النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
٣٢ - باب: ما ينجّس الماء
عنها بجواب صحيح - ؛ فإنه يمكن أن يُجمع بين الروايات ويجاب عن
==
بعضها بطريق أصولي، ويُنسب إلى التصحيح، ولكن تركته - يعني: ((في
الإلمام)» - ؛ لأنه لم يثبت عندنا الآن بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا
تعیین مقدار القلتين)).
والجواب عمَّا اعتذرا به: ((أن المراد قلتين بقلال هجر؛ كما رواه الإمام
الشافعي في ((الأم))، و((المختصر)) ... )).
قلت: وسيأتي التنبيه عليه.
وفهم بعضهم هذا الحديث بلفظة: ((لا يحمل الخبث))؛ أي: يضعُف عن
حمله، فعاد الاستدلال بالحديث كأنه هباء أو ماء، وهذا خطأ فاحش من
أوجه - وإن قال عنه ابن عبد البر: ((محتمل التأويل)) - :
أحدها: أن الرواية الأخرى مصرحة بغلطه، وهي قوله: ((لم ينجس)).
الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام، كقولك: ((فلان لا
يحمل الخشبة))، أي: يعجز عنها لثقلها .
وأما المعاني؛ فمعناه: لا يقبله، ومعنى الحديث الصحيح: ((لا يقبل
النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضَّيم؛ أي: لا
يقبله ولا یصبر عليه، بل يأباه)).
ثالثها: أن سياق الكلام يفسده؛ لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن حمله؛ لم
يكن للتقييد بالقلتين معنى، فإن ما دونها أولى بذلك.
فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع في المتغير بنجاسة؟
فالجواب: أنه عام، خص منه المتغير بالنجاسة؛ فيبقى الباقي على عمومه،
كما هو الصحيح عند الأصوليين.
فإن قيل: هذا الحديث يحمل على الجاري؟
فالجواب: أن الحديث يتناول الجاري والراكد؛ فلا يصح تخصيصه بلا
دليل، قاله ابن الملقن في ((البدر المنير)) (١١٣/٢)، والنووي في ((المجموع))
(١١٥/١)، والمنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) (١/ ٥٧).
وسيأتي كلام بديع للمصنف فيه ردٌّ على هذا الاعتراض.
=

٢٨٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّشه
حديث القلتين حسن، صحّحه الحفاظ وحسّنوه. والرواية الأخيرة: ((إذا كان
الماء قلتين فإنه لا ينجس)) صحيحة، قال يحيى بن معين: إسنادها جيد(١)، وقال
بقي بعد هذا كله: أن جماعة من الحفاظ قد صححوا هذا الحديث وعملوا
=
به، منهم :
الإمام الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، وابن دقيق العيد - كما في
(طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٤٥/٢) -، والعلائي في ((جزء)) مفرد،
وابن حجر، والشوكاني، والمباركفوري، وشيخنا الألباني.
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١٥١/١): ((صحيح ثابت، لا مغمز فيه)).
وقال الجوزقاني في ((الأباطيل)) (٣٣٨/١): ((هذا حديث حسن)).
وقال المنذري في ((مختصر السنن)) (٥٩/١): ((هذا الإسناد صحيح موصول)).
وقال النووي في ((المجموع)) (١١٢/١): ((حديث حسن ثابت))، وسيأتي
كلامه المجمل عليه، ونقله تجويد ابن معين لإسناده وتصحيح الحاكم له،
وصححه في كتابه ((خلاصة الأحكام)) (٦٦/١).
وصححه الرافعي، وعبد الحق الإشبيلي؛ وابن منده، وابن الملقن، ومضى
كلامهم.
وقال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (١١٢/١): ((أكثر أهل العلم بالحديث
علی أنه حدیث حسن یحتج به)).
وصدق الخطابي حين قال في ((معالم السنن)) (٥٨/١): ((يكفي شاهد على
صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه، وقالوا به، واعتمدوه
في تحديد الماء، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب)).
وانظر تعليقنا على ((الخلافيات)) (١٤٦/٣ - ١٨١) ففيه فوائد زوائد، والله
الموفق لا رب سواه، وهو الهادي إلى سواء الصراط .
(١) ((تاريخ ابن معين)) (٢٤٠/٤ - رواية الدوري)، ومن طريقه البيهقي في
((المعرفة)) (٨٩/٢ رقم ١٨٨٤)، وفي ((الخلافيات)) (١٧٩/٣ رقم ٩٥٠).
ونقلها عنه: ابن الملقن في ((البدر المنير» (٤٠٥/١)، وعنه ابن حجر في
((التلخيص الحبير)) (١٨/١)، وذكرها المصنف أيضًا في ((خلاصة الأحكام))
(٦٦/١) رقم (١٢).

٢٨٣
٣٢ - باب: ما ينجِّس الماء
الحاكم: صحيح(١). ولا تقبل دعوى من ادّعى اضطرابه(٢)، وعلى
الحديث اعتراضات(٣) عنها أجوبة صحيحة مشهورة (٤).
والقلة هي الجرّة العظيمة التي يُقِلَّها القويُّ من الرِّجال، أي يرفعها
ويحملها(٥)، وقد جاء في رواية مرسلة: ((بقلال هَجَر))(٦). وهَجَر: قرية
بقرب المدينة، ليست هَجَر البحرين المدينة المشهورة(٧). وكانت قلالُ
(١) سبق إيراد كلامه في التخريج.
(٢) بينّا ذلك مفصلًا في التخريج، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(٣) استوفيناها مع الأجوبة في التخريج المطول السابق.
(٤) نقل كلامه هذا ابن الملقن في ((البدر المنير))) (٩٦/٢).
(٥) عبارته في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٢): ((القلة في اللغة: الجرَّة العظيمة،
سميت بذلك لأن الرجل العظيم يُقلّها بيديه، أي: يرفعها)).
(٦) أخرجه الشافعي في ((مسنده)) (ص ٤٩ - ترتيبه) وابن عدي في ((الكامل))
(٢٣٥٨/٦) ومن طريقه البيهقي في ((الخلافيات)) رقم (٩٥٥ - ٩٥٦) وفي
((السنن الكبرى)) (٢٦٣/١) والخطابي في ((المعالم)) (١٩٦/١) وقال ابن
عدي: ((وقوله في متن هذا: ((من قلال هجر)) غير محفوظ)).
وانظر: ((السنن)) (٢٤/١ - ٢٥) للدار قطني، و((المعرفة)) (٩١/٢) رقم
(١٨٩٦)، و((الخلافيات)) (١٨٢/٣)، و((البدر المنير)) (١٠٥/٢)، و((تهذيب
السنن)) لابن القيم (٦٣/١).
(٧) قال ياقوت في كتابه ((المشترك وضعًا والمفترق صقعًا)) (ص ٣٣٨): ((هَجَر:
ثلاثة مواضع: بفتح أوله وثانيه وراء، هجر يشمل جميع نواحي البحرين، فهو
اسم الإقليم كالشام)). قال: ((وهجر في قول بعضهم قرية كانت قرب المدينة
وإليها تُنسب القلال الهجرية. وقيل: بل تنسب إلى هجر الأولى، إما أن
تكون عُمِلَت بها، وجُلبت إلى المدينة، وإما أن تكون عُملت بالمدينة على
مثالها، وهجر بلد باليمن، بينه وبين عثَّر إلى جهة اليمن يوم وليلة)). وبنحوه
في ((معجم البلدان)) (٣٩٣/٥)، و((مراصد الاطلاع)) (١٤٥٢/٣).
ونقل السَّمهودي (ت ٩٢٢ هـ) في كتابه ((خلاصة الوفا)) (٧٥٣/٢)
كلام النووي هذا، وقال: ((ومن الأزهري أنها هجر البحرين)). وأهملها =

٢٨٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكتالم
هجر معلومةً عند المخاطبين. قال ابن جريج: ((رأيت قلال هجر، فرأيت
القُلَّة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا))(١)، وقدّر العلماء القلتين بخمس قرب،
كل قِرْبةٍ مئةُ رطل بالبغدادي، فهما خمس مئة رطل، وهذا هو الصحيح،
وقيل ست مئة، وقيل: ألف، وهما بالمساحة: ذراع وربع طولًا وعرضًا
وعُمقًا(٢).
= الفيروزآبادي في كتابه الجامع عن المدينة، المسمى ((المغانم المطابة)).
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٩/١ رقم ٢٥٨، ٢٥٩)، والشافعي في ((المسند)»
(٨٢٢)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٧١/١ رقم ٢٩)، والبيهقي في
((الخلافيات)) (١٨١/٣ - ١٨٢)، وفي ((الكبرى)) (٢٦٣/١).
(٢) وهكذا قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٢)، وبنحوه في
((التحقیق) ص (٤٢) له، وهو آخر کتبه، ولم يتمه.
والمراد: القلة الكبيرة، إذ لو أراد رسول الله# الصغيرة لم يحتج لذكر
العدد، فإن الصغيرتين قدر واحدة كبيرة، ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند
أهل الحجاز، والظاهر أن النبي و 98 ترك تحديدهما على سبيل التوسعة،
والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة إلَّا بما يفهمون، فانتفى الإجمال، لكن
لعدم التحديد؛ وقع الخلاف بين السلف في مقدارهما على تسعة أقوال -
ذكرها ابن المنذر - هي:
أولًا: إن القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا .
ثانيًا: ما قاله الشافعي في ((الأم)) (٥/١):
((والاحتياط أن تكون القلّة قربتين ونصفًا، فإذا كان الماء خمس قرب، لم
يحتمل نجسًا في جر كان أو غيره، وقِرَبُ الحجاز كبار، ولا يكون الماء
الذي لا يحمل النجاسة إلَّا بقرب كبار)).
ثالثًا: حكي عن أحمد قولان: أحدهما: أن القلّة قربتان، والآخر: أن
القلتين خمس قرب، ولم يقل بأي قرب.
انظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) (٨/١)، و((مسائل أحمد)) لأبي داود (ص ٤)،
و((الإنصاف)) (٦٧/١ - ٧٠)، و((المغني)) (٢٧/١).
=

٢٨٥
٣٢ - باب: ما ينجُّس الماء
رابعًا: أن القلتين نحو ست قرب؛ لأن القلة نحو الخابية، قاله إسحاق بن
=
راهويه .
خامسًا: أن القلتين خمس قرب، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها، وهذا قول
أبي ثور.
سادسًا: القلة الجرة، قاله وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم،
ولم یجعلوا لذلك حدًّا يوقف عليه.
سابعًا: القلة؛ الكوز.
ثامنًا: القلة؛ الكوز الصغير، والجرَّة اللطيفة والعظيمة، والجر اللطيف إذا
كان القوي من الرجال يستطيع أن يقلّه؛ أي: يحمله.
تاسعًا: قول أبي عبيد في ((الطهور)) (٢٣٨): ((هي الحباب)) قال: ((وهي قلال
هجر، معروفة عندهم وعند العرب مستفيضة، وقد سمعنا ذكرها في
أشعارهم، وقد يكون بالشام أيضًا وتلك الناحية، وكل هذا الذي اقتصصناه
إنما هو في الماء الدائم الذي لا مادة له، وذلك مثل الغدران والمصانع
والصهاريج والحياض والبرك)).
قلت: القلة: إناء العرب؛ كالجرة الكبيرة شبه الجب ـ بالضم - ، والجمع
قلال، مثل: برمة وبرام. قال الأزهري: ((ورأيت القلة من قلال هجر
والأحساء تسع ملء مزادة، والمزادة: شطر الرواية، وإنما سميت قلة؛ لأن
الرجل القوي يقلها؛ أي: يحملها)).
وعن ابن جريج قال: ((أخبرني من رأى قلال هجر أن القلة تسع فرقًا)).
قال عبد الرزاق: ((والفرق، يسع أربعة أصواع بصاع النبي ◌َّات).
انظر: ((تحفة الفقهاء)) (١٠٧/١)، و((المصباح)) (مادة: قلل).
وقد حدد فقهاء الشافعية القلتين بخمس مئة رطل بالبغدادي؛ لأنه روي (بقلال
هجر)، قال ابن جريج: ((رأيت قلال هجر، فرأيت القلة منها تسع قربتين، أو
قربتين وشيئًا، فجعل الشافعي ◌َّلهُ نصفًا احتياطيًا))، وقِرَبُ الحجاز كبار
تسع كل قربة: مئة رطل؛ فصار الجميع: خمس مئة رطل.
انظر: ((المهذب)) (١٣/١)، و((المنهاج)) (ص ٣).
وقال الزمخشري في ((رؤوس المسائل)) (ص ١٢٠): ((والقلتان خمس قرب
كبار، وهي مئتان وخمسون منّا، أو ست مئة رطل)).
=

٢٨٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكذّثم
قوله وَالـ: ((إذا بلغَ الماء قلتين لم يحمل الخبث))، معناه: لم ينجس
بملاصقة النجاسة ووقوعها فيه كما فسَّره في الرواية الأخرى، وتقديره: لا
يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضّيم؛
أي: لا يقبله ولا يصبر عليه، بل يأباه. وأما قول بعض المانعين للعمل
بالقلتين: إن معناه أنه يضعف عن حَمْلِهِ؛ فخطأ فاحش من أوجه(١):
أحدها: أن الرواية الأخرى مصرّحة بغلطه، وهي قوله: ((فإنه لا
ینجس)).
الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام، كقولك:
فلانٌ لا يحمل الخشبة؛ أي: يعجز عنها لثقلها، وأما في المعاني
فمعناه: لا يقبله، کما ذکرنا .
قلت: المن: كيل أو ميزان، وهو شرعًا: (١٨٠) مثقالًا، وعرفًا: (٢٨٠)
=
مثقالًا، وجمعه أمنان. ((المنجد)) (من).
وقد أوردت كتب الفقه الشافعي مواصفات مساحة الماء في الفلاة المقدرة
بالقلتين بأنها: «ذراع وربع بذراع الآدمي، وهو: شبران تقريبًا، وهذا في
المربع طولًا وعرضًا وعمقًا، وأما في المدور؛ فذراعان طولًا وعرضًا بذراع
النجار الذي هو بذراع الآدمي ذراع وربع، والمراد بالطول: العمق، وإذا كان
الظرف مدورًا مثل البئر أو البركة المستديرة؛ فيكون قطر الدائرة ذراعًا،
وعمق البئر: ذراعين ونصفًا، فيكون محيط الدائرة: (٣٫١٤) ذراع، وإذا كان
الظرف مثلثًا متساوي الأضلاع؛ فیجب أن یکون طول وعرض كل ضلع:
(١٫٥) ذراع، طولًا وعرضًا وعمقًا، ونصفه ذراعان، وإن كان الظرف مكعبًا؛
فيجب أن تكون أبعاده الثلاثة: (١٫٢٥) ذراع، طولًا وعرضًا وعمقًا)).
وخلاصة القول؛ فإن القلتين تقدران بحوالي (٣٠٧) لترات.
انظر: ((الإيضاح والتبيان)) مع تعليقات المحقق د.الخاروف (ص ٧٩، ٨٠)
والتعليق على ((رؤوس المسائل)) (ص ١٢٠).
(١) سبق ذكر بعضها، وانظرها في ((المجموع)) (١١٥/١) ((مختصر سنن أبي داود))
(٥٧/١)، ((البدر المنير)) (١١٣/٢).

٢٨٧
٣٢ - باب: ما ينجِّس الماء
الثالث: أن سياق الكلام يفسده؛ لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن
حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معنىّ، فإن ما دونهما أولى بذلك.
فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع في المتغيِّر
بالنجاسة!(١)
فالجواب: أنه عام خُصَّ منه المتغير بالنجاسة، فبقي الباقي على
عمومه كما هو الصحيح عند الأصوليين(٢).
وممن قال بالقلتين الشافعي(٣) وأحمد(٤) وإسحاق(٥) وأبو ثور (٦)
وأبو عبيد(٧) وابن خزيمة(٨) وآخرون(٩).
وقد يستدل بهذا الحديث من يقول بنجاسة سؤر السِّباع، لقوله: ((وما
ينوبه من السباع))، ولا دلالة فيه؛ لأن السِّباع إذا ورَدَت مياه الغُدْرَان
(١) انظر في تقرير هذا: ((تصحيح التنبيه)) (٦٩/١) رقم (٤)، ((المنهاج)) (٢١/١)
((التنقيح في شرح الوسيط)) (١٢٤/١).
(٢) نقله عن المصنف: ابن الملقن في ((البدر المنير)) (١/ ٤٢٠) من قوله: ((وأما
قول بعض ... )) إلى هنا.
(٣) في ((الأم)) (٥/١)، وسبق كلامه.
(٤) انظر: ((مسائل أحمد)) لأبي داود (ص ٤).
(٥) انظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) (٨/١).
(٦) حكى مذهبه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٦١/١)، وابن قدامة في ((المغني))
(٢٥/١).
(٧) انظر: كتابه ((الطهور)) (ص ٢٣٦ - بتحقيقي) وفيه: ((أفتى به مجاهد
والحسن))، ونقلت في تعليقي عليه من نقل مذهب أبي عبيد وهم جماعة.
(٨) انظر: ((صحيحه)) (٤٩/١).
(٩) نسبه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٦١/١) لعبد الله بن عمر وسعيد بن جبير
ومجاهد، وانظر: ((فتح الباري)) (٤٣٢/١).

٢٨٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّلم
خاضَتْها وبالت فيها في العادة، مع أن قوائمها ونحوها لا تخلو من
النجاسة غالبًا(١)، فكان سؤالهم عن ذلك، فقال لهم النبي وَ ﴾ قاعدة
عامة(٢): أن الماء إذا بَلَغَ قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة، ومياه
الفلوات(٣)، والغُدْران لا تنقص عن قلتين غالبًا، والله أعلم.
قوله: ((وما ينوبه من الدواب والسباع))، أي: ما يطرقه منها، وأما
ذكره السباع بعد الدواب، فيحتمل أنه أراد بالدواب: الدواب العرفية،
وهي: الخيل والبغال، والحمير، ويحتمل أنه أراد جميع ما يدبّ كما هو
مقتضاه في اللغة، فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام، وهو جائز في
القرآن العظيم (٤).
(١) مأخوذ من ((معالم السنن)) (٣٦/١) بتصرف، وزيادة وضوح في المقصود.
(٢) مبتورة في الأصل ولم يظهر منها إلَّا ((عا))! ولعلها ما أثبتناه، وفي هامش
الأصل عند نهاية اللوحة [١٠/أ]، وما نصه: ((بلغ معارضة بأصله الذي هو
بخط النووي)».
(٣) كذا في الأصل مجوَّدة، وليست: ((القنوات))!
(٤) فوقها في الأصل كلمة (العزيز)، أي: القرآن العزيز.

٢٨٩
٣٣ - باب: ذكر بئر بُضاعة
٣٣ - باب: ذكر بئر بضاعة
٦٦ - (صحيح) حدثنا محمد بن العلاء، والحسن بن علي، ومحمد
ابن سليمان الأنباري، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن
محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَديج، عن
أبي سعيد الخدري: أنه قيل لرسول الله وَ ل *: أتتوضأ من بئر بضاعة -
وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتنُ؟ - فقال رسول
الله ◌َ﴿: ((الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسه شيءٍ)).
قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع(١).
(١) أخرجه النسائي في ((المجتبى)) (١٧٤/١)، والترمذي في ((الجامع)) (أبواب
الطهارة، باب ما جاء أنَّ الماء لا يُنجِّسه شيء)، (٩٥/١/ رقم ٦٦)، وأحمد
في («المسند» (٣١/٣)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (رقم ٤٧)، وابن أبي
شيبة في ((المصنف)) (١٤١/١ - ١٤٢)، والدارقطني في ((السنن)) (٣٠/١)،
وابن المنذر في (الأوسط)) (٢٦٩/١)، وابن منده - كما في ((البدر المنير"
(٥٧/٢) -، والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٠/٢)؛ وسمويه في ((بعض الثالث
من فوائده)) (ق ١٣٩/أ)؛ من طرق، عن أبي أسامة، به.
ورجال إسناده ثقات، رجال الشيخين؛ غير عبيد الله بن عبد الله بن رافع،
وهو مجهول، لم یوثقه غیر ابن حبان، وقد روى عنه جماعة، وقال ابن حجر:
((مستور)).
وانظر: ((الجوهر النقي)) (٥٠٤/١)، و((التلخيص الحبير)) (١٧٤/١).
قال الترمذي عقبه: ((حديث حسن، وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديث؛ فلم
يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد =

٢٩٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقاثم
٦٧ - (صحيح) حدثنا أحمد بن أبي شعيب، وعبد العزيز بن يحيى
الحرانيان، قالا: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن
سليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري، ثم
العدويّ، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صل و وهو يقال
له: إنه يستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يُلقى فيها لحوم الكلاب
والمحائِضُ وعَذِرُ الناس! فقال رسول الله وَله: ((إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ
شيء))(١).
= روي من غير وجه عن أبي سعيد)». وقال البغوي: ((هذا حديث حسن
صحیح)).
وقال الدارقطني في ((العلل)) (٣/ق ١٣٨/أ) أو (٢٨٥/١١ - ٢٨٨) رقم
(٢٢٨٧) وساق طرقه عن أبي سعيد: ((وأحسنها إسنادًا حديث الوليد بن
کثیر ... )) .
(١) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (٣٠/١)، ومن طريقه البيهقي في ((الخلافيات))
وابن جرير في ((تهذيب الآثار)) (٢٠٩/٢ / رقم ١٥٥١) من طريق محمد بن
سلمة به .
وإسناده ضعيف، وفيه انقطاع.
قال الشيخ ابن دقيق العيد في ((الإمام)) (١١٧/١ - ١١٨):
((وفي رواية ابن إسحاق عن سليط شيء آخر، ذكره أبو محمد عبد الرحمن بن
أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص ١٩٥)، عن أبيه؛ قال: محمد بن إسحاق بينه
وبین سليط رجل.
وكلامه محتمل لأن يكون بينهما رجل في حديث بئر بضاعة، وبين أن يكون
بينهما رجل مطلقًا، والأقرب إلى وضع الكتاب المذكور هو الثاني)) اهـ.
وعلق عليه ابن الملقن في ((البدر المنير)» (٥٩/٢) بقوله:
(«قلت: والذي يظهر صحة الحديث مطلقًا كما صحَّحه الأئمة المتقدمون:
الترمذي، وأحمد، ويحيى بن معين، والحاكم، وهم أئمة هذا الفن
والمرجوع لهم)).
قلت: نعم، هو صحيح بطرقه وشواهده.

٢٩١
٣٣ - باب: ذكر بئر بُضاعة
قال أبو داود: [و] سمعت قتيبة بن سعيد، قال: سألتُ قيِّم بئر
بُضاعة عن عُمقها؟ قال: أكثرُ ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا
نقص؟ قال: دون العورة.
قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته علیها، ثم ذرعته،
فإذا عرضُها ستة أذرع، وسألتُ الذي فتح لي باب البُسْتان فأدخلني إليه:
هل غُيِّر بِناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيتُ فيها ماءً مُتغيِّرَ اللَّون.
بُضاعة: بضمِّ الباء وكسرها، والضمّ أفصح وأشهر، ولم يذكر
جماعةٌ غيره، وممن ذكر الوجهين: ابن فارس(١) والجوهري(٢).
وحديث بئر بضاعة صحيح، وممن صحّحه: الإمام أحمد بن
حنبل(٣) ويحيى بن معين والحاكم وآخرون من الأئمة والحفاظ(٤)، وقال
الترمذي: حديث حسن(٥).
(١) انظر: ((مجمل اللغة)) (١٢٧/١)، مادة (بضع) وبضاعة: اسم لصاحب البئر.
وقيل: اسم لموضعها، وهي بئر بالمدينة، وهي في ديار بني ساعدة معروفة.
(٢) انظر: ((الصحاح)) (١١٨٧/٣)، مادة (بضع).
(٣) نقل المزي في ((تهذيب الكمال)) (٨٤/١٩) عن أبي الحسن الميموني عن
أحمد بن حنبل قوله: ((حديث بئر بضاعة صحيح، وحديث أبي هريرة: ((لا
یبال في الماء الراكد) أثبت وأصح إسنادًا)).
وانظر تصحيح أحمد له في: ((الإمام)) (١١٥/١) لابن دقيق العيد، ((تنقيح
التحقيق)) (٢٠٥/١) لمحمد بن عبد الهادي.
(٤) نقل كلام النووي إلى هنا: ابن الملقن في ((البدر المنير» (٣٨٢/١ - ط
الهجرة) وعنده: ((الأئمة الحفاظ)).
(٥) قال المصنف في ((خلاصة الأحكام)) (٦٥/١): ((قال الترمذي: حسن، وفي
بعض النسخ: ((حسن صحيح))، وقال الإمام أحمد بن حنبل: ((هو صحيح))
وكذا قال آخرون، وقولهم مُقدَّم على قول الدارقطني: إنه غير ثابت)).
=

٢٩٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني كتآله
قوله: ((قيل: يا رسول الله؛ أتتوضأ من بئر بُضاعة))؟ هو بتاءين
مثناتين من فوق، وهو خطاب للنبي وَّ ر، معناه: تتوضأ أنت يا رسول الله
من هذه البئر وصفتها كذا؟ وإنما ضَبَظْتُ اللفظة لأني رأيت مراتٍ من
يُصَحِّفها فيقول: ((نتوضأ)) بالنون، وهذا غلط(١)؛ فقد ذكر أبو داود في
الرواية الأخرى(٢) أنه قال: ((يا رسول الله؛ إنه يُستَقَى لك من بئر
بضاعة))، وفي رواية الشافعي(٣): ((قيل: يا رسول الله؛ إنك تتوضأ من
بئر بضاعة)) وذكر تمامه، وفي رواية النسائي(٤) عن أبي سعيد قال: مررت
بالنبي 184 وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله؛ أتتوضأ منها
وهي يُطرح فيها ... وذكر الحديث.
قوله: ((وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحمُ الكلاب والنّتنُ)).
قلت: قول الدارقطني في ((العلل)) (١٥٧/٨) عن حديث أبي هريرة لا عن هذا
=
الحديث، أفاده العلامة محمد بن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق)) (٢٠٦/١).
(١) قال ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٣٩٣/١ - ط الهجرة): ((أول من نبّه على
هذا الضبط: النووي ◌َقّْلُ وتبعه شيخنا فتح الدين بن سيد الناس في ((شرح
الترمذي)). قال النووي: إنما ضبطت كونه بالتاء لئلا يُصحَّف، فيقال:
((أنتوضأ)) بالنون. وقد رأيت من صحَّفه، واستبعد كون النبي وَ ل﴿ يتوضأ منها.
قال: وهذا غلط فاحش)).
ونقل ابن رسلان في ((صفوة الزبد)) (ق ٣٣/أ) عن النووي قوله: ((ضبطتُه بالتاء
لأني رأيت من صحفه بالنون))، ونقله عن المصنف: السيوطي في ((مرقاة
الصعود)) (ص ١٧ - مختصره (درجات))) وفيه على إثره: ((قال الشيخ ولي
الدين: فلا يمتنع كونه بنون ففوقية، فقد ضبطناه كذلك بأصلنا بسند أبي
داود، ويقوِّيه ما للدارقطني: قيل يا رسول الله؛ إنا نتوضأ)).
(٢)
السابقة رقم (٦٧).
(٣) في ((الأم)) (٩/١) و((المسند)) (ص ١٥٦) و((اختلاف الحديث)) (ص ٧١).
(٤) في ((المجتبى)) (١/ ١٧٤).

٢٩٣
٣٣ - باب: ذكر بئر بُضاعة
أما الحِيض فبكسر الحاء وفتح الياء(١)؛ أي: خرق الحيض. وقيل:
المراد بالحِيْضَة هنا الخِرقة تستثفر بها الحائض، وهي بكسر الحاء، قال
الخطابي(٢) وآخرون: «لم يكن إلقاء ذلك تعمدًا من آدمي؛ بل كانت هذه
البئر في حدورٍ والسيول تكسح الأقذار من الأفنية فتُلْقيها فيها، ولم يكن
ذلك يؤثر في الماء؛ لأنه كان ماءً كثيرًا لا يتغير بذلك))، وهي بئر مطروقة
الاستقاء، فمن وجد فيها شيئًا من ذلك أزاله كما هو المعروف من عادة
الناس، وقيل: كانت الريحُ تُلْقي ذلك.
وقيل: المنافقون، ويحتمل الريح والسيول، وأما المنافقون فبعيد؛
لأن الانتفاع بها مشترك مع تنزيه المنافقين وغيرهم المياه في العادة(٣).
واعلم أن حديث بئر بضاعة لا يخالف حديث القُلَّتين(٤)؛ لأن ماءها
کان فوق القُلَّتین کما ذکرنا، فحدیث بئر بضاعة یخصّ منه شيئان:
أحدهما : إذا كان دون قُلَّتين.
والثاني: المتغير بالنجاسة.
فأما الشيء الثاني؛ فَمُجْمَعٌ على تخصيصه، وأما الأول فقال به
(١) جمع (حِيضة) - بكسر الحاء - وهي الخرقة التي تحتشي بها المرأة، وقد تطلق
(الحيضة) - بكسر الحاء - على الاسم من (الحَيضة) بالفتح، ونقل المزبور عن
المصنف: السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٧ - درجات). وانظر: ((الإمام))
(١٢١/١).
(٢) ((معالم السنن)) (١/ ٣٧)، بنحوه.
(٣) من قوله: ((قال الخطابي وآخرون ... )) إلى هنا في ((البدر المنير)) (١/ ٣٩٠)
ولم يعزه لأحد!
(٤) المتقدم برقم (٦٣، ٦٤، ٦٥).

٢٩٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكثّشم
الشافعي(١) وأحمد(٢) وكثيرون، وقال مالك(٣) وآخرون بعمومه.
قوله: ((يُلْقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِرُ الناس))، هو بفتح
العين وكسر الذال: اسم جنس للعذرة، وهي الغائط، فهذا هو الصحيح
في ضبطه، وضُبط أيضًا بكسر العين وفتح الذال، وهذا أيضًا صحيح
كَمَعِدَة ومِعَد. وأما ما يقع في بعض النسخ من ضمّ العين فتصحيف لا
معنی له هنا(٤).
(١) انظر: ((الأم)) (٤/١ - ٥)، و((فتح العزيز) (٢٠٥/١ -٢٠٨)، و((المهذب))
(١٣/١)، و((مغني المحتاج)) (٢١/١)، و((نهاية المحتاج)) (٦٣/١)،
و (التذكرة)) (٣٦) لابن الملقن، و((الوسيط في المذهب)) (٣٢٣/١ - ٣٣٦)
للغزالي، و((حاشيتا القليوبي وعميرة)) (٢١/١).
وتقريره عند المصنف في: ((التحقيق)) (٣٦)، ((المنهاج)) (٣)، ((روضة
الطالبين)» (١٩/١)، و ((المجموع)) (١٦١/١).
(٢) هذه رواية في مذهب أحمد، والمذهب لا ينجس القلتان بوقوع النجاسة فيها
إلّا أن يكون بولًا.
وانظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) (٨/١)، و((المغني)) (٢٤/١ -٤٠)، و ((المحرر))
(٢/١)، و((كشف القناع)) (٤١/١)، و((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (٢١ -٣٠)،
و((شرح منتهى الإرادات)) (٨١/١)، و((المقنع)) (١٩/١)، و((الفروع)) (٨٤/١)،
و((الإنصاف)) (٥٦/١)، و((الكافي)) (١١/١)، و((شرح العمدة)) (٢٣)،
و ((الإفصاح)) (٥٨/١)، و((المذهب الأحمد)) (٣)، و((الهداية)) (١٠/١).
(٣) مذهب مالك يعتبر تغيّر الصِّفات. انظر: ((المدونة الكبرى)) (٢٥/١)،
و((التمهيد)) (٣٢٦/١ -٣٢٧) و((الكافي)) (١٥٥/١)، و((الشرح الكبير))
(٤٨/١)، و((مقدمات ابن رشد)) (١٥/١)، و((قوانين الأحكام الشرعية))
(٤٤)، و((حاشية الدسوقي)) (٣٨/١)، و((بداية المجتهد)) (٢٤/١). وانظر
سائر المذاهب في: (الأوسط)) (٢٦٠/١ وما بعدها) لابن المنذر، و((الطهور))
(ص ٢٢٦ وما بعده) لأبي عبيد، و((تنقيح التحقيق)) (١٩٣/١).
(٤) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٧ - درجات).

٢٩٥
٣٣ - باب: ذكر بئر بُضاعة
قوله: ((عُمْقها))؛ أي: قَعْرها، وهو بفتح العين وضمّها لغتان.
قوله: ((أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة (١)، فإذا نَقَصَ؟ قال: دون
العورة))، المراد بالعورة هنا الفرج، يعني: دون الفرج بقليل، فكأنها
كانت تنقص شبرًا ونحوه. وإنما قدّرها أبو داود بردائه وسأل عنها قتيبة
ليعلم أنها كبيرة جدًّا(٢)، والمقصود أن أبا حنيفة رَحْدَمُ يقول: إذا كان
الماء غير جارٍ ووقعت فيه نجاسة، فإن كان بحيث لو حُرِّك أحد طَرَفَيه
تحرك الآخر، فهو نجس كلُّه(٣)، وإلا فطاهر. وهذه البئر كانت دون
هذا، فمعلوم أنها إذا حُرِّك أحد طرفيها تحرك الآخر، وقد صحّ أن
النبي ◌َ﴿ توضأ منها(٤)، وكانت النَّجاسات تقع فيها، فهذا يردُّ مذهب
أبي حنيفة، وهذا مقصود قتيبة وأبي داود بما ذكره في الكتاب، ولهذا
قال: ((سألت الذي فتح لي الباب: هل غُيِّر بناؤها؟ يعني: عمّا كان في
زمن النبي ◌َ﴿؟ قال: لا)).
(١) قال المصنف في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (ص ٣٤): ((العانة: الشَّعَر حول
الفرج)).
انظر تأكيد ذلك في ((السنن الكبرى)) (٢٦٥/١)، و((المعرفة)) (٣٢٤/١)
كلاهما للبيهقي.
(٢) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٧ - درجات) عن المصنف.
(٣) انظر: ((المبسوط)) (٦١/١)، و((أحكام القرآن)) (٤١٩/٣)، و((شرح معاني
الآثار)) (١٦١/١)، و((الهداية)) (١٨/١)، وشرحها ((فتح القدير)) (٧٩/١ -
٨٠)، و((البناية شرح الهداية)) (٣١٣/١ - ٣١٤، ٣٤٠)، و((مختصر الطحاوي))
(١٦)، و((تحفة الفقهاء)) (١٠٧/١)، و((رؤوس المسائل)) (ص ١١٩)، و(بدائع
الصنائع)» (٢٠٩/١)، و((مراقي الفلاح)) (ص ٤)، و((فتح باب العناية))
(١١٠/١ - ١١٤).
(٤) دلت عليه أحاديث الباب.

٢٩٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّلم
وقوله: ((قَدَّرْتُ بئر بُضاعة))، هو بتشديد الدال وتخفيفها.
قوله: ((فإذا عَرْضُها ستة أذرع»، هكذا هو في النسخ: (ستة) بالهاء،
وهي لغة قليلة، والأفصح تأنيث الذراع، فيقال: ست أذرع(١).
قوله: ((ورأيت فيها ماءً متغيرًا))، هذا التَّغيُّر بطول المكث أو نحوه،
أو من أصلها لا بنجاسة(٢)، ثم إن هذه صفة مائها في زمن أبي داود،
ولا يلزم منه أن تكون صفتها كذلك في زمن النبي وَله، ولعلّه قلَّ
استعمالها فتغيَّر ماؤها، والله أعلم(٣) .
(١) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٠٩/٣ - ١١١)، ((تحرير ألفاظ التنبيه))
(٤٢، ٣٠٩).
(٢) نقل الرملي في ((شرح سنن أبي داود)) (ق ٣٤/أ) عن النووي قوله: ((يعني
بطول المکث، وأصل النبع، لا بوقوع شيء أجنبي فیه، انتهى)).
(٣) نقل ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٣٨٩/١ - ٣٩٢) جل كلام النووي على
حدیث بضاعة، ولم ينسبه إليه!

٢٩٧
٣٤ - باب: الماء لا يُجنِبُ
٣٤ - باب: الماء لا يُجنِبُ(*)
٦٨ - (صحيح) حدثنا مُسدد، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال:
حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج
النبي بَ في جَفْنة، فجاء النبي ◌َ﴿ ليتوضأ منها - أو يغتسل - فقالت له:
يا رسول الله؛ إني كُنت جنبًا، فقال رسول الله وَله: ((إن الماء لا
يُجنب))(١).
(*) هذا التبويب لا وجود له في النسخة الخطية من ((الشرح))، وكذا وقع في ((شرح
العيني على سنن أبي داود)» (٢٠٣/١)، وأثبتُّه من سائر النسخ المطبوعة، والشروح
المشهورة، وانظر كلام الشارح في آخر شرحه لهذا الباب.
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٩/١).
وأخرجه الترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٣٨/١، ١٣٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٦/٤، ٧٣)، والبيهقي في
((الكبرى)) (٢٦٧/١)، من طريق أبي الأحوص به.
وقد توبع أبو الأحوص فتابعه سفيان الثوري أخرجه عبد الرزاق (٣٩٦)،
والدارسي (١٨٧/١)، والنسائي (٦٢/١)، وابن ماجه (٣٧١)، والطحاوي
(٦٢/١)، وابن الجارود (٤٨، ٤٩)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٢٦٨/١،
٢٦٩)، وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) (٥٧)، وابن جرير في ((تهذيب
الآثار)) (٢٠٢/٢، ٢٠٣، ٢٠٥)، وأحمد (٢٣٥/١، ٢٨٤، ٣٠٨)، وابن
راهويه (٢٠١٧، ٢٠١٨)، والخطيب في («تاريخ بغداد)» (٤٠٣/١٠)، وفي
((الأسماء المبهمة)) (رقم ١٤٨)، وشعبة عند ابن خزيمة (٩١)، وابن جرير في
((التهذيب)) (٣٧)، والبزار (٢٥٠ - زوائده)، والحاكم (١٥٩/١).
ورواية سماك عن عكرمة خاصة فيها كلام، ويقبل منها ما كان من رواية =

٢٩٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تأخذثم
قوله: ((عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ◌َّ في جفنة،
فجاء النبي ◌َّلـ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت: يا رسول الله، إني كنت
جُنُبًا. فقال رسول الله وَطفى: ((إن الماء لا يجنب)). هذا حديث
صحيح(١)، ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفي رواية الدارقطني:
((الماء ليس عليه جنابة))، واغتسل منه(٢).
والجَفْنة بفتح الجيم(٣). وقوله وَ له: ((لا يُجْنِب)) هو بضم الياء وكسر
شعبة وسفیان عنه كما هو هنا، فالحديث صحيح.
=
وصححه المصنف في ((خلاصة الأحكام)) (١٩٩/١) رقم (٤٩٣)، وانظر:
((فتح الباري)) (٣٠٠/١)، و((البدر المنير)) (٣٩٦/١) و((تنقيح التحقيق)) (١/
٢٢٠ - ٢٢٢) وتكلمت على طرقه بإسهاب في تعليقي على ((الطهور)) لأبي عبيد
(ص ٢١١ - ٢١٧)، فانظره غير مأمور.
(تنبيه): (بعض أزواج النبي (#) المذكورة في هذا الإسناد هي ميمونة، انظر
الآتي.
(١) قال المناوي في ((الفيض)) (٤٨٦/١): ((وصححه النووي في ((شرح أبي
داود)»» .
(٢) أخرجه الدارقطني في (السنن)) (٥٢/١) من طريق شريك عن سماك بن حرب
عن عكرمة عن ابن عباس عن ميمونة به.
وأخرجه من طرق عن شريك: أحمد (٦/ ٣٣٠)، والطيالسي (١١٥)، وابن
راهويه (١/٢٣٤/٢/٤) أو (رقم ٢٠١٦ - المطبوع)، وأبو يعلى (١٣ / رقم
٧٠٩٨) في ((مسانيدهم))، وابن ماجه (٣٧٢)، وأبو القاسم البغوي في
((الجعديات)) (٢٤٢٤)، وأبو عبيد في ((الطهور)) (١٤٩ - بتحقيقي)، وابن جرير
في ((تهذيب الآثار)) (٢٠٤/١، ٢٠٥)، وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))
(٥٨)، والخطيب في ((الأسماء المبهمة)) (ص ٣٠٠)، وتابع شريكًا جماعة،
تقدم ثلاثة منهم (أبو الأحوص، سفيان الثوري، شعبة) في الحديث السابق،
وسقت أربعة آخرين، هم (إسرائيل، حماد بن سلمة، عنبسة، يزيد بن عطاء)
في تعليقي على ((الطهور)) (ص ٢١٦ - ٢١٧) فانظره، والحديث صحيح.
(٣) قال في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٥٣/٣): ((بفتح الجيم، وإسكان =

٢٩٩
٣٤ - باب: الماء لا يُجِنِبُ
النون، ويجوز فتح الياء مع ضمَّ النون، والأول أفصح وأشهر(١)، يقال:
((أجنب)) و((جَنُبَ)) بفتح الجيم وضمّ النون، ويقال: رجل جُنبٌ، وامرأةٌ
جُنب، وامرأتان ورجلان ورجال ونساء جُنب، كُلَّه بلفظ واحد، هذا هو
الفصيح، وبه جاء القرآن(٢) وهذا الحديث وغيره، وفيه لغة أخرى أنه
يُثَنّى ويجمع، فيقال: جُنبان وأجناب(٣)، ومنه حديث عائشة المذكور بعد
هذا بقليل في (باب الوضوء بفضل وضوء المرأة)، قالت: ((ونحن
جُنُبان))(٤).
وقوله: ((اغتسلت في جفنة)) يعني: منها لا في نفسها وجوفها.
ومعنی: ((لا يُجنب)): لا يمتنع استعماله باستعمال الجنب منه.
وأصل الجنابة البُعد، وسُمِّي الجُنب لبُعده من الصلاة والمسجد
والقراءة، قال الخطابي(٥): وقد رُوي: ((أربع لا يُجْنبن: الثوب والإنسان
والأرض والماء)) (٦)، قال: وفسَّروه أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب
= الفاء، قال الأزهري في (باب قعر): قال ابن الأعرابي: القعر والجفنة
والشیزی والدسيعة بمعنى)).
(١) نقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٨ - مختصره (درجات))) عن المصنف.
(٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]،
وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦].
(٣) زاد في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٥٥/٣ - ٥٦): ((وجنبون)).
(٤) سيأتي برقم (٧٧).
(٥) ((معالم السنن)) (٣٨/١)، بتصرف يسير.
(٦) أخرجه الدارقطني (١١٣/١ - ط المعرفة)، عن الحسين بن إسماعيل عن
يوسف بن موسى ثنا ابن إدريس عن زكريا عن عامر عن ابن عباس به
موقوفًا .
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين سوى يوسف بن موسى القطان فمن =

٣٠٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستانى تقذفه
والحائض لا ينجس، والإنسان إذا أصابته جنابة أو صافَحَه جنب أو
مشرك لا ينجس(١)، والأرض إذا اغتسل عليها جنب لا تَنْجس، والماء
إذا أدخل الجنب [فيه](٢) يده أو اغتسل منه لم ینجس)).
وفي حديث ابن عباس: جواز طهارة الرجل بفضل طهور المرأة،
سواء تطهّرت خالية، أم بحضرة زوجها أو غيره؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ أطلق أن
الماء لا يجنب، مع إخبارها بأنها اغتسلت منه، والغالب أن الاغتسال
يقع في خلوة.
وأما إدخال أبي داود هذا الحديث في هذا الباب فلا يظهر وجهه،
وكان ينبغي أن يؤخره إلى باب: (وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة).
رجال البخاري وحده، والحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي القاضي، قال
=
عنه الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٨٢٤/٣): ((القاضي الإمام العلامة الحافظ
شیخ بغداد ومحدثها)» .
فهذا إسناد صحيح لولا ما قيل في زكريا بن أبي زائدة من أنه يدلس عن شيخه
الشعبي، وقد عنعن.
وله طريق أخرى عند البيهقي في ((الكبرى)) (٢٦٧/١) من طريق وكيع عن
الأعمش عن يحيى بن عبيد عن ابن عباس به، فيتقوى به، والله أعلم.
(١) المراد بـ(لا يجنب): أي: لا ينتقل له حكم الجنابة، وهو المنع من استعماله
باغتسال الغير منه، وحقيقته لا يصير بمثل هذا الفعل إلى حالة يجتنب، فلا
يستعمل، وأما تفسير ((لا يجنب)) بلا ينجس، فرده ابن دقيق العيد، بأنه تفسير
للأعم بالأخص، ويحتاج إلى دليل، وانظر: ((إحكام الأحكام)) (٢١/١)،
((فيض القدير)) (٤٨٦/٢).
(٢) زيادة من ((المعالم)).