النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنِ فَضْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ. ٢٢٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، = وفي صحيح مسلم، عن ابن شهاب: أن عروة بن الزبير حدثه: أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاء فجلس جانب حجرتي، حدث عن النبي وَلٌ يُسمِعني ذلك، وكنت أسبّح - أي: أصلي - فقام قبل أن أقضي سُبْحتي - أي: صلاتي - ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله وَ لو لم يكن يسرد الحديث كسردكم هذا، إلخ. قوله: (لكن كان يتكلم بكلام بيِّن فَضْل) بتشديد الياء التحتية المكسورة أي: ظاهر مفصول ممتازٍ بعضُه من بعض، بحيث يتبينه من يسمعه، ويمكنه عدُّه، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع، مع كونه يُوضِح مراده ويبينه بياناً تاماً بحيث لا يبقى فيه شبهة، وفي نسخة: بيَّنه، بصيغة الفعل الماضي، وفي أخرى: يبينه، بصيغة المضارع، وفي أخرى: بَيْنَهُ، على أن ((بين)) ظرف مضاف لضمير الكلام مع رفع ((فصلٌ)) على أنه مبتدأ خبره ظرف قبله، والمعنى: بين أجزاءٍ كلامِه فصلٌ، أي: فاصل، وفي أخرى: بينَ فصلٍ، على أن ((بين)) مضاف لفصل، أي: كلام كائنٍ بينَ فصلٍ، كأن الفصل محيط به على وجه المبالغة. قوله: (يحفظه من جلس إليه) أي: من جلس عنده، وأصغى إليه لظهوره وتفصيله، والجلوس ليس يفيد، فالمراد: من أصغى إليه وإن لم يجلس، ولو من الكفار الذين لا رغبة لهم في سماعه. ٢٢٤ - قوله: (أبو قُتيبة) بالتصغير. وقوله: (سلم بن قتيبة) بفتح السين وسكون اللام، وفي بعض النسخ: الشَّعيري بفتح الشين المعجمة، أي: الخراساني نزيل البصرة، صدوق. ٣٦٢ عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ الْمُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلاَثَاً، لِتُعْقَلَ عَنْهُ. ٢٢٥ - حدّثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وقوله: (ابن المثنى) بتشديد النون المفتوحة. وقوله: (عن ثُمامة) بضم المثلثة. قوله: (يعيد الكلمة) المراد بها: ما يشمل الجملةَ، والجُمَلَ، وجزءً الجملة . وقوله: (ثلاثاً) معمول المحذوف، أي: يتكلم بها ثلاثاً، لأن الإعادة كانت ثنتين والتكلم كان ثلاثاً، ولا يصح أن يكون معمولاً لـ: يعيد، لأن الإعادة لو كانت ثلاثاً لكان التكلم أربعاً وليس كذلك، وحكمته: أن الأولى للإسماع، والثانية للوعي، وقيل: للتنبيه، والثالثة للتفكر، وقيل: للأمر، ويؤخذ منه: أن الثلاث غاية التكرار، وبعده لا مراجعة، والمراد أنه كان يكرر الكلام ثلاثاً، إذا اقتضى المقام ذلك، لصعوبة المعنى، أو غرابته، أو كثرة السامعين، لا دائماً فإن تكرير الكلام من غير حاجة لتكريره ليس من البلاغة . قوله: (لتعقل عنه) بصيغة المجهول، أي: لتفهم عنه، وتثبت في ذهن السامعين، وذلك لكمال هدايته وشفقته على أمته وَ له. ويدل هذا الحديث على: أنه ينبغي للمعلم أن يتمهل في تقريره، ويبذل الجهد في بيانه، ویعیده ثلاثاً لیفهم عنه. ٢٢٥ - قوله: (جُمیع) بالتصغير. وقوله: (ابن عمر) بضم العين بلا واو، وفي نسخة: ابن عمرو، بفتح العين وبالواو، وقيل: صوابه عمير، بالتصغير. وقوله: (العِجْلي) بكسر فسكون، نسبة إلى عجل، كذلك، قبيلة. ٣٦٣ عَبْدِ الرَحْمَنِ الْعِجْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ - مِن وَلد أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجةَ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الله - عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ - وكَانَ وَصَّافاً - فَقُلْتُ: صِفْ لِ مَنْطِقَ رَسُولِ اللهِ وََّ، قوله: (حدثني رجل) وفي نسخة: حدثنا رجل، وفي نسخة: أخبرني رجل، وفي نسخة: عن رجل. وقوله: (من ولد) بفتح الواو واللام، أو بضم الواو وسكون اللام، وقد تقدم هذا السند في صدر هذا الكتاب. وقوله: (زوج خديجة) بالجر صفة لأبي هالة، أو بدل منه، والمراد: أنه كان زوجاً لخديجة أولاً . وقوله: (يكنى) أي: ذلك الرجل، بسكون الكاف مع تخفيف النون، أو بفتح الكاف مع تشديد النون. وقوله: (عن ابن لأبي هالة) أي: بواسطةِ أنه ابن ابن أبي هالة، كما تقدم في أول الكتاب. قوله: (خالي) أي: أخا أمي من أمها، لأن المسؤول كان أخاً لسيدتنا فاطمة من أمها خديجة . وقوله: (هند) بدل من خالي. وقوله: (ابن أبي هالة) أي لصلبه . قوله: (وكان وصّافاً) أي: كثير الوصف لرسول الله وَطاهر، كما سبق في الرواية المتقدمة في أول الكتاب، والجملة معترضة. قوله: (فقلت) الخ، بيان لسألت. قوله: (صف منطق رسول الله) أي وسكوته، كما يدل عليه الجواب = ٣٦٤ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مُتَوَاصِلَ الأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَة، = ففيه اكتفاء . قوله: (متواصل الأحزان) فلا يمضي حزن إلا ويعقبه حزن، والتواصل يفيد معنى الديمومة، وقد صرح بها في المعطوف، والحزن صفة الأنبياء قديماً إذ هو حالة خوف، وهو على قدر المعرفة كما قال بعضهم: على قدر علم المرء يعظم خوفه فلا عالمٌ إلا من الله خائف وإنما كان ◌َلَّ متواصلَ الأحزان، لمزيد تفكره واستغراقه في شهود جلال ربه. قال ابن القيم: كيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن في الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فمن أين يأتيه الحزن وقد استعاذ من الهم والحزن؟! فلم يكن حزيناً بل كان دائم البشر ضحوك السن، فحديث كونه متواصل الأحزان: غيرُ ثابت، وفي إسناده من لا يعرف. وقد لحظ ذلك قبله شيخه ابن تيمية، فأورده ثم رده: بأنه ليس المراد بالحزن هنا التألم على فوت مطلوب، أو حصول مكروه، فإنه قد نهى عن ذلك، ولم يكن من حاله، بل المراد: الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور، وما قررناه أولاً أوجه، فتواصل أحزانه في شهوده لجلال ربه، وإنما كانت كثرة تبسمه في وجوه الناس تأليفاً واستعطافاً، ولذلك اشتهر عند أهل الطريق أن العارف: هَشٌّ بَشّ، والهش: المتبسم، يقال: هش الرجل هشاشة إذا تبسم، والبش: طلق الوجه، من البشاشة، وهي: طلاقة الوجه . قوله: (دائم الفكرة) أي: لأنه متكفل بمصالح خلائق لا يحصيها إلا الخالق، والفكرة اسم من الافتكار كالعِبرة من الاعتبار، والفكر لغة: تردد القلب بالنظر والتدبر لطلب المعاني، واصطلاحاً: ترتيب أمور معلومة، = ٣٦٥ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، طوِيلَ السَّكْتِ، لاَ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَنِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتِمُهُ بِاسْمِ الله تَعَالَى، ويَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ = ليتوصل بها إلى مطلوب علمي أو ظني. قوله: (ليست له راحة) هذا لازم لما قبله، لأنه يلزم من اشتغال القلب عدم الراحة، فإن الراحة فرعُ فراغ القلب، وإنما صرح به اهتماماً به، وتنبيهاً لما يغفل عنه، وكيف يستريح وفكره متواتر مع ما له من الصلاة والجهاد، والتعليم والاعتبار والاهتمام بإظهار الإسلام، والذَّب عن أهله، وحماية بيضته . قوله: (طويل السَّكْت) بفتح أوله وسكون ثانيه. أي: الصمت. وأغرب ابن حجر حيث قال: بكسر فسكون، لأن طويل الفكر يستلزم طول الصمت المنافاة الفكر للنطق، فهذا لازم أيضاً لدوام الفكر، وإنما صرح به اهتماماً كما مر في الذي قبله. قوله: (لا يتكلم في غير حاجة) : أي لنفسه أو غيره، لأن الكلام في غير حاجة من العبث، وهو مصون عنه، كيف وقد قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) و ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). قوله: (يفتتح الكلام) أي: يبتدؤه. و قوله: (ويختمه) وفي رواية: ويختتمه، أي: يتمه. وقوله: (باسم الله) مرتبط بالفعلين على سبيل التنازع، ليكون كلامه محفوفاً ببركة اسمه تعالى، والمراد باسم الله بالنسبة للافتتاح: البسملة، وبالنسبة للاختتام: الحمدلة، على طِبْق ﴿وآخِرُ دعواهم أنِ الحمدُ لله رب العالمين﴾، وليس المراد به في الاختتام البسملة أيضاً، لأنه لم يشتهر اختتام الأمور بالبسملة، فيسن لكل متكلم: افتتاح كلامه بالبسملة، واختتامه = ٣٦٦ الْكَلِمِ، كَلاَمُهُ فَصْلٌ، لَا فُضُولٌّ وَلاَ تَقْصِيرٌ، لَيْسَ بِالجَافِي = بالحمدلة، اقتداء به ◌َّله. وفي نسخة صحيحة: بأشداقه بدل: باسم الله. والمراد بالجمع ما فوق الواحد، لأن له شِدْقين، والشدق طرف الفم، والمعنى عليه: أنه كان يستعمل جميع فمه للتكلم، ولا يقصر على تحريك شفتيه كما يفعله المتكبرون، وأما التشدق المذموم المنهي عنه كما في بعض الأحاديث فهو: التكلف فيه والمبالغة، إظهاراً للفصاحة، وبالجملة: فكان كلامه وَلّ وسطاً خارجاً عن طرفي الإفراط والتفريط مِن فتح كل الفم والاقتصار على شفتيه. قوله: (ويتكلم بجوامع الكلم) أي: بالكلمات القليلة الجامعة لمعانٍ كثيرة، وهذا يسمى عند علماء المعاني: بالإيجاز، وهو من البلاغة إن اقتضاه المقام، وقد جمع الأئمة من كلامه الوجيز البديع، أحاديث كثيرة، وهو من حسن الصنيع، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)). ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) إلى غير ذلك مما لا يحصى، وقيل المراد بجوامع الكلم: القواعد الكلية الجامعة للفروع الجزئية . قوله: (كلامه فصل) يحتمل أن المراد: أنه فاصل بين الحق والباطل، فيكون بمعنى اسم الفاعل، أو أنه مفصول من الباطل ومصون عنه فلا ينطق إلا بالحق، أو مفصول بعضه عن بعض، فيكون بمعنى اسم المفعول، أو أنه بمعنى وسط عدل بين الإفراط والتفريط، فيكون قوله: (لا فضول ولا تقصير) كالبيان له والتفسير، والمعنى: أن كلامه وَ له وسط، لا زيادة فيه ولا نقصان، ويصح في الاسمين الفتح على أن لا عاملة عمل إن، والرفع على أنها عاملة عمل ليس، وهذا آخر بيان صفة منطقه عليه الصلاة والسلام، فيكون ذكر بقية الحديث استطراداً، لأن الكلام قد يجر إلى الكلام، وتطوعاً، نظراً لكون السائل قد يريد معرفة بقية أخلاقه وقالد . قوله: (ليس بالجافي) أي: الغليظ الطبع، السَّىء الخُلق، قال تعالى : = ٣٦٧ ولا الْمَّهِينِ، يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ، لاَ يَذُغُّ مِنْهَا شَيْئاً، غيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَذُغُ ذَوَاقاً وَلاَ يَمْدَحُهُ، = ﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلب لانفضُوا من حولك﴾ وجَعْله بمعنى البعيد، من: جفا بمعنى بَعُد، في غاية الجفاء. وقوله: (ولا المُّهين) بضم الميم، على أنه اسم فاعل من أهان، فلا يُهين من يصحبه، وبفتحها على أنه اسم مفعول من المهانة والحقارة والابتذال، فلا يكون مهاناً مبتذلاً بل مهاباً موقَّراً، كيف وكانت تُرْعَد منه فرائص الجبابرة؟! وتخضع له عظماء الملوك القاهرة؟ !. قوله: (يعظّم النعمة) بتشديد الظاء، سواء النعمة الظاهرة والباطنة، وسواء الدنيوية والأخروية، فيقوم بتعظيمهما قولاً: بحمده، وفعلاً: بطاعة ربه، وصرفها في مرضاته. وقوله: (وإن دَقَّت) أي سواء عظمت أو دقت، أي: صغرت وقلّتْ، وهذا من محاسن الأخلاق والمكارم، وسببه شهود المنعم في كل ملائم. قوله: (لا يذُم منها شيئاً) بضم الذال، مضارع ذم، كردَّ يردُّ، والضمير عائد على النعمة، فلا يذم شيئاً من النعمة لكمال شهود عظمة المنعِم بها. قوله: (غير أنه لم يكن) إلخ، لما كان قوله: ((لا يذم منها شيئاً) قد يوهم أنه يمدح منها شيئاً، تدارك دفعه بما معناه: أنه كما لا يذم منها شيئاً لا يمدح منها شيئاً، فمحملُ الدفع قوله: (ولا يمدحه)، وإنما ذكر قوله: ((لم يكن يذم ذواقاً) مع دخوله في قوله: لا يذم منها شيئاً: توطئةٌ لقوله: ولا يمدحه، وذلك لأن ذمّه شأن المتكبرين، ومدحه شأن المستكثِرِين. وقوله: (ذَوَاقاً) أي: مذوقاً، سواء كان مأكولاً أو مشروباً، فهو بالتخفيف مصدر بمعنى اسم المفعول، وقد عرفت أنه داخل في عموم = ٣٦٨ ولاَ تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَلاَ مَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ، لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَنْتَصِرُ لَهَا، إِذَا أَشَارَ = الشيء في قوله: لا يذم منها شيئاً. قوله: (ولا تغضبه الدنيا) بل كان لا يغضب إلا لله، فلا يغضب لأجل الدنيا لعدم نظره إليها ومبالاته بها، وكيف تُغضِبه وهو لم يُخلق لها وإنما خلق للآخرة؟ !. قوله: (ولا ما كان لها) وفي نسخة إسقاط: لا، وهذا يرجع إليه ما قبله، إذْ: إغضاب الدنيا ليس إلا إغضاب ما كان لها. قوله: (فإذا تُعدِّي الحق) بالبناء للمجهول، أي: إذا تعدى شخص الحقَّ وتجاوزه. وقوله: (لم يَقُمْ لغضبه شيء) أي: لم يقم لدفع غضبه شيء كهدية، لأنه إنما كان يغضب للحق ولا يقدر الباطل على مقاومته ﴿بل نقذِف بالحق على الباطل فيدمغُه فإذا هو زاهق﴾ . قوله: (حتى يَنتصر له) أي: إلى أن ينتصر للحق ببناء الفعل للفاعل، أو للمفعول، فلا يرده عن الانتصار للحق راد، كما هو قضية منصبه الشريف وعلو قدره المنيف وعَ له . قوله: (ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها) أي: بل يعفو عن المعتدي عليه لكمال حسن خلقه، فلم يبق فيه حظ من حظوظ النفس وشهواتها، بل تمخَّضتْ حظوظه لله سبحانه وتعالى، فهو معرض عن حقوق نفسه قائم بحقوق ربه. قوله: (إذا أشار) أي: أراد الإشارة. ٣٦٩ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ انَّصَلَ بِهَا، وَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَطْنَ إِنْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وقوله: (أشار بكفه كلها) أي: لقصد الإفهام ورفع الإيهام، فلا يقتصر على الإشارة ببعض الأصابع، لأنه شأن المتكبرين، ولأن إيثار بعض الأصابع دون بعض بالإشارة فيه مزيد مُؤنة لا يحتاج إليها، والذي في النهاية: أن إشارته بل كانت تختلف، فما كان منها للتوحيد والتشهد فإنه يكون بالمسبِّحة وحدها، وما كان منها لغير ذلك فإنه يكون بكفه كلها ليكون بين الإشارتين فرق، فلعل ما هنا محمول على ما إذا كانت إشارته لغير التوحيد والتشهد. قوله: (وإذا تعجب قلبها) أي: كما هو شأن كل متعجب، فإذا كان ظهرها إلى جهة فوق: قلبها بأن يجعل بطنها إلى جهة فوق، من غير أن يزيد على ذلك بكلام أو غيره، لأن القصد إعلام الحاضرين بتعجبه، وهو حاصل بمجرد قلب کفه. قوله: (وإذا تحدث اتصل بها) أي: وإذا اتصل كلامه بكفه فكان حديثه يقارن تحريكها بإشارة تؤيده. قوله: (وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى) أي: لأن العادة أن الإنسان إذا تحدث ضرب بكفه اليمنى بطن إبهام اليسرى للاعتناء بذلك الحديث، ولدفع ما يعرض للنفس من الكسل والفتور، ونظيره ما اعتيد من تحريك الرأس أو البدن عند نحو قراءة أو ذكر لدفع ما ذُكِر، وحكمة تحريك اليمنى كلها والاكتفاء ببطن إبهام اليسرى: إعمال كل الأشرف، وهو: اليمنى، والاكتفاء من غيره ببعضه، وخص بطن الإبهام: لأنه أقرب إلى العروق المتصلة بالقلب المقصودِ دوامُ يقظته واستحضاره لذلك الحديث وبقيته . قوله: (وإذا غضب أعرض) أي: وإذا غضب من أحد أعرض عنه، فلا = ٣٧٠ وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التََّسُّمُ، يَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ. = يقابله بما يقتضيه الغضب، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وأَعرِضْ عن الجاهلين﴾. وقوله: (وأشاح) بشين معجمة وحاء مهملة، أي: بالغَ في الإعراض، هذا هو المراد هنا، وإن كان معنى أشاح في الأصل: تنحى أو انكمش، أو منع أو صرف، أو قبض وجهه. قوله: (وإذا فرح غضَّ طرفه) أي: وإذا فرح من شيء غض بصره، ولا ينظر إليه نظر شَرَه وحرص، لأن الفرح لا يستخفه ولا يحركه وَّه . قوله: (جلُّ ضحكه التبسم) أي: معظم ضحكه بشاشة الفم من غير مبالغة في فتح الفم، ف: جُلُّ(١) بضم الجيم بمعنى: المُعْظم، وجوّز بعضهم فيه الكسر كما في خبر ((اللهم اغفر لي ذنبي كله: دِقَّه وجِلّه)». وإنما قال: جُلُّ، لأنه: ربما ضحك حتى بدت نواجذه كما سيأتي. قوله: (يفتُّ عن مثل حب الغمام) كذا وجد في بعض النسخ الصحاح، ومعنى - يفتر - بفتح الياء وسكون الفاء وتشديد الراء - يضحك، والغمام: السحاب وحَبُّ البَرَد - بفتحتين - الذي يشبه اللؤلؤ، فالمعنى: يضحك ضحكاً حسناً كاشفاً عن سنِّ مثلِ حَبِّ الغمام في البياض والصفاء والبريق واللمعان، وورد: أنه بَِّ كان إذا ضحك يتلألأ في الجُدُر - بضمتين - أي: يشرق عليها إشراقاً كإشراق الشمس. (١) جُلُّ الشيء: مُعْظمه وأكثره. أما جِلُّه: فمعناه: جليله وعظيمه، فاختلفا. ٣٧١ ٣٥ - باب ما جاء في ضحك رسول الله وعَ ل ٢٢٦ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، أَخبرنَا عَبّادُ بنُ العَوّام، أخْبَرنَا الحَجَّاجُ - وَهُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ - عَنْ سِماكِ بنِ حَربٍ، عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ في سَاقِ رَسولِ اللهِ وَل ٣٥ - باب ما جاء في ضحك رسول الله وَلهم أي: باب بيان الأخبار الواردة في ضحك رسول الله وَّر، وفي نسخ: باب ضحك رسول الله وَله، بإضافة باب إلى ضحك على صيغة المصدر، أو بترك الإضافة وتنوين باب، وقراءة ضحك بلفظ الماضي، والأول أولى، والضحك مضبوط في الأصول الصحيحة بكسر فسكون، وإن جاز فيه اللغات الأربع التي في نحو: خذ من كل ما كان عينه حرفاً حلقياً وهي: فتح أوله وكسره مع سكون ثانيه، وكسر أوله وثانيه، وفتح أوله وكسر ثانيه، كما يؤخذ من القاموس، والضحك خاصةٌ للإنسان، والغالب أنه ينشأ من سرور يعرض للقلب، وقد يضحك غيرُ المسرور. وأحاديث هذا الباب تسعة. ٢٢٦ - قوله: (عبّاد بن العوّام) بالتشديد فيهما. وقوله: (الحجّاج) بفتح أوله وتشدید ثانیه. وقوله: (وهو ابن أرطاة) بفتح الهمزة وسكون الراء، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، والأرطاة في الأصل واحدة الأرطى، وهو شجر مرّ تأكله الإبل، وبه یسمَّی ویکنی. وقوله: (عن سِماك) بكسر السين. قوله: (كان في ساق رسول الله وَله) بصيغة الإفراد، لكنه مفرد مضاف فيعم، وفي نسخة صحيحة صيغة التثنية. ٣٧٢ حُمُوشَةٌ، وَكانَ لا يَضحَكُ إلاَّ تَبَشْماً، فَكُنثَ إذا نَظرثَ إليهِ قُلتُ: أَكَحَلُ العَينِيْنِ، ولَيسٍ بِأَكحلَ. وقوله: (حُموشة) بضم الحاء المهملة والميم أي: دِقَّة، وهي مما يمتدح به، خلافاً لمن قال بضم أوله المعجم، لأنه مخالف للأصول واللغة، فإن الخمش بالمعجمة: خدش الوجه ولطمه، وقطع عضو منه، على ما يشهد به ((القاموس)) وغيره. قوله: (وكان لا يضحك إلا تبسماً) هذا الحصر يُحمل على الغالب من أحواله بَّه لما سبق، من أن جُلَّ ضحكه التبسم، وإلا فقد ضحك حتى بدت نواجذه كما سيأتي، وبعضهم فصّل تفصيلاً حسناً وهو: أنه كان يضحك في أمور الآخرة، ويتبسم في أمور الدنيا. ومقتضى استثناء التبسم من الضحك: أنه منه، وهو كذلك، فإن التبسم من الضحك بمنزلة السِّنَة من النوم، فكما أن السِّنة أوائل النوم، كذلك التبسم أوائل الضحك، قال تعالى: ﴿فتبسم ضاحكاً من قولها﴾ أي: فتبسم شارعاً في الضحك. قوله: (فكنتُ) وفي المشكاة: وكنت بالواو، وهو أظهر. وقوله: (إذا نظرت إليه قلت: أكحلُ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أكحل، أي: يعلو جفونه سواد ناشىء من استعمال الكحل، وهذا بحسب بادىء الرأي. وقوله: (وليس بأكحل) أي: كحلاً جَعْلياً، وهو: الناشىء من التكحّل، فلا ينافي أنه كان أكحل كحلاً خِلْقياً، وهذا بحسب الواقع ونفس الأمر، فالإثبات بحسب بادىء الرأي، والنفي باعتبار الواقع ونفس الأمر، والكلام في الكحل الجَعْلي، وأما الخِلْقي فهو ثابت له بَّ. ويصح في الأفعال الثلاثة(١): ضم التاء على صيغة التكلم، وفتحها على صيغة الخطاب. (١) أي: ((فكنتَّ إذا نظرثَّ إليه قلتَّ)). ٣٧٣ ٢٢٧ - حدّثنا قُتِيبَةُ بنُ سعيدٍ، أَخبرنا ابنُ لَهِيعَةَ، عَن عُبيد الله ابنِ المُغيرةِ، عَن عَبد الله بنِ الحارثِ بنِ جَزْءٍ رضي الله عَنهُ أنَّهُ قَالَ: مَا رَأيتُ أحداً أكثرَ تبُّماً مِن رَسولِ اللهِ وَله . ٢٢٨ - حدّثنا أحمدُ بنُ خالدِ الخَلَّلُ، حدَّثَنَا يَحيى بنُ إسحاقَ السَّيلَحَانِيُّ، حدَّثَنَا لیثُ بنُ سعدٍ، ٢٢٧ - قوله: (قتيبة) بالتصغير. وقوله: (ابن لَهيعة) بكسر الهاء كحليمة. وقوله: (ابن المغيرة) أي: ابن مُعَيقيب بالتصغير. وقوله: (ابن جَزْء) بفتح الجيم، وسكون الزاي، فهمزة، الزَّبيدي، بالتصغير، صحابي. قوله: (ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله) أي: لأن شأن الكُمَّل: إظهار الانبساط والبشر لمن يريدون تألفه واستعطافه، مع تلبسهم بالحزن المتواصل باطناً، فكثرة تبسمه وَ الر لا تنافي كونه متواصل الأحزان، فاندفع ما أورد من أنه إذا كان كثير التبسم كيف يكون متواصل الأحزان؟! فهو ◌َّ دائم البشر ومع ذلك هو دائم الحزن الباطني، حتى إنه قد تبدو آثاره على صفحات وجهه ێ . ٢٢٨ - قوله: (الخَلَّل) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، فيحتمل أن يكون بائع الخل أو صانعه، وهو: أبو جعفر البغدادي. قوله: (السَيْلَحَاني) بفتح السين المهملة، وسكون الياء التحتية، وفتح اللام، وفتح الحاء، بعدها ألف، نسبة لسيلحون قرية بقرب بغداد، وفي نسخة: السُيَلْحَاني بضم السين وفتح الياء وسكون اللام وفتح الحاء بعدها ألف، وفي أخرى: السَّيلحيني بضبط الأول، إلا أنه بكسر الخاء = ٣٧٤ عَنْ يزيدَ بنِ أَبِي حَبيبٍ، عَن عبد اللهِ بنِ الحارثِ رَضي الله عَنه قَالَ: مَا كانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللهِ وَلَهَ إلاَّ تبسُّماً. قَالَ أَبو عيسى: هذا حَديثٌ غَريبٌ مِن حَديث ليث بنِ سعدٍ . ٢٢٩ - حدّثنا أبو عَمَّارِ الحُسينُ بنُ حُرَيثٍ، حدَّثَنَا وَكيعٌ، حدَّثَنَا الأَعْمشُ، عَن المَعْرورِ بنِ سُویدٍ، = المعجمة(١) بعدها ياء. قوله: (ابن أبي حَبيب) بفتح الحاء كـ: عبيد. وقوله: (عن عبد الله بن الحارث) أي: ابن جَزْءٍ. قوله: (قال) أي: عبد الله بن الحارث. قوله: (ما كان ضحك رسول الله وَلّ إلا تبسماً) هذا الحصر إضافي أي: بالنسبة في الغالب، لما تقرر أنه رَّ ر ضحك أحياناً حتى بدت نواجذه، إلا أن يحمل على المبالغة. قوله: (قال أبو عيسى) أي: المؤلف. قوله: (هذا حديث غريب) أي: من حيث تفرد الليث به - المجمع على جلالته - كما أشار إليه بقوله: (من حديث ليث بن سعد) فهي غرابة في السند لا في المتن فلا تنافي صحته. ٢٢٩ - قوله: (أبو عمار) بفتح العين وتشديد الميم. وقوله: (الحسين بن حريث) بالتصغير. وقوله: (عن المعرور) بفتح فسكون فضمّ. وقوله: (بن سويد) بالتصغير، الأسدي الكوفي أبو أمية. (١) وَضْع النقطة على الحاء المهملة هنا من خطأ الناسخ لا يلتفت إليه. ٣٧٥ عَن أَبِي ذَرٍ رَضِي الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعلمُ أَولَ رجلٍ يَدخُلُ الجَنََّ، وآخِرَ رَجلِ يَخرجُ مِن النَّار: يُؤْتَى بالرَّجُلِ يومَ القيامةِ فَيقَالُ: إِعِرِضُوا عَليهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ، ويُخْبَأ عَنهُ كِبارُهَا، وقوله: (عن أبي ذر) أي: الغفاري: جُندُّب بن جُنَادة، بضم الجيم وتخفيف النون. قوله: (إني لأعلم) أي: بالوحي. قوله: (أولَ رجل يدخل الجنة) وفي نسخة: وآخر رجل يدخل الجنة. وقوله: (وآخر رجل يخرج من النار) إنما لم يذكر أول رجل يدخل النار: لأن كلامه فيمن يدخل الجنة، وإنما ذكر آخر رجل يخرج من النار: لأنه آخر رجل يدخل الجنة، لكنه يكون مكرراً مع النسخة الثانية ولذا اقتصر عليه في أصح النسخ. قوله: (يؤتى بالرجل) الخ، كلام مستأنف لبيان حال رجل آخر، فلا ارتباط له بما قبله، وفي بعض الروايات: ويؤتى بالرجل الخ، بالواو التي للاستئناف. قوله: (فيقال) أي: يقول الله للملائكة. وقوله: (اعرضوا) بوصل الهمزة مع كسر الراء، وهو: فعل أمر من العرض. وقوله: (عليه) أي: الرجل. وقوله: (صغار ذنوبه) أي: صغائرها، والمراد: أظهروها له في صحيفته أو بصورها. وقوله: (ويخبأ عنه كبارها) أي: والحال أنه يخبأ عنه كبارها، فالجملة حالية، ويحتمل أن تكون معطوفة على ((اعرضوا)) فتكون أمراً في المعنى، فكأنه قيل: اعرضوا عليه صغار ذنوبه واخبؤوا عنه کبارها أي: كبائر ذنوبه. ٣٧٦ فَيُقالُ لهُ: عَمِلتَ يومَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، وَهوَ مُقِرٌّ لا يُنكرُ، وَهُو مُشْفِقٌ مِن كِبارِها، فَيُقَال: أعطُوه مَكانَ كُلِّ سَيَِّةٍ عَمِلَها حَسنَةً، قوله: (فيقال له: عملت يوم كذا) أي: الوقت الفلاني من السنة والشهر والأسبوع واليوم والساعة. وقوله: (كذا وكذا) أي: عدداً من الذنوب، فكذا وكذا: كناية عن العدد المشتمل على عطف. قوله: (وهو مقرّ لا ينكر) فيصدِّق بذلك، ولا ينكر هنالك. وقوله: (وهو مشفق من كبارها) أي: والحال أنه مشفق، أي: خائف من الإشفاق، وهو: الخوف، من كبار ذنوبه، أي: من المؤاخذة بها، فإن من يؤاخذ بالصغيرة يؤاخذ بالكبيرة بالطريق الأولى. قوله: (فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة) أي: فيقول الله للملائكة: أعطوا، بقطع الهمزة. مكانَ أي: بدلَ كل سيئة عملها حسنة لتوبته النصوح، قال الله تعالى ﴿إلا من تابَ وآمنَ وعملَ عملاً صالحاً فأولئك يبدِّل الله سيئاتِهِم حسناتٍ﴾ أو لغلبة طاعته، أو لإقراره بالذنب والخوف منه، إذ مِلاك النجاة: الإقرار بالذنب والخوف منه(١)، أو لغير ذلك مما يعلمه الله تعالى. (١) وهذا هو المذكور في الحديث من حال العبد: الإقرار بفعل الصغائر، والإشفاق من عرضِ الكبائر ثم المؤاخذةِ بها، لا توبةٌ نصوح، ولا غلبة طاعات، فحاله كما قال القائل : ولكني أقول كما تقول وما قابلتُ عَتْبَك باعتذار ويحكم بيننا الخلُق الجميل وأطرق باب عفوك بانكسار فعامله الله الكريم بما أمَّله منه ورجاه. ٣٧٧ فيقُولُ: إنَّ لِي ذُنُوباً لا أَراها هاهنا!)) قالَ أَبو ذَرٍ: فلقَدْ رَأَيتُ رسُولَ اللهِ نَّهِ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَواحِدُهُ. ٢٣٠ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، حدَّثَنَا مُعاوِيةُ بنُ عَمرو، حَدَّثَنَا زائِدةُ، عَن بَيَانٍ، عَنْ قَيسِ بنِ أَبِي حَازمٍ، عَنْ جَرِير بنِ عبدِ الله قوله: (فيقول إن لي ذنوباً لا أراها هاهنا) وفي رواية: ما أراها هاهنا، أي: في مقام العرض، أو في صحيفة الأعمال، وإنما يقول ذلك مع كونه مشفقاً منها: لأنه لما قوبلت صغائرها بالحسنات، طمع أن تقابل كبائرها بها أيضاً، وزال خوفه منها فسأل عنها لتقابل بالحسنات أيضاً. قوله: (فلقد رأيت) الخ، أي: فوالله لقد رأيت، الخ، وإنما أقسم: لئلا يُرتاب في خبره، لما اشتهر من أنه وَل ◌ّ كان لا يضحك إلا تبسماً. وقوله: (ضحك) أي تعجباً من الرجل حيث كان مشفقاً من كبار ذنوبه، ثم صار طالباً لرؤيتها. ويؤخذ من الحديث: أنه لا يكره الضحك في مواطن التعجب إذا لم يجاوز الحد. قوله: (حتى بدت نواجذه) أي: وبالغ في الضحك حتى ظهرت نواجذه، بالمعجمة، أي: أقصى أضراسه، أو أضراسه كلها، وكانت مبالغته وَالر في الضحك نادرة، والمكروه: الإكثار منه كما في رواية البخاري(١) ((لا تكثروا الضحك، فإنه يميت القلب)) والغالب من أحواله وَلا ير التبسم، ولذلك جاء في صفة ضحكه: ((جُلُّ ضحكه التبسم)) وينبغي الاقتداء به فيما هو أغلب أحواله وَله . ٢٣٠ - قوله: (بن عمرو) أي: ابن المهلب. وقوله: (زائدة) أي: ابن قدامة أبو الصلت الثقفي. (١) في ((الأدب المفرد)) لا في ((الجامع الصحيح)). ٣٧٨ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: مَا حَجَبني رَسولُ اللهِ وَِّ مُنْذُ أَسلَمتُ، ولا رَآنِي إلَّ ضَحِكَ. ٢٣١ - حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدَّثَنَا مُعاوِيةُ بنُ عَمرو، حدَّثَنَا زائِدةُ، عَنْ إسماعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَن جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُول اللهِ وَ له، ولاَ رآنِي مُنذُ أسلَمتُ إلَّ تبسمَ. قوله: (ما حجبني رسول الله وَ ي) أي: ما منعني من الدخول عليه في بيته مع خواصه وخدمه، لشدة إقباله عليّ. وقوله: (منذ أسلمت) وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله وَير، أسلم قبل وفاته بأربعين يوماً، وقيل غير ذلك. قوله: (ولا رآني إلا ضحك) أي: ولا رآني منذ أسلمت إلا ضحك، ففيه الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وهو كثير، وفي رواية: إلا تبسم وهي موافقة لرواية البخاري، يعني بذلك: أنه كان له خصوصية برسول الله وَله لأنه كان يُسَرُّ برؤيته، وشكا إليه ◌َ ل أنه لا يثبت على الخيل فضرب بيده وَّ في صدره وقال: ((اللهم ثبِّته، واجعله هادياً مهدياً)) كما في البخاري. ٢٣١ - قوله: (عن قيس) أي: ابن أبي حازم. قوله: (منذ أسلمت) في بعض النسخ ذكرُ ذلك بعد الفعلين، وفي بعضها ذكره بعد الأول كالرواية السابقة، وعلى كل: فهو متعلق بكل منهما معاً . قوله: (إلا تبسّم) مرتبط بالفعل الثاني، ولعل وجه التبسم عند رؤيته: أنه رآه مظهر الجمال، فإنه كان حسن الصورة على وجه الكمال، حتى قال عمر في حقه: إنه يوسف هذه الأمة. ٣٧٩ ٢٣٢ - حدّثنا هَنَّادُ بنُ السَّريِّ، حدَّثَنا أَبو معاوِيةَ، عَن الأَعمشِ، عَن إبراهيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ تعَالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لِأَعْرفُ آخِرَ أَهلِ النَّارِ خُرُوجاً: رَجُلٌ يَخرجُ مِنها زَحْفاً، فَيُقَالُ لهُ: انطَلِقْ، فاذْخُلِ الجَنَّةَ، قَالَ: فيذْهَبُ لِيدخُلَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَد أَخَذوا ٢٣٢ - قوله: (أبو معاوية) أي: عبد الرحمن بن قيس. وقوله: (عن عَبيدة) بفتح فكسر، وهو: عبيدة بن عمرو، أو عبيدة بن قيس الكوفي، أسلم في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: (السَّلْماني) بفتح السين وسكون اللام، وتفتح، نسبة إلى بني سلمان، قبيلة من مراد أو من قضاعة. قوله: (إني لأعرف) أي: بالوحي كما مر. وقوله: (آخر أهل النار) أي من عصاة المؤمنين. وقوله: (خروجاً) أي: من النار، كما في بعض النسخ المصححة. وقوله: (رجل) قيل: اسمه جُهينة، مصغراً، وقيل: هناد الجهني. وقوله: (زحفاً) مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، أو حال بمعنى زاحفاً، والزحف: المشي على الاست مع إشراف الصدر، وفي رواية: حبواً، وهو: المشي على اليدين والرجلين والركبتين، ولا تنافي بين الروايتين: لاحتمال أنه يزحف تارة ويحبو أخرى. قوله: (فیقال له) أي: من قِبَل الله. وقوله: (انطلق) أي: اذهب مُخَلّىَ سبيلُك محلولاً إسارك. وقوله: (فيذهب ليدخل) أي: فيذهب إلى الجنة ليدخلها. ٣٨٠ المَنَازلَ، فَيَرجعُ فَيَقولُ: رَبِّ، قَد أَخَذ النَّاسُ المَنَازِلَ! فَيُقالُ لهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنتَ فيهِ؟ فَيَقولُ: نَعمْ، فَيَقالُ لَهُ: تَمَنَّ، قَالَ: فَيتمنى، وقوله: (فيجد الناس قد أخذوا المنازل) أي: فيجد أهلها قد أخذوا منازل الجنة، أي: درجاتها، وهي: جمع منزل، وهو: موضع النزول. قوله: (فيقول: ربّ) أي: يا رب، فهو على حذف حرف النداء. وقوله: (قد أخذ الناس المنازل) كأنه ظن أن الجنة إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادم فيها منزل، فيحتاج أن يأخذ منزلاً منهم. قوله: (فيقال له) أي: من قِبَل الله كما تقدم. وقوله: (أتذكر) أي: أتتذكَّر، فحذف منه إحدى التاءين. وقوله: (الزمان الذي كنت فيه) أي: في الدنيا الضيقة، بحيث إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادم فيها منزل، فيحتاج إلى أن يأخذ منزلاً من أصحاب المنازل، فتقيس عليه الزمن الذي أنت فيه الآن في الجنة، وتظن أنها ضیقة كالدنیا. وقوله: (فيقول: نعم) أي: أتذكَّر الزمنَ الذي كنت فيه في الدنيا الضيقة . قوله: (فيقال له) أي: من قِبَل الله كما مر. وقوله: (تمنّ) أي: اطلب ما تقدّره في نفسك وتصوره فيها، فإن كل ما تمنيته متيسر في هذه الدار الواسعة، ولا تقس حال الأخرى بحال الدنيا، فإن تلك دار ضيقة ومحنة، وهذه: دار متسعة ومنحة اهـ قاري. قوله: (قال) أي: رسول الله وَلته . وقوله: (فيتمنى) أي: يطلب ما يقدره في نفسه ويصوره فيها.