النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ فأومَا إِليهِ أَن يثبُتَ مَكانَهُ، حَتَّى قَضى أَبُو بَكرِ صَلاتِهُ. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قُبضَ، فَقالَ عُمرُ: واللهِ لا أَسمعُ أحداً يَذكرُ أنَ رَسُولَ الله ◌ِ وَِّ قُبضَ إلَّ ضَربتُهُ بسيفِي هذَا! قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ قوله: (فأومأ إليه) أي: أشار النبي ◌َّل إلى أبي بكر. وقوله: (أن يثبت مكانه) أي: ليبقى على إمامته، ولا يتأخر عن مكانه . وقوله: (حتى قضى أبو بكر صلاته) مرتبط بمحذوف، أي: فثبت أبو بكر مكانه، حتى قضى صلاته، أي: أتمها، وظاهر ذلك أنه س # اقتدى بأبي بكر. وقد صرح به بعض الروايات، لكن الذي في رواية الشيخين: كان أبو بكر رضي الله عنه يصلي قائماً ورسول الله يصلي قاعداً يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله وَلّ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه. والمراد: أن أبا بكر كان رابطة مبلّغاً عنه وَلّ، فبعد أن أخرج نفسه من الإمامة، صار مأموماً. وهذا يدل لمذهب الشافعي من جواز إخراج الإمام نفسه من الإمامة، واقتدائه بغيره فيصير مأموماً، بعد أن كان إماماً. ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين بتعداد الواقعة. قوله: (قبض) أي: قبض الله روحه الشريفة، وأبو بكر غائب بالعالية عند زوجته خارجة، بعد إذنه بَلَّ في ذلك، لحكمة إلَهية. قوله: (فقال عمر) أي: والحال أنه سلَّ سيفه. والحامل له على ذلك: ظنه عدم موته، وأن الذي عَرض له غشيٌ تام، أو استغراق وتوجه للذات العلية، ولذلك قال: والله لأرجو أن يعيش رسول الله وَالز، حتى يقطع أيديَ رجال وأرجلَهم، أي: من المنافقين أو المرتدين. قوله: (قال) أي: سالم. ٦٦٢ أُمَّيِّينَ لَم يَكنْ فِيهمِ نَبِيِّ قَبلهُ، فَأمسكَ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا سَالمُ انْطلقْ إِلَى صَاحِبِ رَسُول اللهِ وَلِّ، فَادِعُهُ، فَأَتيتُ أَبَا بَكرٍ وَهوَ فِي المَسجِدِ، فَأَتَيْتُهُ أَبَكِي دَهِشاً فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: أَقْبِضَ رَسُولُ الله وَلَه؟! قُلتُ: إنَّ عُمَرَ يَقولُ: لا أَسمعُ أحداً يَذْكُرُ أنَّ رَسُول اللهِ وَه قُبِضَ إلَّ ضَربتهُ بِسيفي هذَا! فَقالَ لِي: انطَلِقْ، فانطَلَقْتُ مَعَه، وقوله: (وكان الناس أميين) أي: وكان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون. هذا هو معنى الأميين في الأصل، والمراد هنا بهم: من لم يحضر موت نبي قبله، فقوله: لم يكن فيهم نبي قبله: تفسير وبيان للمراد بالأميين. وقوله: (فأمسك الناس) أي: أمسكوا ألسنتهم عن النطق بموته خوفاً من عمر رضي الله عنه. قوله: (فقالوا) أي: الناس. وقوله: (إلى صاحب رسول الله وَل(3) أي: الذي هو أبو بكر، فإنه متى أُطلِقِ: انصرف إليه، لكونه كان مشهوراً به بينهم. وقوله: (فادعه) أي: ليحضر، فيبين الحال، ويسكُّن الفتنة، فإنه قوي القلب عند الشدائد، وراسخ القلب عند الزلازل. وقوله: (وهو في المسجد) أي: مسجد محلته، وهي: السُّنْح - بضم السين المهملة بوزن قُفْل ـ موضع بأدنى عوالي المدينة، بينه وبين مسجده وَّي الشريف ميل. ولعله كان في ذلك المسجد لصلاة الظهر. قوله: (فأتيته) کرره للتأکید. وقوله: (أبكي) أي: حال كوني أبكي. وقوله: (دَهِشاً) بفتح فكسر، أي: حال كوني دهشاً، أي: متحيراً. قوله: (قال: أقبض رسول الله بَّله؟) أي: لِمَا فهمه من حاله. ٦٦٣ فَجَاءَ، والنَّاسُ قَد دَخلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِوَةِ، فَقَالَ: يَاأَيْهَا النَّاسُ، أَفْرِ جُوا لِي، فَأَفَرِجُوا لَهُ، فَجاءَ حتى أَكْبَّ عَليهِ، ومَسَّهُ، فَقَال: ﴿إِنَّكَ مَيَتٌ وإِنَّهِمْ مَيْتُونَ﴾، ثُمَّ قَالوا: يَا صاحبَ رَسُولِ الله، أَقُبِضَ رَسُول الله وَلِّ؟! قَالَ: نَعِمْ، فَعَلموا أَنْ قد صَدَقَ. قَالوا: يَا صَاحبَ رَسول اللهِ أَيُصلَّى عَلَى رَسول الله ◌َّهِ؟ قَالَ: قوله: (والناس قد دخلوا) أي: والحال أن الناس قد دخلوا. وفي نسخة: ((قد حَقُّوا)) - بفتح الحاء وتشديد الفاء المضمومة - أي: أحدقوا وأحاطوا . وقوله: (أَفْرِجوا لي) بقطع الهمزة، أي: أوسعوا لي لأجل أن أدخل. ولا ينافي هذا رواية البخاري: أقبل أبو بكر رضي الله عنه، فلم يكلم الناس، لأن المراد لم يكلمهم بغير هذه الكلمة. قوله: (فجاء حتى أكبَّ عليه) فوجده مسجَّى ببرد حِبرة، فكشف عن وجهه الشريف وَّ وقبّله، ثم بكى وقال: بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مِتَّها. وقصد بذلك الرد على عمر فيما قال، إذ يلزم منه: أنه إذا جاء أجله يموت موتة أخرى، وهو أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم. قوله: (فقال) أي: قرأ استدلالاً على موته أَلآه . وقوله: (فعلموا أنْ قد صدق) أي: أنه قد صدق في إخباره بموته، لأنه ما كذب في عمره قط . قوله: (أيُصلَّى) بالبناء للمجهول، على رواية الياء. وفي نسخة: بالنون، وإنما سألوه لتَوهم أنه مغفور له فلا حاجة له إلى الصلاة المقصود = ٦٦٤ نعَمْ، قَالوا: وَكيفَ؟ قَالَ: يَدخُلُ قَومٌ، فَيكبرونَ، ويُصلُّونَ، ويَدْعُونَ، ثمَّ يَخرجونَ، ثُمَّ يَدخُلُ قَومٌ، فَيكبرونَ، ويُصلونَ، ويَدْعُونَ، ثمَّ يَخرجونَ، حَتَّى يَدخُلَ النَّاسُ. قَالوا: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، أَيُدْفَنُ رَسُول اللهِ نَّهِ؟ قَالَ: نَعمْ. قَالوا: أَيْنَ؟ قَالَ: = منها الدعاء والشفاعة للميت. وقوله: (نعم) أي: يصلَّى عليه لمشاركته لأمته في الأحكام، إلا ما خرج من الخصوصيات لدليل. قوله: (قالوا: وكيف) أي: وكيف يصلى عليه؟ مثل صلاتنا على آحاد أمته، أم بكيفية مخصوصة تليق برتبته العلية؟ . قوله: (قال: يدخل قوم فيكبرون) أي: أربع تكبيرات. وقوله: (ثم يدخل قوم) الخ، روى الحاكم والبزار أنه وَّر جمع أهله في بيت عائشة رضي الله عنها، فقالوا: فمن يصلي عليك؟ قال: ((إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سرير، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده، ثم ادخلوا عليَّ فوجاً بعد فوج، فصلوا عليَّ وسلموا تسليماً)). وجملة من صلى عليه 18 من الملائكة ستون ألفاً، ومن غيرهم ثلاثون ألفاً، وإنما صلوا عليه فرادى، لعدم اتفاقهم حينئذ على خليفة يكون إماماً. قوله: (أيدفن) أي: أو يترك بلا دفن لسلامته من التغير، أو لانتظار رفعه إلى السماء. وقوله: (قال نعم) أي: يدفن لأن الدفن من سنن سائر النبيين والمرسلین. قوله: (قالوا: أين) أي: أين يدفن؟. ٦٦٥ في المَكانِ الَّذِي قَبِضَ اللهُ فيهِ رُوحهُ، فَإِنَّ الله لَم يَقبضْ رُوحَهُ إلاَّ في مَكانٍ طَيبٍ، فَعِلِمُوا أَنْ قد صَدَقَ، ثُمَّ أَمرِهُمْ أَن يُغَسِّلَهُ بنُو أَبيهِ. واجتَمَعَ المَهَاجِرونَ يَتَشاورونَ، وقوله: (فإن الله) الخ. وورد أنه استدل على ذلك بقوله: سمعت رسول الله وَّ يقول: ((ما فارق الدنيا نبيٌّ قطَّ إلا یدفن حيث قُبض روحه)» قال عليٍّ: وأنا سمعته أيضاً. قوله: (فعلموا أن قد صدق) أي: أنه قد صدق، وبهذا تبين كمال علمه، وفضله، وإحاطته بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه) أي: أَمر الناسَ أن يمكِّنوا بني أبيه مِن غَسله، ولا ينازعوهم فيه. ولذلك لم يقل: أمر بني أبيه أن يغسلوه، مع أنه الظاهر، لأن المأمور به هم، لا الناسُ ، ومراده ببني أبيه: عصبته من النسب، فغسّله عليّ لخبر سعد وغيره: عن علي أوصاني النبي وَ* أن لا يغسله أحد غيري، قال: ((فإنه لا يرى أحدٌ عورتي إلا طُمست عيناه)). قال عليّ: فكان الفضل وأسامة يناولان الماء من وراء الستر، وهما معصوبا العين. وقال علي: فما تناولت عضواً إلا كأنما يُقِلُّه معي ثلاثون رجلاً، حتى فرغت من غسله. وكان العباس وابنه الفضل يعينانه، وقُثَمٌ وأسامة وشُقْران مولاه وَ له يصبون الماء، وأعينهم معصوبة من وراء السِّتر. وكُفن ◌َلَّ في ثلاثة أثواب بيض سَحولية بفتح السين على الأشهر، نسبة إلى السَّحول، وهو القصَّار، أو قرية باليمن، وبضمها جمع سُحل بالضم أيضاً، وهو الثوب الأبيض النقيّ، وهو لا يكون إلا من قطن، ولم يكن فيها قميص ولا عمامة ولا حُنِّط ومُسِّك، وحفر أبو طلحة زيدُ بن سهل لحدهُ الشريف في موضع فراشه حیث قبض. قوله: (يتشاورون) أي: في أمر الخلافة . ٦٦٦ فَقالوا: انطَلِقْ بِنا إلَى إخوانِنَا مِنَ الأَنصارِ، نُدخِلُهُم مَعَنَا فِي هذَا الأَمرِ، فَقَالتِ الأَنصارُ: منَّا أَميرٌ ومنكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ: مَن لَهُ مِثْلُ هذِهِ الثَّلاثَةِ: ﴿ثَانِيَ اثنينِ إِذْ هُمَا فِ الغَارِ إذْ وقوله: (فقالوا) أي: المهاجرون لأبي بكر. وقوله: (انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار) ولعلهم لم يطلبوا الأنصار إلى مجلسهم خوفاً أن يمتنعوا من الإتيان إليهم، فيحصل اختلاف وفتنة. وقوله: (نُدخلْهم) بالجزم في جواب الأمر وفي نسخة: بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فنحن ندخلهم. وقوله: (في هذا الأمر) أي: التشاور في الخلافة. قوله: (فقالت الأنصار) مرتب على محذوف، والتقدير: فانطلقوا إليهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، فتكلموا معهم في شأن الخلافة، فقال قائلهم - الحباب بن المنذر -: منا أمير ومنكم أمير. على عادتهم في الجاهلية قبل تقرر الأحكام الإسلامية، فإنه كان لكل قبيلة شيخ ورئيس يرجعون إليه في أمورهم وسياستهم، ولهذا كانت الفتنة مستمرة فيهم إلى أن جاء النبي وَّة، وألف بين قلوبهم، وعفا الله عما سلف من ذنوبهم، ولما قالوا ذلك: ردَّ عليهم أبو بكر محتجاً بالحديث الذي رواه نحو الأربعين صحابياً وهو: ((الأئمة من قريش)) وفي رواية ((الخلافة لقريش)) واستغنى بهذا الحديث عن الرد عليهم بالدليل العقلي: وهو أن تعدد الأمير يفضي إلى التعارض والتناقض، فلا يتم النظام، ولا يلتئم الكلام. قوله: (فقال عمر) الخ، وفي رواية أنه قال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله وَر قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم على أبي بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم على أبي بكر. قوله: (من له مثل هذه الثلاثة) أي: من ثبت له مثل هذه الفضائل = ٦٦٧ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾، مَنْ هُمَا؟ قَالَ: ثُمَّ بَسطَ يَدَهُ، فَبَايَعهُ، وبايَعهُ النَّاسُ بَيعةٌ حَسَنةً جَميلةً. = الثلاثة التي ثبتت لأبي بكر رضي الله عنه؟ وهو استفهام إنكاري، قصد به الرد على الأنصار، حيث توهموا أن لهم حقاً في الخلافة. فالفضيلة الأولى: كونه أحدَ الاثنين في قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ فذكره مع رسوله وقلقه بضمير التثنية، وناهيك بذلك. الفضيلة الثانية: إثبات الصحبة في قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾ فسماه صاحبه فمن أنكر صحبته كفر لمعارضته للقرآن. الفضيلة الثالثة: إثبات المعية في قوله تعالى: ﴿إن الله معنا﴾ فثبوت هذه الفضائل له يؤذِن بأحقيته بالخلافة. قوله: (من هما) أي: من هذان الاثنان المذكوران في هذه الآية. والاستفهام للتعظيم والتقرير. قوله: (ثم بسط) أي: مدَّ عمر رضي الله عنه. وقوله: (يده) أي: كفَّه. وقوله: (فبايعه) أي: بايع عمرُ أبا بكر رضي الله عنهما. وقوله: (بايعه الناس بيعة حسنة جميلة) أي: لوقوعها عن ظهور واتفاق من أهل الحل والعقد. نعم لم يحضر هذه البيعة علي والزبير ظّاً منهما أن الشيخين لم يعتبراهما في المشاورة، لعدم اعتنائهما بهما، مع أنه ليس الأمر كذلك، بل كان عذرهما في عدم التفتيش على من كان غائباً في هذا الوقت عن هذا المجلس: خوفهما من الأنصار أن يعقدوا البيعة لواحد منهم، فتحصل الفتنة، مع ظنهما أن جميع المهاجرين خصوصاً علياً والزبير: لا يكرهون خلافة أبي بكر، ولذلك قال علي والزبير: ما أغضبنا إلا أن أُخِّزْنَا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، وإنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله وَيّر أن يصلي بالناس وهو حي، وأنه رضیه لدیننا، أفلا نرضاه لدنيانا. ٦٦٨ ٣٩٧ - حدّثنا نَصرُ بنُ عَلَيٍّ، حدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ - شَيخٌ بَاهليٌّ قَدِيمٌ بَصْرِيٌ -، حدَّثَنَا ثَابتُ البُنَانِيُّ، عَن أَنْسِ بنِ مَالكِ قَالَ: لَمَّا وَجِدَ رَسُول الله وَّهِ مِن كَرْبِ المَوتِ مَا وجَدَ، قَالَتْ فَاطِمةُ رَضيَ اللهُ تَعالَى عَنها: واكَرْبَاه! فَقالَ النَّبيُّ وَّهِ: ((لا كَرِبَ ولما حصلت تلك المبايعة في سقيفة بني ساعدة في يوم الاثنين الذي = مات فيه النبي ◌َّ، وأصبح يوم الثلاثاء، واجتمع الناس في المسجد النبوي بكثرة، وحضر علي والزبير، وجلس الصديق على المنبر، وقام عمر فتكلم قبله، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحبٍ رسول الله وَّةٍ، وثانيَ اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايعوه بيعة عامة، حتى علي والزبير بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، وإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله، ولما فرغوا من المبايعة يوم الثلاثاء، اشتغلوا بتجهيزه أَڑ . ٣٩٧ - قوله: (شيخ باهلي قديم بصري) هكذا في بعض النسخ، وفي معظمها إسقاطه . قوله: (من کرب الموت) أي: شدة سكراته، لأنه کان یصیب جسده الشريف من الآلام البشرية، ليزداد ترقِّيه في المراتب العلية. ولا يخفى أن ((مِن)) بيانية، أو تبعيضية لقوله: ما وجد. قوله: (قالت فاطمة: واكرباه) بهاء ساكنة في آخره. لِمَا رأت من شدة کرب أبيها، فقد حصل لها من التألم والتوجع مثلُ ما حصل لأبيها، فسلّها وَله بقوله: (لا كرب على أبيك بعد اليوم) لأن الكرب كان بسبب = ٦٦٩ عَلى أَبِيكِ بَعدَ اليَومِ، إنَّهُ قد حَضَرَ مِن أَبِيكِ مَا لَيسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحداً، المُوافَاةُ يَومَ القِيامةِ». ٣٩٨ - حدّثنا أَبُو الخَطابِ زِيادُ بنُ يَحيَى البَصريُّ ونَصرُ بنُ عَليّ قَالا: حدَّثَنَا عَبدُ ربِّه بنُ بَارِقِ الحَنفيُّ قَالَ: سَمعتُ جَدِّي أَبا أُمّي: سِماكَ بنَ الوَليدِ يُحدثُ: أَنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَباسٍ رضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُما يُحدِّثُ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُول اللهِ وَ ◌ّهِ يَقُولُ: ((مَن كَانَ لَه فَرَطانِ من أُمْتِي، أَدَخَلهُ الله بِهِمَا الجَنَّةَ)). = العلائق الجسمانية، وبعد اليوم تنقطع تلك العلائق الحسية، للانتقال حينئذ إلى الحضرة القدسية. فكربه سريع الزوال، ينتقل بعده إلى أحسن النعيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فمِحَنُ الدنيا فانية، ومنح الآخرة باقية. قوله: (إنه) أي: والحال والشأن. وقوله: (قد حضر من أبيك) أي: نزل به. وقوله: (ما ليس بتارك منه أحداً) يعني الموت، فإنه أمر عام لكل أحد، والمصيبة إذا عمَّت هانت، أي: سهلُ التسلي عليها. قوله: (الموافاة يوم القيامة) أي: الملاقاة كائنة وحاصلة يوم القيامة. ٣٩٨ - قوله: (سِماك) بكسر السين وتخفيف الميم. قوله: (فَرَطان) أي: ولدان صغيران يموتان قبله، فإنهما في القيامة يهيئان له ما يحتاج إليه: مِن ماء بارد، وظل ظليل، ومأكل، ومشرب، والفرَط في الأصل: السابقُ من القوم المسافرين ليهيىء لهم الماء والكلأ وما يحتاجونه. والمراد به: الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه، فإنه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه من المصالح. ٦٧٠ فَقالتْ عَائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنها: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِن أُمتِكَ؟ قَالَ: ((وَمَن كَانَ لهُ فَرطٌ، يا مُوفَّقَةُ)) قَالت: فَمِن لَمْ يَكِنْ لَهُ فَرطٌ مِنْ أُمتكَ؟ قَال: ((فَأَنَا فَرَطُ لأمَّتِي، لَنْ يُصابُوا بِمثلِي)). قوله: (فمن كان له فرط من أمتك) أي: ما حكمه؟ هل هو كذلك؟. وقوله: (قال: ومن كان له فرط) أي: يدخله الله الجنة بسببه، كالذي له فرطان. وقوله: (يا موفقة) أي: لاستكشاف المسائل الدينية. وهذا تحريض منه وَّلّ لها على كثرة السؤال، فلذلك كررته حيث قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ أي: فما حكمه؟. وقوله: (قال: أنا فرط لأمتي) أي: أمةِ الإجابة. فهو وَّل سابق مهيىء لمصالح أمته. ثم استأنف بقوله: (لن يصابوا بمثلي) على وجه التعليل. فإنه عندهم أحب من كل والد وولد. فمصيبته عليهم أشد من جميع المصائب، ولذلك قال ◌ّير في مرضه كما في سنن ابن ماجه: ((أيها الناس، إنْ أحدٌ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي، أشدَّ عليه من مصيبتي)). وكان الرجل من أهل المدينة الشريفة إذا أصابته مصيبة، جاءه أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله اتق الله، فإن في رسول الله وَل* أسوة حسنة. وقد روى مسلم: ((إذا أراد الله بأمة خيراً، قبض نبيها قبلها، فجعله لها فَرَطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلاك أمة عذَّبها، ونبيُّها حيٌّ فأهلكها وهو ينظر، فأقرَّ عينه بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره)). ٦٧١ ٥٥ - باب ما جاء في ميراث رسول الله ٣٩٩ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، حدَّثَنَا حُسينُ بنُ مُحمدٍ، حدَّثَنَا إسرَائيلُ، عَن أَبي إسحَاقَ، عَنْ عَمرو بنِ الحارثِ أَخِي جُويرِيةَ - لَهُ صُحبةٌ - قَالَ: ما ترَكَ رَسُول الله ◌َّهِ إِلَّ ٥٥ - باب ما جاء في ميراث رسول الله وال قيم أي: فيما خلفه من المالِ، وإن لم يورث، وأبعدَ من قال: أو مِن عِلْمٍ، لأنه لم يذكر في الباب شيئاً يتعلق بالعلم. واشتهر في المخلَّفات أبياتٌ منَ كتبها ووضعها في بيته بورك في بيته، ومن حملها أمن من الطاعون، كما نقل عن الشيخ الشَّبْراوي. ٣٩٩ - قوله: (جويرية) أم المؤمنين. وقوله: (له صحبة) أي: لعمرو بن الحارث صحبة به وَ لاه. قوله: (قال) أي: عمرو المذكور. وقوله: (ما ترك) الخ، الحصر في الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر إضافي، وإلا فقد ترك ثيابه وأمتعة بيته، لكنها لم تُذكر لكونها يسيرة بالنسبة إلى المذكورات. وقال ابن سيد الناس: وترِك وَله يوم مات ثوبيْ حِبَرَة، وإزاراً عُمَانياً، وثوبين صَّحاريين، وقميصاً صَّحارياً، وآخر سُّحولياً، وجبة يَمَنية، وخميصة، وكساء أبيض، وقلانسَ صغاراً لاطية ثلاثاً أو أربعاً، ومِلْحفة مُوَرَّسةً، أي: مصبوغة بالورس، وقد أغنى الله قلبه كلَّ الغنى ووسع عليه غاية السعة. وأيُّ غنى أعظم مِن غنى من عُرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأباها، وجاءت إليه الأموال فأنفقها كلها، وما استأثر منها بشيء، ولم يتخذ عقاراً، ولا ترك شاة، ولا بعيراً، ولا عبداً، ولا أَمَة، ولا = ٦٧٢ سِلاحَهُ، وبغلَتَهُ، وأرضاً جَعَلها صَدقةً. ٤٠٠ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَّى، حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ، حدَّثنا حمَّادُ ابنُ سلَمَةَ، عنْ مُحمَّد بنِ عمرٍو، عنْ أبِي سلَمَةَ، عنْ أبِي هُريرةً رضي الله عنهُ قالَ: جَاءتْ فَاطمةُ إلى أبي بكرٍ، فقالتْ: منْ يَرِثُكَ؟ = ديناراً، ولا درهماً، غير ما ذكر. قوله: (إلا سلاحه) أي: الذي كان يختص بلبسه واستعماله: من نحو رمح وسیف ودرع ومغفر وحربة. وقوله: (وبغلته) أي: البيضاء، واسمها دُلْدُل بضم الدالين. وعاشت بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى كبرت، وذهبت أسنانها، وکان يُجرش لها الشعير، وماتت بالينبع، ودفنت في جبل رضوى. وقوله: (وأرضاً) لم يضفها له لعدم اختصاصها به كسابقتها، لأن غلتها كانت عامة له ولعياله ولفقراء المسلمين. وهي نصف أرض فَدَك، وثلثُ أرض وادي القُرى، وسهمه من خُمُس خيبر، وحصنُه من أرض بني النضير. كما نقل عن الكرماني. وقوله: (جعلها صدقة) أي: جعل هذه الثلاثة صدقة. لقوله وخلقه: ((نحن معاشرَ الأنبياء لا نُوَرَث ما تركناه صدقةً)) فالضمير عائد على الثلاثة، كذا قيل. والظاهر أنه عائد على الأرض، لأن المراد أنه جعلها صدقة في حياته على أهله وزوجاته وخدمه وفقراء المسلمين، وليس المراد أنها صارت صدقة بعد موته كبقية مخلَّفاته، فإنها صارت كلها صدقة بعد وفاته على المسلمين. ٤٠٠ - قوله: (فقالت) أي: فاطمة عليها السلام. وقوله: (من يرتك؟) أي: يا أبا بكر. ٦٧٣ فقالَ: أهلي وَوَلَدِي. فقالَتْ: مَا لِي لَ أَرِثُ أَبِي؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ : سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لا نُورَثُ)) ولكِنِّي أَعُولُ عَلَى منْ كانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يعُولُهُ، وأُنفِقُ عَلَى مِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ يُنفِقُ عليه . ٤٠١ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ كثيرِ العَنبَريُّ وقوله: (فقال: أهلي وولدي) أي: زوجتي وأولادي من الذكور والإناث. وقوله: (فقالت: ما لي لا أرثُ أبي) أي: فقالت السيدة فاطمة: أيُّ شيء ثبت لي حالَ كوني لا أرِثُ أبي؟ أي: ما يمنعني من إرث أبي. ولعلها لم يبلغها الحديث حتى رواه لها أبو بكر رضي الله عنه. قوله: (لا نورَث) بضم النون وفتح الراء، وفي ((المُغْرِب)): كسر الراء خطأ روايةً، وإن صح دراية، على معنى لا نترك ميراثاً لأحد، لمصيره صدقة عامة لا تختص بالورثة . قوله: (ولكني أعول على من كان رسول الله مَّالله يعوله) قال في ((الصحاح)): عال الرجل عياله يعولهم: قاتَهم وأنفق عليهم. فقوله: (وأُنفق على من كان رسول الله وَ له ينفق عليه) عطفُ تفسير، كما قاله الحنفي. والحكمة في عدم الإرث من الأنبياء: أن لا يتمنى بعضُ الورثة موتهم، فيهلك، وأن لا يُظنَّ بهم أنهم راغبون في الدنيا وجمعها لورثتهم. وأما ما قيل: من أنهم لا يملكون، فضعيف، وإن كان هو بإشارات القوم أشبه. ٤٠١ - قوله: (عن أبي البَخْتَري) بفتح الموحدة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح التاء الفوقية - على ما في الأصول المصححة - أو بضمها - على ما في بعض النسخ المعتمدة - فقول ابن حجر: بالحاء المهملة منسوب = ٦٧٤ أَبُو غَسَّانَ، حدَّثنا شُعبةُ، عنْ عمروِ بنِ مُرَّةَ، عنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، أنَّ العبّاسَ وعليًّا جاءا إلَى عُمَرَ، يَخْتَصِمَانِ، يقُولُ كُلُّ واحدٍ منْهُما لصَاحِبِهِ: أنتَ كذَا، أنْتَ كَذَا. فقالَ عُمَرُ لِطلحَةَ والزُّبیرِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ وسعدٍ رضي الله تَعَالى عنهُم: أَنَشُدُكُمْ بِالله أسمعتُم رسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((كُلُّ مالِ نبيِّ صدقةٌ إلاَّ ما أَطْعَمَهُ، = إلى البَحترة: وهي حسن المشي: وقع سهواً(١). واسمه سعيد بن عمران. وقيل: ابن فيروز(٢). قوله: (إلى عمر) أي: في أيام خلافته. وقوله: (يختصمان) أي: يتنازعان فيما جعله عمر في أيديهما من أرض بني النضير التي تركها رسول الله وَالتى . وقوله: (أنت كذا وأنت كذا) أي: أنت لا تستحق الولاية على هذه الصدقة ونحو ذلك مما يذكره المخاصم في رد كلام خصمه من غير شتم ولا سب، كما وُهِم، فإن ذلك لا يليق بمقامهما. قوله: (أَنْشُدكم بالله) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: أسألكم بالله وأقسم عليكم به. من النَّشْد وهو رفع الصوت. قوله: (كل مال نبي صدقة) أي: كلُّ مالِ كلِّ نبي صدقة، لأن النكرة في سياق الإثبات قد تعُمّ، كما في قوله تعالى ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾. وقوله: (إلا ما أطعمه) أي: عيالَه وكساهم، كما في بعض الروايات. وفي نسخة: ((إلا ما أطعمه الله)). (١) لأن حسن المشي هو بالخاء المعجمة: البَخْترة، لا بالحاء المهملة. (٢) هو سعيد بن أبي عمران: فيروز الطائي. ٦٧٥ إِنَّا لا نُورَثُ)) وفِي الحديثِ قصَّةٌ. وقوله: (إنا لا نورث) مستأنف متضمن للتعليل. وهو بفتح الراء على المشهور، وفي نسخة: بكسرها مع التشديد. قوله: (وفي الحديث قصة) أي: طويلة كما سيذكره فيما يأتي. وحاصل تلك القصة كما يؤخذ من البخاري: أن العباس وعلياً دخلا على عمر، فقال العباس: يا أمير المؤمنين!، اقضٍ بيني وبين هذا - وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله وَ له من أرض بني النضير - فقال عمر للحاضرين عنده: أَنْشُدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمون أن رسول الله وسلم قال: ((لا نورث ما تركناه صدقة))؟ فقال الحاضرون: قد قال ذلك. فأقبل عمر على علي وعباس فقال: أَنشُدكما الله، أتَعلمان أن رسول الله وَ له قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك. قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر: إن الله قد خص رسوله وَل من هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، ثم قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم) إلى قوله: ﴿قدير﴾ فكانت هذه الأرض خالصة لرسول الله وَلقر، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، بل أعطاكموها، وبثَّها فيكم. فكان ينفق منها على أهله نفقة سَنَتِهِم، ثم يجعل ما بقي للمصالح. فعمل رسول الله وَّر فيها بذلك حياته. أَنشُدكم بالله: هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما بالله: هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: ثم توفَّى الله نبيَّهِ وَّرَ، فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله وَّة، فقبضها، فعمل فيها بما عمل رسول الله بَّر، واللهُ يعلم أنه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم توفَّى الله أبا بكر، فكنتُ أنا وليَّ أبي بكر، فقبضتها سنتين، أعمل فيها بما عمل رسول الله وَله، وبما عمل أبو بكر، والله يعلم أني فيها لصادق بارزٌّ راشد تابع للحق، ثم جئتماني قبل ذلك = ٦٧٦ ٤٠٢ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُنَّى، حدَّثنا صفوانُ بنُ عيسَى، عنْ أَسامَةَ بنِ زيدٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عنْ عُروَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضيَ الله تَعَالى عنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((لاَ نُورَثُ، ما تركنَا فَهُو صَدَقةٌ)). = وكَلِمَتُكما واحدةٌ، وأمْرَكُما واحد. جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يريد نصيبَ امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله وَالثّ قال: ((لا نورث ما تركناه صدقة)) فلما بدا لي أن أدفعها إليكما، دفعتها إليكما على أنّ عليكما عهدَ الله وميثاقه تعملان فيها بما عمل فيها رسول الله وَّ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملتُ فيها منذ وليتُها. ثم قال للحاضرين: أَنشُدكم بالله: هل دفعتها إليهما بذلك الشرط؟ قالوا: نعم، ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله: أني دفعتها إليكماً بذلك الشرط؟ قالا: نعم. قال: فتلتمسان مني قضاءً غيرَ ذلك؟! فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غيرَ ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عَجَزتما عنها فادفعاها إليَّ فإني أكفيكماها. ثم كانت هذه الصدقة بيد عليّ قد غلب العباسَ عليها، ثم بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين والحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن، ثم عبيد الله بن حسن، حتى تولَّى بنو العباس، فقبضوها، فكانت بيد كل خليفة منهم يولّى عليها، ويَعزل ويقسم غلتها على أهل المدينة . ٤٠٢ - قوله: (ما تركنا) أي: الذي تركنا. فما موصولة مبتدأ، والعائد محذوف. وقوله: (فهو صدقة) خبر المبتدأ، ودخلته الفاء لأن المبتدأ يشبه الشرط في العموم. وفي رواية: ((ما تركنا صدقة)) أي: الذي تركناه صدقة . = ٦٧٧ ٤٠٣ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ مهديٍّ، حدَّثنا سُفيانُ، عنْ أَبِي الزَّنادِ، عنِ الأعرَجِ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِي الله عنه، عنِ النَّبِيِّي ◌َِّ قالَ: ((لا يَقْسِمُ ورَثَّتِي ديناراً ولا درهماً، ما تركتُ بعدَ نَفَقَةِ نسَائِي ومُؤْنَةٍ عَامِلِي، فهُو صدقةٌ)). = فما موصولة مبتدأ، والعائد محذوف، وصدقة بالرفع اتفاقاً خبر، خلافاً للشيعة في قولهم الباطل إن ((ما)) نافية، وصدقةً - بالنصب - مفعولُ: تركنا. والمعنى: لم نترك صدقة بل ميراثاً. وزعموا أن الشيخين ظَلَما بمنعهما علياً وفاطمة من ميراث أبيها. فالحق أن ما تركه واله سبيلهُ سبيلُ الصدقات. كما قطع به الرُّوياني، وزال ملکه عنه بموته وصار وقفاً. ٤٠٣ - قوله: (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، كان يكتب المصاحف . قوله: (لا يقسم) بالتحتية. وفي نسخة: بالفوقية. وهو بالرفع أو بالجزم. وفي نسخة: ((لا تقتسم)) من الاقتسام. وقوله: (ورثتي) أي: من يصلح لوراثتي لو كنت أُورث. وقوله: (ديناراً ولا درهماً) أي: ولا ما دونهما، ولا ما فوقهما. فذكرهما على سبيل التمثيل لا التقييد. قوله: (ما تركت بعد نفقة نسائي) أي: زوجاتي. فنفقتهن واجبة في تركته وَ له مدةَ حياتهن، لأنهن في معنى المعتَدّات، لحرمة نكاحهن أبداً. ولذلك اختُصِصْن بسکنی بیوتهن مدة حیاتهن. وقوله: (ومؤنة عاملي) أي: الخليفة بعدي كأبي بكر وعمر، فكانا يأكلان من تلك الصدقة مدة خلافتهما، وكذلك عثمان رضي الله عنه، فلما = ٦٧٨ ٤٠٤ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ عليٍّ الخلَّلُ، حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمرَ قالَ: سمعتُ مالِكَ بنَ أنسٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن مالِكِ بنِ أوسٍ بن الحَدَثَانِ قالَ: دخلتُ علَى عُمرَ، فَدَخل عليهِ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ وطلحةُ وسعدٌ، وجاءَ عليٍّ والعَبَّاسُ يختَصِمانِ. فقالَ لهُمْ عُمِرُ: أَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي بإذِنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأرضُ، أتعلمُونَ أنَّ رسُولَ اللهِوَّه قالَ: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكِنَاهُ صَدَقةٌ))؟ فقالُوا: اللهَم نَعم. = استغنى عنها بماله، أقطعها مروانَ وغيره من أقاربه، فلم تزل في أيديهم حتى ردها عمر بن عبد العزيز. ويؤخذ منه: أن من كان مشغولاً بعمل يعود نفعه على المسلمين كالقضاة والمؤذنين والعلماء والأمراء، فله أن يأخذ من بيت المال قدرَ كفايته. ٤٠٤ - قوله: (الخَلّل) بتشديد اللام الأولى. وقوله: (ابن الحَدَثان) بفتحتين. قوله: (بإذنه) أي: بإرادته. وقوله: (تقوم السماء والأرض) أي: تثبت ولا تزول. قوله: (فقالوا: اللهم نعم) أي: نعلم أن رسول الله وَلّ قال ذلك. وصدروا بالاسم الشريف في مقام أداء الشهادة: إشهاداً للهِ على أداء ما هو حق في ذمتهم، وتأكيداً للحكم، واحتياطاً وتحرزاً عن الوقوع في الغلط. ومن المعلوم أن الميم(١) بدل عن حرف النداء. والمقصود من نداء الله: إقباله بإحسانه، لا نداؤه حقيقة. لأنه تعالى ليس ببعيد حتى ينادى، بل هو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد. (١) في كلمة ((اللهم)). ٦٧٩ وفي الحَديثِ قصَّةٌ طويلةٌ. ٤٠٥ - حدّثنا مُحمدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ، حدَّثنا سُفيانُ، عنْ عاصمِ بنِ بَهْدلَةَ، عنْ زِرِّ بنِ حُبيشٍ، عنْ عائشةً رضي الله عنها قالتْ: ما تَركَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ يهِ ديناراً ولا درهماً ولا شاةً ولا بَعِيراً. قال: وأشُكُّ في العبْدِ والأَمَةِ . قوله: (وفي الحديث قصة طويلة) بسطها مسلم في صحيحه في أبواب الفيء. وقد تقدم نقل حاصلها عن حديث البخاري. ٤٠٥ - قوله: (ابن بَهْدَلة) بوزن دحرجة. وقوله: (عن زِر) بكسر الزاي وتشديد الراء. وقوله: (ابن حُبيش) بالتصغير. قوله: (ولا شاة ولا بعيراً) أي: مملوكين. زاد مسلم: ((ولا أوصى بشيء)) على ما في المشكاة. قوله: (قال) أي: زر بن حبيش، وهو الراوي عن عائشة رضي الله عنها . وقوله: (وأشك في العبد والأمة) أي: في أن عائشة ذكرتهما أم لا، وإلا فقد تقدم في رواية البخاري: ولا عبداً ولا أمة. أي: مملوكين باقيين على الرِق. وإلا فقد بقي بعده بَّر كثير من عتقائه. ٦٨٠ ٥٦ - باب ما جاء في رؤيا رسول الله وَّخلال في المنام ٤٠٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهدِيٍّ، حذَّثنا سُفيانُ، عنْ أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوَصِ، عنْ عبدِ الله ابنِ مسعودٍ، عنِ النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((منْ رآنِي في المَنَامِ، فقدْ رآني، فإِنَّ الشَّيطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي)). ٥٦ - باب ما جاء في رؤيا رسول الله وَّر في المنام أي: النوم. وفي نسخة: رؤية النبي ◌َّير. وإنما أورد باب الرؤية في المنام آخر الكتاب، بعد بيان صفاته الظاهرية وأخلاقه المعنوية: إشارةٌ إلى أنه ينبغي أولاً ملاحظة رسول الله وَ له بأوصافه الشريفة وأخلاقه المنيفة، ليسهل تطبيقه بعد الرؤية في المنام عليها، والإشعار بأن الاطلاع على طلائع صفاته الصورية، وعلى بدائع نعوته السَّرِية، بمنزلة رؤيته وَّةِ البهية. والرؤية التي بالتاء: تشمل رؤية البصر في اليقظة، ورؤيا القلب في المنام. ولهذا احتاج المصنف إلى تقييدها بقوله: (في المنام)، والتي بالألف خاصة برؤيا القلب في المنام، وقد تستعمل في رؤية البصر أيضاً. ومذهب أهل السنة: أن حقيقة الرؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النائم، كما يخلقها في قلب اليقظان، يفعل ما يشاء، لا يمنعه نوم ولا يقظة. ٤٠٦ - قوله: (عن عبد الله) أي: ابن مسعود، كما في نسخة. قوله: (من رآني في المنام فقد رآني) أي: مَن رآني في حال النوم، فقد رآني حقاً، أو فكأنما رآني في اليقظة. فهو على التشبيه والتمثيل، وليس المراد رؤية جسمه الشريف وشخصه المنيف وَ ل# بل مثاله على التحقيق. وقوله: (فإن الشيطان لا يتمثّل بي) أي: لا يستطيع ذلك، لأنه سبحانه =