلم
يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَة فقالَ: ((أَصَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟)) قَالَ:
لا، قَالَ : ((قُمْ فَارْكَعْ)) ( ** ) .
( جاء رجل): هو ((سليك)) - بضم المهملة مصغراً، ((ابن عمرو
الغطفاني)) كما في مسلم، وزاد: ((فقعد قبل أن يصلي)) (١).
(صليت)، للأصيلي: ((أصليت)).
( فاركع)، زاد المستملي والأصيلي: ((ركعتين))، زاد مسلم: ((وتجوز
فيهما )) (٢) .
٣٣ - باب: مَن جاءَ والإمامُ يَخطبُ صلَّى رَكعَتَين خفيفَتَين
٩٣١ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله قال: حدَّثَنَا سُفيانُ عن عمرٍو
(*) الحديث ٩٢٩، طرفه في: (٣٢١١).
( ** ) الحديث ٩٣٠، طرفاه في: (٩٣١، ١١٦٦).
(١) رواه مسلم في كتاب الجمعة، باب: التحية والإمام يخطب برقم (٨٧٥/٥٨).
(٢) المصدر السابق ، حديث رقم (٨٧٥/٥٩).
٨٥٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
سمع جابراً قال: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنبيُّ وَّهِ يَخْطُبُ
فَقَالَ: ((أَصَلَّيْتَ؟ )) قَالَ: لا، قَالَ: ((فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ)) (١).
(١) الحديث في هذا الباب وسابقه واحد ، وقال الزين بن المنير ملخصه: في
الترجمة الأولى أن الأمر بالركعتين يتقيد برؤية الإمام الداخل في حالة الخطبة
بعد أن يستفسره هل صلى أم لا ؟ وذلك كله خاص بالخطيب ، وأما حكم
الداخل فلا يتقيد بشيء من ذلك ، بل يستحب له أن يصلي تحية المسجد ،
فأشار المصنف - يعني البخاري - إلى ذلك كله بالترجمة الثانية بعد الأولى ،
مع أن الحديث فيها واحد . اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر : إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس فقد حكى
النووي في ((شرح مسلم)) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم ، أما
الجاهل أو الناسي فلا ، وحال هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما ،
وفي المرتين الأخريين على النسيان ، والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم
زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات والاستماع للخطبة .
قال ابن العربي : عارض قصة سليك ما هو أقوى منها كقوله تعالى : ﴿وإذا
قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وقوله وَ له: ((إذا قلت لصاحبك أنصت
والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت )) متفق عليه .
قال : فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه فمنع
التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وعارضوا أيضاً بقوله وَه وهو يخطب
الذي دخل يتخطى رقاب الناس: ((اجلس فقد آذيت)) أخرجه أبو داود
والنسائي ، وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بشر ، قالوا :
فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية . وروى الطبراني من حديث ابن عمر رفعه :
((إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام)).
والجواب عن ذلك كله : أن المعارضة التي تئول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما
يعمل بها عند تعذر الجمع ، والجمع هنا ممكن ، أما الآية فليست الخطبة كلها
قرآناً ، وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث ، وهو
تخصيص عمومه بالداخل ، وأيضاً فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه
منصت ، فقد تقدم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال: (( يا
رسول الله ، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه ؟)) فأطلق على القول
سراً السكوت .
وأما حديث ابن بشر فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها ، فيحتمل أن يكون
ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها .
=
٨٥٧
١٢ - كتاب الجمعة
= وقد عارض بعضهم في قصة سليك بمثل ذلك ، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن
يكون قوله له: ((اجلس)) أي بشرطه، وقد عرف قوله للداخل: ((فلا تجلس
حتى تصلي ركعتين)) ، فمعنى قوله : اجلس ، أي لا تتخط ، أو ترك أمره
بالتحية لبيان الجواز فإنها ليست واجبة ، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة
بحيث ضاق الوقت عن التحية ، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة .
ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد ثم تقدم ليقرب من سماع
الخطبة ، فوقع منه التخطي فأنكر عليه .
والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك وهو منكر
الحديث ، قاله أبو زرعة وأبو حاتم والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله .
وأما قصة سليك فقد ذكر الترمذي أنها أصح شيء روي في هذا الباب وأقوى.
وأجاب المانعون أيضاً بأجوبة غير ما تقدم ، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة
أوردتها ملخصة مع الجواب عنها لنستفاد :
(الأول ): قالوا: إنه وَليل لما خاطب سليكاً سكت عن خطبته حتى فرغ
سليك من صلاته ، فعلى هذا فقد جمع سليك بين سماع الخطبة وصلاة
التحية، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية والخطيب يخطب ، والجواب : أن
الدارقطني الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه وقال : إن الصواب أنه من
رواية سليمان التيمي مرسلاً أو معضلاً ، وقد تعقبه ابن المنير في الحاشية بأنه
لو ثبت لم يسغ على قاعدتهم ، لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل ،
والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه لا سيما إذا كان واجباً .
( الثاني ): قيل: لما تشاغل النبي وَّل بمخاطبة سليك سقط فرض الاستماع
عنه ، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة ، قاله ابن العربي
وادعى أنه أقوى الأجوبة ، وتعقب بأنه من أضعفها لأن المخاطبة لما انقضت
رجع رسول الله مَ﴾ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أمره به من
الصلاة، فصح أنه صلى في حال الخطبة .
حجّة فى الخطبة ، ويدل عليه
( الثالث ) : قيل : كانت هذه القصة قبل شروعه
قوله في رواية الليث عند مسلم: ((والنبي (وَّل قاعد على المنبر))، وأجيب بأن
القعود على المنبر لا يختص بالابتداء ، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين
أيضاً، فيكون كلمه بذلك وهو قاعد ، قلمًا قام ليصلي قام النبي ◌َّ للخطبة ،
لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول ، ويحتمل أيضاً أن يكون الراوي تجوز
فى قوله: ((قاعد)) لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي
وَله يخطب .
( الرابع ) : قيل : كانت هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة ، وتعقب
بأن سليكاً متأخر الإسلام جداً ، وتحريم الكلام متقدم جداً كما سيأتي في =
٨٥٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
= موضعه في أواخر الصلاة ، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم مع أن النسخ لا
يثبت بالاحتمال ؟ وقيل : كانت قبل الأمر بالإنصات ، وقد تقدم الجواب عنه،
وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلوا به وهو ما أخرجه
الطبراني عن ابن عمر : ((إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام)) لاحتمال أن
يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحية ، والأولى في هذا أن يقال على تقدير
تسليم ثبوت رفعه : يخص عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة كما تقدم .
( الخامس ) : قيل : اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة يستوي
فيه من كان داخل المسجد أو خارجه .
وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة فليكن
الآتي كذلك ، قاله الطحاوي .
وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد ، وما نقله من الاتفاق وافقه عليه
الماوردي وغيره .
وقد شذ بعض الشافعية فقال : ينبني على وجوب الإنصات ، فإن قلنا به امتنع
التنفل وإلا فلا .
( السادس ) : قيل : اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه
التحية ، ولا شك أن الخطبة صلاة فتسقط عنه فيها أيضاً ، وتعقب بأن الخطبة
ليست صلاة من كل وجه ، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة ، والداخل
في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه ، بخلاف الداخل في
حال الصلاة ، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود ، هذا مع تفريق
الشارع بينهما ، فقال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، وقد وقع
في بعض طرقه: (( فلا صلاة إلا التي أقيمت)) ، ولم يقل ذلك في حال
الخطبة بل أمرهم فيها بالصلاة .
( السابع ) : قيل : اتفقوا على سقوط التحية عن الإمام مع كونه يجلس على
المنبر مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم ، فيكون ترك المأموم التحية
بطريق الأولى ، وتعقب بأنه أيضاً قياس في مقابلة النص فهو فاسد ، ولأن
الأمر وقع مقيداً بحال الخطبة فلم يتناول الخطيب .
وقال الزين بن المنير : منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة لا لمن خطب ،
فكذلك الأمر بالإنصات واستماع الخطبة .
( الثامن ) : قيل : لا نسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد ، بل
يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصبح مثلاً ، قاله بعض الحنفية ، وقواه ابن
المنير في الحاشية وقال: لعله وَيّ كان كشف له عن ذلك، وإنما استفهمه
ملاطفة له في الخطاب ، قال : ولو كان المراد بالصلاة التحية لم يحتج إلى
استفهامه ، لأنه قد رآه لما دخل .
٨٥٩
١٢ - كتاب الجمعة
وقد تولى رده ابن حبان فى («صحيحه» فقال : لو كان كذلك لم يتكرر أمره له
=
بذلك مرة بعد أخرى . ومن هذه المادة قولهم : إنما أمره بسنة الجمعة التي
قبلها، ومستندهم قوله في قصة سليك عند ابن ماجه : (( أصليت قبل أن
تجيء؟))، لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت .
ولهذا قال الأوزاعي : إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل
المسجد .
وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقاً ، ويحتمل
أن يكون معنى قبل أن تجيء : أي إلى الموضع الذي أنت به الآن ، وفائدة
الاستفهام : احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد ثم تقدم ليقرب من
سماع الخطبة كما تقدم في قصة الذي تخطى ، ويؤكده أن في رواية لمسلم :
((أصليت الركعتين)) بالألف واللام ، وهو للعهد ، ولا عهد هناك أقرب من
تحية المسجد . وأما سنة الجمعة التي قبلها فلم يثبت فيها شيء كما سيأتي في
بابه .
( التاسع ) : قيل : لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة ، ويدل على
أنها كانت لغيرها قوله للداخل: ((أصليت))، لأن وقت الصلاة لم يكن
دخل . اهـ . وهذا ينبني على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض فيحتاج إلى
ثبوت ذلك .
وقد وقع في حديث الباب وفي الذي بعده : أن ذلك كان يوم الجمعة فهو ظاهر
في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة .
( العاشر ) : قال جماعة منهم القرطبي : أقوى ما اعتمده المالكية في هذه
المسألة عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن
التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً .
وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك ، فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد
الخدري وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة ، وحمله عنه أصحابه من أهل
المدينة أيضاً ، فروى الترمذي وابن خزيمة وصححاه عن عياض بن أبي سرح :
(( أن أبا سعيد الخدري دخل ومروان يخطب فصلى الركعتين ، فأراد حرس
مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما ، ثم قال : ما كنت لأدعهما بعد أن
سمعت رسول الله {َل يأمر بهما)) انتهى.
ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحاً ما يخالف ذلك .
وأما ما نقله ابن بطال عن عمر وعثمان وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقاً
فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال ، كقول ثعلبة بن أبي مالك :
(( أدركت عمر وعثمان - وكان الإمام - إذا خرج تركنا الصلاة ، ووجه
الاحتمال أن يكون ثعلبة عني بذلك من كان داخل المسجد خاصة، قال شيخنا=
٨٦٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
= الحافظ أبو الفضل في ((شرح الترمذي)»: كل من نقل عنه - يعني من الصحابة
- منع الصلاة والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد ، لأنه لم يقع
عن أحد منهم التصريح بمنع التحية ، وقد ورد فيها حديث يخصها فلا تترك
بالاحتمال . انتهى . ولم أقف على ذلك صريحاً عن أحد من الصحابة .
وأما ما رواه الطحاوي عن عبد الله بن صفوان: (( أنه دخل المسجد وابن الزبير
يخطب فاستلم الركن ثم سلم عليه ثم جلس ولم يركع )) ، وعبد الله بن
صفوان وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران ، فقد استدل به الطحاوي فقال :
لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصحابة ترك
التحية دل على صحة ما قلناه .
وتعقب بأن تركهم النكير لا يدل على تحريمها ، بل يدل على عدم وجوبها ،
ولم يقل به مخالفوهم ، وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في
أن صلاة التحية هل تعم كل مسجد ؟ أو يستثنى المسجد الحرام ، لأن تحيته
الطواف ؟ فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيته استلام الركن فقط .
وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله {وَل في حديث أبي
قتادة : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )) متفق عليه .
وورد أخص منه في حال الخطبة ، ففي رواية شعبة عن عمرو بن دينار قال :
((سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله وَّلية وهو يخطب: إذا جاء
أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين )) متفق عليه أيضاً .
ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ، ولفظه
بعد قوله: فاركعهما ، وتجوز فيهما: (( ثم قال : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة
والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما)) .
قال النووي : هذا نص لا يتطرق إليه التأويل ، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ
ويعتقده صحيحاً فيخالفه .
وقال أبو محمد بن أبي جمرة : هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا
يحتمل التأويل .
وحكى ابن دقيق العيد : أن بعضهم تأول هذا العموم بتأويل مستكره ، وكأنه
يشير إلى بعض ما تقدم من ادعاء النسخ أو التخصيص .
وقد عارض بعض الحنفية الشافعية بأنهم لا حجة لهم في قصة سليك ، لأن
التحية عندهم تسقط بالجلوس ، وقد تقدم جوابه .
وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد رفعه: (( لا تصلوا والإمام يخطب))،
وتعقب بأنه لا يثبت ، وعلى تقدير ثبوته فيخص عمومه بالأمر بصلاة التحية .
وبعضهم بأن عمر لم يأمر عثمان بصلاة التحية مع أنه أنكر عليه الاقتصار على
الوضوء ، وأجيب باحتمال أن يكون صلاهما . اهـ .