النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٤٣ - باب: ما يُجْزئ من الماء في الوضوء
عن مدٍّ، ولا في الغسل عن صاع(١).
وقال القرطبي في ((تفسيره)) (٢١٤/٥) على إثر الأحاديث المذكورة:
=
((وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء، من غير کیلٍ ولا وزن،
يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي، ولا يُكثِر منه، فإنّ الإكثار منه سَرَفٌ،
والسَّرف مذموم، ومذهب الإباضيّة الإكثار من الماء، وذلك من الشيطان)).
(١) قال أبو عبيد في ((الطهور)) (١٨٩): ((فأما مد النبي ◌َل﴾، فلا أحب أن ينقص
منه شيء؛ لأن الآثار المرفوعة كلها على كماله، وقد أخبرت الوضوء به
كافيًا، إذا لم يكن معه استنجاء))، وانظر: ((فتح الباري)) (٣٠٥/١)، وتعليقي
على ((الطهور)).

٣٨٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني قاله
٤٤ - باب: إسباغ الوضوء(١)
٩٧ - (صحيح) حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، قال:
حدثني منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن
عمرو: أن رسول الله 98 رأى قومًا وأعقابهم تلوح، فقال: ((ويلٌ
للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء))(٢).
حديث الباب في ((الصحيحين)).
وهلال بن يساف(٣) بفتح الياء وكسرها. وأبو يحيى الراوي هنا
(١) قبل هذا الباب عند أبي داود (باب الإسراف في الماء) ولم يرد له ذكر في
نسختنا الخطية، وظفرت بنقل بعضهم من ((شرح النووي)) له، وبينت ذلك في
تقدیمي للكتاب (انظر ص ٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٠، ٩٦، ١٦٣)، ومسلم (٢٤١)، وليس عند البخاري
الأمر بالإسباغ. وخرجت الحديث بالتفصيل في تعليقي على ((أوهام الحاكم))
لعبد الغني بن سعيد الأزدي (ص ٩٢ - ١٠١ - ط الأولى)، وانظر ((خلاصة
الأحكام)) (١/ ١١٣) للمصنف.
(٣) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٤/٣): ((أما يساف ففيه ثلاث
لغات: فتح الياء وكسرها، و(إساف) بكسر الهمزة)) ثم قال: ((والأشهر عند
أهل اللغة (إساف) بالهمزة، وقد ذكره ابن السكيت وابن قتيبة وغيرهما فيما
یغیّره الناس ويلحنون فيه)).
قلت: انظر ((أدب الكاتب)) (٤٢٧ - ط الدالي)، ((تهذيب إصلاح المنطق))
(٤٢٨/١)، ((مشارق الأنوار)) (٣٠٦/٢) ونقله عن النووي مختصرًا: ابن
رسلان في «شرح سنن أبي داود)» (ق ٤٥/ ب).
=

٣٨٣
٤٤ - باب: إسباغ الوضوء
اسمه: مِصْدَع(١)، بكسر الميم وإسكان الصاد المهملة، وفتح الدال،
وبالعين المهملة.
قوله: ((إن النبيِ وَ له رأى قومًا وأعقابهم تلوح، فقال: ويلٌ للأعقاب
من النار، أسبغوا الوضوء))، معنى: ((تلوح)): يبصر الناظر فيها بياضًا لم
يصبه الماء.
ومعنى: ((أسبغوا الوضوء)): عمّموه لجميع أجزاء الأعضاء(٢).
وفيه: وجوب غسل الرجلين، وأنه يجب غسل جميع أجزاء
الأعضاء، حتى لو بقي جزء لطيف من عضو لم يصحَّ وضوؤه(٣).
= ونقل السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (٢٠ - درجات) عبارته في ((شرح صحيح
مسلم)) واكتفى بعزوها للنووي، وأطلق ولم يحدد اسم الكتاب.
(١) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٥/٣): ((وأما أبو يحيى
فالأكثرون على أن اسمه مصدع»، وضبطه بمثل كلامه هنا، ثم قال:
((وقال يحيى بن معين: اسمه زياد الأعرج المعرقب الأنصاري)). وانظر:
(تاريخ ابن معين)) (٧٠٨، ٧١١) ١٨٥٦، ٢٠٨٧)، ((الكنى)) لمسلم
(٨٩٩/٢) رقم (٣٦٤٤)، ((الكنى)) (١١٨٤/٢) للدولابي، ((تهذيب الكمال))
(٥٣٠/٩) رقم (٢٠٨٠).
(٢) قال الشارح في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (٤١): ((أسبغت الوضوء، أي: عممت
الأعضاء وأتممتها، ودرع وثوب سابغ، أي: كامل ساتر للبدن)).
(٣) استدل به بعضهم على نزع الخاتم في الوضوء، فإنه (عقب) من جهة المعنى،
والبخاري قال: (باب غسل الأعقاب) ثم قال: ((وكان ابن سيرين يغسل
موضع الخاتم إذا توضأ)) ثم ذكر هذا الحديث. وانظر: ((فتح الباري))
(٢٦٧/١)، ((الأبواب والتراجم لصحيح البخاري)) (١٢٢/٢ - ١٢٣)، ((شرح
تراجم أبواب صحيح البخاري)) (٣٣ - ٣٤).
وقال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٧/٣): ((من ترك جزءًا يسيرًا مما
يجب تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه.
=

٣٨٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثه
وفيه: الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(١).
= وقال - قبل - فيه أيضًا (١٦٢/٣): ((فتواعدها - أي: الأعقاب - بالنار، لعدم
طهارتها، ولو كان المسح كافيًا لما تواعد من ترك غسل عقبیه)).
(١) وفيه: وجوب تعليم الجاهلين، وفيه حجة لأهل السنة أنّ المعذب الأجساد،
وفيه التعذيب على الصغائر.
وقال ابن الأثير في ((شرح مسند الشافعي)) (٢٠٣/١): ((وفي هذا الحديث
دليل على بطلان قول من ذهب إلى جواز مسح الأقدام؛ لأن المسح لا يبلغ
الأعقاب، وإنما يكون على مشط القدم أو بعضه، والنبي وَّ و لا يتوعّد بالنار
على ما ليس بواجب)).

٣٨٥
٤٥ - باب: الوضوء في آنية الصُّفْر
٤٥ - باب: الوضوء في آنية الضُفْر
هو النحاس(١)، وهو بضمِّ الصاد وكسرها، والضم أفصح
وأشهر(٢).
٩٨ - (صحيح) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، قال:
أخبرني صاحب لي، عن هشام بن عروة، أن عائشة قالت: كنت أغتسل
أنا ورسول الله رَّ﴿ فِي تَوْرٍ من شَبَهِ (٣).
٩٩ - (صحيح) حدثنا محمد بن العلاء، أن إسحاق بن منصور،
حدثهم عن حماد بن سلمة، عن رجلٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة تعطيها، عن النبي وَل﴾ نحوه (٤).
١٠٠ - (صحيح) حدثنا الحسن بن علي، قال: ثنا أبو الوليد، وسهل
(١) قيده الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٦٩/١٢) بالجيد.
(٢) انظر: ((الصحاح)) (٧١٤/٢)، ((القاموس المحيط)) (ص ٥٤٦) مادة (صفر).
(٣) انظر الذي بعده.
(٤) إسناده الأول فيه جهالة صاحب حماد، وانقطاع بين هشام وعائشة. والإسناد
الثاني فيه جهالة صاحب حماد وأخرجه الحاكم (١٦٩/١) بإسقاط الرجل بين
حماد وهشام فصار ظاهر الإسناد الصحة، وليس كذلك.
لكن رواه الطبراني في ((الصغير)) (ص ١٢٣) والبيهقي في ((الكبرى)) (٣١/١)
عن حوثرة بن أشرس عن حماد عن شعبة عن هشام عن أبيه به، وهذا إسناد
صحيح.
قال البيهقي: ((جوّده حوثرة بن أَشرس، وقصر به بعضهم عن حماد، فقال عن
رجل، فلم يُسمِّ شعبة، وأرسله بعضهم فلم يذكر في إسناده عروة)).

٣٨٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكنالم
ابن حماد، قالا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن
يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: جاءنا رسول الله وَليقول
فأخرجنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفْرٍ، فتوضَّأ(١).
قولها: ((تَوْرٍ من شَبَهٍ))، هو بفتح (٢) الشين المعجمة والباء الموحّدة،
وهو النحاس(٣).
وأما التور فسبق بيانه(٤).
وحديث عائشة ضعيف(٥)، وحديث أنس(٦) صحيح.
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٩٧) ثنا أحمد بن يونس ثنا عبد العزيز بن
أبي سلمة بنحوه، وزاد عليه: «فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين مرتين، ومسح
برأسه، فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه)).
وأخرجه أيضًا بالأرقام (١٨٥، ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٩) ومسلم (٢٣٥)
من طرق عن عمرو بن يحيى به، وفيه زيادة على المذكور.
(٢) وتكسر، كما في ((القاموس)) (١٦١٠) مادة (شبه).
(٣) الأصفر، كما في ((القاموس)) (١٦١٠) مادة شبه. وفضّل في ((الصحاح))
(٦٠٢/٢) فقال: ((الصُّفر، بالضم؛ الذي يعمل منه الأواني، ويقال: الشَّبه
هو الصفر، سمي به لأنه يشبه الذهب)). ويعلم من هذا أن الصفر النحاس
الأصفر، قاله العيني في ((شرح سنن أبي داود)) (٢٦٧/١).
(٤) في شرح حديث رقم (٤٥).
(٥) نعم، إسناد أبي داود كذلك، ولكن له طرق يصح بها، انظر التخريج.
(٦) كذا في الأصل، وعليه علامة إلحاق، ولم تظهر في الهامش، وليس
لأنس ◌َ رواية في الباب، وصوابه: ((وحديث عبد الله بن زيد)» وفاته عزوه
لـ ((الصحيحين)) كالعادة.

٣٨٧
٤٦ - باب: التسمية على الوضوء
٤٦ - باب: التسمية على الوضوء
١٠١ - (صحيح) حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا محمد بن موسى،
عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله : ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر
اسم الله [تعالى] عليه))(١).
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في ((الخلافيات)) (١١٤).
وأخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٤٠٩/١) (رقم: ٢٠٩): أنا عمر بن
عبد العزيز نا القاسم بن جعفر الهاشمي نا أبو علي اللؤلؤي نا أبو داود به.
وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٤١٨/٢) ثنا قتيبة به.
وأخرجه الدارقطني في ((السنن)) (٧٩/١) نا أحمد بن كامل نا موسى بن
هارون ثنا قتيبة به .
والطبراني في ((الدعاء)) (رقم: ٣٧٩)، ومن طريقه ابن حجر في ((نتائج
الأفکار» (٢٢٤/١ - ٢٢٥): حدثنا موسى بن هارون به.
وأخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (١/ ٤٣) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا
جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ثنا موسی بن هارون به.
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١٤٦/١) من طريق محمد بن نعيم
ومحمد بن شاذان والحسن بن سفيان ثلاثتهم عن قتيبة.
وأخرجه ابن ماجه في ((السنن)) (رقم: ٣٩٩)، والدارقطني في ((السنن))
(٧٩/١) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن موسى به.
وعزاه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٧٢/١) لابن السكن من طريق
محمد بن موسی به.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد؛ فقد احتجَّ مسلم بيعقوب بن أبي سلمة =

٣٨٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كثّثم
الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار)).
=
قلت: يعقوب ليس هو الماجشون، فقد انقلب إسناده على الحاكم، قاله ابن
الصلاح والنووي في ((المجموع)) (٣٤٤/١).
قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) (٧٢/١ - ٧٣) متعقبًا الحاكم:
((وادَّعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنَّه الليثي. قال البخاري:
لا يعرف له سماع عن أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: ((ربما أخطأ))، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنَّه قليل الحديث
جدًّا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلّة ما روى، فكيف
يوصف بكونه ثقة؟! قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم فلا يحتج
لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي.
وقال ابن دقيق العيد: لو سُلِّم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون -
واسم أبي سلمة: دينار - فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في
شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا)).
وقال أيضًا في ((نتائج الأفكار)) (٢٢٦/١) بعد أن ذكر تصحيح الحاكم له:
((وتعقب بأنه وقع في روايته يعقوب بن أبي سلمة فظنَّه الماجشون، أحد رواة
الصحيح، فصححه لذلك! وهو خطأ، وإنَّما هو يعقوب بن سلمة لا ابن أبي
سلمة، وهو شيخ قليل الحديث، ما روى عنه من الثقات سوى محمد بن
موسی، وأبوه مجهول ما روی عنه سوی ابنه)».
قلت: فإسناده ضعيف، ولا سيما مع انقطاعه، فقد قال البخاري في ((التاريخ
الكبير» (٧٦/٢/٢): ((لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من
أبيه».
ولهذا الحديث طرق أخرى عن أبي هريرة فيها مقال، وهي:
* أولًا: ما أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (٧١/١) - ومن طريقه البيهقي في
((الكبرى)) (٤٤/١)، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (٢٢٦/١) - نا ابن صاعد
نا محمد بن محمد أبو يزيد الظفري نا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه بلفظ: ((ما توضأ من لم يذكر اسم الله، وما
صلى من لم يتوضأ، وما آمن بي من لم يحبني، وما أحبني من لم يحب
الأنصار)).
=

٣٨٩
٤٦ - باب: التسمية على الوضوء
وإسناده ضعيف، وفيه انقطاع محمود بن محمد الظفري، ليس بالقوي، فيه
=
نظر، قاله الدارقطني، كما في ((اللسان)) (٥/٦).
قال البيهقي عقبه: ((وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن
أبي سلمة إلّا من هذا الوجه، وكان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من
يحيى بن أبي كثير إلَّا حديثًا واحدًا وهو حديث ((التقى آدم وموسى ... ))
فذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم فكانَ حديثه هذا منقطعًا،
والله أعلم)).
وقال الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)» (٢٢٦/١ - ٢٢٧):
((هذا حديث غريب، تفرد به الظفري، ورواته عن أيوب فصاعدًا مخرج لهم
في ((الصحيح)) لكن قال الدارقطني في الظفري: ليس بقوي))، ثم ذكر عن
ابن معين الانقطاع، ثم قال: ((فعلى هذا يكون في السند انقطاع، إن لم
يكن الظفري دخل عليه إسناد في إسناد)»؛ ونحوه في ((التلخيص الحبير))
(٧٣/١).
* ثانيًا: ما أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (٧٤/١)، ومن طريقه البيهقي في
((الكبرى)) (٤٥/١)، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (٢٢٧/١) - ثنا محمد بن
مخلد ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الزهيري ثنا مرداس بن محمد بن
عبد الله بن أبي بردة ثنا محمد بن أبان عن أيوب بن عائذ الطائي عن مجاهد
عن أبي هريرة رفعه بلفظ: ((من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده کله، ومن
توضأ ولم يذكر اسم الله عز وجل لم يتطهر إلَّا موضع الوضوء)).
قال الحافظ ابن حجر عقبه: ((هذا حديث غريب، تفرد به مرداس، وهو من
ولد أبي موسى الأشعري، ضعَّفه جماعة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: يغرب وينفرد. قلت: وبقيَّة رجاله ثقات، والله أعلم)).
* ثالثًا: ما أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (٧٣/١)، و((الأوسط)» - كما في
((التلخيص الحبير)) (٧٣/١) - ومن طريقه ابن حجر في ((نتائج الأفكار))
(٢٢٨/١) من طريق عمرو بن أبي سلمة ثنا إبراهيم بن محمد البصري عن
علي بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه بلفظ :
(يا أبا هريرة! إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله، فإن حفظتك =

٣٩٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني وكثّثم
= لا تستريح، تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء)).
قال الطبراني: ((لم يروه عن علي بن ثابت أخو عزرة بن ثابت إلَّا إبراهيم بن
محمد البصري، تفرَّد به عمرو بن أبي سلمة)).
قال الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٢٢٠): «إسناده حسن)).
قلت: كذا قال! وإبراهيم الأنصاري وثقه ابن حبان، وقال ابن عدي في
((الكامل)) (٢٦٠/١ - ٢٦١): ((روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير)).
ثم قال: ((وأحاديثه صالحة محتملة، ولعله أتي ممن قد رواه عنه)).
قلت: علَّة هذا الحديث إبراهيم، وقد ساق ابن عدي له أحاديث الراوي عنه
فيها أبو مصعب الزهري وعمرو بن أبي سلمة وهما ثقتان، فلا تكون المناكير
إلَّا منه، وصرح بهذا الحافظ في ((اللسان)) في ترجمة إبراهيم إذ أشار لهذا
الحدیث، وقال: ((هو منکر)).
وقال في ((النتائج)) (٢٢٨/١): ((علي مجهول، والراوي عنه ضعيف)).
وأخرجه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٨٥/٣ - ١٨٦) من طريق علي بن
ثابت به، ومن طريق حماد بن عمرو عن الفضيل بن غالب عن سلمة بن عمرو
- في نسخة مسلمة - عن مكحول الشامي عن أبي هريرة، بأطول منه، وفيه
المذكور .
وقال عقبه: ((هذا حديث ليس له أصل! وفي إسناده جماعة مجاهيل لا يعرفون
أصلًا، ولا نشك أنَّه من وضع بعض القصاص أو الجهال، وقد خلط الذي
وضعه في الإسناد، ومن المعروفين في إسناده: حماد بن عمرو، قال يحيى:
كانَ يكذب ويضع الحديث. وقال ابن حبان: كانَ يضع الحديث وضعاً على
الثقات، ولا يحل كتب حديثه إلّا على وجه التعجب)). وانظر حوله: ((تذكرة
الموضوعات)) (٣١) و((الفوائد المجموعة)) (٣٨٩) و((تنزيه الشريعة)) (٢٧٠/٢،
٣٤٠) .
* رابعاً: وهنالك طريق أُخرى وردت فيها التسمية في الوضوء من حديث أبي
هريرة بلفظ :
((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، ويسمِّي
قبل أن يدخلها)).
=

٣٩١
٤٦ - باب: التسمية على الوضوء
واللفظة الأخيرة تفرَّد بها عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وهو متروك.
=
أخرجه من طريقه الطبراني في ((الأوسط)) قاله الحافظ في ((التلخيص))
(١/ ٧٣).
هذه طرق الحديث التي وردت فيها التسمية من حديث أبي هريرة تظفيه،
وجميعها لا تسلم من مقال، وبعضها لا يحسن توجيهه على أَنَّ المراد به النيّة،
وإنَّما هي في مشروعية التلفّظ بالبسملة، وبيان حكم ذلك.
وقد ضعَّف المصنّف أحاديث التسمية كلها هنا، وفي ((المجموع)) (١/ ٣٤٣ -
٣٤٤)، وفي ((خلاصة الأحكام)) (١/ ١٠٢ - ١٠٤) ونقل فيه عن أحمد ذلك،
وستأتي مقولته قريباً، وكذلك صنع الإمام البيهقي في غير كتابٍ من كتبه،
فقال في ((الصغرى)) (رقم ٦٩):
() وروي عن النَّبِي ◌ّله من أوجه غير قويَّة: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله
عليه)) وقد حمله ربيعة بن أبي عبد الرحمن على النّيَّة)).
وقال في ((المعرفة)) (١٥٤/١): ((وأمَّا ما روي عن أبي هريرة وغيره عن
النَّبيَِ لو قال: ((لا وضوء إن لم يذكر اسم الله عليه)) فأسانيده غير قويّة. قال
أحمد بن حنبل: لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً)).
قلت: ((مقولة أحمد في ((مسائل أبي داود)) (ص ٦) و((مسائل إسحاق بن
هانىء)) (٢٠/١) ونقلها ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٦٨/١) وابن حجر في
((التلخيص الحبير)) (٧٣/١ - ٧٤) و((نتائج الأفكار)) (٢٢٣/١ - ٢٢٤) وابن
عدي في ((الكامل)) (١٠٣٤/٤) و(٢٠٨٧/٦) وفيه زيادة: ((لا أعلم فيه حديثاً
ثابتاً، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن، وربيح
ليس معروف)) والحاكم في ((المستدرك)) (١٤٧/١) بلفظ: ((أحسن شيء فيه
حدیث کثیر بن زید».
وتعقب الحافظ ابن حجر الإمام أحمد، فقال في ((نتائج الأفكار)) (١/ ٢٢٣):
((قلت: لا يلزم من نفي العلم نفي الثبوت، وعلى التنزل لا يلزم من نفي
الثبوت ثبوت الضعف، لاحتمال أن يرادَ بالثبوت الصحة، فلا ينتفي الحكم
بالحسن، وعلى التنزل لا يلزم من نفي الثبوت عن كلِّ فرد نفيه عن
المجموع)).
=

٣٩٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّشم
١٠٢ - (صحيح مقطوع) حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرْح، قال:
حدثنا ابن وهب، عن الدَّراوَرْدِيِّ، قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث
النبي ◌َّل : ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) أنه الذي يتوضأ
ويغتسل، ولا ينوي وضوءًا للصلاة، ولا غسلًا للجنابة(١).
قلت: وهذا كلام في غاية التحقيق والتدقيق.
=
وللحديث شواهد كثيرة يصل بمجموعها إلى مرتبة الحسن، قال الحافظ في
((التلخيص الحبير)) (٧٥/١): ((والظاهر أنَّ مجموع الأحاديث يحدث منها
قوّة، تدل على أنَّ له أصلًا)).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: (ثبت لنا أن النبي ◌َّ قاله)).
وقال ابن سيِّد الناس في ((شرح الترمذي)): ((ولا يخلو هذا الباب من حسن
صریح، وصحیح غیر صریح)).
وقال ابن الصلاح - كما في ((نتائج الأفكار)) (٢٣٧/١) -: ((ثبت بمجموعها
ما يثبت به الحدیث الحسن)).
وقال العراقي في ((محجة القرب في فضل العرب)) (ص ٢٧ - ٢٨): ((هذا
حدیث حسن)) .
وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٨٨/١ - صحيحه): ((ولا شكَّ أنَّ
الأحاديث التي وردت فيها - أي التسمية على الوضوء - وإن كان لا يسلم
شيء منها عن مقال، فإنَّها تتعاضد بكثرة طرقها، وتكتسب قوَّة))، والله أعلم.
وانظر: ((تنقيح التحقيق)) (٣٥٣/١ -٣٦٢)، و((نصب الراية)) (٣/١ - ٥)،
و((التلخيص الحبير)) (٧٢/١ - ٧٦)، و((إرواء الغليل)) (١٢٢/١ -١٢٣)،
و(نتائج الأفكار)) (٢٢٣/١ -٢٣٧)، و((البدر المنير)) (٦٩/٢ - ٩٢)،
و((خلاصة البدر المنير)) (٣١/١)، و((الهداية في تخريج أحاديث البداية))
(١٦٩/١ - ١٧٣)، و((نيل الأوطار)) (١٦٥/١ -١٦٨).
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في ((الخلافيات)) (١١٥)، وقال في
((المعرفة)) (١٥٤/١): ((وروينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه حمله على
النية في الوضوء)).
والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد بن عبيد، أبو محمد الجهني مولاهم، =

٣٩٣
٤٦ - باب: التسمية على الوضوء
حديث الباب ضعيف، وليس في التسمية في الوضوء حديث صحيح
صريح(١).
= صدوق، كان يحدث من كتب غيره، فيخطئ، كذا في ((التقريب)) (٥١٢/١).
(١) انظر ما قدمناه في التخريج، و((شرح العيني على سنن أبي داود)» (٢٧٢/١).
ويعجبني غاية مذهب أبي عبيد في ((الطهور)) (ص ١٥١ - بتحقيقي)، قال بعد
إسناده غير حديث وأثر في الباب: ((وأنا مع هذا، لا أرى لبشرٍ أنْ يدع اسم
الله عند ظهوره، ولربما ترکته ساهیًا حتى يمضي بعضُ وضوئي، فأعيدُه من
أوله بالتّسمية، وهذا اختيار مني لنفسي، آخذها به، وأراه لمن قَبِل رأيي، من
غير أن أوجبه، ولا أفسد بتركه صلاة رجل ولا طهوره)). وانظر تقرير سنيّته
مع توجيه الحديث في ((المجموع)) (٣٤٦/١ - ٣٤٧)، وأفاد أنه مذهب
الشافعية ومالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء، قال: ((وهو أظهر الروايتين عن
أحمد» .

٣٩٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقّثه
٤٧ - باب: الرجل يُدخِل يده
في الإناء قبل أن يغسلها
١٠٣ - (صحيح) حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن أبي رَزِين، وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَه: ((إذا قام أحدكم من الليل؛ فلا يغمس يده في الإناء حتى
يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده))(١).
١٠٤ ۔ (صحیح والأکثر على الثلاث) حدثنا مسدد، قال: حدثنا
عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َّه ،
عن النبي ◌َّ﴾ - يعني بهذا الحديث - قال: ((مرتين أو ثلاثًا))(٢)، ولم يذكر
أبا رَزِین.
(١) أخرجه مسلم (٢٧٨) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية به، ومن طريق وكيع
عن الأعمش.
وأخرجه أحمد (٢٥٣/١)، وأبو عوانة (٢٩٤/١)، والبيهقي (٤٥/١) من
طريق أبي معاوية .
وأخرجه ابن أبي شيبة (٩٨/١) عن أبي معاوية به، وفيه ((عن أبي رزين))
وحده، وهو كذلك عند البيهقي (٤٥/١ - ٤٦) من طريق وكيع.
وأخرجه البخاري (١٦٢) دون ذكر ((الثلاث)) من طريق مالك عن أبي الزناد
عن الأعرج عن أبي هريرة.
وانظر تعليقي على ((الطهور)) لأبي عبيد (رقم ٢٧٩، ٢٨٠)، ففيه التفصيل،
والحمد لله وحده.
(٢) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٤٥/١).
وأخرجه أحمد (٢، ٢٥٣، ٤٧١)، والطيالسي (٢٢١٨)، وأبو عوانة =

٣٩٥
٤٧ - باب: الرجل يُدْخِل يده في الإناء قبل أن يغسلها
١٠٥ - (صحيح) حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرْح، ومحمد بن سلمة
المرادي، قالا: حدثنا ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي مريم،
قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله والله يقول: ((إذا استيقظ
أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن
أحدكم لا يدري أين باتت يده - أو - : أين كانت تطوف يده))(١).
حديث الباب في ((الصحيحين)) إلَّا لفظ: ((ثلاثًا)) فلمسلم دون
البخاري.
قوله وقال: «فإنه لا يدري أين باتت يده))، أي: لا يأمن نجاستها،
بملاقاة نجاسة في طوافها في البدن.
وفي الحديث فوائد كثيرة:
منها : كراهة(٢) غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثًا، سواء فيه إناء
الماء وإناء المائع، وسائر الأطعمة وغيرها من الرطبات(٣).
= (٢٦٤/١)، والبيهقي (٤٧/١ - ٤٨)، والطحاوي (٢٢/١) وجمع من طرق
عن الأعمش به.
(١) أخرجه الدارقطني (٥٠/١)، وابن حبان (١٠٥٨)، والبيهقي (٤٦/١) من
طريق معاوية بن صالح، وحسَّن الدارقطني إسناده.
وقال ابن منده عن قوله: ((فإن أحدكم لا يدري ... )): ((هذه الزيادة رواتها
ثقات، ولا أراها محفوظة !! )) قلت: وهي من غير هذا الطريق عند البخاري
(١٦٢) ومسلم (٢٧٨).
وانظر: ((البدر المنير)) (٥٠٤/١)، ((التلخيص الحبير)) (٣٤/١).
(٢) بناء على أن الأمر بغسل اليد أمر ندب هنا، وهو مذهب الجمهور، لقرينة
التعليل بما يقتضي الشك في نجاسة اليد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في
((القواعد النورانية)) (ص ٩٣): ((إن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله، ولا
یستحب تركه، بل یستحب فعله احتیاطًا)).
(٣) وهل شرعية غسل اليدين وكراهة غمسهما في الإناء في الوضوء مختصًا بنوم =

٣٩٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تحذّله
والمراد بالماء: إذا كان دون قُلَّتين.
ومنها: أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغيَّر(١).
ومنها: الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، فإذا ورد
عليها أزالها، وإذا وردت عليه نَجَّسَتْه إذا كان دون قُلَّتَيْن؛ لأنه وَّهِ نهى
عن إيرادها الماء، وأمر بإيراده عليها(٢).
الليل؟ نعم، ورد مقيدًا عند أبي داود في أحاديث الباب، وقد أطلق في
=
((الصحيحين)) ولم يقيد به، فذهب الجماهير إلى أن لا فرق بين نوم الليل
والنهار، وتعليله بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتت يده» دل على أن الليل ليس
مقصودًا بالتقييد.
(١) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣٠/٣): ((ومذهب الجمهور أن
الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجَّسته، وإنْ قلَّت ولم تغيِّره، فإنّها
تنجِّسه، لأنَّ الذي تعلق باليد، ولا يرى قليل جدًّا، وكانت عادتهم استعمال
الأواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين، بل لا تقاربهما)).
(٢) رد ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٥٧/٢ - ٥٩ - ط الفاروق) هذا القول بتأصيل
وتفصيل وتوجيه قوي، فقال:
((احتج بعض أصحاب الشافعي لمذهبهم في الفرق بين ورود الماء على
النجاسة، وبين ورودها عليه بهذا الحديث؛ وقالوا: ألا ترى أن رسول الله (وَل4*
لما خاف على النائم المستيقظ من نومه القائم منه إلى وضوئه أن تكون في يده
نجاسة، أمره بطرح الماء من الإناء على يده ليغسلها، ولم يأمره بإدخال يده
في الإناء ليغسلها فيه، بل نهاه عن ذلك؛ قال: فدلنا ذلك على أن النجاسة
إذا وردت على الماء القليل، أفسدته ومنعت من الطهارة به وإن لم تغيره؛
قال: ودلنا على ذلك أيضًا على أن ورود الماء على النجاسة لا تضره، وأنه
بوروده عليها مطهر لها وهي غير مفسدة له؛ لأنها لو أفسدته مع وروده عليها،
لم تصح طهارة أبدًا في شيء من الأشياء؛ واحتجوا أيضًا بنهيه وَ * عن البول
في الماء الدائم، وبحديث ولوغ الكلب في الإناء، وبنحو ذلك من الآثار،
مع أمره بالصب على بول الأعرابي))، وقال:
=

٣٩٧
٤٧ - باب: الرجل يُدْخِل يده في الإناء قبل أن يغسلها
= ((أما لو لم يأت عن النبي * في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء بعض
هذا التأويل؛ ولكن قد جاء عن النبي 18 في الماء أنه لا ينجسه شيء - يريد
إلا ما غلب عليه، بدليل الإجماع على ذلك. وهذا الحديث موافق لما وصف
الله عز وجل به الماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] -
يعني لا ينجسه شيء إلا أن يغلب عليه)) قال:
((وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسة لا يضره، وأنه مطهر
لها؛ وطاهر في ذاته إن لم یتغیر بها طعمه أو لونه أو ريحه، فبان بذلك صحة
قولنا؛ وعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله أن أمره ﴿ القائم من نومه أن لا
يغمس يده في وضوئه، إنما ذلك ندب وأدب وسنة قائمة لمن كانت يده
طاهرة وغير طاهرة؛ لأنه لو أراد بذلك النجاسة، لأمر بغسل المخرجين
أولًا، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده؛ فإن لم يكن فيها نجاسة،
أدخلها في وضوئه؛ وإن كانت في يده نجاسة، غسلها قبل أن يدخلها؛ هذا
على مذهب من جعل قوله وَلفي: ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) علة احتياط
خوف إصابته بها نجاسة، وذلك أنهم كانوا يستنجون بالأحجار من غير ماء؛
فالأحجار لا بد أن يبقى فيها أثر، فربما حكه أو مسه بيده، فأمروا بالاحتياط
في ذلك؛ ومن جعل ذلك ندبًا وسنة مسنونة، قال: اليد على طهارتها، وليس
الشك بعامل فيها، والماء لا ينجسه شيء، والله أعلم)) قال:
((وقد أجمع جمهور العلماء على أن الذي يبيت في سراويله وينام فيها، ثم
يقوم من نومه ذلك، أنه مندوب إلى غسل يده قبل أن يدخلها في إناء وضوئه؛
ومنهم من أوجب عليه - مع حاله هذه - غسل يده فرضًا على ما نذكره في هذا
الباب - إن شاء الله - .
ومعلوم أن من بات في سراويله، لا يخاف عليه أن يمس بيده نجاسة في
الأغلب من أمره؛ فعلمنا بهذا كله أن المراد بهذا الحديث، ليس كما ظنه
أصحاب الشافعي، والله أعلم)» ثم قال:
((وقد نقضوا قولهم في ورود الماء على النجاسة، لأنهم يقولون: إذا ورد الماء
على نجاسة في إناء أو موضعه وكان الماء دون القلتين؛ أن النجاسة تفسده، =

٣٩٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تحدثه
ومنها: أن المستحبَّ لغاسل النجاسة غسلها .
ومنها: أن الغسل سَبْعًا ليس عامًّا في كل النجاسات(١) كما يقوله
أحمد(٢).
ومنها: أن العفو عن الأثر الباقي في محلِّ الاستنجاء مختصّ
بموضعه، فإن انتقل منه لم يُعْفَ(٣).
ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط والورع في مواضع الشك
والاشتباه (٤).
واعلم أن كراهة غمس اليد في الإناء قبل غسلها لم يكن مختصًّا بمن
قام من النوم(٥)، بل عامٌّ في كل شاٌ في نجاسة يده؛ لأن النبيِ وَّ نَبَّهَ
وأنه غير مطهر لها؛ فلم يفرقوا ههنا بين ورود الماء على النجاسة، وبين
=
ورودها عليه؛ وشرطهم أن يكون ورود الماء صبًّا مهراقًا، تحكّم لا دليل
عليه، والله أعلم)).
(١) إنما ورد الشرع به في ولوغ الكلب خاصة، وتقدم بيان ذلك.
(٢) انظر: ((المغني)) (٧٣ - ٧٤).
(٣) وعليه يفرَّع: إن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسًا، معفوًا
عنه في حق الصلاة، وأن العفو عن أثر النجاسة في محلها، وإذا انتقلت منه
لم يعف عنه.
(٤) عبارته في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣١/٣): ((ومنها استحباب الأخذ
بالاحتياط في العبادات وغيرها، ما لم يخرج عن حدّ الاحتياط إلى حدٍّ
الوسوسة، وفي الفرق بين الاحتياط والوسوسة كلام طويل، أوضحته في
(باب الآنية)، من ((شرح المهذب))) انتهى.
قلت: انظره فيه (٢٦٠/١ وما بعد)، ولأبي محمد الجويني ((التبصرة في
ترتيب أبواب التمييز بين الاحتياط والوسوسة))، وهو مطبوع عن مؤسسة
قرطبة، بتحقيق الأستاذ محمد بن عبد العزيز السديس.
(٥) نعم، الكراهة ليلًا أشد من نوم النهار، لأن احتمال التلويث أقرب لطوله.

٣٩٩
٤٧ - باب: الرجل يُدْخِل يده في الإناء قبل أن يغسلها
على العِلَّة بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتت يده))، أي: لا يأمن
نجاستها(١). هذا مذهبنا، وخصَّتْه طائفة من العلماء بالقيام من النوم (٢)،
وخصّه أحمد - في روايةٍ عنه - بنوم الليل(٣).
وإذا خالف وغمس يده فيه قبل غَسْلها كان مكروهًا (٤) ولم يفسد
الماء، بل يجوز أن يتطهّر به، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور(٥)، وقالت
طائفة: ينجسه فلا يجوز(٦).
(١) وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار، وذكر الليل أولًا
لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفًا من توهم أنه مخصوص به، بل ذكر العلة
بعده، والله أعلم، قاله المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣٢/٣).
(٢) انظر: ((المجموع)) (٣٩٠/١ - ٣٩١).
(٣) انظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) (١٠/١)، ((مسائل أحمد لأبي داود)) (٤)،
((السنن)) (ق ٤/ ب) للأثرم، ((المغني)) (١٣٩/١ - ١٤٠) وما قدمناه قريبًا،
وزاد المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣٢/٣): ((وحكي عن أحمد بن
حنبل - رحمه الله تعالی - رواية: أنه إن قام من نوم الليل کره کراهة تحریم،
وإنْ قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه، ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادًا
على لفظ المبيت في الحديث، وهو مذهب ضعيف جدًّا، فإن النبي وَّ نبّه
على العلة بقوله وَير: ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) ... )).
(٤) ولم یأثم الغامس.
(٥) انظر: ((الأوسط)) (٣٧٢/١ - ٣٧٣)، ((الأم)) (٢٤/١)، ((المجموع))
(٣٩٠/١)، ((المغني)) (١٤١/١)، ((التفريع)) (١٨٩/١)، ((المعونة))
(١٢٠/١)، ((التلقين)) (٤٣/١)، ((الذخيرة)) (٢٧٣/١ - ٢٧٤)، ((عقد الجواهر
الثمينة)) (٤١/١)، ((الإشراف)) (٣٦/١) مسألة (١٤ - بتحقيقي)، ((المبدع))
(١٠٨/١)، ((الفروع)) (١٤٤/١)، ((الإنصاف)) (١٣٠/١).
(٦) هذا مذهب الحسن البصري، أسند عنه عبد الرزاق (٣٠٧) في المسألة: ((يلقي
ولا يتوضأ ولا يغتسل))، ولفظ الأثرم في ((السنن)) (ق ٤/ ب): ((فإن توضأ به
أو اغتسل، فهو كمن لم يتوضأ، يعيد الوضوء والصلاة»، بينما لفظ=

٤٠٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكآله
ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٢/١): ((إنْ شاء توضأ، وإن شاء أهراقه)).
=
قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٣١/٣):
((وحكى أصحابنا عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى - أنه ينجس، إن كان
قام من نوم اللیل، وحکوه أيضًا عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير
الطبري، وهو ضعيف جدًّا، فإن الأصل في الماء واليد الطهارة، فلا ينجس،
وقواعد الشرع متظاهرة على هذا، ولا يمكن أن يقال: الظاهر في اليد
النجاسة)).
قال أبو عبيدة: هنا أمور مهمة، أجملها بالآتي:
أولًا: حكي هذا المذهب أيضًا عن داود الظاهري، انظر: ((فقه داود
الظاهري)) ١٨٩)، ((المحلى)) (٢٧٧/١).
ثانيًا: قال ابن الملقن في ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) (١/ ٢٥٣) - ونقل
عبارة النووي السابقة - : ((وهو رواية ضعيفة عن أحمد)) وقال: ((وقال ابن
حبيب المالكي: يفسد الماء، وأطلق، قال سند: ويستحب إراقة ذلك الماء)).
ثالثًا: مستند هذا القول: ما أخرجه ابن عدي (٢٣٧٢/٦) في ترجمة
(معلى بن الفضل) عن الحسن عن أبي هريرة رفعه: ((إذا استيقظ أحدكم من
منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، ثم ليتوضأ، فإن غمس يده في
الإناء من قبل أن یغسلها، فلیھرق ذلك الماء)».
وإسناده واه والأمر بإراقته منكر، وانظر ((البدر المنير)) (٢٦١/١).
رابعًا: انتهى إلى هنا كلام النووي في (شرحه على سنن أبي داود))، وبعده في
اللوحة المقابلة (١٣/ب): (((كتاب الطهارة: باب التخلّي عند الحاجة ... )
وفي آخر الشرح: ((هذا آخر كلام الإمام النووي، والذي بعده لغيره، والظاهر
أنه لشهاب ابن رسلان الرملي ثم المقدسي صاحب ((صفوة الزبد)))) انتهى.
قال أبو عبيدة: وقابلتُ ما فيه على نسخة أخرى من ((صفوة الزبد))، وهي من
محفوظات مكتبة الملك عبد العزيز حاليًا، والمكتبة المحمودية سابقًا، برقم
(٥٢٧)، فوجدتُه هو هو، والمتبقي من الشرح ليس للنووي بيقين، كما بيّنته
في تعريفي بالمخطوط في تقدمة هذا الشرح، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات.
=