النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدَُّّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. ١٦٣ - حدثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ وسَلَمةُ بنُ شَبیبٍ وَمَحْمودُ بنُ غَيْلانَ، قالوا: حدثنا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام بنِ عُرِوَةَ، عن أَبِيه، عن عائشةَ قالت: كانَ النبيُّ نَّهِ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ. = بفتح القاف في الأشهر -: إناء يُشبع العشرة. ومن اللطافات: لا تَكسِر القصعة، ولا تفتح الخِزانة. وأما الصَّحفة: فهي التي تشبع الخمسة. ولا ينافي كونه ◌َّ يتتبع الدبّاء ما سيأتي من قوله ((كل مما يليك)) لأن علةَ ذلك الإضرار بالغير، والغير لا يتضرر بتتبعه وَّلقول، بل يتبرك به. هذا هو المعوّل عليه في دفع التنافي. وقوله: (فلم أزل أحب الدباء من يومئذ) أي: من يوم إذ رأيت النبي وَلّه يتتبعه، فيُسَنُّ محبة الدباء، لمحبته بَّ له إذ مِن صريح الإيمان: محبةٌ ما كان المصطفى وَلّ يحبه. وفي هذا الحديث: سَنّ الإجابة إلى الطعام ولو كان قليلاً، وجوازُ أكل الشريفِ طعامَ مَنْ دونه من محترف وغيره، وإجابةٌ دعوته، ومؤاكلةُ الخادم، وبيان ما كان عليه النبي وَّر من التواضع، واللطف بأصحابه. ١٦٣ - قوله: (الدَّورَقيُّ) بفتح الدال، وسكون الواو، وفتح الراء المهملة، بعدها قاف، ثم ياء نسبة. وقد اخْتُلف، فقيل: إنه منسوب إلى بلد بفارس يقال لها: الدَّوْرَقُ، وقيل إلى لُبْس القلانس الدورقية، كما أفاده اللقاني. وقوله: (أبو أسامة) اشتهر بكنيته، واسمُه حمّادُ بن أسامة . قوله: (يحب الحلواء) بالمد والقصر كما في ((القاموس))، وهي: كل ما فيه حلاوة . فقوله (والعسل) عطْفُ خاص على عام. وقيل: تختص الحلواء بما = ٢٨٢ ١٦٤ - حدثنا الحسنُ بنُ محمَّدٍ الزَّعفرَانيُّ، حدثنا حجاجُ بنُ محمَّدٍ قال: قال ابن جُرَيج: أخبرني محمَّد بنُ يوسفَ، أن عطاءَ ابنَ يسارِ أخبرهُ: أن أمَّ سلمةَ أخبرتهُ: أنها قرَّبتْ إلى رسولِ الله وَ لَّهِ جَنْباً مَشْوِياً، فأكلَ منهُ، ثم قامَ إلى الصَّلاة، وما توضَّأَ. = دخلته الصَّنعة. والحلواء التي كان يحبها وَّرَ: تَمْر يُعجَن بلبن، كما قاله الثعالبي، ولم تكن محبته لها لكثرة التشهِّي، وكثرةٍ ميل النفس لها، بل الاستحسانها. ولذلك كان ينال منها إذا أُحضِرت نيلاً صالحاً، فيُعْرَفُ أنها تعجبه. ويؤخذ من هذا الحديث: أن محبة الأطعمة النفيسة لا تُنافي الزهد، لكن بغير قصد. وأول من خَبَص في الإسلام عثمانُ رضي الله عنه: خلط بين دقيق وعسل، عصده على النار، حتى نضج وبعث به إلى المصطفى وَالر، فاستطابه. رواه الطبراني وغيره. ١٦٤ - قوله: (الزعفراني) - بفتح الفاء - نسبة إلى قرية يقال لها: الزعفرانية، وهو من أصحاب الشافعي رضي الله عنه. وقوله: (ابن جُرَيج) بجيمين، مصغّرٌ. قيل: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فهو منسوب إلى جده. قوله: (جنباً مشوياً) أي: من شاة. والجَنْبُ: ما تحت الإبط إلى الكشح. قال ابن العربي: وقد أكل وَ الر الحنيذ - أي المشوي -، والقديد، والحنيذُ أَعْجلُه وأَلذُّه. ومن الناس مَن يُقدم القديد على المشوي، وهذا كله في حكم الشهوة، وأما في حكم المنفعة: فالقديد أنفع، وهو الذي يدوم عليه المرء، ويَصلح به الجسد. وأما السَّميط فلم يأكله وَله . . وقوله: (فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة، وما توضأ) فيه دليل على أن أكل ما مسته النار لا ينقض الوضوء. وهو قول الخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة. والأمرُ بالوضوء مما مسته النار منسوخٌ. قيل: المناسبةُ لِذِكْر هذا = ٢٨٣ ١٦٥ - حدثنا قتيبةُ، حدثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن سُليمانَ بنِ زیادٍ، عن عبدِ الله بن الحارثِ قال: أَكَلْنا مع رسولِ الله وَلَ شِواءً في الْمَسْجِدِ . ١٦٦ - حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا وكيعٌ، حدثنا مِسْعرٌ، عن أبي صخْرةَ جامع بنِ شدَّادٍ، عن المُغيرةِ بن عبدِ اللهِ، عن المغيرة بن شُعبةً = عقب الحلواء والعسل: الإشارةُ إلى أن هذه الثلاثة أفضلُ الأغذية. وعن علي أن اللحم يصفي البدن، ويحسن الخُلُق، ومن تركه أربعين يوماً ساء خُلُقه. وقال ابن القيم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض. وقال بقراط الحكيم: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. ١٦٥ - قوله: (ابن لَهِيعة) بفتح وكسر. وهو عبد الله بن لهيعة. قوله: (أكلْنا مع رسول الله مَّ﴿ شِواءً في المسجد) زاد ابن ماجه: ((ثم قام فصلى، وصلينا معه، ولم نزد أن مسحنا أيدينا بالحصباء)) ويمكن حمل أكلهم بالمسجد على زمن الاعتكاف، فلا يَرِد أن الأكل في المسجد خلافُ الأولى عند أمن التقذير، على أنه يمكن أن يكون لبيان الجواز. والشِواء: بكسر الشين المعجمة، أو ضمها مع المد. ويقال: شَوَىّ كفَتَىّ هو اللحم المشوي بالنار. فقول شارح: أي لحماً ذا شواء، ليس على ما ينبغي، لأن الشواء ليس مصدراً كما يقتضيه كلامه، بل اسمٌ للحمِ المشوي. ١٦٦ - قوله: (مسعر) بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين، وفي آخره راء. له ألفُ حدیث. وقوله: (عن أبي صخرة) بصاد مهملة فخاء معجم - وفي بعض الأصول: ((عن أبي ضمرة)) بضاد معجمة فميم. ٤ ٢٨ قال: ضِفْتُ مع رسولِ الله ◌َّ ذاتَ ليلةٍ فَأُتِيَ بِجَنْبٍ مَشْويٍّ، ثمَّ أخذ الشَّفْرةَ، فجعل يَحُزُّ، فَحَزَّلي بها منهُ. قال: فجاء بلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فألقى الشَّفْرة، فقال: ((مالَهُ؟ تَرِبَتْ يَدَاهُ)). قال: وكان شاربه قد قوله: (قال: ضِفت مع رسول الله وَل18 ذات ليلة) أي: نزلت معه وَله ضيفينٍ على إنسان في ليلة من الليالي. فليس المراد جعلتُه ضيفاً لي حال كوني معه، خلافاً لمن زعمه. وقد وقعت هذه الضيافة - كما أفاده القاضي إسماعيل - في بيت ضُباعة بنت الزبير. وقوله: (ثم أخذ الشَّفْرة) بفتح الشين المعجمة، وسكون الفاء: وهي السكين العظیم. وقوله: (فجعل يخُزُّ) - بضم الحاء، من باب ردَّ - من الحَزِّ - بحاء مهملة - وهو القطع. أي: فشرع يقطع. وقوله: ( فحزَّ لي بها منه)، أي: فقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجلي بالشفرة من ذلك الجَنْبِ المشوي. ولا يُشْكِل على ذلك خبر: ((لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من وضع الأعاجم، وانهشوه فإنه أهنا، وأَمْرَأ)» لقول أبي داود: ليس بالقوي. وعلى التنزل: فالنهي وارد في غير المشوي، أو محمول على ما إذا اتخذه عادةً. ويمكن أن يقال: النهشُ محمول على النضيج، والحزّ على غيره. وبذلك عبّر البيهقيُّ فقال: النهي عن قطع اللحم بالسكين في لحمٍ تكاملَ نُضجه. قوله: (قال: فجاء بلال يُؤذِنه بالصلاة) أي: قال المغيرة: فجاء بلال المؤذِّن - وهو أبو عبد الرحمن - يُؤْذِنُه - بسكون الهمزة، وقد تُبُدْلُ واواً - أي: يُعْلِمُه بالصلاة. وقوله: (فألقى الشفرة) أي: رماها. وقوله: (فقال: ماله؟ تربت يداه) أي: أيُّ شيء ثبت له يبعثه على = ٢٨٥ وَفَى، فقال له: ((أَقُصُّهُ لك على سواكٍ))، أو ((قُصَّهُ على سواكٍ)). - الإعلام بالصلاة بحضرة الطعام؟ التصقت يداه بالتراب من شدة الفقر. وهذا معناه بحسب الأصل، والمقصود منه هنا: الزجر عن ذلك لا حقيقةُ الدعاء عليه. فإنه رََّ كَرِه منه إعلامَه بالصلاة بحضرة الطعام. والصلاةُ بحضرة طعام تتوق إليه النفس: مكروهةٌ، مع ما في ذلك من إيذاء المُضيفِ وكَسْرٍ خاطره، هذا هو الأليق بالسياق، وقواعد الفقهاء. قوله: (قال: وكان شاربه قد وفَى) أي: قال المغيرة: وكان شارب بلالٍ قد طال، وأَشْرَفَ على فمه. والشارب: هو الشعر النابت على الشفة العليا، والذي يُقَصُّ منه هو الذي يسيل على الفم. ولا يكاد يُثنّى فلا يقال: شاربان. لأنه مفرد، وبعضهم يُثنّه باعتبار الطرفين. وقوله: (فقال له) أي: فقال النبي ◌َّ لبلال. وقوله: (أَقُصُّه لك على سواكٍ، أو قُصَّهُ على سواك) بصيغة الفعل المضارع المسند للمتكلم وحده في الأول، وبصيغة الأمر في الثاني. وهذا شك من المغيرة، أو ممن دونه من الرواة في أي اللفظين صدر من النبي وَ﴾. وسببُ القص على السواك: أن لا تتأذى الشفة بالقص. ويؤخذ من هذا الحديث: ندبُ قص الشارب إذا وفَى، وجواز أن يقصّه لغيره، وأن يباشر القص بنفسه، ويندب الابتداء بقص الجهة اليمنى من الشارب. وهل الأفضل قصُّه أو حلقه؟ الأكثرون على الأول، بل قال مالك: يؤذَّب الحالق. وبعضهم على الثاني. وجُمِع بأنه يقص البعض، ويحلق البعض، ويكره إبقاء السِبال، لخبر ابن حبان: ذُكِرَ لرسول الله وَّ المجوسُ فقال: ((إنهم قوم يوفِّرون سِبالهم، ويحلقون لحاهم، فخالِفوهم)) وكان يَجز سباله كما يَجز الشاةَ والبعيرَ. وفي خبرٍ عند أحمدَ: ((قصوا سِبالكم، ووفروا لِحاكم)). لكن رأى الغزاليُّ وغيرُه: أنه لا بأس بترك السبال اتباعاً لعمرَ وغيرِهِ، فإنه لا يستُر الفمَ ولا يصِل إليه غَمْرُ الطعام. أي: دهنه . ٢٨٦ ١٦٧ - حدثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، حدثنا محمَّدُ بن الفُضَيل، عن أبي حيَّانَ التَّيميِّ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي هريرةَ قال: أُتِيَ النَّبِيُّ بَّهِ بلحمٍ، فَرُفع إليه الذِّراعُ - وكانت تُعجِبُهُ - فَنَهَس منها. ١٦٨ - حدثنا محمدُ بن بشّارٍ، حدثنا أبو داود، عن زهيرٍ - يعني ابنَ محمَّدٍ - ١٦٧ - قوله: (ابن الفُضَيل) بالتصغير. وقوله: (عن أبي حَيّان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية. وقوله: (التيمي) أي: تيم الرِّباب. وقوله: (عن أبي زُرْعة) بوزن بُرْدة. قوله: (قال: أُتّ النبيُّ بَّهِ بلحم، فرُفع إليه الذراع) أي: قال أبو هريرة: أَتَيَ النبيُّ وَّر بلحم - بصيغة المبني للمجهول - فرفع إليه الذراع. والمراد به هنا ما فوق الكُراع - بضم الكاف ـ الذي هو مُسْتَدَقُّ الساق. وقوله: (وكانت تعجبه) أي: لأنها أحسنُ نضجاً، وأعظمُ ليناً، وأبعدُ عن مواضع الأذى، مع زيادةٍ لذتها، وحلاوةِ مَذاقها. وقوله: (فنهس منها) أي: تناوله بأطراف أسنانه. وهو بالمهملة أو المعجمة: بمعنىّ. وقيل: هو بالمهملة: ما ذُكِرَ، وبالمعجمة: تناولُه بجميع الأسنان. وهذا أولى وأحبُّ من القطع بالسكين، حيث كان اللحم نضيجاً، كما سبق. ويؤخذ من هذا: منعُ الأكل بالشَّرَهِ، فإنه نَِّ مع محبته للذراع نهش منها، ولم يأكلها بتمامها، كما يدل عليه حرف التبعيض. ١٦٨ - قوله: (عن زُهَير) بالتصغير. وقوله: (يعني ابن محمد) احترازٌ عن غيره، لأن زهيراً في الرواية جماعةٌ. ولم يقل عن زهير بن محمد، رعاية لحق أمانة شيخه، وأداء له = ٢٨٧ عن أبي إسحاقَ، عن سعد بن عِيَاضٍ، عن ابن مسعودٍ قال: كان النَّبِيُّ ◌َّهِ يعجبُهُ الذِّراعِ. قال: وَسُمَّ في الذِّراع. كما سمعه. = وقوله: (عن أبي إسحاق) أي: السَّبيعيّ. وقوله: (عن سعيد) وفي نسخة: ((سعد)) بسكون العين(١). و قوله: (ابن عیاض) بوزن کتاب. وقوله: (عن ابن مسعود) أي: عبد الله بن مسعود، من السابقين البدريين، شهد سائرَ المشاهد، وهو صاحب النعلِ، والوسادةِ. قال في ((الكاشف)): رُوي أنه خلَّف تسعين ألف دينارٍ سوى الرقيقِ والماشيةِ. قوله: (يعجبه الذراع) وفي رواية: ((الكتف)) بدل الذراع. ومما كان يحبه أيضاً الرقبة، لأنها أبعد من الأذى فهي كالذراع. وورد في خبر رواه الطبراني وغيرُه: عن ابن عمر أنه ◌َّ كان يكره من الشاة سبعاً: المرارة، والمثانة، والحياء، والذَّكَر، والأنثيين، والغدة، والدم. وورد بسند ضعيف: أنه كان يكره الكليتين، لمكانهما من البول. قوله: (وسُمَّ في الذراع) أي: جعل له فيه سم قاتل لوقته. وكان ذلك في فتح خيبر، فأكل منه لقمة، فأخبره الذراعُ، أو جبريلُ ـ على الخلاف المشهور - وجُمِع: بأن الذراع أخبرته أولاً، ثم أخبره جبريل بذلك تصديقاً لها، فتركه ولم يضرّه السُّمُّ. ففي ذلك ما أظهره الله من معجزاته بَل من تكليم الذراع له، وعدم تأثيرِ السُّم فيه حالاً. وفي رواية: «لم تزل أُكْلَةُ خیبر تعاودني، حتى قطعت أبهري)). ومعنى الحديث: أن سُمَّ أَكْلَةِ خيبر - بضم الهمزة، وهي اللقمة التي (١) وهو الصواب. = ٢٨٨ وكان يَّرَى أنَّ اليهود سَمُّوهُ. ١٦٩ - حدثنا محمّدُ بن بشَّارِ، حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن أبانَ بن يزيدَ، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي عُبيدةَ قال: طبخت للنَّبِيِّ وَل = أكلها من الشاة. وبعض الرواة فَتَح الهمزة وهو خطأ، كما قاله ابن الأثير - كان يعود عليه ويرجع إليه حتى قطعت أبهره وَلِّ. وهو عِزْق مستبطن بالصلب، متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه. قال العلماء: فَجَمَعَ الله له بين النبوة والشهادة. ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ لأن الآية نزلت عام تبوك، والسّمَّ كان بخيبر قبل ذلك. قوله: (وكان يَّرَى أن اليهود ستُّوه) أي: وكان ابن مسعود يرى - بصيغة المجهول أو المعلوم - أي: يظن أن اليهود أطعموه السُّم في الذراع. وأسنده إلى اليهود: لأنه صدر عن أمرهم واتفاقهم، وإلا فالمباشر لذلك زينبُ بنتُ الحارث امرأةُ سلّم بن مِشْكَم اليهوديِّ. وقد أحضرها بٍَّ وقال: ((ما حملكِ على ذلكِ؟)) فقالت: قلت: إن كان نبياً لا يضره السم، وإلا استرحنا منه، فاحتجم على كاهله، وعفا عنها، لأنه كان لا ينتقم لنفسه. قال الزهري وغيره: فأسلمت، فلما مات بشر بن البراء - وكان أكل مع النبي ◌َّ من الذراع - دفعها لورثته فقتلوها قَوَداً. وبه جمع القرطبي وغيره بين الأخبار المتدافعة. ١٦٩ - قوله: (عن أبَان) بفتح الهمزة وتخفيف الباء. قوله: (عن أبي عبيدة) قال زين الحفاظ: هكذا وقع في سماعنا من كتاب ((الشمائل)) بزيادة تاء التأنيث في آخره، وهكذا ذكره المؤلف في الجامع، والمعروف أنه أبو عبيد، وهكذا هو في بعض نسخ ((الشمائل)) بلا تاء التأنيث. له هذا الحديث في هذا الكتاب. واسمُه كنيته. ٢٨٩ قِدْراً، وكان يُعْجِبُهُ الذِّراعُ، فناولتُهُ الذِّراعَ، ثمَّ قال: ((ناوِلْنِيٍ الذراع)) فناولتُهُ، ثمّ قال: ((ناولني الذُّراعَ)) فقلت: يا رسول الله، وكم للشَّاة من ذراع؟! فقال: ((والذي نفسي بيده لو سكتَّ، لناولتَني الذُّراعَ ما دعوتُ)». ١٧٠ - حدثنا الحسنُ بن محمَّدٍ الزَّعفرانيُّ، حدثنا يحيى بنُ قوله: (قال: طبختُ للنبي وَ لهُ قِدراً) أي: قال أبو عبيدة: طبختُ، أي: أنضجتُ للنبي بَّ طعاماً في قِدْر، وهي بالكسر: آنيةٌ يُطبخ فيها. وقوله: (وكان يعجبه الذراع) ذكره توطئة لقوله: (فناولته الذراع) فظاهره أنه لم يطلبه منه أول مرة، بل ناوله إياه، لعِلْمه أنه يعجبه. قوله: (فقلت: يا رسول الله، وكم للشاة من ذراع؟) استفهام، لكن فيه إساءة أدب وعدم امتثال له صلى الله عليه وآله وسلم، فلذلك عاد عليه شؤم عدم الامتثال، بأن حُرِم مشاهدة المعجزة: وهي أن يخلق الله ذراعاً بعد ذراع، وهكذا، إكراماً لَخُلاصةِ خلقه وَّد . وقوله: (والذي نفسي بيده) أي: وحقِّ الله الذي روحي بقدرته، إن شاء أبقاها، وإن شاء أفناها. وكان يقسم بذلك كثيراً. وقوله: (لو سكتّ، لناولتني الذراع ما دعوتُ) أي: لو سكتَّ عما قلتَ مما فيه إساءة الأدب، لناولتني الذراع مدة دوام طلبي له، بأن يخلُق الله فيها ذراعاً بعد ذراع، وهكذا، فحملَتْه عجلةُ نفسِهَ على أن قال ما قال، فانقطع المدد. فلو تلقّاه المناوِلُ بالأَدب وصَمَتَ مُصغياً إلى ذلك العجب، الشرّفه الله بإجراء هذا المزيد عليه، ولمَ ينقطع لديه، فلما عجّل وعارض تلك المعجزة برأيه، مَنَعه ذلك عن مشاهدة هذه المعجزة العظمى التي لا تناسب إلا مَنْ كَمُلَ تسلیمُه. ١٧٠ - قوله: (ابن عَبّاد) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة. ٢٩٠ عَبَّادِ، عن فُلَيح بن سُليمانَ قال: حدَّثني رجلٌ من بني عبَّاد يقالُ له: عبدُ الوهّاب بنُ يحيى بنِ عَّدٍ، عن عبدِ الله بن الزُّبير، عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: ما كانتِ الذِّراعُ أحَبَّ اللَّحمِ إلى رسول الله وَّه، ولكنَّهُ كان لا يجدُ اللَّحمَ إلاَّ غِبًّا، وكان يَعْجَلُ إليها لأنَّها أعجلُها نُضجاً. وقوله: (عن فُلَيح) بالتصغير. وقوله: (من بني عَبّاد) قبيلة مشهورة. قوله: (قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله وَ له) قال زين الحفاظ العراقي: هكذا وقع في أصل سماعنا من ((الشمائل)) بالنفي، ووقع في أصل سماعنا من ((جامع)) المصنّف: ((كان الذراع أحب)) بإسقاط حرف النفي، وليس بجيد، فإن الاستدراك بعد ذلك، لا يناسب الإثبات، فهو إما سقط من بعض الرواة، أو أصلحه بعض المتجاسرين، ليناسب بقية الأحاديث، في كون الذراع كانت تعجبه، مع أنه لا منافاة، إذ يجوز أن تُعجبه ولیست بأحب اللحم إليه. وقال ابن حجر: وهذا بحسب ما فهمته عائشة رضي الله عنها، وكأنها أرادت تنزيه مقامه و 18 عن أن يكون له ميل لشيء من الملاذّ. والذي دلت عليه الأخبار: أنه كان يحبه محبة طبيعية غريزية، ولا محذور في تلك، لأنه من كمال الخِلقة. والمحذورُ المنافي للكمال عناءُ النفس واجتهادُها في تحصيل ذلك، وتألُّمُها لفقده. قوله: (ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غِبّاً وكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجاً) أي: ولكنه كان لا يجد اللحم إلا مدة بعد مدة، ولذلك ورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً، إنما هو التمر والماء. وكان يَعْجَل ـ بفتح الجيم - أي: يسرع إلى = ٢٩١ ١٧١ - حدّثنا محمودُ بنُ غيلانَ، حدثنا أبو أحمدَ، حدثنا مسعرٌ قال: سمعتُ شيخاً من فَهْم قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله وَّه قال: ((إنَّ أْيَبَ اللَّحمِ لحمُ الظَّهرِ)). ١٧٢ - حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، حدثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن عبد الله بنِ المؤمَّلِ، عن ابن أبي مُليْكَةَ، عن عائشةَ رضي الله = الذراع، لأنها أعجل اللحم أو الشاةِ نُضْجاً. بضم النون. والمعنى: أن خاطره الشريف وَلَّ يتوجه إلى اللحم لطول فَقْدٍ وجدانه، كما هو مقتضى الطبع، فيعجل حينئذ إلى الذراع لسرعة نضجها. فسَبَبُ كونه يعجل إليها: سُرعةُ نُضجها، لا كونها أحبَّ اللحم على ما فهمته عائشة رضي الله عنها. لكن عرفت أن الذي دلت عليه الأخبار: أنه وَّ كان يحبه محبة طبيعية، وهذا لا محذور فيه، کما مر. ١٧١ - قوله: (سمعت شيخاً) اسمه محمد بن عبد الرحمن. وقوله: (من فَهْمِ) بفتح الفاء وسكون الهاء. هذا هو الذي عليه التعويل، وأما ما ذكره بعض الشراح من أنه بالقاف والتاء كسَهْمٍ - قال وهو أبو حي كما في ((القاموس)): فخطأ صريح، وتحريفٌ قبيح. قوله: (قال) وفي نسخ ((يقول)). وقوله: (إن أطيبَ اللحم لحمُ الظهر) أي: إن ألذ اللحم لحمُ الظهر. ووجه مناسبة هذا الحديث للترجمة: أن أطيبية لحم الظهر تقتضي أنه وَلّ أكله أحياناً. ١٧٢ - قوله: (ابن الحُبَاب) بمهملة وموحدتين، كغُراب. وقوله: (ابن المؤمَّلِ) بصيغة اسم المفعول، وقيل بصيغة اسم الفاعل. وقوله: (عن ابن أبي مُلَيْكة) كجُهَيْنَة. وهو منسوب لجده، لأنه = ٢٩٢ عنها: أنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قالَ: ((نِعْمَ الإدَامُ الخَلُّ)). ١٧٣ - حدّثنا أبو كريبٍ، حدثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشِ، عن ثابتٍ أبي حمزةَ الثُّمالِيِّ، عن الشَّعبيِّ، عن أمّ هانِىءٍ قالت: دخلَ عليَّ النَّبِيُّ بَ ◌ّهِ فقالَ: ((أَعِندَكِ شَيءٌ؟)) فقلتُ: لا، إلَّ خُبْزٌ يابِسٌ وخلٌّ. فقال: «هَاتِي، = عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة . قوله: (قال: نعم الإدام الخل) كان المناسب ذكر هذا الحديث وما بعده متصلاً بما تقدم أول الباب. ١٧٣ - قوله: (أبو كُرَيب) بالتصغير. وفي بعض النسخ زيادة: محمد ابن العلاء. وقوله: (ابن عياش) بمهملة ومثناة تحتية ومعجمة، كعبّاس. وقوله: (عن ثابت أبي حمزة) وفي نسخة ((ابن أبي حمزة)). وقوله: (الثُّمالي) بضم المثلثة وتخفيف الميم منسوب إلى ((ثُمالةَ)) وهو لقب لعَوْف بنِ أسلم، أحدٍ أجداد أبي حمزة. ولَقِّب بذلك: لأنه كان يسقيهم اللبن بثُمالته، أي: رغوته. وقوله: (عن أم هانىء) أي: بنت أبي طالب. قوله: (قالت: دخل عليَّ النبيُّ نََّ) أي: يوم فتح مكة. وقوله: (فقال: أعندكِ شيء؟) أي: أعندك شيء مأكول؟. وقوله: (فقلت: لا، إلا خبزٌ يابس وخَلٌّ) أي: ليس عندي شيء إلا خبز يابس وخَلّ. وقوله: (فقال: هاتي) أي: فقال ◌َّ: هاتي، بإثبات الياء، فهو فعل = ٢٩٣ ما أَقَفَرَ بيتٌ من أُدْمٍ فيه خَلُّ)). ١٧٤ - حدثنا محمّدُ بن المُثَنَّى، حدثنا محمَّدُ بنُ جعفر، حدثنا شعبةُ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن مُرَّةَ الهَمْدَانِيِّ، عن أبي مُوسى الأَشعريِّ، عن النَّبِيِّ صلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسَلَّم قالَ: ((فضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّرِيدِ على سائِرِ الطّعام)). = أمر، ولو كان اسم فعل لم تتصل به. وقوله: (ما أقفرَ بيت من أُدْم فيه خل) أي: ما خلا بيت من الأدم فيه خل. يقال: أقفرت الدارُ: خَلَتْ. وقد انفرد المؤلف بإخراج هذا الحديث. لكن روى البيهقي في ((الشُّعَب)) عن ابن عباس ما يوافقه قال: دخل رسول الله ◌َيهو يوم فتح مكة على أم هانىء - وكان جائعاً - فقال لها: ((أعندكِ طعام آكله؟» فقالت: إنَّ عندي لكِسَراً يابسة، وإني لأستحي أن أقدمَها إليك، فقال: ((هاتيها)) فكسَرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: ((ما من إدام؟)) فقالت: ما عندي إلا شيء من خلِّ، فقال: ((هَلُمِّيهِ)) فلما جاءت به، صبه على طعامه، فأكل منه، ثم حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((نعم الإدام الخل يا أم هانىء، لا يُقْفِر بيت فيه خَلّ)). وفي الباب أيضاً عن أم سعد، عند ابن ماجه، قالت: دخل رسول الله وَّخير على عائشة وأنا عندها فقال: ((هل من غداء؟)) فقالت: عندنا خبز وتمر وخل. فقال: ((نعم الإدام الخل، اللهم بارك في الخل، فإنه إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بیت فيه خل)). ١٧٤ - قوله: (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء. وقوله: (عن مرة الهمْداني) بسكون الميم: نسبة إلى قبيلة همْدان. ويقال له: مرةُ الطيِّب. قوله: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وجه = ٢٩٤ ١٧٥ - حدثنا عليُّ بنُ حُجْرِ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جعفر، حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمَرِ الأنصاريُّ أبو طُوَالةَ، أنَّهُ سمعَ أَنَسَ بن مالكٍ يقولُ: قالَ رسول الله وَّه: ((فضلُ عائشةَ على = فضل عائشة على النساء: ما أُعطيته من حسن الخلق وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي والعقل، والتحبُّب إلى البعل. والمراد أنها أفضل نسائه وي لتر اللاتي في زمنها، وإلا فأفضل النساء: مريمُ بنتُ عِمرانَ، ثم فاطمةُ الزهراءُ، ثم خديجةُ، ثم عائشة، التي قد برأها الله تعالى. وقد نظم بعضهم ذلك فقال: فُضْلى النِسا: بنتُ عمران، ففاطمةٌ خديجةٌ، ثم مَنْ قد برأ اللهُ وهذا هو الذي أفتى به الرملي. وقد قال جمع من السلف والخلف: لا يُعدل ببَضْعة رسول الله وَلّ أحد. قال بعضهم: وبه يعلم: أن بقية أولاده كفاطمة. ووجه فضل الثريد على الطعام: ما في الثريد من النفع، وسهولةٍ مساغه وتيسُّرِ تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعةٍ، واللذةِ والقوةِ وقلةِ المشقة في المضغ. والمراد أن الثريد أفضل على سائر الطعام من جنسه بلا ثريد. وروى أبو داود: كان أحبَّ الطعام إلى رسول الله وَّهِ: الثريدُ من الخبز والثريد من الحَيْس. والثريد : - بفتح المثلثة - بمعنى المثرود، فهو فعيل بمعنى مفعول، يقال: ثردْتُ الخبزَ ثرداً، من باب قتلٍ: وهو أن تفُتَّه بضم الفاء من باب رد، كما في ((المصباح))، فيهما، ثم تَبُلَّه بمرق. وقد يكون معه لحم. ومرقُ اللحم في الثريد قائم مقامه، بل قد يكون أولى منه، كما بينه الأطباء، وقالوا: إنه يعيد الشيخَ شاباً. وهذا الحديث بعيد المناسبة بالباب، إلا أن يقال: إنه يكون معه إدام. ١٧٥ - قوله: (ابن مَعْمَر). بوزن جعفر. وقوله: (أبو طوالة) بضم الطاء. ٢٩٥ النِّساء كفضلِ الثَّريدِ على سائِرِ الطَّعامِ». ١٧٦ - حدثنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ، عن سُهيلٍ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّه رأَى رسولَ الله وَّ تَوَضَّأَ من ثَوْرِ أَقِطِ، ثم رآهُ أَكَلَ مِنْ كِتِفِ شاةٍ، ثمَّ صلَّى، ولم يتوضَّأ. ١٧٧ - حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفيانُ بن عُيَينة، عن وائِلٍ قوله: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) تقدم الكلام عليه. وهذا الحديث بعيد المناسبة بالباب كما مر في الذي قبله. ١٧٦ - قوله: (عن سُهَيْل) مصغر. قوله: (توضأ من ثَوْرِ أقِطِ) أي: من أجل أكل قطعة من الأقِط. وهو لبن يُجَمَّد بالنار. والثَّور : - بفتح المثلثة وسكون الواو - القطعة من الأقِط، سميت بذلك: لأن الشيء إذا قُطِع من شيء ثارَ عَنْهُ وزال، كما قاله الزمخشري . وقوله: (ولم يتوضأ) أي: من أكله من كتف الشاة. فصدر الحديث فيه الوضوء مما مسته النار، وعجزُه فيه عدم الوضوء منه. وجُمِع: بأن الوضوء الأول بالمعنى اللغوي وهو غسل الكفين، والوضوء الثاني بالمعنى الشرعي، وهو وضوء الصلاة. وبعضهم جعله فيهما بالمعنى الشرعي وقال: في وضوئه أوَّلاً، وعدم وضوئه ثانياً: إشارةٌ وتنبيهٌ على أنه مستحب لا واجب. ١٧٧ - قوله: (ابن أبي عمر) قيل: اسمه محمد بن يحيى بن أبي عمر، فهو منسوب إلى جده. وقوله: (عن وائل) بالهمز. ٢٩٦ ابنِ داوُد، عن ابنِهِ - وهوَ بكرُ بن وائلٍ - عن الزُّهريِّ، عن أنس ابنِ مالكٍ قال: أَوْلَمَ رسول الله وَّهِ على صفيّةَ بتمرِ وسَويقٍ. ١٧٨ - حدثنا الحُسَينُ بنُ محمَّدٍ البصريُّ، حدثنا الفُضيلُ بن وقوله: (عن ابنه) وفي نسخة: عن أبيه. قوله: (أولم رسول الله ◌َ ﴿ على صفية بتمر وسويق) أي: صنع وليمة - وهي كل طعام يُتَّخَذ لحادثِ سرورٍ أو حزنٍ - على صفية بنتِ حُييَ بن أَخْطَبَ اليهودي - من نسل هارون أخي موسى عليهما السلام، وكان أبوها سيد بني النضير - بتمرٍ - وهو معروف - وسويقٍ . - وهو ما يعمل من الحنطة أو الشعير - وضعه في نِطَع - وهو المتخذ من الجلد - ثم قال لأنس: ((آذِنْ مَنْ حولك)» فكانت تلك ولیمته عليها. وكانت عند سلام - بالتخفيف، والتشديد - ابنٍ مِشْكَم - بكسر الميم وسكون الشين وفتح الكاف ــ ثم خَلَفه عليها كنانةُ بنَ ربيع بن أبي الحُقَيْقِ - بالتصغير - فقُتِل عنها يوم خيبر كافراً. ولم تلد لأحدٍ منهما شيئاً، فصارت في السبي، فأخذها دحية الكلبي، فقيل: يا رسول الله، هذه بنت سيد قومها، ولا تصلح إلا لك، فعوَّضه عنها سبعَ جوارٍ، وأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقَها. وكانت رأت قبل ذلك: أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها، فلطم وجهها، وقال: إنك لتمدِّينَ عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب! فلم يزل الأثر بوجهها حتى أُتي بها رسول الله ١٧٨ - قوله: (الحسين بن محمد) وفي نسخة: ((سفيان بن محمد)) وهو غلط، لأن سفيان بن محمد لم يُذكَر في الرواة. وقوله: (الفُضَيل) بالتصغير، وهو الصواب. وفي بعض النسخ : = ٢٩٧ سُليمانَ، حدثنا فائدٌ مولى عُبيدِ الله بنِ عليٍّ بنِ أبي رَافعٍ مولى رسُولِ اللهِ وَّ قالَ: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عليٍّ، عن جدَّتِهِ سَلمىَ: أنَّ الحسَنَ بن عليٍّ، وابنَ عبَّاسٍ، وابنَ جعفرٍ، أتَوْها فقالوا لها: إِصْنَعِي لنَا طعاماً ممَّا كان يُعجِبُ رَسُولَ اللهِ بَّهَ، ويُحْسِنُ أكلَهُ، فقالتْ: يابُنَيَّ، لا تَشْتَهِهِ اليَومَ. = ((الفضل)) بالتكبير. وهو غلط، كما قاله السيد أصيلُ الدين. وقوله: (فائد) بالفاء وآخره دال مهملة. وقوله: (مولى رسول الله وَّة) صفة لأبي رافع، وكان قبطياً. اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابتٌ، وقيل: هرمز، وغلبت عليه كنيته، وكان للعباس، فوهبه للنبي وَّر، فلما بشّره بإسلام العباس، أعتقه. وقوله: (عن جدته سلمى) - بفتح أوله - وهي زوجةُ أبي رافع، وقابلةُ إبراهيمَ ابنِ النبي ◌َلتر. وقوله: (أن الحسن بن علي) وفي بعض النسخ ((الحسين بن علي)). قوله: (أتوها) أي لكونها كانت خادمةً المصطفى ◌َّ وطبّاخته. وقوله: (فقالوا) أي: كلُّهم أو بعضهم. وقوله: (مما كان يعجب رسول الله وَل38) أي: من الطعام الذي كان يوقع رسول الله بَّر في العجب. وقوله: (ويُحسن أكله) من الإحسان، أو التحسين. فهو على الأول: بسكون الحاء وتخفيف السين، وعلى الثاني: بفتح الحاء وتشديد السين. وعلى كلٍ فهو بضم الياء. قوله: (فقالت: يا بني لا تشتهيه اليوم) أي: لسعة العيش، وذهابِ = ٢٩٨ قالَ: بَلَى، إِصْنَعِيه لنَا. قالَ: فقامَتْ، فَأَخَذَتْ شيئاً من شعيرٍ، فِطَحَنَتْهُ، ثُمَّ جَعَتْهُ في قِدْرٍ، وصَبَّتْ عليه شيئاً من زيتٍ، ودقَّتِ الفُلْفُلَ والتَّابِلَ، فقرَّبتْهُ إليهِمْ، فقالتْ: هذا ممَّا كان يُعجِبُ رسول الله وَلٌ، ويُحْسِنُ أَكْلَهُ. = ضيقه الذي كان أوّلاً، وقد اعتاد الناس الأطعمة اللذيذة. وإنما أفردَتْ، مع أن المطابق لقوله ((قالوا)) الجمع: إما لكونها خاطبَتْ أعظمَهم: وهو الحسن، أو لأنهم لاتحاد بُغيتهم كانوا کواحد. وقوله: (قال: بلى) أي: نشتهيه. وفي نسخة ((قالوا)). وقوله: (من شعير) وفي نسخ: ((من الشعير)) مُعرَّفاً. وقوله: (فطبخته) وفي نسخ: ((فطحنته)) (١). وقوله: (ودقَّتْ الفُلفُل) بضم الفاءين، هذا هو الرواية. وفي ((القاموس)) الفُلفُل: كهُدْهُد وزِبْرِجٍ: حبٌّ هنديٌّ. والأبيضُ أصلح، وكلاهما نافع. وقوله: (والتوابل) بالتاء المثناة قبل الواو، والباء بعد الألف، وهي أَبْزار الطعام. وهي: أدوية حارة يُؤتى بها من الهند، وقيل: إنها مركبة من الكُزْبُرَة والزَّنْجبيل والكَمّون. وقوله: (فقربته إليهم) أي: قدمته لهم. وقوله: (فقالت: هذا مما كان يعجب رسول الله ﴿ له ويحسن أَكْلَه) من الإحسان، أو التحسين، كما تقدم. ويؤخذ من هذا: أنه 18 كان يحب تطييب الطعام بما تَيَسَّر وسَهُل، وأن ذلك لا ينافي الزهد. (١) وهو الذي في نسخة المتن، وهو المناسب للسياق. ٢٩٩ ١٧٩ - حدثنا محمُودُ بنُ غَيلانَ، حدَّثنا أبُو أَحمدَ، حدَّثنا سُفيانُ، عن الأسود بنِ قيسٍ، عن نُبِيحِ العَنَزَيِّ، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: أَتَانا النَّبِيُّ ◌ََّ في مَنِزِلِنا، فَذَبَحْنَا لَهُ شاةً، فقالَ: ((كأنَّهُم عِلِمُوا أنَّا نُحِبُّ اللَّحْمَ)). وَفي الحدِيثِ قصَّةٌ. ١٧٩ - قوله: (عن نُبَيْح) وفي نسخ: ((ابن نبيح)) وهو بنون، وموحدة، وتحتية، وحاء مهملة، مصغر. وقوله: (العَنَزي) بفتح العين المهملة والنون، نسبة إلى عَنَزَة بفتحات: حيّ من ربيعة. قوله: (فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم) أي: حيث أضافونا به. وقَصَد بذلك تأنيسَهم وجبرَ خواطرهم، لا إظهارَ الشغَفِ باللحم، والإفراطِ في حبه. ويؤخذ منه: أنه ينبغي للمُضيف أن يحافظ على ما يحبه الضيف إن عرفه، وللضيف أن يُخبِر بما يحبه، ما لم يوقع المضيف في مشقة. قوله: (وفي الحديث قصة) أي: طويلة كما في بعض النسخ. وهي: أن جابراً في غزوة الخندق قال: انكفأت، أي: انطلقتُ إلى امرأتي فقلت: هل عندكِ شيء، فإني رأيت بالنبي ◌َّ جوعاً شديداً؟ فأخرجَتْ جِراباً فيه صاع من شعير، ولنا بُهيمةٌ داجنٌ، أي: شاةٌ سمينة، فذبحتُها أنا وطحنَتْ - أي: زوجي - الشعيرَ، حتى جعلنا اللحم في البُرْمة، ثم جئتُهُ بَّهِ وأخبرتُه الخبر سراً، وقلت له: تعال أنت ونفرٌ معك، فصاح: ((يا أهل الخندق إن جابراً صنع سُؤْراً فَخَيَّهلا بكم)). أي: هلمّوا مسرعين. وقال: ((لا تُنزِلُنَّ بُرْمَتَكم ولا تَخِزُنَّ عجينكم حتى أجيء)» فلما جاء، أخرجْتُ له العجينَ، فبصق فيه، وبارك، ثم عمد إلى بُرْمَتنا فبصق، وبارك، ثم قال: ((ادعي خابزة لتخبِزَ معك، واغرِفي من برمتِكم، ولا تُنزلوها)» والقومُ ألفٌ، فأُقُسم بالله: لقد أكلوا حتى تركوه وانصرفوا، وإن بُرْمَتَنا لتغِطُّ - أي: تغلي - = ٣٠٠ ١٨٠ - حدثنا ابنُ أبي عُمرَ، حدَّثنا سُفيانُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّهُ سمعَ جابراً. قالَ سُفيانُ: وحدَّثنا ابن المُنكدرِ، عن جابرِ قالَ: خَرِجَ رسُولُ اللهِ وَلَهُ وأَنَا معهُ، فَدخلَ على امرَأَةٍ منَ الأنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لهُ شاةً، فَأَكَلَ منها، وأتَتْهُ بِقِنَاع مِنْ رُطَبٍ، فأكلَ منهُ، ثمَّ توضَّأَ لِلظُهرِ، وصلَّى، ثمَّ انصَرَفَ، فأَتْهُ بِعُلالةٍ من عُلَاَلَةِ الشَّاةِ، فَأْكَلَ، = ويُسمع غطيطُها كما هي، وإن عجيننا ليُخْبَزُ. كما رواه البخاري ومسلم. ١٨٠ - قوله: (فذبحتْ له شاة فأكل منها). يؤخذ منه: حِل ذبح المرأة، لأن الظاهر أنها ذبحت بنفسها، ويَحتمِل أنها أمرت بذبحها. والجزم به يحتاج إلى دليل. وقوله: (وأتتْه بقناع من رُطَب) القناع - بكسر القاف -: طبق يعمل من خُوص النخل. هذا هو المراد هنا. وقوله: (ثم توضأ للظهر) يحتمل أنه كان محدِثاً، فلا دلالة فيه على وجوب الوضوء مما مسته النار. وقوله: (ثم انصرف) أي: من صلاته. وقوله: (فأتته بعُلالة مِن عُلالة الشاة فأكل) أي: فأتته ببقية لحم الشاة، فأكل. فالعُلالة - بضم العين المهملة -: البقية، ومِن: تبعيضية، أو بيانية، بل جَعْلُها بيانية له وجْهٌ وجيه . وقد عُلم من ذلك: أنه ◌َ ◌ّ أكل من لحم في يوم مرتين، ولا يلزم من أكله مرتين: الشبعُ في كلِ منهما. فمَنْ عارضه بقول عائشة السابق ((ما شبع من لحم في يوم مرتين)): لم يكن على بصيرة. ويؤخذ من ذلك: أنه لا حَرَج في الأكل بعد الأكل، وإن لم ينهضم الأول. أي: إنْ أَمن التُّخَمة، =