النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
١ - كتاب بدء الوحي
( وكان يكتب الكتاب العبراني) في (( التفسير)) : العربي.
( بالعبرانية ) فيه أيضاً : بالعربية .
قال النووي وابن حجر (١) : والجميع صحيح ، لأنه كان يعلم العبراني
والعربي من الكتاب واللسان معاً .
( يا ابن عم) في مسلم: (( يا ابن عم)) (٢). قال ابن حجر (٣):
((وهو وهم ، لأنه وإن صح أن تقوله توقيراً ، لكن القصة لم تتعدد ،
ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على
الحقيقة ، قال : وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي ، لأنه
من كلام الراوي في وصف ورقة ، واختلفت المخارج فأمكن التعدد ،
قال: وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه )).
( اسمع الذي وصل من ابن أخيك ) قيل : قالته توقيراً لسنه ، وقيل :
لأنَّ والده وَلَّهَ وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي يجتمعان
فيه سواء ، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته .
( هذا الناموس): إشارة إلى الملك الذي ذكره النبي وَّ في خبره ونزله
منزلة القريب لقرب ذكره ، والناموس : صاحب سر الخير ، والجاسوس :
صاحب سر الشر (٤) ، وقيل : الناموس صاحب السر مطلقاً (٥) .
( الذي نزل الله) للكشميهني: ((أنزل الله))، وفي ((التفسير)) (٦):
((أنزل)) بالبناء للمفعول .
(١)، (٣) ((الفتح)) (٣٤/١).
(٢) كذا بالأصل المخطوط: ((يا ابن عم))، وهو وهم زائد ، فرواية مسلم الذي
قال فيها الحافظ ابن حجر أنها وهم بلفظ: (( أي عم ، اسمع من ابن
أخيك ... )) الحديث برقم (٢٥٢/ ١٦٠).
(٤) قاله الحافظ في ((الفتح)) (٣٥/١).
(٥) قاله البخاري في ((صحيحه)) كتاب أحاديث الأنبياء عقب رواية رقم (٣٣٩٢)
قال: الناموس : صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره . اهـ .
(٦) ((صحيح البخاري)) برقم (٤٩٥٣).

١٤٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( على موسى ) لم يقل عيسى مع كونه نصرانياً ، لأن كتاب موسى
مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى ؛ أو لأنه بعث بالنقمة على
فرعون ومن معه بخلاف عيسى ، أو قاله تحقيقاً للوصال ؛ لأن نزول
[/٩/ ب] جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين ، بخلاف عيسى ، فإن /
كثيراً من اليهود ينكرون نبوته (١) .
وعند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ عن الزهرى في هذه
القصة: ((ناموس عيسى ابن مريم))، وفي ((الدلائل)) لأبي نعيم بسند
حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه : أن خديجة أتت أولاً ابن عمها ورقة
فأخبرته الخبر ، فقال : لئن كنت صدقتيني ليأتينه ناموس عيسى .
قال ابن حجر (٢) : فكأنه قال ذلك عند إخبار خديجة له وقال :
ناموس موسى عند إخباره وَل﴾ وكل صحيح .
( يا ليتني فيها جذعا ) هو بالنصب خبر كان المقدرة ، أي : كنت ، قاله
الخطابي ، وقيل : على الحال ، وعاملها : ما يتعلق به الخبر من معنى
الاستقرار ، قاله السهيلي .
وقيل : بتقدير جعلت ، قاله ابن بَرّي ، وقيل : على أن ليت تنصب
الجزأين ، وفي رواية الأصيلي بالرفع خبرها والجار متعلق بليت .
وقال ابن بري : المشهور عند أهل اللغة والحديث ((جَذَعْ)) بسكون
العين، وضمير ((فيها)): لأقام الدعوة (٣) . والجذع: بفتح الجيم
والذال المعجمة الصغير من البهائم ، ثم استعير للشباب ، تمنى أن يكون
عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شاباً ليكون أمكن لنصره وأقوى .
( إذْ يخرجك) قال ابن مالك: فيه استعمال ((إذ)) في المستقبل ،
كـ ((إذا)) وهو صحيح .
( أو مخرجي هم ) الهمزة للاستفهام والواو بالفتح عاطفة ، والياء
(١) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣٥/١).
(٢) المصدر السابق .
(٣) وذكره الحافظ في ((الفتح)) (٣٥/١) - الطبعة السلفية بالقاهرة - بتحقيق الشيخ
ابن باز، وجاء فيها : (( وضمير فيها يعود على أيام الدعوة)).

١٤٣
١ - كتاب بدء الوحي
مشددة مفتوحة ، جمع مخرج . قال ابن مالك : والأصل مخرجوني
سقطت نون الجمع للإضافة فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحديهما
بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت ثم أبدلت الضمة التي أتت قبل الواو
كسرة للتخفيف وفتحت الياء ، لذلك قال : وهو خبر مقدم ، و((هم))
مبتدأ مؤخر ، ولا يجوز العكس لئلا يلزم الإخبار بالمعرفة عن النكرة ،
لأن إضافة مخرجي غير محضة، قال: ويجوز كون (( هم)) فاعلاً سد
مسد الخبر، و((مخرجي)) مبتدأ على لغة : أكلوني البراغيث.
قال : ولو روى بتخيف الياء على أنه مفرد مضاف وجعل مبتدأ وما بعده
فاعل سد مسد الخبر .
( وإن يدركني يومك): ((إن)) شرطية وما بعدها مجزوم، وزاد في
((التفسير)): ((حيًّا))، ولابن إسحاق: ((إن أدركت ذلك اليوم)) - يعني
يوم الإخراج (١) .
(مؤزراً) بالهمزة ، وتسهل ، أي: بالغاً قوياً من ((الأزر))، وهو :
الشدة والقوة .
وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزر من الأزر . وقال أبو شامة :
يحتمل أن يكون من ((الإزار))، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته .
( يَنْشَب) بفتح المعجمة: ((يلبث)).
( وفتر الوحي) (٢) روى أحمد بن حنبل في ((تاريخه)) عن الشعبي:
أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين ، وبه جزم ابن إسحاق .
( كرسي ) : ضم كافه أشهر من كسرها .
( فرعبت ) بضم الراء وكسر العين ، وللأصيلي بالفتح وضم العين ،
أي : فزعت .
(١) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣٦/١).
(٢) ((وفتر الوحي)): يعني تأخر مدة من الزمان ، وكان ذلك ليذهب ما كان
وجده من الرَّوع وليحصل له التشوف إلى العود. ا هـ (الفتح: ٣٦/١).

٠
١٤٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( فقلت : زملوني زملوني ) في رواية كريمة: ((زملوني)) مرة واحدة ،
وفي ((التفسير)): ((دثروني)).
( فحمى الوحي ) أي : كثر نزوله .
(وتتابع) لأبي الوقت والكشميهني: (( وتواتر))، والتواتر : مجيء
الشيء يتلو بعضه بعضاً من غير خلل .
(رَدَّاد) بدالين مهملتين، الأولى مشددة (١).
( وقال يونس ومَعْمَر : بوادره ) أي : إظهار رؤيا هذا الحديث عن
الزهري ، فوافقا عقيلاً عليه، إلا أنهما قالا بدل قوله: (( يرجف فؤاده)):
((ترجف بوادره)). وهي جمع ((بادرة)) (٢): وهي اللحمة التي بين
المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان .
٤ - بابٌ
٥ - حدّثْنا موسَى بنُ إسْماعيلَ قال: حدَّثَنا أبو عَوَانَةَ قال :
حدثنا موسَى بنُ أبي عائشة قال : حدثنا سَعيدُ بنُ جُبير عن ابن
عباسٍ في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ به لسَانَكَ لِتَعْجَلَ به ﴾ قال:
كان رسول الله وَلّيُعالجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شَدَّةً وكانَ ممّا يُحَرَّكُ شَفَتَيْه،
فقال ابنُ عباسِ: فأنَا أُحَرِّكُهماَ لَكُمَّ كما كانَ رسولُ اللهِ وَهُ
يُحَرِّكُهما. وقال سعيدٌ: أنا أُحَرِّكُهما كما رأيتُ ابنَ عباسٍ
يحرِّكُهما - فحرَّكَ شَفَتَيْه - فأنزَلَ الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ به
لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جَمْعَهُ لَكَ في
(١) هو : هلال بن ردّاد ، الطائي - أو الكناني - الشامي ، الكاتب ، قال عنه
الحافظ في ((التقريب)): مقبول - يعني عند المتابعة - وإلا فهو لين الحديث .
(٢) ((الفتح)) (٣٨/١)، وانظر أيضاً: ((هدي الساري)) (ص/ ٩٠)، و((اللسان
مادة : بدر)) .

١٤٥
١ - كتاب بدء الوحي
صَدْرك وتَقْرَأَهُ : ﴿فإذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبعْ قُرْآنَهُ﴾ قال : فاسْتَمِعْ لهُ
وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١) ، ثمَّ إِنَّ عَلَينا أنْ تَقْرَهُ.
فكانَ رسولُ الله ◌ِّهِ بعدَ ذلك إِذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ ، فإذا
انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النبيُّ ◌ََّ كما قَرَأَه (*).
( موسى بن إسماعيل ) هو التبوذكي .
( أبي عائشة ) لا يعرف اسمه .
( يعالج ) : العلاج محاولة الشيء بمشقة (٢).
( وكان مما يحرك شفتيه ) معناه : كان كثيراً ما يفعل ذلك ، قاله ثابت
السرقسطي ، وهذا التركيب واقع في كلامهم كثيراً كقوله في حديث
الرؤيا: ((كان مما يقول لأصحابه: ((من رأى منكم رؤيا)) (٣) / وقول [ل/ ١٠/أ]
البراء: كنا إذا صلينا خلف النبي وَلّ مما نحب أن نكون عن يمينه (٤).
وقول الشاعر :
وإنا لمما نضرب الكبش ضربة
على وجهه يلقى اللسان من الفم
(١) القيامة: ١٦ - ١٩.
(*) الحديث أطرافه في : (٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤).
(٢) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣٩/١).
(٣) رواه البخاري في ((صحيحه))، كتاب التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة
الصبح ، حديث رقم (٧٠٤٧) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه ،
ورواه مسلم ، كتاب الرؤيا ، باب : في تأويل الرؤيا (٢٢٦٩/١٧) من طريق
سليمان بن كثير عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس :
أن رسول الله 803* كان مما يقول لأصحابه : ... فذكره.
قال القاضي عياض : معنى هذه اللفظة عندهم : كثيراً ما كان يفعل كذا ، كأنه
قال : من شأنه . اهـ .
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٠٤/٤)، والنسائي (٩٤/٢) باب: المكان
الذي يستحب من الصلاة ، بنحوه .

١٤٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
ووجهه: أن ((من)) إذا وقع بعدها ((ما)) كانت بمعنى رُبَّ، وهي
تطلق على الكثير كما تطلق على القليل .
وقال الكرماني : معناه : كان العلاج ناشئاً من تحريك الشفتين .
وقال ابن حجر (١) : وفيه نظر ؛ لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك ؛
ولأنه في ((التفسير)) أتى بهذا اللفظ مجرداً عن تقدم العلاج .
( فأنا أحركهما كما كان ) لم يقل : كما رأيت ، كما قال سعيد بن
جبير؛ لأن ابن عباس لم ير النبي وَّه في تلك الحالة ؛ لأن سورة القيامة
مكية باتفاق ، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر ، ولهذا
أورده البخاري في بدء الوحي (٢).
( جمعه لك صدرك ) كذا للأكثر بفتح الميم فعلاً وصدرك فاعل ،
وللأصيلي بسكونها وضم العين مصدراً مبتدأ ، وصدرك الخبر ، ولأبي ذر:
(( في صدرك)) (٣) .
٥ - بابٌ
٦ - حدّثنا عَبْدان قال : أخبرنا عبدُ الله قالَ : أخبرنا يونُسُ عن
الزُّهْريّ . وحدّثنا بشْرُ بنُ محمد قال: أَخبرَنَا عبدُ الله قالَ :
أخبرَنَا يونُسُ ومَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيّ نَحْوَهَ قالَ : أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ
عبدِ الله عنِ ابنِ عباسٍ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ،
وكَانَ أَجْوَدُ مَّا يَكُونُ فِيَّ رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وكانَ يَلْقَاهُ فِي
كلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ وَ أَجْوَدُ
(*)
بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ
(١) ((فتح الباري)) (٣٩/١) بتصرف.
(٢)، (٣) انظر المصدر السابق (١ / ٤٠).
( ** ) الحديث ٦ أطرافه في: (١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧) .

١٤٧
١ - كتاب بدء الوحي
( أجود الناس ) بالنصب خبر كان .
( وكان أجود ما يكون في رمضان) للأكثر برفع ((أجود)) اسم ((كان))
والخبر محذوف أو مبتدأ مضاف إلى المصدر، وهو (( ما يكون )) ، وخبره
((في رمضان))، والتقدير: ((أجود أكوانه في رمضان))، والجملة : خبر
كان، واسمها: ضميره وَّلٍ (١).
وللأصيلي بالنصب خبر كان، واسمها: ضميره وَّخلال، و((ما))
مصدرية ظرفية ، أي : كان مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره .
( فلرسول الله ) : هي لام الابتداء زيدت على المبتدأ تأكيداً ، وقيل :
جواب قسم مقدر .
( أجود بالخير من الريح ) يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح.
( المرسلة ) المطلقة ، وقيل : الريح المرسلة هي التي يرسلها الله ، لأنها
كالغيث العام الذي يكون سبباً لإصابة الأرض كلها، وهو وَّ أعم برّاً
منها (٢) .
٦ - بابٌ
٧ - حدّثنا أبو اليمان الحَكَمُ بنُ نافع قال: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَن
الزُّهْرِيّ قالَ : أَخْرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ
عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ أخبرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبِ أَخَبَرَهُ أَنَّ هِرَقْل
(١) يعني : أجود ما يكون هو في رمضان ، وهو نحو : أخطب ما يكون الأمير في
يوم الجمعة .
(٢) انظر في هذا الحديث ((الفتح)) (١ / ٤٠ - ٤١)، وفيه قال :
وقوله: ((فيدارسه القرآن))، قيل : الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له
العهد بمزيد غنى النفس ، والغنى سبب الجود ، والجود في الشرع : إعطاء ما
ينبغي لمن ينبغي وهو أعم من الصدقة ، وأيضاً فرمضان موسم الخيرات ، لأن
نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي وَّة يؤثر متابعة سُنَّة الله
في عباده ، فبمجموع ما ذكر حصل المزيد في الجود ، والعلم عند الله تعالى .

١٤٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَاراً بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ
الَّتِي كَانَ رسولُ اللهِ وَلِّ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ
وَهُمْ بِلِيَاءَ ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ، ثُمَّ
دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقالَ: أَيُّكُمَّ أَقْرَبُ نَسَباً بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي
يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِي ؟ .
فقالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَقُلْتُ : أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَباً ، فقالَ : أَدْنُوهُ مِنِّي
وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : قُلْ
لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُل، فإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُؤْهُ، فَوَاللهِ لَوْلا
الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذباً لَكَذَبْتُ عنهُ، ثُم كان أَوَّلَ مَا
سَأَلَنِي عنهُ أنْ قالَ : كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَب ،
قال : فهلْ قال هذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحدٌ قَطُّ قَبْلَهُ ؟ قُلْتُ : لا . قالَ:
فهلْ كَانَ مِنْ آبائه منْ مَلك ؟ قُلتُ : لا ، قال : فَأَشْرَافُ النَّاسِ
يَتَبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمَّ؟ فقلتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ : أَيَزِيدُونَ أَمْ
يَنْقُصُونَ ؟ قُلتُ: بَلْ يَزِيدُونَ ، قال: فهلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً
لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ؟ قُلْتُ: لا، قال: فهلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ
بالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يقولَ مَّا قالَ ؟ قلتُ : لا ، قال : فهلْ يَغْدِرُ ؟
قلتُ : لا وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ لا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فيها ، قال :
وَلَم تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أَدْخِلُ فِيهاَ شَيْئاً غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، قال : فهلْ
قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قلتُ: نَعَمْ ، قال : فَكَيْفَ كَانَ قِتَالَّكُمَّ إِيَّهُ ؟ قلتُ:
الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سجَالٌ يَنَالُ منَّا وَنَنَالُ مِنْهُ ، قالَ : مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟
قلتُ: يقولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً واتْرُُوا ما
يقولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعفَافِ وَالصَِّةِ، فقالَ

١٤٩
١ - كتاب بدء الوحي
للتَّرْجُمَان : قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عنْ نَسَبَه فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَب
فَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قالَ أحَدَّ
منكمَ هذا القَوْلَ ؟ فَذَكَرْتَ أنْ لا ، فقلتُ: لو كان أحَدٌ قالَ هذا
القَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كانَ
مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلك؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا ، قلتُ : فلو كان من آبائِهِ مِنْ
مَلَكِ ، قَلتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِهِ ، وَسَأَلْتُكَ هِلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ
بالكَذْب قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قالَ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى الله، وسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ
النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاءَهُمُ ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَ هُمُ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ
أَتْبَاعُ الرُّسُلِ ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ
وكذلك أمْرُ الإِيمَانِ حَتَى يَتَمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أحَدٌ سَخْطَةً لدينه
بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيه؟ فذكرْتَ أن لا ، وكَذلكَ الإيمانُ حينَ تُخَالَطُ
بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وكذلكَ
الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يأْمُرُكُمْ أنْ
تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ
بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ والعَفَاف، فإن كان ما تَقولُ حَقًا فَسَيَمْلِكُ
مَوْضِعَ فَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ، وقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لم أكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ
مِنْكُمْ ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْتُ
عنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ .
٠
ثم دَعا بِكتابِ رسولِ اللهِ وَّهِ الذي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلى عَظِيمِ
بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ ، فَإِذَا فِيهِ :

١٥٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
ابتد الرحمن الرحيم
منْ مُحمَّد عَبْد الله ورسوله إِلَى هِرَقّلَ عَظِيمِ الرَّومِ .
و
سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ فِإِنِّي أَدْعُوكَ بِدعَايَةٍ
الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، أَسْلِمْ يُؤْتَكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإِنْ تَوَلَيْتَ
فإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، وَ﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةِ سَوَاءٌ
بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمْ أن لا نَعْبُدَ إلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بهَ شَيْئاً ولَا يَتَّخَذَ بَعْضُنَاً
بَعْضاً أَرْبَاباً مِّنْ دُون الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسْلِمُون﴾﴾(١).
قال أَبُو سُفْيَانَ : فَلَمَّا قالَ ما قالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ
عنْدَهُ الصَّخَب ،ُ وَاَرْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وأُخْرِجْنَا ، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي
حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنٍ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي
الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنَا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَىَّ الإِسْلامَ.
وكان ابنُ النَّطُور - صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفاً عَلَى نَصَارَى
الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفْسِ ،
فقالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ : قَدِ اسْتَنَّكَرْنَا هَيْتَتَكَ ، قال أَبْنُ النَّاطُورِ :
وكان هِرَقْلُ حَزَّاءٌ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ ، فقالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ : إِنِّي
رَأَيْتُ الَّيْلَةَ حِينِ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهرَ ، فَمَنْ
يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ؟ قالوا : لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَ الْيَهُودُ فَلا يُهِمَّنَّكَ
شَأْنُهُمْ وَاكْتُبُّ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا
هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أَتِيَ هِرَقَلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ
خَبَرِ رسولِ اللهِ وََّ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقَلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا
(١) آل عمران : ٦٤.

١٥١
١ - كتاب بدء الوحي
أَمُخْتَتَنْ هُوَ أَمْ لا، فَنَظَرُوا إِلَيْه فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتَنٌ وَسَأَلَهُ عَنِ
الْعَرَبِ فقالَ : هُمْ يَخْتَنِئُونَ ، فَقَالَ هِرَقْلُ : هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةَ
قَدْ ظَهَرَ ، ثمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ ، وكانَ نَظِيرَهُ فِى
الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمَّ يَرِمَّ حِمَّصَ حَتَى أَتَاهُ كِتَابٌ
مِنْ صَاحِبِهِ يُوَفِقُ رَأْىَّ هِرَقَلَ عَلَى خُرُوَجِ النَّبِّ ◌َِّ، وَأَنَّهُ نَّبِي
فَأَذِنَ هِرَقُلُّ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَبِهَا
فَغُلَّفَتَّ ثَمَّ الطَّلَعَ ، فقالَ: يَا مَعْشَرِّ الرُّومِ ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ
وَالرُّشْد، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ
حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى
هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ : رُدُّوهُمْ عَلَيَّ ، وَقَالَ : إِنِّي
قُلْتُ مَقَالَتِي آنفاً أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ ، فَقَدْ رَأَيْتُ
فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ (*).
رَوَهُ صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرْ عَنِ الزَّهْرِي .
( هرقل ) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف في الأشهر ، وقيل :
بسكون الراء وكسر القاف ، ولقبه قيصر (١) .
( ركب) جمع ((راكب)) كصحب وصاحب ، وهم أولو الإبل العشرة
فما فوقها ، وكانوا ثلاثين رجلاً كما رواه الحاكم في (( الإكليل)) ، وسمي
منهم المغيرة بن شعبة في (( مصنَّف ابن أبي شيبة )) بسند مرسل .
( تجار ) بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف ، جمع ((تاجر)).
(*) الحديث ٧ أطرافه فى: (٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤،
٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١) .
(١) وهرقل اسمه .

١٥٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( في المدة ) (١) يعني : مدة الصلح بالحديبية وكانت سنة ست ، وقيل :
سنة أربع، ومدتها: عشر سنين، ولكنهم نقضوا، فغزاهم وَلّ في سنة
ثمان وفتح مكة .
( أبا سفيان ) مفعول به .
( بإيلياء ) بهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة ثم لام مكسورة ثم تحتية ثم
ألف مهموزة ، وحكى البكري فيها القصر ، قيل : معناه : بيت الله .
( وحوله ) بالنصب ظرف مكان .
( عظماء الروم) جمع ((عظيم))، ولابن السكن: ((فأدخلنا عليه
وعنده بطارقته (٢) والقسيسون والرهبان)).
( ثم دعاهم ) أي : استدناهم بعد أن دعا أولاً بإحضارهم .
( ودعا ترجمانه ) بفتح الفوقية وضم الجيم ، ويجوز ضم أوله اتباعاً ،
ويجوز فتح الجيم .
وفي رواية الأصيلي وغيره: ((بترجمانه )) بزيادة باء الجر - يعني :
أرسل إليه رسولاً أحضره صحبته ، والترجمان : المعبر عن لغة بلغة ،
وهو معرب ، وقيل : عربي .
( أقرب نَسَباً بهذا) ضمن ((أقرب)) معنى أوْصَلَ فعدّاه بالباء .
وفي ((التفسير)): ((من هذا)) (٣)، وفي ((الجهاد)): ((إلى هذا)) (٤)
وهو على الأصل .
(١) وقوله: مادّ - بتشديد الدال - أي: جعل بينه وبينهم مدة. (( هدي الساري ))
(ص/ ١٩٦)، و((اللسان)) (مادة : مدد).
(٢) العبارة في الأصل: ((فأدخلت عليه وعند بطارقته))، والضبط من ((الفتح))
(٤٥/١) .
(٣) ((صحيح البخارى))، كتاب التفسير، باب: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ﴾ برقم (٤٥٥٣).
(٤) ((صحيح البخاري))، كتاب الجهاد والسير، باب: دعاء النبي وَ ل الناس إلى=

١٥٣
١ - كتاب بدء الوحي
( فاجعلوهم عند ظهره ) أي : لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن
كذب ، وصرح بذلك الواقدي في روايته (١) .
( كذبني ) بالتخفيف ، أي : نقل إلى الكذب وهو يتعدى إلى
مفعولين، يقال : كذبني الحديث ، وأما بالتشديد : فإلى مفعول واحد
وكذا صدق .
( قال أبو سفيان) وسقط / لفظ ((قال)) من رواية كريمة وأبي الوقت، [١ / ١٠/ب]
فأشكل ظاهره .
( يأثروا): ينقلوا الكذب عليه، وللأصيلي: ((عنه))، أي : عن
الإخبار بحاله ، وفي رواية ابن إسحاق: (( فوالله لو قد كذبت ما ردوا
عليّ ولكني كنت امرءاً سيداً يكرم عن الكذب ، فخشيت إن أنا أكذب أن
يحفظوا ذلك عني ثم يحدثوا به فلم أكذبه )) (٢) .
( ثم كان أول ) الرواية بالنصب على الخبرية، ويجوز رفعه على الإسمية.
( كيف نسبه ؟ ) أي : ما حاله ؟ أهو من أشرافكم أم لا ؟ .
( ذو نسب) التنكير فيه للتعظيم، وفي رواية ابن إسحاق: (( قلت :
في الذروة)) ، وهي بكسر المعجمة وسكون الراء : أعلى ما في البعير من
السنام ، فكأنه قال : هو من أعلانا نسباً .
( فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ ) للكشميهني والأصيلي :
(مثله))، واستعمل (( قط)) بغير أداة نفي ، وهو نادر ، ويحتمل تقديره،
أي: (( أو لم يقله أحد قط ؟)).
( فهل كان من آبائه ملك ؟ ) ولكريمة والأصيلي وأبي الوقت بزيادة ((من))
الجارة، ولابن عساكر بفتح ((من))، و((ملك)): فعل ماض .
= الإسلام والنبوة ، وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ، حديث رقم
(٢٩٤١) .
(١) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٤٦/١).
(٢) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٤٦/١) بلفظ: ((أتكرم عن الكذب)).

١٥٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( فأشراف الناس ) أراد بهم أهل النخوة والتكبر لا كل شريف ، وإلا
لورد مثل أبي بكر وعمر (١) .
وفي رواية ابن إسحاق : (( تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث ، فأما
ذوو الأسنان والشرف فما تبعه منهم أحد)) (٢).
( سخطة ) بضم أوله وفتحه .
( يغدر ) بدال مكسورة ، أي : ينقض العهد .
( قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً) أي : أنتقصه به .
( غير هذه الكلمة ) برفع (( غير)) صفة.
زاد ابن إسحاق في روايته: (( قال: فوالله ما التفت إليها مني)) .
( سجال ) بكسر أوله وتخفيف الجيم ، أي : نوب ودول ، مرة على
هؤلاء ومرة على هؤلاء ، من مساجلة المُسْتَقِيَيْن على البئر بالسجل وهو
الدلو .
وقوله : ( ينال منا وننال منه ) جملة تفسيرية .
( اعبدوا الله وحده ولا تشركوا ) سقطت الواو من رواية المستملى ،
فتكون الجملة تأكيداً لقوله: ((وحده)).
( يتأسى) للكشميهني: (( يأتسى)) بتقديم الهمزة على التاء.
( يخالط بشاشة القلوب ) بنصب ((بشاشة)) وإضافته للقلوب ، أي :
يخالط الإيمان انشراح الصدور ، وروي (( بشاشته القلوب )) بالرفع وزيادة
هاء، و((القلوب)) مفعول ، أي : يخالط بشاشة الإيمان ، وهو شرحه
القلوب التي يدخل فيها .
(١) كذا، وفي ((الفتح)) (٤٧/١): ((حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر ... )).
(٢) كذا بالأصل المخطوط، وفي ((فتح الباري)) (٢٧/١): ((فأما ذوو الأنساب
والشرف ... )) .

١٥٥
١ - كتاب بدء الوحي
وفي رواية ابن السكن زيادة: ((يزداد بها عجباً وفرحاً))، وفي رواية
ابن إسحاق: ((وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه)).
( أخلص ) بضم اللام : أصل .
( لتجشمت ) بالجيم والشين المعجمة ، أي : تكلفت الوصول إليه .
وفي مسلم: ((لأحببت لقاءه)) (١) .
( لغسلت عن قدميه ) : مبالغة في العبودية له ، وفي رواية عبد الله بن
شداد عن أبي سفيان: (( لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه
وأغسل قدميه )) ، وهي تدل على أنه كان بقى عنده بعض شك (٢).
وقد اختلف في إيمانه ، والأرجح بقاؤه على الكفر ، ففي (( مسند
أحمد)»: أنه كتب من تبوك إلى النبي وَلّل: إني مسلم ، فقال النبي
:
صَلىالله
وستا
(( كذب ، بل هو على نصرانيته)).
( دحية ) بفتح الدال أشهر من كسرها .
( عظيم بصرى ) هو : الحارث بن أبي شمر الغساني ، وهي بضم الباء
والقصر : مدينة بين المدينة ودمشق .
( بدعاية الإسلام ) بكسر الدال، أي: بدعوته ، ولمسلم: (( بدعاية
الإسلام )) (٣) ، أي: بالكلمة الداعية إليه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمداً رسول الله ، والباء موضع إلى .
(١) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: كتاب النبي وَل إلى هرقل يدعوه
إلى الإسلام ، حديث (٧٤/ ١٧٧٣).
(٢) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٤٩/١).
(٣) كذا بالأصل المخطوط ، وهو وهم أو تصحيف من الناسخ ، فهذا لفظ حديث
الباب ، أما اللفظ الذي يشير إليه المصنف ، فهو : (( بداعية الإسلام )) رواه
مسلم في ((صحيحه)) (١٣٩٧/٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي
عن صالح ، عن ابن شهاب بالإسناد قبله .

١٥٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( الأريسين ) جمع أريسي ، منسوب إلى (( أریس )) بوزن (( كريم ))، وقد
تقلب همزته ياء كما جاءت به رواية الأصيلي وأبي ذر هنا . قال ابن
سيده: الأريس : الأكار ، أي : الفلاح عند ثعلب، وعند كراع الأريس:
الأمير .
[ل/١١/أ] وقال الجوهري : هي لغة شامية / ، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية.
وقال ابن السكن : هم اليهود والنصارى ، والمعنى : أن عليك إثم
رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإسلام فاتبعك على كفرك .
وأيد الأول ما في رواية ابن إسحاق عن الزهري: (( فإن عليك إثم
الأكارين)). زاد ابن برقان في روايته: يعني ((الحرّاثين))، وفي رواية
المدائني من طريق مرسله: ((فإن عليك إثم الفلاحين)).
قال الخطابي : أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليداً
له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر (١).
وقيل : ((الأريسون)) أتباع عبد الله بن أريس الذي وحَّدَ الله عندما
تفرقت النصارى ، وقيل : هم العشارون - يعني : أهل المكس ، أخرجه
الطبراني في (( الكبير )) من طريق الليث بن سعد عن يونس .
قال ابن حجر (٢) : فإن صح فالمراد المبالغة في الإثم كقوله في
(١) وعلق على ذلك الحافظ ابن حجر قائلاً: وفي الكلام حذف دل المعنى عليه
وهو: ((فإن عليك مع إنمك إثم الأريسيين))؛ لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع
بسبب أنهم تبعوه على استمرار الكفر ، فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى وهذا
يعد من مفهوم الموافقة ، ولا يعارض بقوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر
أُخرى﴾ لأن وزر الإثم يتحمله غيره ، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس
بالسيئات يتحمل من جهتين : جهة فعله ، وجهة تسببه .
(٢) فى ((الفتح)) (١/ ٥٢) بتصرف.

١٥٧
١ - كتاب بدء الوحي
المرأة التي اعترفت بالزنا: ((لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس
لقبلت))(١) .
( ويا أهل الكتاب ) : سقطت الواو من رواية الأصيلي وأبي ذر ، وعلى
ثبوتها فهي داخلة على مقدر معطوف على قوله: ((أدعوك)) ، أي :
أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولأتباعك امتثالاً لقول الله: ﴿ يا أهل
الکتاب ﴾ .
( أمر) : بفتح الهمزة وكسر الميم ، أي : عظم .
( أمر ابن أبي كبشة) أي: شأنه وحاله، وأراد به النبي وَ لي أن (*) أبا
كبشة أحد أجداده عادة العرب إذا تنقصت نسبت إلى جد غامض ، ثم
قيل: هو جد وهب جد النبي وَّوَ لأُمه، وقيل: جد عبد المطلب لأُمه،
وقيل : هو أبوه من الرضاعة ، واسمه الحارث بن عبد العزى ، وقيل :
هو رجل من خزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه
إليه للاشتراك في مطلق المخالفة .
( إنه يخافه ) : بكسر الهمزة استئنافاً لا بفتحها لثبوت اللام في يخافه في
رواية .
( بني الأصفر ) : هم الروم ، لأن جدهم روم بن عيض ( ** ) تزوج
(١) رواه مسلم : كتاب الحدود ، باب : من اعترف على نفسه بالزنى ، حديث رقم
(١٦٩٥/٢٣) في قصة ماعز الأسلمي من حديث بُريدة. و((المكس)):
الجباية، وغلب استعماله فيما يأخذه أعوان الظلمة عند البيع والشراء ، كما قال
الشاعر :
وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
وفي كل أسواق العراق إتاوة
(*) كذا بالأصل المخطوط، والأصح أن يقال: ((لأن))، وهي كذلك في شرح
الحافظ ابن حجر على البخاري. انظر: ( فتح الباري : ١/ ٥٣ ) .
(225 as) كذا بالأصل بالضاد المعجمة ، والصواب : ((عيص)) بالمهملة.

١٥٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
بنت مالك الحبشية (*) ، فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له
الأصفر .
وقال ابن هشام في ((التيجان)): إنما لُقب الأصفر ، لأن جدته سارة
زوج الخليل حلته بالذهب .
( فما زلت موقناً) ، زاد في حديث عبد الله بن شداد عن أبي سفيان :
((فما زلت مرعوباً من محمد حتى أسلمت)). أخرجه الطبراني.
( ابن الناطور ) بطاء مهملة ، وفي رواية الحموي بمعجمة وهو بالعربية :
حارس البستان، وفي رواية الليث عن يونس: (( ابن ناطورا )) بألف في
آخره ؛ فعلى هذا هو أعجمي .
( صاحب إيليا وهرقل ) بالنصب على الحال أو الاختصاص ، والرفع
على الصفة ، وهرقل عطف على إيلياء ، وفيه لطيفة : وهو أنه استعمل
((صاحب)) في معنيين مجازي وحقيقي لأنه بالنسبة إلى إيلياء أمير وإلى
هرقل تابع ، والأول مجاز والثاني حقيقة .
( سقفاً) : بضم السين والقاف وتشديد الفاء ، للمستملى والسرخسي :
((أسقفاً)) بزيادة همزة لغتان ، وهو عربي ، وهو الطويل في انحناء ،
وقيل ذلك للزبير ، لأنه يتخاسف (١) ، وقيل : أعجمى ، ومعناه : رئيس
دين النصارى ، وللكشميهني: ((سُقّف)) بكسر القاف فعلاً مبنياً للمفعول
أي: قدم. قال فى ((العُبَاب)): سقفته بالتشديد : جعلته أسقفاً، وهو
خبر كان ، و((يحدث )) خبر بعد خبر .
( خبيث النفس ) أي : مهموماً .
(*) كذا بالأصل المخطوط، وجاء في ((فتح الباري)): ((تزوج بنت ملك الحبشة))
وهو الصواب .
(١) ذلك هو الواضح من خط المخطوطة ، ولا معنى لها ، ولا معنى لدخول الزبير
هنا، وفى ((فتح البارى)): ((وقيل ذلك للرئيس لأنه يتخاشع)).

١٥٩
١ - كتاب بدء الوحي
( بطارقته ): جمع (( بطريق)) بكسر أوله وضم (١) : خواص دولة
الروم .
( حَزّاءً ) : بالمهملة والزاي ، آخره همزة منونة ، أي : كاهناً .
( ينظر في النجوم ) : خبر ثان أو جملة تفسيرية .
( ملك الختان ) : بضم الميم وإسكان اللام ، وللكشميهني : بفتح الميم
وكسر اللام .
( ظهر ) أي : غلب .
( يهمنك ): بضم أوله من (( أهم)) : أثار الهم .
( شأنهم ) : / أمرهم .
[١١/ ب]
( مدائن ) : جمع مدينة بالهمز من مدن بالمكان : أقام به ، وبدونه من
دان ، أي : ملك .
( فبينما هم على أمرهم ) أي : في هذه المشورة .
( ملك غسان): صاحب (( بصري)) المتقدم .
( يخبر عن خبر رسول الله وسلم): فسَّرَّه ابن إسحاق في رواية فقال :
خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي ، فقد اتبعه ناس وخالفه ناس ،
فكانت بينهم ملاحن (٢) في مواطن فتركهم وهم على ذلك .
( يختتنون ) : في رواية الأصيلي بالميم أوله .
( هذا ملك هذه الأُمة ) : بالضم ثم السكون ، وللقابسي بالفتح ثم
الكسر ، ولأبي ذر عن الكشميهني : يملك فعل مضارع .
قال عياض : أظنها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت ، ووجهه السهيلي
بأنه مبتدأ وخبر ، أي : هذا المذكور يملك هذه الأمة .
(١) كذا بالمخطوط، والصواب: ((وهم))، كذلك جاء في ((الفتح)) (١/ ٥٤).
(٢) كذا بالمخطوط، والصواب: ((ملاحم)).

١٦٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وقال غيره : يجوز أن يكون ((يملك)) نعتاً ، أي : هذا رجل يملك .
وقال البلقيني : يجوز أن يكون من حذف الموصول ، أي : هذا الذي
يملك على حد قوله ، ((وهذا تحملين طليق)).
وقال ابن حجر (١) : رأيت في أصل معتمد عليه علامة السرخسي بباء
موحدة في أوله ، وهي متعلقة (( بظهر)) ، أي : هذا الحكم ظهر بملك
هذه الأمة ( التي ) (٢) تختتن .
( صاحب له): هو ضغاطر (٣).
( برومية ) : بالتخفيف : مدينة رياسة الروم .
( حمص ) : بالصرف وعدمه .
( يرم ) : بفتح الياء وكسر الراء ، أي : يبرح فأذن بالقصر من الأذان،
وللمستملي وغيره بالمد ، أي : أعلم .
(١) في ((الفتح)) (٥٦/١).
(٢) ما بين هلالين إضافة من ((الفتح)).
(٣) ضغاطر الرومي : هو أسقف النصارى بروما في زمن هرقل المذكور ، ولما راسله
هرقل ليستشيره في أمر الرسول وَّ قال : هذا الذي كنا ننتظر وبشرنا به
عيسى ، أما أنا فمصدقه ومتبعه ، فقال له قيصر : أما أنا إن فعلت ذلك ذهب
ملكي .
أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٥٦/١)، وقال: وفي آخر القصة : قال دحية
رضي الله عنه : فقال لي الأسقف : خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك فاقرأ
عليه السلام وأخبره أني أشهد أن لا إلَهَ إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأني
قد آمنت به وصدقته ، وأنهم قد أنكروا عليّ ذلك ، ثم خرج إليهم (يعني إلى
القساوسة والرهبان وباقي الشعب ) فقتلوه .
وفي رواية ابن إسحاق : أن هرقل أرسل دحية إلى ضغاطر الرومي وقال : إنه
في الروم أجوز قولاً مني .
وانظر : الاختلاف في تعيين هذا الأسقف والذي أسلم في (( فتح الباري )»
(٥٦/١) .