النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
مقدمة المؤلف
• الميم :
( منير) بالضم وكسر النون (١)
٠
( مجالد ) بالضم وجيم .
( مخلد ) بسكون المعجمة ، وفتح أوله وثالثه .
( موهب ) بوزنه .
( مقرن ) بالضم وفتح القاف ، وتشديد الراء المكسورة ، وبوزنه :
((مجمع)) .
( مطهر) بوزنه، لكن ثالثه مفتوح، كذا ((مقدم)) و((محبر)) بمهملة
وموحدة .
( مقسم ) بالكسر وسكون القاف وفتح المهملة ، وبوزنه: (( مجلز ))
بجيم وزاي .
( مهران ) بالكسر .
( محاض ) / بالضم وحاء مهملة وضاد معجمة مكسورة ، وبوزنه : [٧/ أ]
((مراح)) .
( مل ) مشدد اللام ، مثلث الميم ، والفتح أشهر (٢)
( معرور ) بمهملات .
( أبو المليح ) بفتح الميم .
( المرهبي ) بكسر الهاء وموحدة .
( المقبري ) بالفتح وسكون القاف وضم الموحدة .
( المعنيّ ) بالفتح وسكون المهملة وكسر النون وتشديد الياء .
( المسندي ) بفتح النون .
( المسلي ) بالضم وسكون المهملة .
(١) والد عبد الله ، شيخ البخاري .
(٢) وجزم الصوري ، وأبو ذر الهروي بضمها ، ويقال بكسرها.

١٢٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( المعولي ) بالكسر وسكون المهملة وفتح الواو .
● النون :
( نابل ) بكسر الموحدة .
( النبيل ) بالفتح وكسر الموحدة .
( نسيبة ) بمهملة مصغر .
( نشيط ) بالفتح وكسر المعجمة .
( الناجي ) بالجيم .
( النفيلي ) بالفاء ، مصغر .
( النحاس ) بحاء مهملة (١).
● الهاء :
(هريم ) براء مصغر .
( الهمداني ) بسكون الميم وإهمال الدال .
• الواو :
( واقد ) بالقاف .
( ورقة ) بفتحات .
( وبرة ) كذلك بموحدة .
( وسَّاج ) بتشديد المهملة ، آخره جيم .
( الواشحي ) بكسر المعجمة وحاء مهملة .
الياء :
( ياسر ) بمهملة .
(١) في ((الهدي)): بالخاء المعجمة، وليس فيه بالمهملة شيء. اهـ.

١٢٣
مقدمة المؤلف
( يسرة ) بفتح الياء والمهملة والراء (٢).
( يعفور ) بسكون المهملة وضم الفاء آخره راء .
( يعمر ) بالفتح وسكون المهملة ، وفتح الميم وراء .
(١) ابن صفوان، شيخ البخاري، وليس في ((الجامع)) بالياء الموحدة المضمومة ولا
المكسورة مع الشين المعجمة ولا المهملة شيء. ا هـ (( هدي الساري))
(ص/ ٢٣٤) .

١٢٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
فصل في المهمل
(إسحاق) غير منسوب، إن قال: ((أخبرنا))، فهو ((ابن راهويه))؛
لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بصفة الإخبار .
( علي) إذا أطلق (( ابن المديني)).
( محمد) إذا أطلق (١).
(١) بياض بالأصل، وعلى الهامش إلحاقاً: (( ... في الأصيلي)).

١٢٥
١ - كتاب بدء الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - كتاب : بدء الوحي
قال الشيخُ الإمامُ الحافظُ أَبو عبد الله محمدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بن
إبراهيمَ بنِ الْمُغِيرَةِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله تعالى آمين :
١ - باب: كيف كان بدءُ الوَحْي إلى رسولِ الله
وقَولُ الله جَلَّ ذِكرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [ النساء
[ النساء : ١٦٣ ]
١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ عَبدُ الله بِنُ الْزَبِيرِ قال: حدَّثَنَا سُفْيَانُ قال :
حدَّثَنا يحيى بنُ سَعَيدِ الأُنصارِيُّ قال : أَخبرَني محمدُ بنُ إبراهيمَ
التَّيْمِيُّ أنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَّةَ بنَ وقَّاص اللَّيْيَّ يقولُ : سمعتُ عمرَ بنَ
الخَطَّابِ رضي الله عنه على المِنْبَرِ قَال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ وَله
يَقولُ: ((إِنّمَّا الأَعْمَالُ بالنِّيَّات، وَإِنَّمَا لَكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ
كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَاَ أَوْ إِلَّى امَّرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا
هَاجَرَ إِلَيْهِ )) (*) .
( باب : کیف کان بدءُ الوحي )
يجوز تنوين (( باب)) وتركه ، وسقط في رواية أبي ذر والأصيلي .
و( بدء ) قال عياض : روي بالهمز وسكون الدال من الابتداء ، وبلا
همز مع ضم الدال وتشديد الواو ، وهو الظهور (١) .
(*) الحديث الأول أطرافه فى ((صحيح البخاري)) برقم: (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨،
٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣) .
(١) قال الزركشي: والأحسن الهمز لأنه يجمع المعنيين. اهـ (التنقيح -
مخطوط: ل ١/أ) .

١٢٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
قال ابن حجر (١): ويرجح الأول أنه وقع في بعض الروايات: (( كيف
كان ابتداء الوحي)) .
و(الوحي) (*) لغة : الإعلام في إخفاء ، وقيل : أصله التفهيم ،
وشرعاً : الإعلام بالشرع ، وقد يطلق ويراد به اسم المفعول ، أي :
الموحى، وهو كلام الله المنزل على النبي وَل.
و( قول الله تعالى ) هو : بالرفع على إسقاط الباب وعلى تنوينه عطفاً
على الجملة ؛ لأنها في محل رفع ، وبالجر على إضافته عطفاً على كيف ،
أي : وباب معنى قول الله ، أو ذكر قول الله ، ولا يصح تقدير وكيفية
قول الله ؛ لأن كلام الله لا يُكيف ، قاله عياض (٢) .
قال الزركشي (٣) : ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية
تعلقه بالآية المذكورة في الترجمة ؛ لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء
من قبله أن الأعمال بالنيات ؛ بدليل قوله : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين ﴾ (٤) ، وقصده بذلك : أن كل معلم أراد بعلمه وجه
الله ونفع عباده ، فإنه يجازى على نيته .
( حدثنا يحيى بن سعيد ) هو من صغار التابعين ، ( أخبرني محمد بن
إبراهيم) هو من أوساطهم ، ( أنه سمع علقمة ) هو من كبارهم .
ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق .
قال ابن حجر (٥): وفي ((المعرفة)) لابن منده ما ظاهره أن علقمة
صحابي ، فإن ثبت كان فيه تابعيان وصحابيان .
( سمعت عمر بن الخطاب على المنبر ) : بكسر الميم ، واللام للعهد ،
أي : منبر المسجد النبوي .
(١) ابن حجر في ((الفتح)) (١٤/١) بتصرف.
(#) جاء ملحقاً على هامش المخطوطة: ((الوحي كلام خفي ، تقول : أوحيت إليه
الكلام إذا كلمته بكلام خفي من اللغة ، ونقلت القول)) .
(٢) ((الفتح)) (١٥/١).
(٣) في ((التنقيح)): (مخطوط: ل/ ١/ ب).
(٤) البينة : ٥ .
(٥) في ((الفتح)) (١٦/١).

١٢٧
١ - كتاب بدء الوحي
قيل : ولهذا أقام المصنف هذا الحديث مقام الخطبة للكتاب ، لأنه إذا
صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب (١) .
(سمعت رسول الله وهو يقول) ذهب الفارسي (٢) إلى تعدي ((سمعت))
إلى مفعولين ثانيهما مما يسمع ، نحو : سمعت زيداً يقول كذا ، فلا
يجوز : سمعت زيداً أخاك، والجمهور على / منع ذلك، وأن الثاني حال. [ل/٧/ ب]
( إنما الأعمال بالنيات ) هو من مقابلة الجمع بالجمع ، أي : كل عمل
بنيته (٣) .
قال الخوئي (٤) : وكأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع
الأعمال كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الاتقاء لوعيده ،
وفي معظم الروايات بالنية مفرداً . قيل : ووجهه أن محلها القلب وهو
متجه فناسب إفرادها بخلاف الأعمال ، فإنها متعلقة بالظواهر فناسب
جمعها. وفي ((صحيح ابن حبان)): (الأعمال بالنيات)) بحذف ((إنما)).
وعند البخاري في ((النكاح)): ((العمل بالنية)) (٥).
(١) كذا في ((الفتح)) (١٦/١)، وقال: وحكى المهلب أن النبي ◌َّجله خطب به
حين قدم المدينة مهاجراً ، فناسب إيراده في بدء الوحي ، لأن الأحوال التي
كانت قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها ؛ لأن بالهجرة افتتح الإذن في قتال
المشركين ، ويعقبه النصر والظفر والفتح. اهـ . قال الحافظ : وهذا وجه
حسن ، إلا أنني لم أر ما ذكره - من كونه وَل خطب به أول ما هاجر -
منقولاً، وقد وقع في باب ((ترك الحيل)) بلفظ: سمعت رسول الله وعَاله
يقول: ((يا أيها الناس، إنما الأعمال بالنية ... )) الحديث، ففي هذا إيماء
إلى أنه كان في حال الخطبة ، أما كونه كان في ابتداء قدومه إلى المدينة فلم أر
ما يدل عليه ، ولعل قائله استند إلى ما روي في قصة مهاجر أم قيس . اهـ .
(٢) أبو عليّ الحسن بن أحمد بن عبد الغفار: الفارسي أباً، (٢٨٨ - ٣٧٧ هـ) من
أشهر علماء اللغة وأوسعهم علماً بالعربية ، تأثر بالمدرستين البصرية والكوفية،
وله آراء مستقلة. مترجم فى ((الأعلام)) (١٩٣/٢)، ((إنباه الرواة))
(٢٧٣/١)، ((بغية الوعاة)) (٤٩٦/١)، و((إشارة التعيين)) (٨٣) وغيرها.
(٣) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (١٨/١).
(٤) هو محمد بن أحمد بن الخليل المهلبي الخوئي، ولم يضبط في نسخة ((الفتح))
وقال الشيخ ابن باز: لعله الحربي، والصواب ما أثبتناه ، وراجع: (( معجم
المؤلفين)) (٢٥٨/٨)، و((الأنساب)) (٢٣٦/٥).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: من هاجر أو عمل خيراً لتزويج =

١٢٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وغايته أن ذلك من تغييرات الرواة .
والباء للمصاحبة ، وتحتمل السببية ومتعلقها مقدر ، وقيل : تصح ،
وقيل : تعتبر ، وقيل : تكمل ، وقيل : تستقر ، وقيل : الكون المطلق .
قال البلقيني (١) : وهو الأحسن .
واللام في ((الأعمال)) للجنس، وفي ((النيات )) بدل عن الضمير ،
أي: بنياتها، و((النية)) بالتشديد من ((نوى)) بمعنى: تعبد ، والأصل:
((نويه)) قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وتخفيفها لغة من (( وَنَى يني))
أي : أبطأ ؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء .
( وإنما لكل امريء ما نوى ) قال الخطابي (٢) وغيره : أفادت هذه الجملة
تعيين العمل بالنية .
( فمن كانت هجرته إلى دنيا ) كذا في جميع الأصول هنا بحذف أحد
وجهي التقسيم ، وهو قوله: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله
فهجرته إلى الله ورسوله )) ، وهو من البخاري ؛ لأن شيخه الحميدي رواه
في (( مسنده)) تاماً ، ورواه عنه غير البخاري كذلك .
والبخاري اختصر الحديث كعادته : إما من أثنائه وإما من آخره ؛ فإن
في رواية حماد بن زيد في باب الهجرة تأخّر قوله: (( فمن كانت هجرته
إلى الله ورسوله)) عن قوله: ((فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها))؛
فيحتمل أن تكون رواية الحميدي وقعت عند البخاري كذلك ، فحذف
الجملة الأخيرة .
= امرأة فله ما نوى ، حديث ( ٥٠٧٠) ، وانظر في اختلاف لفظ الحديث :
(نصب الراية)) (٣٠١/١ - ٣٠٢)، و((فتح الباري)) (١٨/١ - ١٩).
(١) هو الحافظ الفقيه سراج الدين ، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير البلقيني
الكناني المصري الشافعي، ولد في ((بلقينة )) من قرى الدلتا بمصر في ليلة
الجمعة الثانية عشرة من شعبان (٧٢٤ هـ) ، من شيوخه : الجلال القزويني ،
والتقي السبكي ، وابن عقيل - شارح الألفية - وابن عبد الهادي ، والذهبي ،
توفي رحمه الله سنة ( ٨٠٥ هـ) .
(٢) ((معالم السنن)) (٢١١/٣) بتصرف.

١٢٩
١ - كتاب بدء الوحي
( دنيا) بضم الدال - وحكى ابن قتيبة كسرها - ((فُعْلَى)) من ((الدنو))
أي : القرب لسبقها للأخرى ، وقيل : لدنوها من الزوال ، وهي ما على
الأرض من الهواء والجو . وقيل : كل المخلوقات من الجواهر والأعراض،
وتطلق على كل جزء من ذلك مجازاً ، ولفظها مقصور غير منون ، وحكى
تنوينها (١) .
وعزاه ابن دحية إلى رواية الكشميهني وضعفها . قال ابن مالك :
واستعمال (( دنيا)) منكراً فيه إشكال، لأنها مؤنث (( أدنى )) أفعل التفضيل،
فحقه أن يُستعمل باللام " كالكبرى والحسنى ، قال: إلا أنها خلعت عنها
الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفاً قط (٢)، كـ ((رجعى)).
( يصيبها ) أي : يحصلها ؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع
حصول المقصود (٣) .
( أو امرأة ينكحها ) قيل : التنصيص عليها من الخاص بعد العام
للاهتمام به ، وتعقبه النووي بأن دنيا نكرة ، وهي لا تعم في الإثبات ،
فلا يلزم دخول المرأة فيها .
وأجيب بأنها في سياق الشرط فتعم ، ونكتة الاهتمام بها الزيادة في
التحذير ؛ لأن الافتتان بها أشد .
وقيل : إن الحديث ورد على سبب ، وهو أن رجلاً هاجر من مكة إلى
المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة بل ليتزوج امرأة تسمى ((أم قيس)) ،
فلهذا خص ذكر المرأة في الحديث - ذكره ابن دقيق العيد (٤) .
وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور في (( سننه )) بسند على
شرط الشيخين عن ابن مسعود قال : (( من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له ذلك،
هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال مهاجر أم قيس ))(٥).
(١) أفاد هذه التعريفات الحافظ في ((الفتح)) (١/ ٢٣ - ٢٤).
(٢) ((الفتح)) (٢٤/١) .
(٣) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (١/ ٢٤).
(٤) المصدر السابق (١٦/١، ٢٤).
(٥) في ((الفتح)) (١٦/١): رواها سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية =

١٣٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) أتى بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة
وغيرها ، وإنما جيء بالظاهر في الجملة المحذوفة في قوله: ((فهجرته إلى
[ل/٨/أ] الله ورسوله))، لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما / بخلاف
الدنيا والمرأة ؛ فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنها (١).
٢ - بابٌ
٢ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال: أخبرنا مَالِكٌ عن هشامِ بنِ
عُرْوَةَ ، عن أبيهِ ، عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أنَّ
الحارِثَ بنَ هِشام رضي الله عنه سَأَلَ رسولَ الله وَلَه فقالَ: يا
رسولَ الله، كيفَ يأْتِيكَ الوَحِيُّ، فقالَ رسولُ اللهِ وَلَه: ((أَحْيَاناً
يَأْتِنِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ
عَنْهُ مَا قَالَ ، وأَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا
= عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله - يعني ابن مسعود - ، وذكره ، ثم
قال : ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بنحوه ، وقال : وهذا
إسناد صحيح على شرط الشيخين، وعزاه أيضاً للأجري في كتاب (( الشريعة))
وقال : بغير إسناد . اهـ .
وقال الحافظ العراقي في ((المغني)) باب ((فضيلة النية)) : أخرجه الطبراني
بإسناد جيد . اهـ .
وأورده الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (١٠١/٢) وقال: رواه الطبراني في
((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح . اهـ .
قال ابن حجر : لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك ، ولم أر
في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك . اهـ .
قلت : وروي الإمام البخاري حديث الأعمال في ((صحيحه)) كتاب النكاح ،
باب: (( من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوى)). وانظر : تعليق
الحافظ عليه في ((فتح الباري)) (١٨/٩).
(١) كذا بالأصل المخطوط، والصواب أن يقال: ((الإعراض عنهما))، لأن الدنيا
والمرأة ليستا من جنس واحد .

١٣١
١ - كتاب بدء الوحي
يَقُولُ )). قالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْه
الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقَا (*).
( حدثنا عبد الله بن يوسف ) هو التنيسي (عن عائشة أن الحارث بن هشام)
هو أخو أبي جهل شقيقه ، أسلم يوم الفتح ، وظاهره : أن الحديث من
مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الأطراف ، فكأنها حضرت القصة ،
ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك ، فيكون مرسل صحابي وحكمه
الوصل ، ويؤيده أن في (( مسند أحمد )) وغيره من طريق عامر بن صالح
الزبيري ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن الحارث بن هشام
قال: ((سألت)).
وعامر فيه ضعف ، لكن له متابع عند ابن منده (١) .
( أحياناً يأتيني ) بالنصب على الظرف ، قيل : بالنصب نعت لمصدر
محذوف ، أي : إتياناً .
( مثل ) قلت : ويحتمل أن يكون على نزع الخافض ، لأن في رواية
مسلم : ((في مثل صلصلة الجرس )) (٢) .
( الصلصلة ) : بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة ، في الأصل :
صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ، ثم أطلق على كل صوت له
طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يفهم في أول وهلة . والجرس :
(٣)
الجلجل
(*) الحديث الثاني أطرافه في (٣٢١٥) .
(١) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٢٦/١) قائلاً: ولكن وجدت له متابعاً عند ابن
منده، والمشهور الأول . اهـ .
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب: عرق النبيّ مَّ في البرد وحين يأتيه
الوحي ، برقم (٨٧/ ٢٣٣٣).
(٣) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٢٧/١)، وقال: والجرس: الجُلجل الذي يعلق في=

١٣٢
التوشيح شرح الجامع الصحيح
والصلصلة المذكورة : صوت الملك بالوحي ، وقيل : صوت خفق
أجنحته ، والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره
وقيل : إنما كان يأتيه كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد (١) .
( وهو أشده عليّ ) فائدة : هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة
الزلفى في الدرجات .
( فيفصم ) بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة ، أي : يُقلع ويتجلى
ما تغشاني ، ويروى بضم أوله من الرباعي .
وفي رواية لأبي ذر بضمه وفتح الصاد على البناء للمفعول .
وأصل الفصم : القطع بلا إبانة ، وبالقاف : القطع بإبانة ، وذكر الأول
للإشارة إلى أن الملك فارقه ليعود ، والجامع بينهما بقاء العلقة (٢).
( وعيت ) بالفتح : فهمت وحفظت ، ويقال في المال والمتاع : أوعيت.
( يتمثل) يتصور ، مشتق من ((المثل)).
.( الملك ) اللام للعهد ، أي : جبريل ، وصرح به في رواية عند ابن
سعد-(٣).
( رجلاً) أي : مثل رجل فنصبه على المصدرية ، وقيل : تمييز ، وقيل:
حال على تأويله بمشتق ، أي : مرئياً محسوساً (٤) .
= رءوس الدواب . اهـ . وقال الخطابي : معناه : أنه صوت متدارك يسمعه ولا
يثبته أول ما يقرع سمعه ، حتى يفهمه من بعد ذلك . اهـ .
(١)، (٢) ((الفتح)) (٢٨/١) بتصرف.
(٣) أخرجها ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (١/١/ ١٣١ - ١٣٢) من طريق
أبي سلمة الماجشون: أنه بلغه أن النبي وَّليه كان يقول: ((كان الوحي يأتيني
على نحوين: يأتيني به جبريل فليلقيه عليّ ... )) الحديث وسيأتي ، وأورده
الحافظ في ((الفتح)) (٢٧/١) وقال: وهذا مرسل مع ثقة رجاله ، فإن صح
فهو محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى : ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾.
اهـ مختصراً .
(٤) انظر باقي كلام الحافظ في المصدر السابق .

١٣٣
١ - كتاب بدء الوحي
قال المتكلمون : الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا ،
وقال إمام الحرمين : تمثُلُ جبريل معناه : أن الله أفنى الزوائد من خلقه أو
أزاله عنه ثم يعيده إليه ، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء .
وقال البلقيني : يجوز أن يكون أتى بشكله الأصلي من غير فناء ولا
إزالة إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل ، وإذا ترك ذلك عاد إلى
هيئته ، ومثال ذلك : القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشاً فإنه بالنفش
يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير ، وهذا على سبيل التقريب .
والحق أن تمثِّل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً ، بل معناه :
أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه ، والظاهر أيضاً أن القدر الزائد لا
يزول ولا يفنى ، بل يخفى على الرائي فقط (١).
( فيكلمني ) في رواية للبيهقي من طريق القعنبي عن مالك : بالعين بدل
الكاف (٢).
قال ابن حجر (٣): والظاهر أنه تصحيف، فإنه في ((الموطأ)) رواية
القعنبي بالكاف (٤) .
(فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في ((صحيحه)): ((وهو أهونه عليّ))
وعبر في الشق الأول بقوله: ((وقد وعيت ما قال)) بلفظ الماضي وهنا بلفظ
المستقبل ، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم ، وفي الثاني عقب
المكالمة .
وقد روي ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون : أنه بلغه أن النبي
وَلخلّه كان يقول: ((كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه
عليَّ كما يلقي الرجل على الرجل فذاك يتفلت مني ، ويأتيني في شيء مثل
صلصلة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا يتفلت مني )) (٥).
(١) ((الفتح)) (٢٩/١).
(٣) ((الفتح)) (٢٩/١).
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) (٥٣/٧).
(٤) انظر: ((التجريد)) (٦٣٠) .
(٥) تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة وأورده الحافظ في ((الفتح)) (٢٧/١)، =

١٣٤
التوشيح شرح الجامع الصحيح
[ل/٨/ ب] / ( ليتفصّد) بالفاء وتشديد المهملة من ((الفصد)) وهو قطع العرق
الإسالة الدم ، أي : يسيل كما يسيل العرق المقصود من كثرة العرق .
وصحفه ابن طاهر بالقاف ، فرده عليه المؤتمن الساجي فأصَرَّ (١) ، وحكاه
العسكري في ((التصحيف)) عن بعض شيوخه وقال : إن ثبت فهو من
قولهم : تقصَّدَ الشيء : إذا تكسّر وتقطع، ولا يخفى بعده . انتهى (٢).
( عرقاً) تمييز ، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي
في ((الدلائل)): وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها (٣)
من ثقل ما يوحى إليه )) (٤) .
قال الإسماعيلي : هذا الحديث لا يناسب بدء الوحي ، بل كيف يأتيك
الوحي ؟ (٥) .
= وفيه: ((في بيتي)) بدلاً من ((في شيء))، وهو تصحيف، والصواب كما
هنا .
(١) يعني أن ابن طاهر أصر على القاف، كذا بيّنه الحافظ في ((الفتح)) (١/ ٣٠)،
ثم قال : وذكر الذهبي في ترجمة ابن طاهر عن ابن ناصر أنه رد على ابن
طاهر لما قرأها بالقاف ، قال : فكابرني .
قال ابن حجر : ولعل ابن طاهر وجهها بما أشار إليه العسكري . اهـ .
(٢) تصحيفات المحدثين، لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (٢٩٣-٣٨٢هـ).
(٣) ضربت الناقة بجرانها: بركت واستقرت. والجِرَانُ: مقدم العنق من مذبح
البعير إلى منحره ، إذا برك البعير ومدّ عنقه على الأرض قيل: ألقى جِرَانَه
بالأرض . اللسان ( مادة: جرن ). والذي في ((الفتح)) - نقلاً عن
((الدلائل)) للبيهقي - فيضرب حزامها ، وهو تصحيف من وهم النساخ .
(٤) (( دلائل النبوة)) للبيهقي (١/ ٧٢) .
(٥) يعني أن هذا الحديث لا يصلح - في رأي الإسماعيلي - لهذه الترجمة ، ونص
كلامه: هذا الحديث لا يصلح لهذه الترجمة، وإنما المناسب للكيف بدء الوحي؟
الحديث الذي بعده ، وأما هذا فهو لكيفية إتيان الوحي لا لبدء الوحي . اهـ
أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٢٦/١) عن الإسماعيلي، وانظر تعقيبه عليه هناك .

١٣٥
١ - كتاب بدء الوحي
٣ - بابٌ
٣ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرِ قال: حدَّثَنَا اللَّيْثُ عن عُقَيلِ ، عن
ابنِ شِهابٍ ، عن عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيرِ ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ أَنَّها
قالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِيءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُّؤْيَا إِلَا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ
الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -
وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَّوَّدُ
لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةً فَيَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَى جَاءَّهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي
غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ، قالَ: مَا أَنَا بِقَارِئِ ، قالَ :
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَنِي فَقَالَ : اقْرَأْ ،
قُلْتُ : مَا أَنَّا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ،
ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي
الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمٍ رَبَّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَّقَ
الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقِ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (١) ، فَرَجَع بِهَا رَسُولُ
اللّهِ وَهُ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلَدِ رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا فَقَالَ : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَمَّلُوَهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنَّهُ الرَّوْعُ ،
فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ : ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي))،
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَالله مَا يُخْرِيكَ اللهُ أَبَداً إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ
وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ المَغَّدومَ وَتَقْرِي الصَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَّى نَوَائِبِ
الحَقِّ ، فانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلِ بنِ أَسَدُ
ابنِ عَبْدِ الْعُزَّى - ابنَ عَمِّ خَدِيَجَةَ- وكانَ امرءاً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
(١) أول سورة العلق .

١٣٦
التوشيح شرح الجامع الصحيح
وكانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ
اللهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وكَانَ شَيْخاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ ، فقالتْ لَهُ خَدِيجَةُ :
يَا ابْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنَ ابنِ أَخِيَكَ ، فقالَّ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي ،
مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ خَبَرَ مَا رَأَى، فقالَ لَهُ وَرَقَةُ :
هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَالَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً ،
لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَاً إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقال رَسولُ اللهِ وَّةِ: ((أَوَ
مُخْرِجِيَّ هُم °)) قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ
إِلا عُودِيَ وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ
وَرَقَةُ أَنَّ تُوُفِّيَّ وَفَتَرَ الَّوَحْىُ )) (*) .
٤ - قالَ ابنُ شهاب : وأخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرَّحمن أنّ
جابرَ بنَ عبد الله الأنصارِيَّ قال - وهُو يحدِّثُ عن فَتْرَةِ الْوَحْي -
فقالَ في حَدِيثِه: (( بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ
فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءِ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنَّهُ فَرَجَعَّتُ فَقَّلْتُ : زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ
اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الُّدَثِّرُ : قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَالرُّجْزَ
فاهْجُرْ﴾ (١) فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَبَعَ)) ( ** ) .
تابَعَهُ عبدُ الله بنُ يوسُفَ وأبو صالح ، وتابَعَهُ هلالُ بنُ رَدَّاد
عن الزُّهْرِيِّ، وقال يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: ((بَوَادِرُهُ)).
(١) أول سورة المدثر .
(*) الحديث ٣، أطرافه في: (٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧ ،
٦٩٨٢).
( ** ) الحديث ٤، أطرافه فى: (٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥،
٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤) .

١٣٧
١ - كتاب بدء الوحي
( أول ما ) هي نكرة موصوفة ، أي : أول شيء من الوحي .
( من ) للبيان ، ويحتمل التبعيض ، أي : من أقسام الوحي أول ما بدء
به من دلائل النبوة مطلقاً كأشياء مثل: تسليم الحجر (١) وغيره .
( الرؤيا الصالحة ) بالرفع لا غير ( في النوم ) صفة موضحة ، أو ليخرج
رؤيا العين في اليقظة لاحتمال أن تطلق مجازاً .
( مثل فلق الصبح ) بالنصب على الحال ، أي مشبهة ، وفلق الصبح
وفَرَقُهُ (٢) بالتحريك: ضياؤه. وحكى الزمخشري تسكين اللام (٣).
( الخلاء ) بالمد : الخلوة ، وإنما حبب إليه ، لأن فيها فراغ القلب لما
يتجه إليه (٤) .
( الغار) نقب في الجبل، وجمعه: ((غيران)).
( حراء ) بالكسر في الأفصح ويضم ويفتح ، وتخفيف الراء يمد ويقصر،
فعلى الأول : يصرف ويذكر ويؤنث ، وعلى الثاني : لا .
قال بعضهم :
ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا
حراء وقباء ذكر وأنثهما معاً
وفى رواية الأصيلي بفتح الحاء والقصر ، وهو جبل على ثلاثة أميال من
مكة ، وخصه بخلوته وَّجله: لأن المقيم فيه يمكنه من رؤية الكعبة فيجتمع له
الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت ، قاله ابن أبي جمرة .
( فيتحنث ) آخره مثلثة ، أي : يتعبد ، ومعناه : إلقاء الحنث عن نفسه،
كالتأثم والتحوب : إلقاء الإثم والحوب عن نفسه .
(١) أخرجه مسلم (الفضائل، الباب الأول) حديث (٢٢٧٧/٢)، وأحمد في
(مسنده)) (٩٥/٥)، من حديث جابر بن سمرة، وانظر: ((الروض الأنف))
(٢٦٦/١ - ٢٦٧) .
(٢) الفَرَقُ : ما انفلق من عمود الصبح ، لأنه فارق سواد الليل وقد انفرق ، وعلى
هذا أضافوا فقالوا : أَبْيَنُ من فَرَقِ الصبح ، لغةٌ في فلق الصبح ، وقيل :
الفَرَقُ : الصبح نفسه ، وانفرق الفَجر وانفلق ، وهو الفرق والفلق الصبح .
(اللسان، مادة : فرق، ومادة : فلق ).
(٣) لغة قليلة والفتح أعرف. (اللسان ، مادة : فلق ).
(٤) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣١/١).

١٣٨
التوشيح شرح الجامع الصحيح
قال الخطابي : وليس في الكلام تفعّل ألقى الشيء عن نفسه غير هذه
الثلاثة ، والباقي بمعنى : تكسب .
وزاد غيره : تحرج وتنجس : إذا فعل فعلاً يخرج به عن الحرج
والنجاسة .
وقيل: هو بمعنى تَحَنَفَ بالفاء، وقد وقع بها في ((سيرة ابن هشام))(١)
أي : يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامهم.
( وهو التعبد) هذا مدرج في الخبر من تفسير الزهري (٢).
( الليالي ) بالنصب على الظرف .
( ذوات ) بكسر التاء منصوب .
( ينزع ) كيرجع وزناً ومعنى .
( لمثلها ) أي : الليالي .
( جاءه الحق ) أي : الأمر الحق .
( فجاء ) الفاء تفسيرية لا تعقيبية ؛ لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء
الوحي حتى تعقب به ، بل هو نفسه .
( ما أنا بقارئ) ((ما)) نافية لا استفهامية لدخول الباء في خبرها ، أي :
ما أحسن القراءة .
( فغطني ) بغين معجمة وطاء مهملة . وفي رواية الطبري : بتاء مثناة
فوقية بمعناه ، أي: ضمني وعصرني. وفي ((مسند الطيالسي)): فأخذ
بحلقي .
( حتى بلغ مني الجهد ) روي بالفتح والنصب ، أي : بلغ الغط مني غاية
وسعي ، وبالضم والرفع ، أي : بلغ مني الجهد مبلغه ، والحكمة في
(١) ابن هشام، الجزء الأول، باب: مبعث النبي وَالله، وانظر: ((الروض
الأنف)) (١ / ٢٦٧) .
(٢) أفاده الحافظ في ((الفتح)) (٣١/١) وقال: كما جزم به الطيبي ولم يذكر دليله،
نعم في رواية المؤلف - يعني البخاري - من طريق يونس عنه في التفسير ما
يدل على الإدراج. اهـ. قلت: انظر: رواية البخاري في ((التفسير)) برقم
(٤٩٥٣)، وتعليق الحافظ عليها في ((الفتح)).

١٣٩
١ - كتاب بدء الوحي
ذلك شغله عن الالتفات بشيء آخر أو إظهار الشدة والجد في الأمر تنبيهاً
على ثقل القول الذي سيلقى إليه ، وقيل : إبعاد ظن التخيل والوسوسة ،
لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
وذكر بعضهم أن هذا يُعدُّ من خصائصه وَّه، إذ لم ينقل عن أحد من
الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك .
وذكر ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع له قبل ذلك في المنام نظير
ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة .
(أرسلني ) : أطلقني .
( اقرأ باسم ربك ) أي : لا بحولك ولا بقوتك ولا بمعرفتك .
( فرجع بها ) أي : بالآيات .
[ل/ ٩ / أ]
( يرجف / فؤاده ) بضم الجيم : يخفق قلبه ويضطرب .
( فزملوه ) أي : لَقُّوهُ .
( الروع ) بالفتح : الفزع .
( لقد خشيت على نفسي ) قيل : الموت من شدة الرعب ، وقيل :
المرض ، وقيل : العجز عن حمل أعباء النبوة ، وقيل : عدم الصَّبر على
قومه ، وقيل : أن يقتلوه ، وقيل : أن يكذبوه ، وقيل غير ذلك .
( كلا) : نفي وإبعاد .
( ما يخزيك الله أبداً ) بالخاء المعجمة والزاي والياء التحتية من الخزي
وهو : الوقوع في بلية وشُهرَة يذله(١) ، ولأبي ذر بفتح أوله وبالحاء المهملة
والزاي المضمومة والنون (٢) .
( إنك ) بالكسر على الابتداء .
( الكَلّ ) بالفتح وتشديد اللام : من لا يستقل بأمره ، كما قال تعالى :
﴿ وَهُوَ كَل عَلَى مَوْلاهُ﴾ (٣) ، وقيل: هو الثقل وكل ما يتكلف .
(١) اللسان ، مادة : خزا .
(٣) النحل : ٧٦ .
(٢) يعني : يَحْزُنَك .

١٤٠
التوشيح شرح الجامع الصحيح
( وتكسب ) في رواية الكشميهني بضم أوله ، وعليها قال الخطابي :
الصواب المعدم (١) بلا واو ، أى : الفقير ، لأن المعدوم لا يكسب ، ورد
بأنه لا يمتنع إطلاق (( المعدوم)) على الفقير لكونه كالمعدوم الميت الذي لا
تصرُّف له (٢) .
وفي رواية غيره بالفتح ، أي : تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا
يصيب غيرك ، وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش ، وكان
وَّة محظوظاً في التجارة (٣).
وقيل : معناه تعطي للناس ما لا يجدونه عند غيرك ، فحذف أحد
المفعولين يقال : كسبت الرجل مالاً وأكسبته بمعنى ، قال الأعرابي يمدح
إنساناً : (( كان أكسبهم لمعدوم وأعطاهم لمحروم)).
( وتقری ) بفتح أوله .
( وتعين على نوائب الحق ) : هي كلمة جامعة لإفراد ما تقدم ولما لم
يتقدم، وفي ((التفسير)) من طريق يونس عن الزهري زيادة: ((وتصدق
الحديث)) (٤)، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: ((وتؤدي الأمانة)).
( ورقة ) بفتح الراء : ابن عم خديجة بنصب ابن وتكتب بألف ، وهو
بدل من ورقة أو صفة أو بيان ، ولا يجوز جره ، لأنه يصير صفة لعبد
العزى ، وليس كذلك ، ولا كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين .
( تنصر ) بالنون ، أي : صار نصرانياً وترك عبادة الأوثان ، وقيل : إن
فيه الموحدة من البصيرة ، حكاه الزركشي .
(١) جاء في الأصل المخطوط: ((المقدم)) وهو تصحيف .
(٢) المتعقب على الخطابي هو الحافظ ابن حجر، انظر: ((فتح الباري)) (١/ ٣٣).
(٣) المصدر السابق، وفيه: وكان النبي ◌َّ قبل البعثة محظوظاً في التجارة .
(٤) رواه البخاري، كتاب ((تفسير القرآن))، باب: سورة: ﴿اقرأ باسم ربك
الذي خلق ﴾، حديث رقم (٤٩٥٣)، ورواه مسلم في ((الإيمان))
(١٦٠/٢٥٢).