النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وقوله: (ابن عبد الرحمن) أي ابن أوس الكندي، ويقال: التميمي. روى عن السائب، وعائشة بنت سعد، والدوسي، وغيرهم، وعنه الشيخان(١) وغيرهما. قوله: (السائب) بمهملة وهَمْز كصاحب. وقوله: (ابن يزيد) أي: ابن أخت نَمر الكندي. وهو صحابي صغير، روى عن عمر وغيره. قال الذهبي: وروايته في الكتب كلها. ولد في السنة الثانية من الهجرة، ومات سنة ثمانين(٢). قوله: (ذهبت بي خالتي) أي: مضت بي واستصحبتني في الذهاب، فالباء للتعدية مع المصاحبة، كما ذهب إليه المبرد وغيره، ولا يرد قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ فإنه على المجاز، والمعنى: أذهبهم، أي: أبعدهم عن رحمته، لاستحالة المصاحبة هنا، وذهب الجمهور إلى أنها للتعدية فقط. قال العسقلاني: لم أقف على اسم خالته، وأما أمه فاسمها عُليّة بنت شريح. قوله: (إلى النبي) وفي نسخة: إلى رسول الله وَ له . قوله: (وجع) بفتح الواو وكسر الجيم، أي: ذو وجع - بفتحهما - وهو يقع على كل مَرض. وكان ذلك الوجع في قدميه، بدليل رواية البخاري ((وقع)) بفتح الواو وكسر القاف، أي: ذو وَقَع - بفتحهما - وهو (١) كذا، وصوابه: خرّج له الشيخان، كما جاء في عبارة القاري والمناوي. (٢) هذا قول، وقوله الآتي: بلغ أربعاً وتسعين سنة، يتمشَّى مع قول آخر. = ٨٢ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، = مرض القدمين، لكن قضية مسحه و ل# رأسه، أن مرضه كان برأسه، ولا مانع أن يكون به المرضان. وآثَر مسح الرأس: لأن صرف النظر إلى إزالة مرضه أهم، إذ هو مدار البقاء والصحة وميزان البدن، ولا كذلك القدمان. قوله: (فمسح ◌َّي رأسي) يؤخذ منه: أنه يسن للراقي أن يمسح محل الوجع من المريض. وقد روى البيهقي وغيره: أن أثر مسحه وَلّر من رأس السائب لم يزل أسود، مع شيب ما سواه. قوله: (ودعا لي بالبركة) يؤخذ منه أنه يسن للراقي أن يدعو للمريض بالبركة، إذا كان ممن يتبرك به. والبركة كما قاله الراغب: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والأقرب أن المراد هنا: البركة في العمر والصحة فقد بلغ أربعاً وتسعين سنة، وهو معتدل قويّ سويّ. قال راويه: قال لي السائب: قد علمتُ أني ما مُتِّعت بسمعي وبصري إلا ببركة دعائه وَّر. وفيه دليل على أنه وَّر كان في غاية التلطف مع أصحابه، سيما الأحداث، لكمال شفقته علیھم. قوله: (وتوضأ) يحتمل أنه وسل ◌ّ توضأ لحاجته للوضوء، ويحتمل أنه توضأ، ليشرب ذلك المريض من وَضوئه، كما يقتضيه السياق. وقوله: (فشربت من وَضوئه) بفتح الواو كما هو الرواية، فيحتمل أن يراد به كما قاله ناصر الدين الطبلاوي: فضل وضوئه بمعنى: الماء الباقي بالظرف بعد فراغه، وأن يراد به ما أُعد للوضوء، وأن يراد به المنفصل من أعضائه . وهذا الأخير أنسب بما قصده الشارب من التبرك. قوله: (وقمت خلف ظهره) أي: تحرياً لرؤية الخاتم، أو اتفاقاً، فوقع نظره عليه . ٨٣ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ زِرِّ الْحَجَلَةِ. ١٧ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالِقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَيُوبُ بْنُ جَابِرٍ، وقوله: (فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه) أي: لانكشاف محله، أو لكشفه وفر له ليراه. والبينيّة تقريبية لا تحديدية، فقد كان إلى اليسار أقرب. والسرّ فيه: أن القلب في تلك الجهة، فجُعل الخاتم في المحل المحاذي للقلب. وفي رواية ((أنه كان عند كتفه الأيمن)) والأول أرجح وأشهر، فوجب تقديمه. وفي مستدرك الحاكم عن وهب: لم يبعث الله نبياً إلا وعليه شامة النبوة في يده اليمنى، إلا نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه خصوصية له، وبه جزم السيوطي في خصائصه. وهل وُلد به؟ أو وضع حين ولد؟ أو عند شق صدره؟ أو حين نبىء وَ لا؟ أقوال، قال الحافظ ابن حجر: أثبتُها: الثالثُ، وبه جزم عیاض. قوله: (فإذا هو مثل زر الحجلة) أي: ففاجأني عِلْم أنه مثل زِرّ الحجلة بتقديم الزاي المكسورة على الراء المهملة المشددة. هذا ما صوبه النووي. وقيل: إنما هو رِزّ الحجلة بتقديم الراء المهملة على الزاي المشددة. قال بعضهم: وهو أوفق بظاهر الحديث، لكن الرواية لا تساعده، وعلى الأول فالزر: واحد الأزرار التي توضع في العُرى التي تكون للخيمة. والمراد بالحَجَلة - بفتحتين وقيل: بضم الحاء، وقيل: بكسرها مع سكون الجيم فيهما -: قبة صغيرة تعلق على السرير، وهي المعروفة الآن بالناموسية. وعلى الثاني فالرز: البيض. يقال: رَزَّت الجرادة: غرزت ذنبها في الأرض لتبيض. والمراد بالحجلة: الطائر المعروف. ١٧ - قوله: (الطالقاني) بكسر اللام، وقد تفتح، نسبة إلى طالقان، بلدة من بلاد قزوين. ثقة، لكن قال ابن حبان: ربما أخطأ. خرج له أبو داود والنسائي والمصنف. قوله: (أيوب بن جابر) أي: اليمامي ثم الكوفي. خرج له أبو داود، = ٨٤ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُول الله وَّهِ غُدَّةً حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ. = والمصنف. لكن قال أبو زرعة وغيره: ضعيف. روى عنه قتيبة بن سعيد، وابن أبي ليلى وغيرهما. قوله: (عن سماك بن حرب) أي: الذهلي أبي المغيرة. أدرك ثمانين صحابياً، وهو ثقة، لكن ساء حفظه، فلذلك قال ابن المبارك: ضعيف الحديث. وكان شعبة يضعفه. قوله: (رأيت الخاتم بين) إلخ أي: الكائن بين إلخ، أو كائناً بين إلخ، فهو على الأول صفة للخاتم، وعلى الثاني حال. قوله: (غدة) بضم الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة، وهي كما في ((المصباح)): لحم يحدث بين الجلد واللحم يتحرك بالتحريك. وقوله: (حمراء) وفي رواية: ((أنها سوداء)) وفي رواية: ((أنها خضراء)) وفي رواية: ((كلون جسده)) ولا تدافع بين هذه الروايات، لأنه كان يتفاوت باختلاف الأوقات. فكانت كلون جسده تارة، وكانت حمراء تارة، وهكذا حسب الأوقات. قوله: (مثل بيضة الحمامة) لا تعارض بين هذه الرواية والرواية السابقة، بل ولا غيرها من الروايات. كرواية ابن حبان: ((كبيضة نعامة)) ورواية البيهقي ((كالتفاحة)) ورواية ابن عساكر: ((كالبندقة)) ورواية مسلم (جُمْعٌ)) بضم الجيم وسكون الميم ((عليه خِيلانٌ كأنها الثآليل)) وسيأتي ذلك للمصنف. وفي صحيح الحاكم ((شعر مجتمع)) وسيأتي ذلك للمصنف أيضاً، الرجوع اختلاف هذه الروايات إلى اختلاف الأحوال، فقد قال القرطبي: إنه كان يكبر ويصغر، فكلٌّ شبّه بما سَنَح له. ومن قال: شَعْر، فلأن الشعر حوله، كما في رواية أخرى. = ٨٥ ١٨ - حدّثنا أَبُو مُصْعَبِ الْمَدِينِيُ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ وبالجملة فالأحاديث الثابتة تدل على أن الخاتم كان شيئاً بارزاً، إذا = قُلِّل: كان كالبندقة ونحوها، وإذا كثِر: كان كجُمْع اليد. وأما رواية: ((كأثر المِحجم، أو كرُكْبة عنز، أو كشامة خضراء أو سوداء، ومكتوب فيها: محمد رسول الله، أو سِرْ فإنك المنصور: لم يثبت منها شيء. كما قاله العسقلاني. وتصحيح ابن حبان لذلك وَهْمٌ. وقال بعض الحفاظ: مَن روى أنه كان على خاتم النبوة كتابة: محمد رسول الله، فقد اشتبه عليه خاتم النبوة بخاتم اليد، إذ الكتابة المذكورة إنما كانت على الثاني دون الأول. ١٨ - قوله: (أبو مصعب) بفتح العين، واسمه: مطرف بن عبد الله الهلالي. وقيل: أحمد بن أبي بكر الزهري(١). قال أبو حاتم في الأول: صدوق. روى عنه البخاري وأبو زرعة، لكنه مضطرب الحديث، وقال ابن عدي في الثاني: له مناکیر. وقوله: (المديني) بإثبات الياء وفي نسخ ((المدني)) وعلى كل فهو نسبة للمدينة التي هي ((طيبة)) إلا أن المديني - بإثبات الياء - لمن وُلد بها، وتحول عنها، والمدني: لمن لم يفارقها، كما نقل عن البخاري. لكن في ((الصحاح)) ما يقتضي أن القياس هنا الثاني. ونصه: النسبة ((لطيبة)): مدني، ولمدينة المنصور وهي بغداد: مديني، ولمدائن كسرى: مدائني. اهـ. قوله: (يوسف ابن الماجشون) أي: بواسطتين، لأنه ابن يعقوب بن أبي سلمة بن الماجشون. وهو بكسر الجيم في الأصول المصححة، ووقع في القاموس أنه بضم الجيم، وضبطه ابن حجر بفتحها (٢)، ولا أصل له. (١) وهو الصواب. (٢) لعله يريد ابن حجر المكي، اما الحافظ فضبطه في ((التقريب)) (٤١٠٤) بكسر الجيم . = ٨٦ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ رُمَيْئَةً قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أُقَبِّلَ الْخَاتَمَ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِنْ قُرْبِهِ لَفَعَلْتُ - = والماجشون بالفارسية: المورَّد. وإنما سُمي به لحمرة خدَّيه، وهو مولى المنكدر. روى عنه أحمد، وهو ثقة. خرج له الشيخان، والنسائي، وابن ماجه، والمصنف . قوله: (عن أبيه) يعني: يعقوب بن أبي سلمة بن الماجشون. وثّقه ابنُ حبان. روى عن الصحابة مرسلاً. خرّج له مسلم وغيره، ويعرف هو وأهل بیته بالماجشون. وفیھم رجال لهم فقه ورواية. قوله: (عن عاصم بن عمر) بضم العين وفتح الميم. وقوله: (ابن قتادة) بفتح القاف، وهو: ابن النعمان المدني الأوسي الأنصاري. وثّقوه، وكان عالماً بالمغازي، كثيرَ الحديث، كما قاله الذهبي، خرّج له الجماعة . قوله: (رميثة) - بالتصغير -: صحابية صغيرة، لها حديثان: أحدهما هذا، والآخر في صلاة الضحى، روته عن عائشة. خرج لها النسائي. قوله: (ولو أشاء أن أقبل) إلخ، هذه الجملة معترضة بين الحال - وهي جملة ((يقول)) الآتي - وبين صاحبها وهو رسول الله وَ ل، وفائدتها: بيان قربها منه ور جداً تحقيقاً لسماعها، فإن المروي أمر عظيم، وإنما عبرت بالمضارع، مع أن المشيئة ماضية: إشارة إلى أن تلك الحال كالمشاهدة في نظرها. لا يقال: نظر المرأة الأجنبية إلى الأجنبي حرام، لأنا نقول: من خصائصه وال*جواز نظر المرأة الأجنبية له. قوله: (من قربه) أي: من أجل قربه، فمِن تعليلية بمعنى اللام، والضمير راجع للخاتم، أو للنبي وَّ، واقتصر المناوي على الأول. قوله: (لفعلت) جواب ((لو)). ٨٧ يَقُولُ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَوْمَ مَاتَ: ((اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ)). قوله: (يقول) جملة حالية من ((رسول الله)) وَلّ كما علمت. قوله: (لسعد بن معاذ) أي: في شأنه، وبيانٍ منزلته ومكانته عند الله تعالى. وكان سعد بن معاذ من عظماء الصحابة، شهد بدراً، وثبت مع المصطفى وَّ﴿ يوم أحد، ورُمي يوم الخندق في أَكْحَله فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر، ودفن بالبقيع، وشهد جنازته سبعون ألف ملك، وكان قد أُهدي للمصطفى وَ لِّ حلةُ حرير، فجعلت الصحابة يتعجبون من لينها، فقال وَفيه: ((لَمناديلُ سعد في الجنة خير منها وألين)). رواه المصنف. وإذا كانت المناديل المعدَّة للوسخ خيراً منها وألين، فما بالك بغيرها؟! اهـ مناوي. قوله: (يوم مات) الظاهر أنه من كلام رُميثة. وعليه: فهو ظرف لـ: يقول، ويحتمل أنه من كلام النبي وَّر. وعليه: فهو ظرف لقوله: اهتز، إلخ. قوله: (اهتزّ له عرش الرحمن) أي: استبشاراً وسروراً بقدوم روحه. والاهتزاز في الأصل: التحرك والاضطراب. وأبقاه على ظاهره جمهور المحدثين وقالوا: لا يُستنكر صدور أفعال العقلاء عن غيرهم بإذن الله تعالى. قال النووي: وهذا هو المختار. ولم يُبْقِه بعضهم على ظاهره، بل فسره بالفرح والسرور، فيكون من قبيل قولهم: إن فلاناً لتأخذه للثناء هِزة، أي: ارتياحٌ وطلاقةٌ. ووقوع ذلك في كلامهم غيرُ عزيز. وذهب بعضهم إلى أن في الحديث تقدير مضاف، أي: حَمَلة عرش الرحمن، على حد قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ أي: أهلهما. وفي هذه الرواية تصريح بردِّ ما زعمه بعضهم في بعض الروايات ((اهتز العرش)) من أن المراد بالعرش: نعْش سعد الذي حُمِل عليه إلى قبره، ولعله لم يطلع على هذه الرواية. ومما ضُعّف به هذا الزعم: أن المقام مقام بيان فضل سعد، ولا فضيلة في اهتزاز سريره، لأن = ٨٨ ١٩ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الله مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ - مِنْ وَلِدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ إذَا وَصَفَ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ - وَقَالَ: بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. = كل سرير يهتز لتجاذب الناس إياه. نعم، لو كان اهتزازه من نفسه: لكان فيه الفضيلة، فحيث احتُمل واحتُمل لم يكن صحيحاً على القطع، وقد غفل عن ذلك بعض الشراح، فانتصر له بأنه إذا أثّر موتُه في الجماد: كان غايةً في تأثيره في عظماء الخلق. ١٩ - قوله: (وغير واحد) اعترض بأنه واحد، لأنه لم يذكر فيما تقدم، حين ساق هذا الحديثَ سوى أحمدَ بنِ عبدة وعلي بن حجر، إلا واحداً هو: أبو جعفر محمد بن الحسين. وأجيب: بأنه نبه هنا على أنه رواه عن غير الثلاثة المذكورين فيما تقدم، وإن اقتصر عليهم فيما سبق. قوله: (مولى غُفْرة) بضم الغين المعجمة وسكون الفاء، وهو بدل من عمر - بضم العين وفتح الميم -. قوله: (قال: حدثني) إلخ، الضمير في ((قال)) لعمر المذكور. قوله: (قال: كان) إلخ، الضمير في ((قال)) هذا لإبراهيم المذكور. قوله: (فذكر الحديث بطوله) أي: المتقدم في أول الكتاب. وإنما أورده هنا إجمالاً، لأجل قوله: ((بين كتفيه خاتم النبوة)) ولذلك صرح به بقوله: ((وقال: بين كتفيه)) إلخ. والضمير في ((قال)) لعَلي. قوله: (وهو خاتم النبيين) أي: كما قال تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾. ٨٩ ٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثْنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو ٢٠ - قوله: (أبو عاصم) أي: البصريُّ، واسمه: الضحاك، وكان شيخ البخاري. صاحبُ مناقبَ وفضائلَ، خرّج له الجماعة، ويلقب: بالنبيل - بفتح النون وكسر الموحدة - لكبر أنفه(١). وقيل: لقبه بذلك ابن جريج، لأن الفيل قدم البصرة، فذهب الناس ينظرونه، فقال ابن جريج: مالك لا تذهب؟ فقال: لا أجد عنك عوضاً، فقال: أنت نبيل. وقيل لقبه به المهدي. وقيل غير ذلك. قوله: (عَزْرة) بفتح العين المهملة وسكون الزاي وفتح الراء المهملة في آخره هاء التأنيث. وقوله: (ابن ثابت) أي: ابن أبي زيد الأنصاري. خرج له الستة. روى عن عمرو بن دينار وطائفة. وعنه وكيع وابن مهدي والطبقةُ، وهو ثقة. قوله: (عِلْباء) بكسر العين المهلمة وسكون اللام وبمدِّ الموحدة. وقوله: (ابن أحمر) بمهملات بوزن ((أكرم)). وقوله: (اليَشْكُرِيّ) بفتح المثناة التحتية، وسكون الشين المعجمة، وضم الكاف، وكسر الراء، وتشديد الياء. روى عن عكرمة وغيره. وعنه ابنُ واقد وغيرُه. وهو ثقة صدوق. خرّج له المصنف، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. قوله: (أبو زيد) کنیته. وقوله: (عمرو) اسمه. وهو بفتح العين وسكون الميم. - (١) فقيل: تزوّج امرأة، فلما خلا بها قالت له: نحّ ركبتك عن وجهي! قال: ليس ذا ركبة، إنما هو أنف. ((سير أعلام النبلاء)) ٩: ٤٨٢ . ٩٠ ابْنُ أَخْطَبَ الأنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَبًا زَيْدٍ أُدْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي)) وقوله: (ابن أخطب) بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة، وفي آخره باء موحدة. وقوله: (الأنصاري) أي: البدري الحضرمي. صحابيُّ جليلٌ خرّج له مسلم، والأربعة. قوله: (قال: قال لي رسول الله وَ ﴿) إلخ الضمير في ((قال)) الأولى لأبي زيد، الذي أخرج عنه المصنف هذا الحديث بالإسناد المذكور، وأخرجه ابن سعد بهذا الإسناد، عن أبي زَمْعة بلفظ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا أبا زمعة، ادنُ مني، امسخ ظهري))، فدنوت، فمسحت ظهره، ثم وضعت أصابعي على الخاتم، فغمزتها. قلنا له: ما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع عند كتفه وَله. ويرجِّح رواية المصنف - كما قاله العصام -: أن عزرة حفيدُ أبي زيد، فهو أعلم بحديثه. وقول بعض الشراح: كونه أعلم، لا يوجب الرجحان: تعصبٌ في غاية البيان. نعم قول العصام: يَظهر أن إحدى الطريقين وَهْمٌ: هو الوهم، لاحتمال أن يكون للحديث طريقان. اهـ مناوي. قوله: (أُدن مني) أي: أُقْرُب مني، وهو بهمزة وصل، وبِدالٍ مهملة ساكنة، وبنون مضمومة. قوله: (فامسح ظهري) يحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم علم بنور النبوة، أن أبا زيد يريد معرفة كيفية الخاتم، فأمره أن يمسح ظهره ليعرفها، ملاطفة له، واهتماماً بشأنه، ولم يرفع ثوبه ليراه: لمانع، ككون الثوب مخيطاً يعسر رفعه، ويحتمل أنه ظن أن في ثوبه شيئاً يؤذيه، كقِشّة أو نحوها، فأمره وسل ◌ّ أن يمسح ظهره، ليفحص عن ذلك. ويؤخذ من ذلك: حِل مسح الظهر مع اتحاد الجنس. ٩١ فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَتْ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ، قُلْتُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ. ٢١ - حدّثنا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثِ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ قوله: (فمسحت) أي: فدنوت، فمسحت. وفي ((جامع)) المصنّف: أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا له فقال في رواية: ((اللهم جمِّله)) فعاش مئة وعشرين سنة، وليس في رأسه ولحيته إلا شعرات بيض. قوله: (فوقعت أصابعي على الخاتم) أي: أصابته. يقال: وقع الصيد في الشَّرَك، أي: حصل فيه. قوله: (قلت: وما الخاتم؟) القائل: عِلباء. وقوله: (قال) أي: أبو زيد، لأنه المسئول. وقوله: (شعرات مجتمعات) ظاهره: أنه لم يمس الخاتم بنفسه، بل الشعرات المجتمعات، فأخبر عما وصلت إليه يده. بدليل ما جاء في الروايات الصحيحة: أنه لحم ناتىء، ويمكن حمل كلامه على تقدير مضاف، أي: ذو شعرات مجتمعات. واعلم أنهم قالوا: من كان على ظهره شامة عليها شعر نابت، كان كثير العناء، وأصاب أهل بيته لأجله مكروه، ويكون موته من قِبَل السم. وقد كان كذلك، فكان وَل كثير العناء، لما لاقى من الشدائد، وأصاب بني هاشم لأجله مالا يخفى، وأما الموت بالسم، فقد قال وَله: ((ما زالت أَكْلَة خيبر تعاودنى فهذا أوان انقطاع أَبهري)». ٢١ - قوله: (حدثنا أبو عمار) بمهملات، كشَدّاد. وقوله: (ابن حريث) بمهملتين وفي آخره ثاء مثلثة مصغر ((حرث)). وقوله: (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة، نسبة إلى خزاعة القبيلة = ٩٢ ابْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: بُرَيْدَةَ يَقُولُ: جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى رَسُولِ الله = المشهورة. روى عن سفيان بن عيينة، ووكيع، وغيرهما، وخرّج له البخاري ومسلم وغيرهما. وهو ثقة. قال ابن خزيمة: رأيته في النوم على منبر النبي وَّر بثياب خضر، فقرأ: ((أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم))؟ فأجيب من القبر الشريف: حقاً حقاً. قوله: (علي بن حسين) وفي نسخة: ابن الحسين بالألف واللام. وقوله: (ابن واقد) بكسر القاف. كان صدوقاً. قال أبو حاتم: ضعيف. لكن قال النسائي: لا بأس به. روى عن ابن المبارك وغيرِهِ، وعنه ابن راهويه وغيره. خرج له البخاري في الأدب، والأربعة. قوله: (حدثني أبي) أي: حسين بن واقد. روى عن عكرمة، وثابت البناني، وعنه ابن شقيق، وخلقٌ. وثّقه ابنُ معين، وخرّج له مسلم. قوله: (عبد الله بن بريدة) بالتصغير. كان من ثقات التابعين. وثقه أبو حاتم وغيره، وخرّج له الجماعة. قوله: (سمعت أبي: بريدة) أي: ابن الحُصيب بضم الحاء المهملة، وصحّفه بعضهم بالمعجمة. وبريدة: عطف بيان لأبي، أو بدل منه، لا مضافٌ إليه، كما قد يتوهم. وهو صحابي أسلم قبل بدر، ولم يشهدها. قوله: (جاء سلمان الفارسي) نسبة لفارس لكونه منها، أو لغير ذلك. ويقال له: سلمان الخير. سئل عن أبيه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام. وهو صحابي كبير، أحد الذين اشتاقت لهم الجنة. وسئل عليّ عنه فقال: عَلِمَ العِلْمَ الأول والآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت. له اليد الطولى في الزهد مع طول عمره، فقد عاش مئتين أو ثلاث مئة وخمسين سنة. وكان عطاؤه خمسة آلاف، وكان يفرقه، ويأكل من كسبه، فإنه كان = ٩٣ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌّ، = يعمل الخوص، وكان أخبره بعض الرهبان بظهور النبي بَّر في الحجاز، ووصف له فيه علامات، وهي: عدمُ قبولِ الصدقة، وقبولُ الهدية، وخاتم النبوة، فأحب الفحص عنها. قوله: (إلى رسول الله (َ له) متعلق بـ ((جاء)). وقوله: (حين قدم المدينة) ظرف لجاء، والضمير في ((قدم)) لرسول الله قوله: (بمائدة) الباء للتعدية مع المصاحبة. والمائدة: خوان عليه طعام، وإلا: فهو خوان لا مائدة، كما في ((الصحاح)) فهي من الأشياء التي تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها، كالبستان: فإنه لا يقال له: حديقة، إلا إذا كان عليه حائط، وكالقدح: فإنه لا يقال له: كأس، إلا إذا كان فيه شراب، وكالدلو: فإنه لا يقال له سَجْل، إلا إذا كان فيه ماء، وهكذا. وحينئذ فقوله: (عليها رطب) لتعيين ما عليها من الطعام، بناء على أن الرطب طعام، وأما على أنه فاكهة لا طعام، تكون المائدة مستعارة هنا للظرف، وإنما سميت مائدة: لأنها تَميد بما عليها، أي: تتحرك، وقيل: لأنها تَميد مَن حولها مما عليها، أي: تعطيهم، فهي على الأول مِن: ماد إذا تحرك، وعلى الثاني من ماد إذا أعطى. وربما قيل فيها ميدة، كقول الراجز: تُصنع للجيران والإخوان ومَيْدة كثيرة الألوان قوله: (عليها رطب) هكذا في هذه الرواية، ولا يعارضها ما رواه الطبراني: ((عليها تمر)) لأن رواية التمر ضعيفة. ولا يعارضها أيضاً ما رواه أحمد والبزار بسند جيد عن سلمان: فاحتطبت حطباً، فبعته، فصنعت به طعاماً، فأتيت به النبي ێر. = ٩٤ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((يَا سَلْمَانُ، مَا هَذَا؟)) فَقَالَ: صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: ((إِرْفَعْها فَإِنَّا لَ نَأْكُلُ وما رواه الطبراني بسند جيد: فاشتريت لحم جزور بدرهم، ثم طبخته، = فجعلته قصعة من ثريد، فاحتملتها على عاتقي، ثم أتيت بها حتى وضعتها بين يديه وَحلقة، لاحتمال تعدد الواقعة، أو أن المائدة كانت مشتملة على الرطب، وعلى الثريد، وعلى اللحم. وخص الرطب لكونه المُعْظم. قوله: (فوُضِعت) بالبناء للمفعول. وفي أكثر النسخ: ((فوضعها)). وقوله: (فقال: يا سلمان ما هذا؟) أي: ما هذا الرطب؟ هل هو صدقة؟ أو هدية؟. فليس السؤال عن حقيقته كما هو المتبادر من التعبير بـ ((ما))، لأنه يسأل بها عن الحقيقة، وإنما عبر بها: إشارة إلى أن الشيء بدون الاعتبار الشرعي، كأنه لا حقيقة له. وإنما ناداه وَ له بقوله: ((يا سلمان)) جبراً لخاطره. ولعله وَّر علم اسمه بنور النبوة، أو بإخبار مَنْ حضر، أو أنه لقيه قبل ذلك وعرف اسمه : قوله: (فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك) عبر هنا بعلى، وباللام فيما يأتي، لأن المقصود من الصدقة: معنى الترحم، ومن الهدية: معنى الإكرام، وشرَّك هنا بينه وَلّر وبين أصحابه، واقتصر فيما يأتي عليه وَليه: إشارة إلى أن الأصحاب يشاركونه في المقصود من الصدقة، وأنه مختصٌّ بالمقصود من الهدية . قوله: (فقال: ارفعها) ظاهره أنه أمره برفعها مطلقاً، ولم يأكل منها أصحابه بَ لّهِ ووجَّهه بعضهم: بأن المتصدِّق تصدق به عليه وعليهم، وحصته لم تخرج عن ملك المتصدق، وهي غير متميزة، لكن المعروف في كتب السير - وهو الصحيح - كما قاله الولي العراقي: أنه قال رَ يقول لصحبه: ((كلوا)) وأمسكَ. رواه أحمد والطبراني وغيرهما من طرق عديدة. = ٩٥ الصَّدَقَةَ))، قَالَ: فَرَفَعَهَا، فَجَاءَ الْغَدَ بِمِثْلِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَّ، فَقَالَ: ((مَا هِذَا يَا سَلْمَانُ؟)) فَقَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ، فَقَالَ وحمل هذا الحديث على أن المراد: ارفعها عني، لا مطلقاً، فلا ينافي = أن أصحابه أكلوه، لكن بعد أن جعله سلمان كلَّه صدقة عليهم، كذا قال العصام، وتعقبه المناوي: بأنه لا دليل في الحديث على هذه البعدية، ولا قرينة ترشد لهذه القضية. فالأولى أن يقال: إن من خصائصه وصلّ أن له التصرف في مال الغير بغير إذنه، فأباحه لهم، ولم يأكل معهم، لأنه صدقة . قوله: (فإنا لا نأكل الصدقة) أي: لأنها لا تليق بجنابه وَالتّ، لما فيها من معنى الترحم. وأورد على ذلك أنه جاء في رواية: أنه أكل من شاةٍ صدقةٍ أخذتها بريرة، وقال: صدقةٌ عليها وهديةٌ لنا. وأجيب عنه: بأنه هنا إنما أبيح لهم الأكل، فلا يملكون شيئاً إلا بالازدراد، أو بالوضع في الفم، على الخلاف الشهير. وأما بريرة: فملكت الشاة ملكاً منجزاً، ثم يحتمل أنه وَلّ أراد نفسه فقط. وأتى بالنون الدالة على التعظيم اللائق بمقامه الشريف، تحدثاً بالنعمة، ويحتمل أنه أراد نفسه وغيره من سائر الأنبياء، كما قاله بعض الشراح، بناء على أنهم مثله وّ في تحريم الصدقة عليهم، وفي ذلك خلاف شهير . قوله: (قال) أي: بريدة. وقوله: (فرفعها) أي: عنه وَّ لا مطلقاً على ما تقدم. قوله: (فجاء الغدَ بمثله) بنصب الغد، أي: فجاء سلمان في الغد بمثلٍ ما جاء به أولاً. والمراد من الغد: وقت آخر، وإن لم يكن هو اليوم بعد اليوم الأول. قوله: (فقال ◌َلّ: ما هذا؟) أي: أهو صدقة أو هدية؟ كما تقدم. قوله: (فقال: هدية لك) تقدم حكمة تعبيره هنا باللام، وحكمة = ٩٦ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ: ((أُبْسُطُوا)). ثُمَّ نَظَرَ . = الاقتصار عليه عليـ قوله: (فقال رسول الله وَ﴾) إلخ، من الواضح: أن سلمان قام عنده شاهد عظيم على نبوته وَ له وهو قوله: ((إنا لا نأكل الصدقة)) فأراد ما يتضمن علامة أخرى، وهي قبوله الهدية، فمن ثَم قبل منه وَّ غير كاشف عن كونه مأذوناً له من مالكه في ذلك، على أنه قد تقرر: أن من خصائصه منَل جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فسقط ما ادعاه العصام: من أنه لا مخلص من هذا الإشكال. قوله: (ابسطوا) بالباء والسين المهملة وفي رواية: ((انشطوا)) بالنون والشين المعجمة وفي أخرى: ((انشقوا)) بالقاف المشددة. ومعنى هذه الرواية: انفرجوا ليتسع المجلس، ومعنى الرواية التي قبلها: ميلوا للأكل، لأنه أمر من النشاط، وكل ما مال الشخص لفعله، فقد نشط له. وأما الرواية الأولى: فيحتمل أن معناها: انشروا الطعام، ليصله كل منكم، فيكون مِن: ((بَسَطه)) بمعنى: نشرَه، ويحتمل أن معناها: مدوا أيديكم للطعام، فيكون مِنْ: بَسَط يده، أي: مَدّها، ويحتمل أن معناها: سُرُّوا سلمانَ بأكل طعامه، فيكون مِن بَسَط فلانٌ فلاناً: سرّه، ويحتمل أن معناها: وسِّعوا المجلس، ليدخل بينكم سلمان، فيكون مِن: بَسَط الله الرزق لفلان: وسَّعه. وعلى كل من هذه الروايات والاحتمالات: فقد أكل ◌َّ مع أصحابه من هذه الهدية . ويؤخذ من ذلك أنه يُستحب للمُهدَى له أن يعطي الحاضرين مما أهدي إليه، وهذا المعنى مؤيّد لحديث: ((من أُهدي له هدية، فجلساؤه شركاؤه فيها)) وإن كان ضعيفاً. والمراد بالجلساء - كما قاله الترمذي في ((الأصول)) - الذين يداومون مجلسه، لا كُلُّ مَن كان جالساً إذ ذاك. وحكي أن بعض الأولياء أُهدي له هدية من الدراهم والدنانير، فقال = ٩٧ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَامَنَ بِهِ. وَكَانَ لِلْيَهُودِ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ = له بعض جلسائه: يا مولانا الهدية مشتركة. فقال: نحن لا نحب الاشتراك، فتغير ذلك القائل، لظنه أن الشيخ يريد أن يختص بالهدية، فقال الشيخ: خذها لك وحدك، فأخذها، فعجز عن حملها، فأمر الشيخ بعض تلامذته فأعانوه. وحكي أنه أُهديَ لأبي يوسف هديةٌ من الدراهم والدنانير، فقال له بعض جلسائه: يا مولانا الهدية مشتركة، فقال: ((أل)) في الهدية للعهد، والمعهودُ: هديةُ الطعام. فانظر ما بين مسلك الأولياء، ومسلك الفقهاء من الفرق . قوله: (ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله وَلَّ) أي: بين كتفيه، كما سبق في الأخبار المتقدمة. وهذا هو المقصود هنا، لأنه المترجم له، وإنما عبّر بـ ((ثم)) المفيدة للتراخي، لما ذكره أهل السير: أن سلمان انتظر رؤية الآية الثالثة، حتى مات واحد من الأنصار، فشيع رسول الله واله جنازته، وذهب معها إلى بقيع الغرقد، وقعد مع صحبه ينتظرونه، فجاء سلمان، واستدار خلفه ليرى خاتم النبوة، فألقى رسول الله رداءه لينظره. قوله: (فآمن به) مفرَّع على مجموع ما سبق من الآيات الثلاث، فلما تمت الآيات وكملت العلامات، آمن به . قوله: (وكان لليهود) أي: والحال أنه كان رقيقاً لليهود. أي: يهود بني قريظة. ولعله كان مشتركاً بين جمع منهم، أو كان لواحد منهم. وسبب ذلك: أنه كان مجوسياً، فخرج من بلاد فارس هرباً من أخيه، فلحق بجماعة من الرهبان في القدس، فدله أحدهم على ظهور النبي وَلّور بأرض العرب، فقصد الحجاز مع جمع من الأعراب فباعوه لليهود. قوله: (فاشتراه رسول الله وَل18) أي: تسبب في كتابة اليهود له لأمره = ٩٨ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَماً، عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ نَخْلاً، فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهِ، حَتَّی تُطْعِمَ، = بذلك، فتجوز بالشراء عما ذكر. وقوله: (بكذا وكذا درهماً) أي: بعدد يشتمل على العطف، ولم يبينه في هذا الحديث. وفي بعض الروايات ((أنه أربعون أوقية)) قيل من فضة، وقيل من ذهب، وقد بقي عليه ذلك، حتى أُتَيَ رسولُ الله وَّ بمثل بيضة الدجاجة من ذهبٍ، فقال: ((ما فعل الفارسي المكاتب؟)) فدُعي له، فقال: ((خذها فأدِّها مما عليك)) قال سلمان: فأين تقع هذه مما علي؟ قال ◌َّه: (خذها فإن الله سيؤدي بها عنك)) قال سلمان: فأخذتها، فوزنت لهم منها أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم. فعُتِق سلمان رضي الله عنه. وقصته مشهورة . قوله: (على أن يغرس) إلخ أي: مع أن يغرس إلخ، فكاتبوه على شيئين: الأواقي المذكورة، وغرسِ النخل مع العمل فيه حتى يطلع. ولم يبين في هذا الحديث عدد النخل. وفي بعض الروايات: أنه كان ثلاث مئة، فقال ◌َله: ((أعينوا أخاكم)) فأعانوه. فبعضهم بثلاثين وَدِيَّة، وبعضهم بخمسة عشر، وبعضهم بعشرة، وبعضهم بما عنده، حتى جمعوا ثلاث مئة وَدِيَّةٍ. قوله: (نخلاً) وفي رواية: ((نخيلاً)). وقوله: (فيعمل) بالنصب، ليفيد أن عمله من جملة عوض الكتابة. وقوله: (فيه) وفي بعض النسخ: ((فيها)) وكل صحيح، لأن النخل والنخيل: يُذكّران ويؤنثان، كما في كتب اللغة. وقوله: (حتى تُطعم) بالمثناة التحتية أو الفوقية. وعلى كل: فهو بالبناء للفاعل، أو للمفعول، ففيه أربعة أوجه، لكن أنكر القسطلاني بناءه للمجهول، وقال: ليس في روايتنا وأصول مشايخنا. والمعنى على بنائه = ٩٩ فَغَرَسَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ النَّخِيلَ إلاَّ نَخْلَةٌ واحِدَةً، غَرَسَهَا عُمَرُ، فَحَمَلَتِ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا، وَلَمْ تَحْمِلِ النَّخْلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((مَا شَأْنُ هذه النَّخْلَةِ؟)) فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا غَرَسْتُهَا، = للفاعل: حتى يُثمر، وعلى بنائه للمفعول: حتى تُؤْكل ثمرتُه. قوله: (فغرس رسول الله ◌َ﴿ النخيل) أي: لأنه ◌َّ خرج مع سلمان، فصار سلمان يقرب له وَ﴿ الودِيَّ، فيضعه بيده. قال سلمان: فو الذي نفسي بيده ما مات منها ودِّيةٌ، فأديتُ النخل، وبقي عَليَّ المالُ، حتى أُتي رسولُ الله ◌َّ بمثل بيضة الدجاجة، إلى آخر ما تقدم. قوله: (إلا نخلة واحدة، غرسها عمر) في بعض الشروح: إن حكاية غرس عمر رضي الله عنه نخلة، وعدمَ حملها مِن عامها غيرُ منقولة إلا في حديث الترمذي، وليس فيما سواه من إخبار سلمان رضي الله عنه. قوله: (فحملت النخل من عامها) أي: أثمرت من عامها الذي غُرست فيه على خلاف المعتاد استعجالاً لتخليص سلمان من الرق، ليزداد رغبة في الإسلام. وفي بعض النسخ: ((من عامه)) وفي بعض النسخ: ((في عامها)) وإضافة العام إليها باعتبار غرسها فيه. قوله: (ولم تحمل النخلة) وفي رواية: ولم تحمل نخلة عمر، أي: لم تثمر مِن عامها على سَنن ما هو المتعارف، لكمال امتياز رتبة المصطفى وَل عن رتبة غيره. قوله: (ما شأن هذه النخلة؟) أي: ما حالها الذي منعها من الحمل مع صواحباتها؟ . قوله: (أنا غرستها) أي: ولم تغرسها أنت كصواحباتها. ١٠٠ فَتَزَعَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَغَرَسَهَا، فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا. ٢٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَضَّاحِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَقِيلِ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ العَوَقي قوله: (فغرسها) أي: في غير الوقت المعلوم لغرس النخل. فهذه معجزة . وقوله: (فحملت من عامها) وفي رواية ((من عامه)) أي: الغرس. على خلاف المعتاد. فهذه معجزة أيضاً ففي ذلك معجزتان غير ما سبق. ٢٢ - قوله: (محمد بن بشار) كشداد كما مر. وقوله: (بشر) كصِدق، بالباء الموحدة والشين المعجمة. وقوله: (ابن الوضّاح) بتشديد المعجمة. وهو أبو الهيثم. صدوق. وثّقه ابن حبان، وخرج له في الشمائل. روى عن أبي عقيل وغيره، وعنه بندار وغيرُه. و قوله: (أبو عقيل) بفتح أوله وکسر ثانیه. وقوله: (والدَّورقي) نسبة لدَورق - بفتح الدال وسكون الواو -: بلدة بفارس. ثقةٌ. خرّج له الشيخان والمصنّف. واسمه بشير - بفتح الموحدة وكسر المعجمة - ابن عُقْبة - بضم المهملة وسكون القاف - روى عن أبي المتوكل والعبدي، وعنه بهز وغيره. وقوله: (عن أبي نضرة) بنون وضاد معجمة. ووَهِم مَن ضَبَطه بموحدة وصاد مهملة. ثقةٌ، من أجلاء التابعين. خرّج له الجماعة. واسمه: المنذر ابن مالك بن قُطعَةَ - بضم القاف وفتح الطاء والعين -. وقوله: (العَوَقي) بفتح المهملة والواو: نسبة إلى عَوَقَةَ: بطن من عبد قيس. وقيل: بضم المهملة، نسبة إلى عُوْقَة، محلة بالبصرة.