النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
ولا يَجِزِي بالسَّيِّئَة السيِّئَةَ، ولكن يعفو ويصفحُ.
٣٤٨ - حدّثنا هارُونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانِيُّ، حذَّثنا عبدةُ، عنْ
هشامِ بنِ عُروةَ،
= فالمعنى: ولا صَيّاحاً في الأسواق. وقد جاء: سخّاباً بالسين أيضاً، على ما
ذكره مِيْرَك، من السَّخَب بفتحتين: كالصخب، و(في) ظرفية، و(الأسواق)
جمع: سوق، سميت بذلك لِسَوق الأرزاق إليها، أو لقيام الناس فيها على
سُوقهم.
قوله: (ولا يجزي) بفتح الياء من غير همز في آخره، أي: ولا يكافىء
بالسيئة السيئة، أي: بالسيئة التي يفعلها الغيرُ معه السيئةَ التي يفعلها هو مع
الغير، مجازاة له، فالباء للمقابلة. وتسمية التي يفعلها هو مع الغير مجازاة
له: سيئةً: من باب المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ
مثلُها﴾ وإشارة إلى أنَّ الأَوْلى العفو والإصلاح، ولذلك قال تعالى: ﴿فمن
عفا وأصلح فأجره على الله﴾.
وقوله: (ولكن يعفو ويصفح) فائدة الاستدراك دفع ما قد يتوهم أنه
ترك الجزاء عجزاً، أو مع بقاء الغضب. ومعنى يعفو: يُعامل الجاني معاملة
العافي، بأن لا يُظهر له شيئاً مما تقتضيه الجناية. ومعنى يصفح: يُظهر له
أنه لم يطلع على شيء من ذلك، أو المراد يعفو بباطنه، ويصفح بظاهره،
وأصله من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء، كأنَّه لم يره، وحسبك عفوه
وصفحه عن أعدائه الذين حاربوهٍ، وبالغوا في إيذائه، حتى كسروا رباعیته،
وشجّوا وجهه، وما مِنْ حليم قَطَّ إلا وقد عرف له زلة أو هفوة تخدش في
كمال حلمه، إلا المصطفى 18َ فلا يزيده الجهل عليه، وشدة إيذائه، إلا
عفواً وصفحاً، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فاعفُ عنهم واصفحْ﴾.
٣٤٨ - قوله: (الهمداني) بسكون الميم.

٥٨٢
عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: ما ضَرَبَ رسُولُ اللهِ وَله
بيدِهِ شيئاً قطّ، إلاَّ أنْ يُجاهِدَ في سبيلِ الله، ولاَ ضَربَ خادماً ولاَ
امرأةً.
وقوله: (عن أبيه) أي: عروة.
قوله: (ما ضرب رسول الله وَ*) الخ، يؤخذ منه: أنَّ الأولى للإمام أن
لا يقيم الحدود والتعازير بنفسه، بل يقيم لها من يَسْتَوفيها، وعليه عمل
الخلفاء، والمراد نفي الضرب المؤذي، وضربه لمركوبه لم يكن مؤذياً بل
للتأديب، وضرب التأديب من محاسن الشرع، وهو نافع في نفس الأمر،
ووَكْزُه بعيرَ جابر حتى سبق القافلة بعدما كان بعيداً عنها مِنْ قبيل المعجزة،
وكذلك ضَرْبه لفرس طُفيل الأشجعي، وقد رآه متخلفاً عن الناس، وقال:
((اللهم بارك فيه)) وقد كان هزيلاً ضعيفاً. قال طفيل: ((فلقد رأيتني ما أملك
رأسها)). وأمْره بقتل الفواسق الخمس لكونها مؤذية.
وقوله: (بيده) للتأكيد، لأنَّ الضرب عادة لا يكون إلا بها، فهو من
قبيل: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾.
وقوله: (شيئاً) أي: آدمياً أو غيره.
وقوله: (قطُّ) أي: في الزمان الماضي.
قوله: (إلا أَنْ يجاهد في سبيل الله) أي: فيضرب بيده إن احتاج إليه،
وقد وقع منه في الجهاد حتى قتل أُبيَّ بن خلف بيده في أُحُد، ولم يقتل
بيده الكريمة أحداً غيره، وهو أشقى الناس، فإنَّ أشقى الناس من قَتَل نبياً،
أو قتله نبي. وفي ذلك بيان فضل الجهاد.
قوله: (ولا ضرب خادماً ولا امرأة) أي: مع وجود سبب ضربهما
وهو: مخالفتهما غالباً إن لم يكن دائماً، فالتنزه عن ضرب الخادم والمرأة
حيث أمكن أفضل، لا سيما لأهل المروءة والكمال، وأبلغ من ذلك إخبار =

٥٨٣
٣٤٩ - حدّثنا أحمدُ بنُ عبدةَ الضَّبِّيُّ، حدَّثنا فُضیلُ بنُ عِیاضٍ،
عنْ منصُورٍ، عن الزُّهريِّ، عنْ عُروةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها
قالتْ: ما رَأيتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ مُنتصِراً من مَظْلَمَةٍ ظُلِمَها قطَّ، مالمْ
يُنْتَكْ منْ محارم الله شيءٌ،
= أنس بأنه لم يُعاتبه قط. كما تقدم.
٣٤٩ - قوله: (فضيل بن عياض) شيخ الشافعي.
وقوله: (عن منصور) هو ابن المعتمر.
قوله: (ما رأيت) أي: ما علمت، إذ هو الأنسب بالمقام.
وقوله: (منتصراً من مظلِمة ظُلِمها) أي: منتقماً من أجل مظلمة ظُلمها
بصيغة المجهول، فلا ينتصر لنفسه ممن ظلمه، بل كان يعفو عنه، فقد عفا
عَمَّنْ قال له: إن هذه لقسمة ما أُريد بها وجه الله تعالى، لأجل تأليفه في
الإسلام، مع عذره لاحتمال أنها جرت على لسانه من غير أن يقصد بها
الطعن في القسمة، وقد عفا أيضاً عَمّن رفع صوته عليه لكونه طبعاً وسجية
له، كما هو عادة جفاة العرب، وعَمَّن جَذَبه بردائه - حتى أثّر في عنقه
الشريف - وقال: إنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، فضحك وَل
وأمر له بعطاء، لِمَا كان عليه من مزيد الحلم والصبر والاحتمال، فلو انتقم
لنفسه لم يكن عنده صبر ولا حلم ولا احتمال، بل يكون عنده بطش
وانتقام.
قوله: (ما لم يُنتهك من محارم الله شيء) أي: ما لم يُرتكب من
محارم الله شيء حرمه الله، وهذا كالاستثناء المنقطع، لأنه في هذه الحالة
ينتصر لله لا لنفسه، وإنما ناسب ما قبله لأنَّ فيه انتقاماً في الجملة.

٥٨٤
فإذا انتُهِكَ منْ محارِمِ الله شيءٌ كانَ منْ أشدِّهم في ذلك غضباً،
وما خُيِِّ بين أمرينٍ إلَّ اختارَ أيسرَهُمَا مالمْ يَكُن مَأْثَماً.
وقوله: (فإذا انتهك منْ محارم الله شيء كان مِنْ أشدهم في ذلك
غضباً) أي: فإذا ارتُكِب منْ محارم الله شيء حَرَّمه الله كان أشدهم لأجل
ذلك غضباً، فـ: ((مِن)) زائدة، و((في ذلك)) بمعنى لأجل ذلك، فينتقم ممن
ارتكب ذلك لصلابته في الدين، فإنَّ العفو عن ذلك ضعف ومهانة. ويؤخذ
من ذلك: أنه يسن لكل ذي ولاية التخلق بهذا الخلق، فلا ينتقم لنفسه،
ولا يُهمل حق الله عز وجل.
قوله: (وما خيِّر) وفي نسخة: (ولا خيِّر).
وقوله: (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا بدليل قوله: (ما لم يكن
مأثماً) لأن أمور الدين لا إثم فيها.
وقوله: (إلا اختار أَيْسرهما) أي: أسهلهما وأخفهما، فإذا خَيّره الله في
حق أمته بين وجُوب الشيء وندبه أو حرمته وإباحته: اختار الأيسر عليهم،
وكذلك إذا خَيَّره الله في حق أمته بَيْن المجاهدة في العبادة والاقتصاد:
فيختار الأسهل عليهم وهو الاقتصاد، وإذا خَيَّره الكفار بين المحاربة
والموادعة: اختار الأخف عليهم وهو الموادعة، وإذا خَيّره الله بين قتال
الكفار وأخذ الجزية منهم: اختار الأخف عليهم وهو أخذ الجزية، فينبغي
الأخذ بالأيسر، والميل إليه دائماً، وترك ما عسُر من أمور الدنيا والآخرة،
وفي معنى ذلك: الأخذ برخص الله تعالى ورسوله، ورخص العلماء، ما لم
يتتبع ذلك بحيث تنحلُّ رِبقة التقليد من عنقه.
قوله: (ما لم يكن مأثماً) أي: ما لم يكن أيسرُهما مأثماً، فإن كان
مأئماً اختار الأشد. ومأثما بالفتح أي: مفضياً إلى الإثم، ففيه مجاز
مرسَل، من إطلاق المسبّب على سببه، وبعضهم جعل الاستثناء منقطعاً إنْ
كان التخيير من الله، ومتصلاً إن كان من غيره، إذ لا يتصور تخيير الله تعالى=

٥٨٥
٣٥٠ - حدّثنا ابنُ أبي عُمرَ، حدَّثنا سُفيانُ، عنْ مُحمَّدِ بنِ
المُنكدِرِ، عنْ عُروَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: استأذَنَ
رجُلٌ على رسُولِ اللهِ وَّهِ وَأْنَا عِندَهُ، فقالَ: ((بِئْسَ ابنُ العشِيرةِ))
أو: ((أخُو العشَيرةِ) ثُمَّ أذِنَ لهُ،
= إلا بين جائزين.
٣٥٠ - قوله: (قالت) أي: عائشة رضي الله عنها.
قوله: (استأذن رجل) جاء في بعض الروايات التصريح بأنه مخرمة بن
نوفل، والذي عليه المعول أنه: عيينة بن حصن الفزاري، الذي يقال له:
الأحمق المطاع، وكان إذْ ذاك مُضْمِر النفاق، فلذلك قال فيه الرسول ما
قال: ليتقيَ شره، فهو ليس بغيبة بل نصيحة للأمة، ويدل على ذلك أنه
أظهر الردة بعده وَّر، وجيء به إلى أبي بكر أسيراً فكان الصبيان يصيحون
عليه في أزقة المدينة ويقولون: هذا الذي خرج من الدِّين، فيقول لهم:
عمكم لم يدخل حتى يخرج. فكان ذلك القول عَلَمَاً مِنْ أعلام نبوته،
ومعجزة من معجزاته، حيث أشار لمغيَّب يقع، لكن أَسْلم عيينة بعد ذلك
وحسن إسلامه، وحضر بعض الفتوحات في عهد عمر رضي الله عنه.
قوله: (على رسول الله) أي: في الدخول على رسول الله.
قوله: (بئس ابن العشيرة) أو (أخو العشيرة) هكذا وقع في هذه الرواية
بالشك من الراوي، وفي البخاري: ((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة))
بالواو مِنْ غير شك، والشك مِنْ سفيان، فإنَّ جميع أصحاب ابن المنكدرِ رَوَوْه
عنه بدون الشك، والعشيرة: القبيلة، وإضافة الابن أو الأخ إليها كإضافة الأخ
إلى العرب في قولهم: يا أخا العرب، يريدون بذلك واحداً منهم، أي:
بئس هذا الرجل من هذه القبيلة، فهو مذموم متميز بالذم من بين آحادها.
قوله: (ثم أذن له) أي: في الدخول.

٥٨٦
فلمَّا دخَلَ أَلَاَنَ لهُ القَوْلَ، فلمَّا خَرَجَ قُلتُ: يا رَسُولَ الله قُلتَ ما
قُلتَ، ثُمَّ ألنْتَ لهُ القَوْلَ؟ !.
فقالَ: (يا عائشةُ إنَّ مِنْ شرِّ النَّاس مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ)) أو ((وَدَعَهُ
قوله: (ألان له القول) أي: لَطَّفه له ليتألفه، ليسلِم قومه، لأنه كان
رئيسهم. ويؤخذ من ذلك: جواز المداراة وهي: الملاطفة والملاينة
لإصلاح الدين، وهي مباحة بل قد تكون مستحسنة، حتى روى بعضهم:
((من عاش مُدارياً مات شهيداً)) بخلاف المداهنة في الدين فليست مباحة،
والفرق بينهما: بأن المداراة بذل الدنيا لإصلاح الدين، والمداهنة بذل
الدين لإصلاح الدنيا، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكون
مُرتكب ذلك يُعطيه شيئاً من الدنيا، وذلك وقع كثيراً. ولا حول ولا قوة إلا
بالله .
قوله: (فلما خرج قُلْتُ: يا رسول الله قُلْتَ ما قُلْتَ) أي: قلت الذي
قلته في غيبته .
وقوله: (ثم ألنتَ له القول) أي: لطَّفت له القول عند معاينته، فهلّاً
سويت بين حضوره وغيبته! وما السبب في عدم التسوية بين الحالين كما هو
المأمول منك؟ فظهر منْ هذا أنَّ غرضها الاستفهام عن سبب عدم التسوية
بين الحالين كما هو المأمول.
قوله: (فقال: يا عائشة إن من شر الناس) الخ، حاصل ما أجابها به
وَلّ أنَّه ألان له الكلام في الحضور لاتِّقاء فحشه، كما هو شأن جفاة
العرب، لأنَّه لو لم يُلِن له الكلام لأفسد حال عشيرته، وزيَّن لهم العصيان،
وحثهم على عدم الإيمان، فإلانة القول مِن السياسة الدينية، والمصلحة
الأمة المحمدية، وبالجملة فقد كَمَّل الله نبينا ◌َّ في كل شيء، ومن جملة
ذلك تأليفه لمن يُخشى عليه أوْ منه، فكان يتألفهم ببذل الأموال، وطلاقة
الوجه، شفقة على الخلق، وتكثيراً للأمة، كيف لا وهو نبي الرحمة.

٥٨٧
النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحشِهِ)).
٣٥١ - حدّثنا سُفيانُ بنُ وكيع، حدَّثنا جُميعُ بنُ عُميرٍ بنْ
عبدِ الرَّحمنِ العِجْليُّ، أنبأنا رجُلٌ منْ بني تميمٍ منْ ولدِ أبِي هالةً
زوجٍ خَدِيجَةَ يُكْنى أبَا عِبِد الله، عنِ ابنِ أبِي هالَةً، عنِ الحسنِ بنِ
عليٍّ قالَ: قالَ الحُسينُ: سألتُ أبي عنْ سيرةِ النَّبِيِّ بََّ في جُلسائِهِ؟
فقالَ: كانَ رسُولُ الله ◌َ ◌ّهِ دَائِمَ الِبِشْرِ، سهلَ الخُلُقِ، لِيِّنَ الجانِبِ،
وقد جمع هذا الحديث عِلْماً وأدباً فتنبه لذلك.
=
٣٥١ - قوله: (جميع بن عمير) بالتصغير فيهما.
وقوله: (العجلي) بكسر العين وسكون الجيم.
قوله: (قال) أي: الحسن. وقوله: (سألت أبي) هو عليٍّ.
قوله: (عن سيرة) بكسر السين أي: طريقته ودأبه.
وقوله: (في جلسائه) أي: معهم.
قوله: (دائم البِشْر) بكسر الموحدة وسكون الشين أي: طلاقة الوجه
وبشاشته ظاهراً مع الناس، فلا ينافي أنه كان متواصل الأحزان باطناً:
اهتماماً بأهوال الآخرة خوفاً على أمته، فلم يكن حزنه لفوت مطلوب، أو
حصول مكروه من أمور الدنيا، كما هو عادة أبناء الدنيا.
وقوله: (سهل الخُلُق) بضمتين أي: ليِّنه ليس بصعْبِهِ ولا خشِنِه، فلا
يصدر عنه ما یکون فيه إيذاء لغيره بغير حق.
وقوله: (ليّن الجانب) بتشديد التحتية المكسورة أي: سريعَ العطف،
كثيرَ اللطف، جميلَ الصفْحِ، من السكونِ والوقارِ والخشوعِ والخضوعِ
وعدم الخلاف.

٥٨٨
ليسَ بفظٌّ، ولاَ غليظِ، ولاَ سخَّابٍ، ولاَ فَاشٍ، ولا عيَّبٍ، ولاَ
مُشَاحٍ،
قوله: (ليس بفظً ولا غليظ) أي: ليس بسيء الخلق ولا غليظ القلب،
بحيث يكون جافيَ الطبع قاسي القلب، قال تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظَ
القلب لانفضُوا من حولك﴾ وهذا قد عُلم من قوله: (سهل الخلق) لكن
ذكر تأكيداً ومبالغةً في المدح. والمراد أنه كذلك في حق المؤمنين فلا ينافي
قوله تعالى: ﴿واغلّظ عليهم﴾ لأنه فيهم الكفار والمنافقين، كما هو مصرح
به في الآية.
وقوله: (ولا سخاب) أي: ذي صخب بالصاد أو بالسين فهو صيغة
نسب، فيفيد نفي أصل الصخب، كما مر.
وقوله: (ولا فخَّاش) أي: ليس بذي فُخْشٍ، فهو صيغة نَسَب أيضاً
فيفيدَ نفي أصل الفحش قليله فضلا عن كثيره.
وقوله: (ولا عيَّاب) أي: ليس بذي عيب، فهو صيغة نَسَب كما في
الذي قبله. ففي الصحيحين: ((ما عاب طعاماً قط)) وهذا بالنسبة إلى المباح،
فلا ينافي أنه كان يعيب المحرَّم، وينهى عنه. ويؤخذ منه أن من آداب
الطعام: أن لا يُعابَ كمالح، حامضٍ، قليلِ الملحِ، غيرِ ناضج، ونحو ذلك
کما صرح به النووي.
وقوله: (ولا مُشَاحٌ) بتشديد الحاء المهملة اسم فاعل من المُشاحَّة
وهي المضايقةُ في الأشياء وعدمُ المساهلة فيها شحاً بها وبخلاً فيها.
فالمراد أنه لا يضايق في الأمور، ولا يجادل ولا يناقش فيها.
هذا، وفي بعض النسخ المصححة: ((ولا مداح)) أي: ليس مبالغاً في
مدح شيء لأن ذلك يدل على شَرَهِ النفس أي: شدة تعلقها بالطعام، فلذلك
رُوي: أنه ما عاب طعاماً ولا مدحه أي: على وجه المبالغة، لوقوع أصله
منه أحياناً. وفي نُسخةٍ: ((ولا مزاح)) أي: ليس مبالغاً في المزح لوقوع أصله =

٥٨٩
يَتَغَافَلُ عمَّا لا يَشتَهِي، ولاَ يُؤْيِسُ منهُ راجيهِ، ولا يُجيبُ فيهِ. قد
تَرَكَ نفسَهُ منْ ثَلاَثٍ : المِراءِ،
= منه وَاللّ أحياناً.
قوله: (يتغافل عما لا يشتهي): أي: يُظهر الغفلة والإعراض عما لا
يستحسنه من الأقوال والأفعال، تلطفاً بأصحابه، ورفقاً بهم.
وقوله: (ولا يُؤْيِس منه) بضم الياء وسكون الهمزة وكسر الياء الثانية.
وفي نسخة: ((ولا يُؤْتِس منه)) بسكون الواو بعدها همزة مكسورة، أي: لا
يجعل غيره آيساً مما لا يشتهيه، ولا يَقطع رجاءَه منه. فالضمير في ((منه))
عائد على ما لا يشتهيه، ويحتمل أنه راجع إلى رسول الله رَّ أي: لا يجعل
غيره الراجي له آيساً من كرمه وجوده. ويؤيد الأول: قوله: (ولا يجيب فيه)
بالجيم فإن الضمير فيه عائد لما لا يشتهي. أي: إذا طلب منه غيرُه شيئاً لا
يشتهيه لا يؤيسه منه، ولا يجيبه، بل يسكت عنه عفواً وتكرماً، وقيل:
المعنى: أنه لا يجيب مَن دعاه إلى ما لا يشتهيه من الطعام، بل يرد الداعي
بميسور من القول. ويؤيد الثاني: ما في بعض النسخ من قوله: (ولا يُخَيِّب
فيه) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتية، من التخييب فإن ضمير
((فيه)) راجع للنبي صلى الله عليه وسلم.
وفي نسخة: ((ولا يَخِيب)) بكسر الخاء وسكون الياء، وهي بمعنى التي
قبلها أي: لا يَخيب الراجي فيه. أي: المترجِّي منه شيئاً من أمور الدنيا
والآخرة، بل يَحصُل له مطلوبُه.
وفي بعض الروايات: ((يتغافل عما يشتهي))، بحذف لا النافية،
ومعناه: أنه لا يتكلف تحصيل ما يشتهيه من الطعام، ويؤيده خبر عائشة
رضي الله عنها: كان لا يسأل أهله طعاماً، ولا يتشهاه، فإن أطعموه أكل،
وما أطعموه قَبِل.
قوله: (ترك نفسه من ثلاث) ضَمَّن ((ترك)) معنى ((منع)) فعداه بـ: منِ . =

٥٩٠
والإكثارِ، ومَا لاَ يَعنيهِ، وتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاَثٍ: كانَ لا يَذُمُّ أحداً،
ولاَ يَعِيبُهُ، ولاَ يَطلُبُ عورتَهُ،
= أي: منعها مِن ثلاث خصال مذمومة، وأبدل من ((ثلاث)) قوله: (المراء)
وما بعده، وهو بكسر الميم وبالمد، أي: الجدال ولو بحق، لحديث: ((من
ترك المراء وهو محقٌّ بنى الله له بيتاً في ربَض الجنة)) وفي نسخة: ((الرياء))
وهو أن يعمل ليراه الناس.
وقوله: (والإكثار) بالمثلثة أي: الإكثار من الكلام أو من المال. وفي
نسخة: بالموحدة أي: استعظام نفسه. مِنْ: أَكْبَرَه إذا استعَظمَهَ، ومنه قوله
تعالى: ﴿فلما رأيْنَه أكبَرْنه﴾ وقيل: جعل الشيء كبيراً بالباطل، فلا ينافي
قوله وي لقى: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) ونحوه.
وقوله: (وما لا يعنيه) أي: ما لا يهمه في دينه ودنياه. كيف وقد قال
وَ ر: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))؟! وقال تعالى: ﴿والذين هم
عن اللغو معرضون﴾؟ !.
قوله: (وترك الناس من ثلاث) أي: وترك ذكرهم من خصال ثلاث
مذمومة، فهذه الثلاثة تتعلق بأحوال الناس، والثلاثة السابقة تتعلق بحال
نفسه، وإلا فهذه الثلاثة مما ترك نفسه منه أيضاً.
قوله: (كان لا يذم أحداً) أي: مواجهة.
وقوله: (ولا يعيبه) أي: في الغَيبة، فيكون على هذا تأسيساً، وهو
خير من التأكيد، فهذا أولى مما اختاره ابن حجر مِن جَعْلِه تأكيداً، نظراً
لكون الذم والعيب بمعنى واحد. وفي بعض النسخ (ولا يعيِّره) من التعبير
وهو التوبيخ.
قوله: (ولا يطلب عورته) أي: لا يطلب الاطلاع على عورة أحد،
وهي ما يستحيا منه إذا ظهر. فلا يتجسس عورة الناس قال تعالى: ﴿ولا =

٥٩١
ولاَ يتَكَلَّمُ إلَّ فيما رجا ثَوَابَهُ، وإذا تَكَلَّم أطرقَ جُلساؤُهُ كأنَّما عَلَى
رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فإذا سكَتَ تكلَّمُوا، لا يتَنَازَعُونَ عندهُ الحديثَ، مَنْ
= تَجَسَّسوا﴾ وهذا التفسير هو المتبادر من العبارة، كما فسر به الشيخ ابن
حجر، وإن قال الشارح: وقد أبعد ابن حجر حيث فسره بعدم تجسُّسٍ عورة
أحد !.
قوله: (ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه) أي: ولا ينطق إلا في الشيء
الذي يتوقع ثوابه لكونه مطلوباً شرعاً لا فيما لا ثواب فيه مما لا يعني.
قوله: (وإذا تكلم أطرق جلساؤه) أي: أَرْخَوْا رؤوسهم إلى الأرض،
ونظروا إليها وأصغوا إليه لاستماع كلامه، ولسرورهم وارتياح أرواحهم
بحديثه .
وقوله: (كأنما على رؤوسهم الطير) هذا كناية عن كونهم في نهاية من
السكوت والسكون عند تكلمه، وتبليغه إليهم الأحكام الشرعية. لأن الطير
لا يقع إلا على رأس ساكتٍ ساكنٍ و((أل)) في ((الطير)» للجنس. فالمراد
جنس الطير مطلقاً، وقيل: للعهد، والمعهود: الباز. وبالجملة: فَشبَّه حالَ
جلسائه عند تكلمه بحال من ينزل على رؤوسهم الطير في السكوت والسكون
مهابة له وإجلالاً، لا لكِبْر ولا لسوء خُلُقٍ فيه، حاشاه الله من ذلك.
قوله: (فإذا سكت تكلموا) أي: فلا يبتدرونه بالكلام، ولا يتكلمون
مع كلامه، بل لا يتكلمون إلا بعد سكوته. وفي بعض النسخ: فإذا سكت
سکتوا أي: لاقتدائهم به، وتخلقهم بأخلاقه.
قوله: (لا يتنازعون عنده الحديث) أي: لا يختصمون عنده في
الحديث(١).
(١) بل الأولى أن يقال: لا يتنازع بعضهم بعضاً الحديث عنده، كما يفسِّره ما بعده.

٥٩٢
٠
تكلَّمَ عندهُ أنصتُوا لهُ حتَّى يفرُغَ، حديثُهُمْ عندهُ: حديثُ أوَّلِهِم،
يضحكُ ممَّا يضحَكُونَ منهُ، ويتَعَجَّبُ ممَّا يتعجَّونَ منهُ، ويَصبِرُ
للغريبِ على الجَفْوةِ في منطِقِهِ ومسألته، حتَّى إنْ كانَ أصحابُهُ
لَيَسْتَجْلِبُونُمْ. ويقُولُ:
وقوله: (ومَن تكلم عنده أنصتوا له حتى يَفرُغ) أي: استمعوا لكلام
المتكلم عنده حتى يفرغ من كلامه، فلا يتكلم عنده اثنان معاً، ولا يقطع
بعضهم على بعض كلامه، لأنه خلاف الأدب.
قوله: (حديثهم عنده حديثُ أولهم) أي: لا يتحدث أولاً إلا من جاء
أولاً، ثم من بعده وهكذا على الترتيب.
قوله: (يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه) أي:
موافقةً لهم وتأنيساً وجبراً لقلوبهم.
قوله: (ويصبر للغريب على الجَفوة في منطقه ومسألته) بفتح الجيم
وقد تُكسر أي: الغلظة وسوء الأدب، كما كان يصدر من جفاة الأعراب.
فالصبر على أذى الناس وجفوتهم من أعظم أنواع الصبر، فقد ورد أن
المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن يعتزلهم. وقد
كان ◌َّ أعلى الناس في ذلك مقاماً، فقد أتاه ذو الخُوَيْصِرة التميمي فقال:
يا رسول الله، اعدِلْ فقال: ((ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبتُ
وخسرتُ إن لم أعدل)) فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي أضربْ عنقه!
فقال: ((دعه)) رواه البيهقي(١) عن أبي سعيد.
قوله: (حتى إنْ كان أصحابه ليستجلبونهم) أي: إنه، أي: الحال
والشأن. فإن مخففة من الثقيلة. ليستجلبون الغرباء إلى مجلسه وخليفته،
ليستفيدوا من مسألتهم ما لا يستفيدونه عند عدم وجودهم، لأنهم يهابون
(١) هذه متابعة للمناوي، وهو منه غريب! فالحديث في صحيح البخاري.
=

٥٩٣
((إذا رأيتُم طالبَ حاجةٍ يطلُبها فأَرْفِدُوهُ)) ولا يقبلُ الشَّاءَ إلاَّ منْ
مُكافىءٍ، ولا يقطعُ على أحدٍ حديثَهُ حتَّى يجُوزَ فيقطعُهُ بِنَهىٍ أو قيامٍ .
= سؤاله، والغرباء لا يهابون فيسألونه عما بدا لهم، فيجيبهم ويصبر على
مبالغتهم في السؤال.
قوله: (ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه) أي: ويقول النبي
وَ* لأصحابه: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأعينوه على حاجته حتى يصل
إليها. فإنه يقال: أرفده ورَفَده بمعنى أعانه وأعطاه أيضاً كما في ((المختار)).
قوله: (ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء) أي: لا يقبل المدح من أحد
إلا إذا كان من مكافىء على إنعام وقع من النبي ◌َّ إليه فإذا قال شخص:
إنه وَجر من أهل الكرم والجود، وليس مثلَه موجود، فإن كان ذلك واقعاً منه
مكافأة على إحسان صدر من النبي ◌َّي إليه قَبِل ثناءه عليه، وإلا لم يقبل
منه، بل يُعرض عنه، ولا يلتفت إليه، لأن الله ذَم من يحب أن يُحمد لما لم
يفعل في قوله تعالى: ﴿لا تحسبنَّ الذين يفرحون بما أَتَوْا ويحبون أن
يُحمدوا بما لم يفعلوا﴾ الآية.
قوله: (ولا يقطع على أحد حديثه) أي: لا يقطع كلام أحدٍ يتكلم عنده
علیه، بل يستمع له حتى يفرُغَ منه.
وقوله: (حتى يجوز) بجيم وزاي. من المجاوزة أي: حتى يتجاوز
الحد أو الحق. وفي نسخة: ((حتى يجور)) بالجيم والراء، من الجور أي:
حتى يجور في الحق بأن يميل عنه. وفي نسخ: ((حتى يحوز)) بالحاء
المهملة والزاي المعجمة، من الحيازة أي: حتى يجمع ويضبط ما يقول.
وقوله: (فيقطعه بنهي أو قيام) أي: فيقطع عليه الصلاة والسلام حديث
ذلك الأحد إذا جاوز الحد إما بنهي له عن الحديث إن أفاد، بأن لم يكن
معانداً، أو قيام من المجلس إن كان معانداً. ولذلك كان بعض الصالحين
إذا اغتاب أحدّ في مجلسه ينهاه إن أفاد النهيُ وإلا قام من مجلسه. وفي =

٥٩٤
٣٥٢ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ،
حدَّثنا سُفيانُ، عنْ مُحمَّد بنِ المُنكَدِرِ قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ
عبدِ اللهِ يقُولُ: ما سُئلَ رسُولُ اللهِوَهِ شيئاً قطَّ فقالَ: لا.
٣٥٣ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عِمرانَ أَبُو القاسِمِ القُرشيُّ المكِّيُّ،
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: كانَ رسُولُ اللهِ وَّهِ أجودَ النَّاس بالخيرِ،
= هذا الحديث ما لا يخفى من نهاية كماله وَّ ل ورفقه ولطفه وحلمه وصبره
وصفحه ورأفته ورحمته وعظيمٍ أخلاقهِ.
٣٥٢ - قوله: (ما سئل رسول الله وَله شيئاً قط فقال: لا) أي: ما سأله
أحد شيئاً من أمور الدنيا من الخير فقال: لا أعطيك، رداً له قط أبداً، بل
إما أن يعطيه إن كان عنده المسئولُ، أو يقولَ له ميسوراً من القول، بأن
يعِده أو يدعوَ له. فكان إن وَجَدَ جاد، وإلا وَعَدَ، ولم يخلف الميعاد.
ولذلك قال بعضهم:
ما قال لا قطُّ إلا في تشهده لولا التشهدُ كانت لاؤه نعم
والمراد أنه لم يقل لا، منعاً للإعطاء، فلا ينافي أنه قاله اعتذاراً، إن
لاقَ الاعتذار، كما في قوله: ﴿لا أجدُ ما أحملكم عليه﴾ أو تأديباً للسائل
إن لم يَلِقْ به الاعتذار، كما في قوله للأشعريين: (والله لا أحملكم) فهو
تأديب لهم، لسؤالهم ما ليس عنده، مع تحققهم ذلك، ومن ثَمَّ حلف
حسماً لطمعهم في تكليفه التحصيل مع عدم الاضطرار إلى ذلك.
٣٥٣ - قوله: (عن عبيد الله) أي: ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود على
الصواب، خلافاً لما وقع للمناوي.
قوله: (كان رسول الله وَ ل﴿ أجودَ الناس بالخير) أي: كان رسول الله =

٥٩٥
وكانَ أجودّ ما يكونُ في شهرِ رمضانَ، حتَّى يَنْسَلِخَ،
= 10 في حد ذاته بقطع النظر عن أوقاته وأحواله الكريمة، أشدَّ الناس جوداً
بكل خير من خَيْرَي الدنيا والآخرة، لله وفي الله، مِنْ بذل العلم والمال،
وبذل نفسه لإظهار الدين، وهداية العباد، وإيصال النفع إليهم بكل طريق،
وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.
من جوده العظيم: أنه ◌َلو أعطى رجلاً غنماً ملأت ما بين الجبلين،
فرجع لقومه وقال: أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر،
وأعطى مئةً من الإبل لكل واحد من جماعة من الصحابة، كالأقرع بن
حابس، وعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، وغيرهم، وأعطى حكيمَ
ابن حزام مئة ثم مئة، وجاءه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير من
حصير المسجد وقسّمها، فما رد سائلاً حتى فرغت. وبالجملة: فكان يعطي
عطاء الملوك، ويعيش عيش الفقراء، فكان يربط على بطنه الحجر من
الجوع، وكان يمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار.
قوله: (وكان أجودٌ ما يكون في شهر رمضان) برفع أجود على أنه اسم
كان، وما مصدرية، والخبر محذوف. والمعنى: وكان أجودُ أكوانِه حاصلاً
في شهر رمضان، وبنصْبِهِ على أنه خبرها، واسمها ضمير يعود على النبي
ور والمعنى: وكان النبي ◌َّ مدة كونه في شهر رمضان أجودَ من نفسه
في غيره. لكن الرفع هو الذي في أكثر الروايات، فهو الأشهر، والنصب
أظهر .
وقوله: (حتى ينسلخَ) غاية في أجوديته. والمعنى: أن غاية جوده
كانت تستمر في جميع رمضان إلى أن يفرُغَ، ثم يرجعَ إلى أصل جودِهِ الذي
جُبل عليه الزائدِ عن جود الناس جميعاً. وإنما كان ◌َ ر أجود ما يكون في
رمضان: لأنه موسم الخيرات، وتزايد الخيرات، فإن الله يتفضل على عباده
في هذا الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره. فهو وَّ متخلِّقٌ بأخلاق ربه.

٥٩٦
فيأتيِهِ جبريلُ، فيعرِضُ عليهِ القُرآنَ، فإذا لقيهُ جبريلُ كانَ رسُولُ الله
وَل* أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ المُرسَلَةِ.
٣٥٤ - حدّثنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جعفرُ بنُ سُليمانَ، عنْ
قوله: (فیأتیه جبريل) أي: في بعض أحيان رمضان. فالفاء للتفصيل،
وقيل: للتعليل، وهو يوهم أن زيادة جوده إنما تكون عند إتيان جبريل،
وليس كذلك، بل زيادة جوده تكون في رمضان مطلقاً وإن كانت تزيد جداً
عند ملاقاته ومدارسته القرآن، كما يدل عليه قوله الآتي: فإذا لقيه جبريل
كان رسول الله وَ ﴿ أجودَ بالخير من الريح المرسلة .
وقوله: (فيَعرض عليه القرآن) بفتح الياء وكسر الراء أي: فيَعرض النبيُّ
وَ﴿ على جبريلَ القرآنَ، ففي الصحيحين: كان جبريل يلقاه كل ليلة في
رمضان يعرض عليه النبي ◌َّر القرآن، وفي العام الأخير قرأه عليه مرتين،
وقد روى أحمد وأبو داود والطبراني إن الذي جمع عليه عثمانُ الناسَ يوافق
العَرْضَةَ الأخيرة. ومعنى العرض: القراءةُ من الحِفْظ، كما في ((المصباح)).
قوله: (فإذا لقيه جبريل كان رسول الله وَ﴿ أجود بالخير من الريح
المرسلة) أي: أسخى ببذل الخير للخير من الريح المرسَلة - بفتح السين -
بالمطر، فإنها ينشأ عنها جود كثير، لأنها تنشر السحابَ، وتملؤها ماءً ثم
تبسطُها، لتعمَّ الأرض، فينصبُّ ماؤها عليها، فيحيا به المَواتُ، ويخرجُ به
النبات. وتعبيره بأفعل التفضيل نص في كونه أعظم جوداً منها، لأن الغالب
عليها أن تأتي بالمطر، وربما خلت عنه، وهو لا ينفك عن العطاء والجود.
وفي هذا الحديث: طلب إكثار الجود في رمضان خصوصاً عند ملاقاة
الصالحين، ومدارسة القرآن، وفيه: أن صحبة الصالحين تؤثِّر في دين
الرجل، حتى قالوا: لقاء أهل الخير عمارةُ القلوب.
٣٥٤ - قوله: (كان النبي) وفي نسخ: ((رسول الله وَلقر)).

٥٩٧
ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ رضي الله عنهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ لا
يدَّخِرُ شيئاً لغَدٍ .
٣٥٥ - حدّثنا هارُونُ بنُ مُوسى بنِ أبِي علقمةَ المدَنِيُّ، حدَّثني
أبي، عنْ هشام بنِ سعدٍ، عنْ زيد بن أسلمَ، عنْ أبيِهِ، عنْ عُمرَ
ابنِ الخطّاب رضي الله تعالى عنهُ، أنَّ رَجُلاً جاءَ إلى النَّبِيِّ ◌َّ
فسألهُ أنْ يُعطِيَهُ، فقالَ النَّبيُّ بَّهِ: ((ما عندي شيءٌ، ولكنِ ابْتَعْ
عليَّ فإذا جاءَنِي شيءٌ
وقوله: (لا يدخر شيئاً لغد) أي: لا يجعله ذخيره لليوم الآتي، لكمال
توكله. وهذا بالنسبة لنفسه وَ ل# فلا ينافي أنه كان يدخر لعياله قوت سنة،
لضعف توکلهم، ومع ذلك کان یُؤثر عليهم المحتاج، فیصرف له ما ادخره،
فادخاره لم يكن لخشية العدم، بل لكثرة الكرم، وإنما ناسب هذا الحديث
باب خلقه ◌َ ر: لأن عدم الادخار علامة على عظم توكله وَّة، وهو من
محاسن الأخلاق.
٣٥٥ - قوله: (المدني) وفي نسخة بدله: ((الفروي)) بفتح الفاء وسكون
الراء، نسبة إلى فروة: اسم جده.
وقوله: (حدثني أبي) أي: موسى بن أبي علقمة.
وقوله: (عن أبيه) أي: أسلم.
قوله: (أن رجلاً) لم يُسَمَّ هذا الرجل.
قوله: (ما عندي شيء) أي: ليس عندي شيء موجود أعطيه لك.
وقوله: (ولكن ابْتَعْ عليَّ) أي: اشتر ما تحتاجه بدَين يكون عليَّ أداؤه.
فالابتياع بمعنى الاشتراء. ورُوي: اتَبعْ عليَّ، بتقديم التاء على الباء، أي:
حوّل عليَّ بدَيْنك الذي عليك، لأَقضيه عنك. يقال: أَتْبعتُ فلاناً على =

٥٩٨
قَضَيْتُهُ))، فقالَ عُمرُ: يا رسول الله قدْ أَعطيتَهُ، فمَا كلَّفكَ اللهُ مالا
تَقْدِرُ عليه، فكرِهَ بَّهُ قولَ عُمَرَ، فقالَ رَجُلٌ منَ الأنصارِ: يَا رَسُولَ
الله، أَنْفِقْ ولا تَخَفْ من ذي العَرشِ إقلاَلاً، فَتَبَسَّمَ رَسُولَ الله
= فلان: أَحَلْتُه، ومنه حديث: ((وإذا أُتْبع أحدُكم على مليء فليَتْبع)).
وقوله: (فإذا جاءني شيء قضيته) أي: فإذا جاءني شيء من باب الله
كَفَيْءٍ وغنيمة قضيتُه عنك.
قوله: (فقال عمر) كان الظاهر أن يقول: فقلت، لأنه هو الراوي إلا
أن يقال: إنه من قبيل الالتفات، على مذهب بعضهم.
وقوله: (يا رسول الله قد أعطيته) أي: قد أعطيتَ هذا السائل قبل
هذا، فلا حاجة إلى أن تَعِدَه بالإعطاء بعد ذلك، أو قد أعطيته الميسور من
القول. وهو قولك: ((ما عندي شيء)) فلا حاجة إلى أن تلتزم له شيئاً في
ذمتك .
وقوله: (فما كلفك الله ما لا تقدر عليه) أي: لأنه ما كلفك الله بذلك.
فالفاء للتعليل لما يستفاد من قوله: ((قد أعطيتَه))، فكأنه قال: لا تفعل ذلك
لأن الله ما كلفك بما لا تقدر عليه.
قوله: (فكره وَّهِ قول عمر) أي: من حيثُ استلزامُه حرمان السائل لا
لمخالفته للشرع. كذا علله ابن حجر. ويفهم مما يأتي في الحديث أنه كرهه
لمخالفته لما أُمِر به من المبالغة في الكرم ولو بالوعد ونحوه.
قوله: (فقال رجل من الأنصار) أي: ممن غلب عليهم الإيثار.
وقوله: (يا رسول الله أَنْفِقْ ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق
ولو بالعِدَة، فهي إنفاق لأنها التزام للنفقة. ولو قال: ولا تَخْشَ بدل ولا
تَخَفْ: لصار نِصفَ بيت موزون، لكن لم يقصد ذلك. وقد ورد في
الحديث: ((أنفق بلا لا، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا))، والإقلال : =

٥٩٩
وعُرفَ في وجهِهِ البِشْرُ لِقَولِ الأنصاريِّ، ثُمَّ قالَ: ((بهذا أُمِرتُ)).
وسيلة
٣٥٦ - حدّثنا عليُّ بنُ حُجْرِ، أنبأنا شَرِيكٌ، عنْ عبدِ الله بن
مُحمَّدٍ بنِ عَقيلٍ، عنِ الرُّبَيِّع بنتِ مُعوِّذٍ ابنِ عَفْراءَ قالتْ: أتيتُ
النَّبِيَّ ◌َّهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وَأَجَرٍ
: الافتقار، مِنْ أَقَلَّ بمعنى: افتقر، وإن كان في الأصل بمعنى: صار ذا قِلّة.
قوله: (فتبسم رسول الله وَل﴾ أي: فرحاً بقول الأنصاري.
وقوله: (وعُرف في وجهه البِشْر) بكسر الباء أي: الطلاقة والبشاشة.
وقوله: (لقول الأنصاري) أي: المارِّ، وهو قوله: يا رسول الله أَنْفِقْ
ولا تخف من ذي العرش إقلالا .
وقوله: (بهذا أمرت) أي: لا بقول عمر، كما أفاده تقديم الجار والمجرور.
والمعنى: بالإنفاق الذي قاله الأنصاري أمرتُ، لا بالمنع الذي قاله عمر.
ويؤخذ من هذا الحديث أنه وَ لجر كان في غاية الكرم والجود. ومما
ينبغي التنبه له أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحلَّ الله نبيّه وَّر في
أعلاها، وخصّه بذروة سناها.
٣٥٦ - قوله: (عن الرُّبَيّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية
مكسورة.
وقوله: (بنت مُعَوِّد) بضم الميم وفتح العين وتشديد الواو مكسورة.
وقوله: (ابن عفراء) بفتح العين وسكون الفاء مع المد.
قوله: (بقناع) أي: بطبق.
وقوله: (من رُطَب) هو اسم جنس جمعي واحدُه رُطَبة .
وقوله: (وأَجْر) بفتح الهمزة، وسكون الجيم، وكسر الراء، جمع =

٦٠٠
زُغْبٍ، فأعطانِي مِلْءَ كفِّه حُليًّا وذهباً.
٣٥٧ - حدّثنا عليُّ بنُ خَشْرَمٍ وغيرُ واحدٍ قالُوا: حدَّثنا عيسَى
ابنُ يُونُسَ، عنْ هشامِ بنِ عُروَةَ، عنْ أبيِهِ، عن عائشةَ أَنَّ النَّبيَّ المد
كانَ يقبلُ الهديَّة ويُثِيبُ عليها.
= جِرْوٍ، بتثليث الجيم والكسر أفصح، وهو الصغير من كل شيء، وفسره في
((المصباح)): بولد الكلب والسباع، والمراد: القثاء الصغار تشبيهاً لها بصغار
أولاد الكلاب في لينها ونعومتها.
وقوله: (زُغْبٍ) جمع أزغب، من الزَّغَب - بفتحتين - وهو صِغَرُ الشعر
ولِينُه، يقال: زَغِب الفرخ زغَباً، من باب تعِب: صَغُر ريشُه، وزَغِب
الصبيُّ: نَبَت زغَبُه أي: شعره. شُبه به ما على القثاء الصغيرة.
قوله: (فأعطاني) أي: بدل هديتي، لأنه كان يقبل الهدية، ويثيب
عليها، أو لحضوري عنده حال قسمته.
وقوله: (ملء كفه حلياً وذهباً). وفي رواية: ((أو ذهباً)) بـ: أو التي
للشك. وعلى الرواية الأولى فالمراد ذهب غيرُ حلي، وقد تقدم هذا
الحديث في باب صفة الفاكهة. وإنما ذكره هنا للدلالة على كمال جوده
وكرمه وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم.
٣٥٧ - قوله: (علي بن خشرم) كجعفر.
وقوله: (وغير واحد) أي: وكثير من مشايخي.
وقوله: (عن أبيه) أي: عروة.
قوله: (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) أي: يجازي عليها بأن يعطي
المُهدي بَدَلَها. فيسنُّ قبول الهدية حيث لا شبهة في مال المهدي، وإلا فلا
يقبلها، وكذلك إذا ظن المُهْدَى إليه أن المُهدِي أهداه حياء.