النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ ولاَ تَملأُ بِيتَنَا تَعشيئاً. قَالَت: خَرِجَ أَبُوزَرِعِ والأَوطابُ تُمْخَضُ فَلِقِيَ امرأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كالفَهْدينِ، يَلعَبانِ مِن تَحتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَينِ، = وصيانتها، فلا تنقث بفتح التاء وضم القاف أو بضم التاء وكسر القاف، وعلى كل فالنون ساكنة، أو بضم التاء وفتح النون وكسر القاف المشددة: معناه على كل: لا تنقل، والمِيرة بكسر الميم: الطعام. وقوله: (ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) بعين مهملة أي: لا تجعل بيتنا مملوءاً بالقُمامة والكُناسة حتى يصير كأنه عش الطائر، بل تصلحه وتنظفه لشطارتها. وفي رواية: ولا تملأ بيننا تغشيشاً، بالنون في ((بيننا)) وبالغين في: تغشيشاً، أي: لا تسعى بيننا بالغش، لصلاحها، فهي ذات ديانة وأمانة وشطارة وصلاح. قوله: (قالت) أي: أم زرع. وقوله: (خرج أبو زرع) أي: من البيت لسفر يوماً من الأيام. وقوله: (والأوطاب تُمخض) أي: والحال أن الأوطاب جمع وَطَب، بفتحتين أي: أسقية اللبن، وبعضهم قال: جمع وَطْب بسكون الطاء كفلس، وهو قليل، والكثير أَوْطُب كأفلس، ووُطُوب كفلوس، وتُمخض بالبناء للمجهول، أي تحرَّك لاستخراج الزُّبد من اللبن، فالجملة حال من فاعل خرج وهو: أبو زرع، والمراد: أنه خرج في حال كثرة اللبن، وذلك حال خروج العرب للتجارة. قوله: (فلقي امرأة) أي: في سفره. وقوله: (معها ولدان) أي مصاحبان لها، ولا يلزم من ذلك أن يكونا ولديها، فلذلك أتى بقوله (لها) أي: منها، وليسا من غيرها مصاحبين لها. وقوله: (كالفهدين) أي: مثلهما في الوثوب واللعب وسرعة الحركة. وقوله: (يلعبان من تحت خصرها) بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد = ٤٤٢ فِطَلَّقَنِي ونَكَحها، فنَكَحْتُ بعدَه رَجُلاً سَرِيّاً، رَكبَ شَرِيّاً، وأَخذَ خَطِّاً، وأَراحَ عَلَيَّ نَعَماً ثَرِيّاً، وأَعطانِي مِن كُلِّ رَائحةٍ = المهملة أي: وسطها، وفي رواية: من تحت صدرها، فعلى الرواية الأولى: تكون ذات كَفَل عظيم، بحيث إذا استلقت يصير تحت وسطها فجوة يجري فيها الرمان، فيلعب ولداها برمي الرمانتين في تلك الفجوة. وعلى الرواية الثانية: تكون ذات ثديين صغيرين كالرمانتين، فيلعب ولداها بثدييها الشبيهين بالرمانتين، وإنما ذكرت الولدين ووصفتهما بما ذكر: لتنبه على أن ذلك من الأسباب الحاملة لأبي زرع على تزوج تلك المرأة، لأن العرب كانت ترغب في النسل وكثرة العدد، فيحتمل أن أبا زرع لما رأى هذه المرأة وأعجبه خَلقها وخَلق ولديها رغب في تزوجها لظهور علامة النجابة في ولديها. قوله: (فطلقني) أي: فبسبب ذلك طلقني. وقوله: (ونكحها) أي: تلك المرأة التي لقيها. قوله: (فنكحتُ بعده رجلاً سَرياً) بسين مهملة أي من سراة الناس وأشرفهم، وحُكي إعجامها أي: شريفاً أو سخياً أو ذا ثروة. وقوله: (ركب شرياً) بمعجمة أي: فرساً يَتَشَرّى في مشيه، أي: يلُّ فيه بلا فتور. وقوله: (وأخذ خَطّياً) بفتح الخاء المعجمة أو كسرها وتشديد الطاء المكسورة بعدها ياء مشددة، وهو: الرمح المنسوب إلى الخط، قرية بساحل بحر عُمَان تعمل فيها الرماح. قوله: (وأراح عليّ نَعماً ثرياً) أي: جعلها داخلة عليَّ في وقت الرواح، وهو: ما بعد الزوال، أو أدخلها عليَّ في المَراح، والنعم: الإبل والبقر والغنم، وثرياً بفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء أي: كثيرة من = ٤٤٣ زَوَجاً، وقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرعِ ومِيرِي أَهلَكِ، فَلو جَمعتُ كُلَّ شَيءٍ أَعطانِيهِ مَا بلغَ أَصغرَ آنيةٍ أَبِي زَرَعِ. قَالتْ عَائشةُ رَضيَ الله عَنها: = الثروة، وهي: كثرة المال، وكان الظاهر أن تقول ثرية، لكنها ارتكبت ذلك لأجل السجع. قوله: (وأعطاني من كل رائحة زوجاً) أي: أعطاني من كل بهيمة ذاهبة إلى بيته في وقت الرواح، وهو: ما بعد الزوال كما مر، زوجاً اثنين اثنين، ويطلق الزوج على الصنف، ومنه: ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ فقد أعطاها مما يروح إلى منزله من إبل وبقر وغنم وعبيد ودواب وغيرها اثنين اثنين، أو صنفاً صنفاً، فلم يقتصر على الفرد منها مبالغة في الإحسان إليها. قوله: (وقال) أي: الرجل الذي تزوجته بعد أبي زرع. وقوله: (كلي أم زرع) أي: كلي ما تشائين يا أم زرع، فهو على تقدير حرف النداء . قوله: (ومِيري أهلك) أي: أعطي أقاربك ولو بعُدوا منكِ المِيرة، بكسر الميم وهي: الطعام الذي يمتاره الإنسان ويجلبه لأهله. قال الله تعالى فيما حكاه في القرآن ﴿ونَمِيرُ أهلَنا﴾ . قوله: (فلو جمعتُ كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع) أي: قيمتها، أو قدر ملئها، يعني: أن جميع ما أعطاها لا يساوي أصغر شيء حقير مما لأبي زرع، فكيف بكثيره؟! وفي ذلك إشارة إلى قولهم: ما الحبُّ إلا للحبيب الأول ولذلك كانت السنّة تزوج البِكر، وهذا أحد وجوه أحبِيَّة عائشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ٤٤٤ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمَّ زَرَعٍ)). ٣٩ - باب ما جاء في صفة نوم رسول الله وَ ل قوله: (قالت عائشة رضي الله عنها: فقال) الخ، وفي بعض النسخ: قال عروة: قالت عائشة: فلما فرغتُ من ذكر حديثهن قال الخ. وقوله: (كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع) أي: في الألفة والعطاء، لا في الفرقة والجَلَاء، فالتشبيه: ليس من كل وجه كما يفيد ذلك قوله: (لكِ) ولم يقل: عليك، فإنه يفيد أنه لها كأبي زرع لأم زرع في النفع لا في الضرر الذي حصل بطلاقها . ويؤخذ من الحديث: ندبُ حسن العشرة مع الأهل، ولذلك أورد البخاري حديث أم زرع في باب: حسن المعاشرة مع الأهل، وحلُّ السمر في خير كملاطفة حليلته وإيناس ضيفه، وجوازُ ذكر المجهول عند المتكلم والسامع بما يكره فإنه ليس غيبة. غاية الأمر: أن عائشة ذكرت نساء مجهولات، ذكر بعضهن عيوب أزواج مجهولين لا يُعرفون بأعيانهم ولا بأسمائهم، ومثل هذا لا يعدُّ غيبة، على أنهم كانوا من أهل الجاهلية، وهم ملحقون بالحربيين في عدم احترامهم. ٣٩ - باب ما جاء في صفة نوم رسول الله وله وفي بعض النسخ: باب في صفة الخ، والأول أولى كما سبق، ولما كان النوم يقع بعد السمر. ناسب أن يذكر باب النوم بعد باب السمر والنوم: غَشْية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، فهو آفة، ومن ثَم قيل: إن النوم أخو الموت. وأما السِّنَةُ: ففي الرأس، والنعاس في العين. وقيل السِّنة هي: النعاس، وقيل: السنة ريح النوم يبدو في الوجه، ثم ينبعث إلى القلب فيحصل النعاس ثم النوم. وأحاديث هذا الباب ستة. ٤٤٥ ٢٥٤ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَّى، حدَّثَنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهديّ، حدَّثَنَا إسرَائيلُ، عَنْ أَبي إسحاقَ، عَن عَبد اللهِ بنِ يزيدَ، عَن البَراءِ ابنِ عَازبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضجَعهُ: وَضعَ كَفَّهُ اليُمنى تَحتَ خَدِّهِ الأَیمنِ ٢٥٤ - قوله: (عن أبي إسحاق) أي: السَّبِيعي. وقوله: (عن عبد الله بن يزيد) أي: المخزومي المدني لا عبد الله بن یزید بن الصلت. قوله: (كان إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم وتكسر، أي: إذا استقر في محل اضطجاعه لينام فيه. وقوله: (وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن) أي: وضع راحته مع أصابعه اليمنى تحت شقه الأيمن من وجهه، فالكف: الراحة مع الأصابع، سميت به: لأنها تكف الأذى عن البدن. والخد: شِق الوجه، وعرف من قوله: تحت خده الأيمن: أنه ◌َّار كان ينام على جنبه الأيمن، فيسن النوم عليه لشرفه على الأيسر فيقدم عليه، لا لما قيل: من أن النوم عليه أقرب إلى الانتباه، لعدم استقرار القلب حينئذ، فإنه بالجانب الأيسر فيتعلق ولا يستغرق في النوم، بخلاف النوم على الأيسر فإنه أبعد عن الانتباه لأن القلب مستقر حينئذ، فيستغرق في النوم فيبطىء الانتباه، والنومُ عليه وإن كان أهنأ لكن إكثاره يضر القلب. أما أولاً: فلأن هذا التعليل إنما يظهر في حقنا لا في حقه وَلِّ، لأنه لا ينام قلبه، فلا فرق في حقه بين الشق الأيمن والأيسر، فنومه على الأيمن: لشرفه على الأيسر، ولتعليم أمته، والتشريع لها، وأما ثانياً: فلأن الشخص إذا اعتاد النوم على الشق الأيمن حصل له الاستغراق بالنوم عليه، فإذا نام تارة على الشق الأيسر لا يستغرق، فيعلم من هذا: أن الاستغراق وعدمه = ٤٤٦ وقَالَ: ((ربِّ قِنِي عَذَابَكَ يَومَ تَبَعَثُ عِبادَكَ)). ٢٥٥ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدَّثَنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثَنَا إسرائيلُ، عَن أَبي إِسحاقَ، عَن أَبِي عُبِيدَةَ، عَن عَبدِ اللهِ، = إنما هو تابع للعادة. ولذلك قال المحقق أبو زرعة: اعتدت النوم على الأيمن، فصرت إذا فعلت ذلك كنت في دَعَة وراحة واستغراق، وإذا نمت على الأيسر حصل عندي قلق وعدم استغراق في النوم، فالأولى: تعليل الاضطجاع على الأيمن بتشريفه وتكريمه وإيثاره على الأيسر اهـ. قال المناوي: وكنت لا أستغرق في النوم حتى أتحول إلى الجانب الأيمن، فكنت قبل وقوفي على كلام أبي زرعة أعجب من ذلك مع كلامهم المذكور، فلما وقفت عليه فرحت به ولله الحمد. قوله: (وقال: رب قِني عذابك يوم تبعث عبادك) أي: يا رب احفظني من عذابك يوم تحيي عبادك للحشر والجزاء وهو يوم القيامة، زاد في حصن الحصين: ثلاث مرات، وإنما قال ذلك مع عصمته وعلو مرتبته تواضعاً لله، وإعطاء لحق ربوبيته، وتعليماً لأمته ليقتدوا به في ذلك القول عند النوم، لاحتمال أن يكون هذا آخرَ أعمارهم، فيكون ذكر الله آخر أعمالهم مع الاعتراف بالتقصير الموجب للعذاب، وفي ذكر البعث هنا إشعار بأن النوم أخو الموت، وأن اليقظة بمنزلة البعث، ولهذا كان يقول بعد الانتباه: ((الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)) كما سيأتي. ٢٥٥ - قوله: (عبد الرحمن) أي: ابن مهدي، كما في نسخة. وقوله: (عن أبي عبيدة) بالتصغير، واسمه: عامر بن عبد الله بن مسعود . وقوله: (عن عبد الله) أي: ابن مسعود الذي هو أبوه. ٤٤٧ مِثْلَهُ وَقالَ: ((يَومَ تَجْمَعُ عِبادَكَ)). ٢٥٦ - حدّثنا مَحمودُ بنُ غَيلَانَ، حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزاقِ، حدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَن عَبدِ المَلكِ بنِ عُمَيرٍ، عَن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عَن حُذِيفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَهَ إِذَا أَوى إلَى فِراشِهِ قَالَ: ((اللهمَّ بِاسمك قوله: (مثله) أي: في اللفظ والمعنى، لكن في صدر الحديث فقط، أُخِذ من قوله: (وقال: يوم تجمع عبادك) أي: بدل: يوم تبعث عبادك، ولا بد من تحقيق البعث والجمع معاً، فاكتفي في كل حديث بأحدهما، لأنه یکون البعث، ثم الجمع، ثم النشور كما ورد. ٢٥٦ - قوله: (عن رِبْعي) بكسر الراء وسكون الموحدة، من التابعين. وقوله: (ابن حِراش) بكسر الحاء المهملة. قوله: (إذا أوى إلى فراشه) بالقصر وقد يمد أي: وصل إلى فراشه، بالكسر، وهو: ما يبسط للجلوس أو النوم عليه، يقال: أوى إلى منزله يأوي كرمى يرمي، وآوى يؤوي كأكرم يكرم، وكل منهما يستعمل لازماً ومتعدياً، كما في المختار، والأفصح في اللازم: القصر، وفي المتعدي: المد. قوله: (قال) الخ، حكمة الدعاء عند النوم: احتمال أن يكون هذا آخر عُمُر الشخص فيقع ذكر الله خاتمة أمره وعمله، كما تقدم. قوله: (اللهم) أي: ياالله، فالميم عوض عن ياء النداء، ولذلك لا يجمع بينهما إلا شذوذاً كما قال ابن مالك: وشدَّ: يا اللهم في قَریضٍ أي: شِعر، وهو: وكنت إذا ما حَدَثٌ أَلَمّا أقول يا اللهم يا اللهما ٤٤٨ أَمُوتُ وأَحيَا)) وإِذَا اسْتَيقظَ قَالَ: ((الحَمدُ لله الَّذِي أَحيانَا بَعدَ مَا أَماتَنَا وإِليهِ النُّشُورُ». وقوله: (باسمك أموت وأحيا) أي على ذكري لاسمك أموت وأحيا، وأراد بالموت: النوم، بجامع زوال الإدراك والحركة في كل، وأراد بالحياة اليقظة بجامع حصول الإدراك والحركة في كل، وهذا أولى وأظهر من تكلف جعل الاسم بمعنى المسمى، وأن المراد: بمُسَمّاك، أي: بذاتك أموت وأحيا أي: تُميتني وتُحييني بذاتك. وقوله: (وإذا استيقظ) أي: تنبّه من نومه. وقوله: (قال) الخ، حكمة الدعاء عند الاستيقاظ: وقوع أول أعماله ملابساً لذكر الله وحمده وشكره على فضله. وبالجملة: فينبغي للشخص أن يكون عند نومه مشتغلاً بذكر ربه لاحتمال أن يكون هذا آخرَ عمره، فيكون الذكر خاتمة أمره وعمله، وعند تيقظه يقوم ملتبساً بحمد الله تعالی وشكره على فضله. قوله: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) أي: أيقظنا بعد ما أماتنا، قال الطِّيبي: ولا ارتياب أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله تعالى، وتوخّي طاعته، والاجتناب عن سخطه وعقوبته، فمن نام زال عنه هذا الانتفاع فكان كالميت، فإذا استيقظ فقد عاد له ذلك الانتفاع، فكان الحمد شكراً لنيل هذه النعمة. وقوله: (وإليه النشور) أي: وإليه الرجوع للثواب أو العقاب، أو إليه الإحياء بعد الموت يوم القيامة . ونبه ◌َ﴿ بذلك: على أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر بيقظته بعد نومه وقوعَ البعث بعد الموت، وأن الأمر ليس هملاً بل لابد من رجوع الخلق كلهم إلى الله، ليجازَوْا بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فمرجعهم : = ٤٤٩ ٢٥٧ - حدّثنا قُتِيبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدَّثَنا المُفضَّلُ بنُ فَضالةَ، عَن عُقَيلٍ: أُراهُ عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ عُروةَ، عَن عَائِشةَ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِراشِهِ كُلَّ لَيلةٍ، جَمِعَ كَفَّيهِ فَنفثَ فيهما، وَقرأَ فِيهِما: = إما إلى دار الثواب، وإما إلى دار العقاب. ٢٥٧ - قوله: (المفضل) بفتح الضاد المشددة المعجمة وهو: أبو معاوية المصري. وقوله: (ابن فضالة) بفتح الفاء. وقوله: (عن عُقيل) بالتصغير. وقوله: (أُراه عن الزهري) قائل ذلك هو: المفضل، وضمير أراه المنصوب لعُقيل، فكأنه قال المصنف: قال المفضل: أراه، بضم الهمزة أي: أظن عُقيلاً راوياً عن الزهري. قوله: (إذا أوى إلى فراشه) بالقصر وقد يمد، أي: وصل إليه وأراد النوم فيه. وقوله: (كل ليلة) أي: في كل ليلة. وقوله: (جمع کفیه) أي: ضم إحداهما للأخرى. قوله: (فنفث فيهما) أي: نفخ فيهما نفخاً خفيفاً غير ممزوج بريق، فيكون النفْث أقلّ من التفْل: لأنه لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، وكان ګ﴾ ینفث مخالفة لليهود فإنهم لا ینفثون. قوله: (وقرأ فيهما) الخ، وفي رواية: فقرأ بالفاء، ومقتضى الرواية الأولى: أن تقديم النفث على القراءة وعكسَه سِيّان، حيثُ كانا بعد جمع الكفين، ومقتضى الرواية الثانية: أن النفث يكون قبل القراءة، وبه جزم = ٤٥٠ ﴿قُلْ هُو اللهُ أَحدٌ﴾ و﴿قُل أَعوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و﴿قُل أعوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ ثُمَّ مَسحَ بِهِمَا مَا استَطاعَ مِن جَسدِهِ، يَبَدأُ بِهِما رَأْسَهُ ووَجهَهُ وَما أَقبلَ مِن جَسدهِ، يَصنعُ ذلكَ ثَلاثَ مَراتٍ . = بعضهم، وعلل ذلك: بمخالفة السحرة فإنهم ينفثون بعد القراءة، لكن ظاهر كلام الشيخ ابن حجر: أن الأولى تقديم القراءة على النفث، فإنه حمل رواية الفاء على أن قوله: فنفث فيهما فقرأ، معناه: فأراد النفث فيهما فقرأ فنفث بالفعل، ولا يخفى ما في هذا الحمل من التكلف لأنه خلاف الظاهر. وقوله: ( ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾) أي: السور الثلاث بكمالها. قوله: (ثم مسح بهما ما استطاع من جسده) أي: ثم مسح بكفيه ما استطاع مسحه من جسده، وهو: ما تصل إليه يده من بدنه، ولا يخفى أن المسح فوق الثوب. و قوله: (يبدأ بهما) أي: بكفيه. وقوله: (رأسه ووجهه وما أقبل من جسده) أي: مسح رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، والجسد أخص من الجسم، لأنه لا يقال إلا لبدن الإنسان والملائكة والجن، كما ذكره في ((البارع)) وغيره، ولا يرد قوله تعالى ﴿فأخرج لهم عِجلاً جسداً له خُوارٌ﴾ لأن إطلاق الجسد فيه على سبيل المجاز لتشبيهه بالعاقل، وأما الجسم فيشمل سائر الحيوانات والجمادات. قوله: (يصنع ذلك) أي: المذكور من جمع الكفين والنفْث فيهما والقراءة والمسح. وقوله: (ثلاث مرات) أي: كما هو كمال السنة، وأما أصلها: فيحصل بمرة، كما هو قضية ألفاظٍ أُخر. ٤٥١ ٢٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشارٍ، حدثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديّ، حدثنا سُفيانُ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهِيلٍ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسولَ اللهِ وَ ◌ّ ◌َامَ حَتَّى نَفِخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ بِلالٌ فَاذْنَهُ بِالصِلَةِ، فَقَامَ وصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأْ، وفي الحَديثِ قِصَّةٌ. ٢٥٨ - قوله: (ابن كُهيل) مصغر. وقوله: (كريب) مصغر أيضاً. قوله: (حتى نفخ) أي: أخرج الريح من فمه بصوت، فإن النفخ: إخراج الريح من الفم بصوت عند استغراق النائم في نومه. قوله: (وكان إذا نام نفخ) أي: كان من عادته ذلك، ويُعلم من ذلك: أنه لیس بمذموم ولا مستهجن. قوله: (فأتاه بلال) أي: المؤذن. وقوله: (فآذنه بالصلاة) بالمد أي: أعلمه بصلاة الصبح. وقوله: (فقام وصلى) أي: الصلاة التي دعاه إليها بلال، وهي: صلاة الصبح. وقوله: (ولم يتوضأ) أي لأن من خصائصه وَالت: أن نومه ولو غيرَ متمكن لا ينقض وضوءه لبقاء يقظة قلبه، وهكذا بقية آلاته كما في حديث: («نحن معاشرَ الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا)) فهذه خصوصية له على أمته لا على باقي الأنبياء. قوله: (وفي الحديث قصة) ستأتي قريباً في الحديث الخامس من باب عبادته بَيّ، وهي: قصة نوم ابن عباس عند خالته ميمونة، وصلاته مع النبي ** بالليل، ونصها: عن كريب عن ابن عباس أنه أخبره: أنه بات عند ميمونة وهي خالته الخ. ٤٥٢ ٢٥٩ - حدّثنا إسحاقُ بنُ مَنصورٍ، حدَّثَنَا عَفَّانُ، حدَّثَنَا حَمادُ بنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابتٍ، عَن أَنَسِ بن مَالكِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ كَانَ إِذَا أوَى إلى فِراشهِ قَالَ: ((الحمدُ لله الَّذي أَطْعَمَنَا وسَقَانا، وكَفَانًا وآوَانَا، فَكُمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لهُ ولاَ مُؤْويَ)). ٢٥٩ - قوله: (عفان) بالصرف وعدمه، وهو: ابن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان البصري. وقوله: (عن ثابت) أي: البُنَاني. قوله: (الذي أطعمنا وسقانا) إنما ذَكَرهما هنا: لأن الحياة لا تتم إلا بهما كالنوم، فالثلاثة من وادٍ واحد، وأيضاً النوم فرع الشبع والرِّي، وفراغ الخاطر من المهمات، والأمن من الشرور والآفات، فلذلك ذكر ما بعده أيضاً. وقوله: (وكفانا) أي: كفانا مهماتنا ودفع عنا أذیّاتنا. وقوله: (وآوانا) بالمدّ وقد يقصر، وقيل: يتعين هنا المد بدليل قوله: ولا مؤوي، لأنه من آوى، ومعنى آوانا: ردّنا إلى مأوانا وهو: مسكننا ولم يجعلنا من المنتشرين كالبهائم في الصحراء. قوله: (فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) تعليل للحمد وبيان للسبب الحامل عليه: إذ لا يُعرف قدرُ النعمة إلا بضدها، والمعنى: فكم من الخلق - أي كثيرٍ منهم - لا كافي له ولا مؤوي على الوجه الأكمل عادة، فالله تعالى كافٍ لجميع خلقه ومؤرٍ لهم ولو من بعض الوجوه، وإن كان لا يكفيهم ولا يؤويهم من بعض آخر، فلا يكفيهم شرَّ أعدائهم بل يسلطهم عليهم، ولا يؤويهم إلى مأوى بل يتركهم يتأذون ببرد الصحاري وحرها. وفي الحديث: إشارة إلى عموم الأكل والشرب لشمول الرزق كما يقتضيه قوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقُها﴾ وأما = ٤٥٣ ٢٦٠ - حدّثنا الحُسينُ بنُ مُحمَّدِ الحَرِيرِيُّ، حدَّثَنَا سُليمَانُ بنُ حَربٍ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمْيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بنِ عبدِ الله المُزَنِيِّ، عَنْ عَبد الله بنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتادةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ إِذَا عَرَّسَ = الكفاية من شر الأعداء مثلاً والمأوى فالله تعالى يخص بهما من شاء من عباده، فإن كثيراً منهم من يتسلط عليه أعداؤه، وكثير منهم ليس له مأوى إما مطلقاً أو مأوى صالحاً. ٢٦٠ - قوله: (الحَرِيري) قيل: بمهملة مفتوحة مكبراً (١)، وقيل: بجيم مضمومة مصغراً. وقوله: (عن حميد) بالتصغير، لعله: حميد بن هلال أبو النضر (٢) العدوي البصري ٠ وقوله: (ابن رباح) بفتح الراء والباء الموحدة. وقوله: (عن أبي قتادة) اسمه: الحارث بن رِبْعي، بكسر أوله، أو النعمان بن ربعي، أو النعمان بن عمرو الأنصاري الخزرجي كان من أكابر الصحب، حضر المشاهد كلها إلا بدراً، وليس في الصحب من يكنى بكنيته. قوله: (إذا عرس) بالتشديد أي: نزل في السفر من آخر الليل، قال في المختار: التعريس نزول القوم في السفر من آخر الليل للاستراحة. (١) وضع الأئمة الثلاثة بأقلامهم حاء صغيرة تحت الحاء، علامة على أنها حاء مهملة، كما هو معلوم: الذهبي في ((الكاشف))، وابن حجر في ((التقريب))، وسبط ابن العجمي في ((نهاية السول)) وزاد: ((نسبة إلى بيع الحرير))، وهكذا ضبطها بالقلم عبد الله بن سالم البصري وتلميذه الميرغني في نسختيهما من ((التقريب)). (٢) بل هو حميد الطويل. ٤٥٤ بِلَيلٍ: اضطَجعَ عَلى شِقِّهِ الأيمَنِ، وإذَا عَرَّس ◌ُبِيلَ الصُّبْحِ: نَصَبَ ذِراعَهُ ووَضَعَ رَأْسَهُ عَلى كَفِّهِ. وقوله: (بليل) المراد: في زمن مقيد منه، بدليل قوله في الشق الثاني: قبل الصبح. وقوله: (اضطجع على شقه الأيمن) أي: نام على جنبه الأيمن ووضع رأسه على لَبِنة(١)، والشق بالكسر: نصفُ الشيء، والجانبُ، وهذه الحالة وإن كانت تفضي إلى الاستغراق في النوم، لكنه لما كان الوقت مشَّسِعاً وثق من نفسه بالتيقظ وعدم فوات الصبح. وقوله: (وإذا عرَّس قبيل الصبح) أي: قبل دخول وقته بقليل. وقوله: (نصب ذراعه) أي: اليمنى. وقوله: (ووضع رأسه على كفه) أي: لأنه أعون على الانتباه وأقرب إليه، فإنه لا يستغرق في النوم على هذه الهيئة، فلا يفوته أول وقت الصبح، فينبغي لمن قارب وقت الصلاة: أن يكون نومه إن كان لابد منه على هيئة تقتضي سرعة انتباهه، محافظة على تحصيل فضيلة أول الوقت، اقتداء به ◌َله . (١) قاله ابن حجر المكي، وقال القاري: ((لعل هذا وقع منه وَّل في بعض القرى، لاستبعاد وجود اللَّبِنة في البوادي والصحاري)). ٤٥٥ ٤٠ - باب ما جاء في عبادة رسول الله وعليه ٢٦١ - حدّثنا قُتِيبَةُ بنُ سَعيدٍ وبِشرُ بنُ مُعاذٍ قَالا: حدَّثَنَا أَبو عَوانةَ، عَنْ زِيادِ بنِ عِلاقةَ، عَن المغيرةِ بنِ شُعبةَ رَضيَ الله عَنه قَال: صَلَّى رَسول اللّهِ وَل ٤٠ - باب ما جاء في عبادة رسول الله وعليه وفي بعض النسخ: في عبادة النبيّ وَ ل﴿، وعقَّب باب النوم بباب العبادة: لأن نومه وَّله من أجلِّ العبادات وأكمل الطاعات، والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، وتعورفت في الشرع: فيما جعل علامة على ذلك من صلاة وصوم وجهاد إلى غير ذلك، والتحقيق من الأقوال: أنه بَلّ لم يُتعبَّد قبل النبوة بشرع أحد، وتعبِّده بحراء إنما كان بالتفكر في مصنوعات الله وغيره من العبادات الباطنية، وإكرام من يمر عليه من الضيفان، فإنه كان يخرج إلى حراء في كل عام شهراً، ويتعبد فيه بذلك. وأحاديث هذا الباب: أربعة وعشرون. ٢٦١ - قوله: (وبشر بن معاذ) أي: البصري الضرير. وقوله: (قالا) أي: قتيبة وبشر. وقوله: (حدثنا) وفي نسخة: أخبرنا، وفي أخرى: أنبأنا. وقوله: (أبو عوانة) أي: الوضاح الواسطي. وقوله: (عن زياد بن علاقة) بكسر أوله وهو: أبو سهل الحراني. قوله: (قال) أي: المغيرة. قوله: (صلى رسول الله) أي: اجتهد في الصلاة. ٤٥٦ حتَّى انتفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقيلَ لَهُ: أتتكَلَّفُ هذا؟! وَقَدْ غَفَر الله لَكَ ما تقدَّمَ مِن ذَنبكَ وَمَا تَأَخَّرَ! وقوله: (حتى انتفخت قدماه) أي: واستمر على الاجتهاد في الصلاة، حتى تورمت قدماه الشريفتان من طول قيامه فيها، واعتماده عليهما، فهو وقل* أعظم المخلوقات طاعة لربه، فيندب تشمير ساق الجد في العبادة، وإن أدّى لمشقة ما لم يلزم عليه ملل وسآمة، وإلا فالأولى ترك ما لزم منه الملل، الخبر: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلوا)). أي: عليكم من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه، فإن الله لا يقطع ثوابه عنكم حتى تملوا من العبادة، فالمراد من الملل في حقه تعالى: قطع ثوابه . قوله: (فقيل له) أي: قال بعض أكابر الصحب له، وفي رواية: أنه عمر . وقوله: (أتتكلَّف هذا؟!) وفي رواية أَتَكَلَّفُ هذا؟! بحذف إحدى التاءين، والأصل: أتتكلف كما في الرواية الأولى، أي: تتحمل هذه الكلفة العظيمة، والتكلف نوعان: أن يفعل الإنسان فعلاً بمشقة، وهو ممدوح وهو المراد هنا، وأن يفعل فعلاً تصنعاً، وهو مذموم، وهذا ليس مراداً هنا. وقوله: (وقد غفر الله لك) أي: والحال: أنه قد غفر الله لك، وفي رواية: وقد غُفِر لك، بالبناء للمجهول أي: غفر الله لك، فترجع للرواية الأولى. وقوله: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أي: كما قال تعالى ﴿ليغفرَ لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ واستُشكل هذا قديماً وحديثاً بأنه وَ الفور لا ذنب عليه لكونه معصوماً؟ وأحسن ما قيل فيه: أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير من حيث ضعف العبودية مع عظمة الربوبية، وإن كان ◌َ# في أعلى المقامات وأرفع الدرجات في = ٤٥٧ قَالَ: ((أَفلا أَكونُ عَبداً شَكوراً؟!)). = عباداته وطاعاته، وما أحسن قول بعضهم: العبد عبدٌ وإن تَسَامى والمولى مولى وإن تنزَّل وقد قال ◌َله: ((سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)). ولذلك قيل: المغفرة قسمان، مغفرة للعوام وهي: مسامحتهم من الذنوب، ومغفرة للخواص وهي: مسامحتهم من التقصير . قوله: (قال) أي: رسول الله ◌َلل جواباً للسؤال المذكور، وكأن السائل ظن أنه رَّ بالغ في الاجتهاد في العبادة، وتحمل المشاق التي لا تطاق خوفاً من الذنوب، لأن شأننا ذلك، فتعجب من ذلك مع كونه مغفوراً له فسأل هذا السؤال، فبين له وَ﴾: أنه وإن كان مغفوراً له لكن يبالغ في الاجتهاد لأداء شكر خالق العباد، ولذلك قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ أي: أأترك المبالغة في العبادة فلا أكون عبداً شكوراً؟ فالهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، فإذا أكرمني مولاي بغفرانه أفلا أكون عبداً شكوراً لإحسانه. ولا يخفى أن ذكر العبد في هذا المقام أدعى إلى الشكر على الدوام، لأنه إذا لاحظ كونه عبداً أنعم عليه مولاه وجب عليه القيام بشكره فيما أولاه، فمن أدام بذل الجهد في ذلك فهو الشكور، ولم يظفر أحد بعَليِّ هذا المنصب إلا الأنبياء، وأعلاهم فيه: رئيسهم الأعظم، والملاذ الأفخم، سيدنا محمد الأكرم وَلاترى . فائدة: نقل في ربيع الأبرار عن علي كرم الله وجهه: أنه قال: إن قوماً عبدوا رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا شكراً فتلك عبادة الأحرار اهـ. ٤٥٨ ٢٦٢ - حدّثنا أَبُو عَمَّارِ الحُسينُ بنُ حُرَيثٍ، أَخبرنا الفَضلُ بنُ مُوسى، عَن مُحمدٍ بن عَمرو، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَن أَبي هُرِيرَةً رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ وَِّ يُصلي حَتَّى تَرِمَ قَدَماهُ، قَالَ: فَقيلَ لَهُ: أتفعَلُ هَذا ٢٦٢ - قوله: (ابن حريث) بضم الحاء المهملة وفتح الراء وسكون التحتية فمثلثة. وقوله: (أخبرنا) وفي نسخة: أنبأنا. وقوله: (ابن عمرو) بفتح العين، زاد في نسخ: ابن عطاء القرشي. أي العامري المدني . قوله: (حتى تَرِمَ قدماه) بنصب الفعل بإضمار ((أن)) بعد: حتى، وترم بفتح المثناة وكسر الراء وتخفيف الميم، وأصله: تَوْرِم بوزن تضرب، فحذفت فاء الكلمة، وهي: الواو، وفي نسخة صحيحة: حتى تورم قدماه، وهو إما فعل ماض بوزن تعلَم، أو فعل مضارع حذف منه إحدى التاءين وأصله تتورم بوزن تتعلَّم، وفي بعض النسخ: تَرِمَّ بفتح الفوقية وكسر الراء وتشدید المیم. ووجهه: أنه إذا أصاب قدميه الورم الشديد أشبهتا الشيء الرميم أي: البالي، يقال: رمَّ العظم يرُّ رِمّة: إذا بلي، وإنما تورمت قدماه: لأنه بسبب طول القيام تنصبُّ المواد من أعلى البدن إلى أسفله، ومن ثَم يسرع الفساد إلى القدم قبل غيره من الجسد. قوله: (قال) أي: أبو هريرة. قوله: (أتفعل هذا) وفي نسخة: تفعل هذا، وهو على تقدير همزة الإستفهام التعجبي. ٤٥٩ وقَد جَاءَكَ: أَنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لَك مَا تقَدمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: ((أفَلا أَكونُ عَبداً شَكوراً؟!)). ٢٦٣ - حدّثنا عيسى بنُ عُثمانَ بنِ عِيسى بنِ عبدِ الرَّحمنِ الرَّمليُّ، حدَّثني عمِّ يحيى بنُ عيسى الرَّمليُّ، عن الأَعمَشِ، عنْ أَبِي صَالِح، عن أبي هُرِيرَةَ رضيَ الله عنهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهُ يقُومُ يُصَلِّي حتَّى تنتفِخَ قدَماهُ، فيُقالُ لهُ: تفعلُ هذا وقد غَفَر الله لَكَ ما تَقدَّم منْ ذَنِكَ وما تأخّر؟! قالَ: ((أَفلا أكُونُ عَبداً شَكُوراً؟!)). وقوله: (وقد جاءك أن الله) الخ أي: والحال: أنه قد جاءك من عند الله في كتابه: أن الله، الخ. قال تعالى ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾. وقوله: (قال) أي النبي ربَّر، وتقدم الكلام عليه مستوفى. ٢٦٣ - قوله: (يقوم) أي: بالليل. قوله: (يصلي) أي: حال كونه يصلي. وقوله: (حتى تنتفخ قدماه) بتأنيث الفعل في أصل السند. وقال الحنفي: روي بالياء آخر الحروف، وبالتاء المثناة من فوق، ووجه كل منهما ظاهر اهـ. أي: لأن القدمين مثنى قدم، وهي وإن كانت مؤنثة لكنه مجازي التأنيث، فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره. قوله: (تفعل هذا) أي: أتفعل هذا الاجتهاد والتكلف؟! فهو على تقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة زيادة: يا رسول الله قبل ((تفعل)). وإنما ذكر هذا الحديث بأسانيده الثلاثة: للتأكيد والتقوية. ٤٦٠ ٢٦٤ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ قالَ: سألتُ عائشةً رضي الله عنها عنْ صلاَةِ رسُول الله بَّهُ بِاللَّيْلِ، فقالتْ: كَانَ يَنامُ أوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ يقُومُ، فإذا كانَ منَ السَّحَرِ أوتَرَ، ثُمَّ أتَى فراشَهُ فإنْ كانَ لهُ حاجةٌ ألمّ بأَهلِهِ، فإذا سَمِعَ الأذانَ ٢٦٤ - قوله: (عن صلاة رسول الله بَّه بالليل) أي: في أي وقت كان منه، والمراد بصلاته بالليل: ما يشمل الوتر والتهجد. قوله: (كان ينام أول الليل) أي: إلى تمام نصفه الأول، ومعلوم أنه كان لا ينام إلا بعد فعل العشاء لأنه يكره النوم قبلها. قوله: (ثم يقوم) أي: يصلي فيستمر يصلي السدُسَ الرابع والخامس. وقوله: (فإذا كان من السحر أوتر) أي: إذا كان في السَّحَر - بفتحتین، وهو: آخر الليل - صلى الوتر، وكان ◌َّهُ يوتر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة ثلاث سور آخرُهن: ﴿قل هو الله أحد﴾ وفي رواية: أنه كان يقرأ في الأولى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وفي الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوِّذتين. رواه أبو داود والمصنف. قوله: (ثم أتى فراشه) أي: لينام السدس السادس، ليقوم لصلاة الصبح بنشاط . قوله: (فإذا كان) وفي رواية: فإذا كانت، وفي أخرى: فإن كانت، وفي أخرى: ثم إذا كانت، وهي رواية الجمهور. وقوله: (حاجته) أي: إلى الجماع كما يعلم من قوله: (ألمّ بأهله) أي: قرب من زوجته، وهو كناية عن الجماع، يقال: ألمَّ بالشيء قرب =