النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
١٦ - باب: النهي عن البول في الجُخْر
١٦ - باب: النهي عن البول في الجُخْر(*)
٢٩ - (ضعيف) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثنا معاذ بن
هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن سَرْجِس: أن النبي ◌ِّ
نهى أن يبال في الجُخر. قال: قالوا لقتادة: ما يكره من البول في
الجُخْر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن(١).
(*) سقط هذا الباب من الأصل، وأثبتناه من مطبوع ((سنن أبي داود)).
(١) أخرجه النسائي في ((المجتبى)) (٣٤)، وأحمد في ((المسند» (٨٢/٥)، وابن
الجارود في ((المنتقى)) (ص ٢١ / رقم ٣٤)، والحاكم في ((المستدرك))
(١٨٦/١)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٩٩/١)، والبغوي (١٩٢) من طريق
معاذ بن هشام به .
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ثم قال الحاكم: ((فقد
احتجًّا بجميع رواته، ولعلَّ مُتوهّمًا يتوهّم أنّ قتادة لم يذكر سماعه من عبد الله
ابن سَرْجَس، وليس هذا بمستبعد، فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة،
لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم
عن عبد الله بن سرجس، وهو من ساكني البصرة، والله أعلم)).
فالظاهر من كلامه إمكانية لقاء قتادة بابن سرجس، وقد قال هو نفسه في
((معرفة علوم الحديث)) (ص ١١١): ((إن قتادة لم يسمع من صحابي غير
أنس)).
فمن أثبت السماع صحح الحديث، كالمصنف هنا وفي ((خلاصة الأحكام))
(١٥٦/١) رقم (٣٤٤) وفي ((المجموع)) (٨٥/٢)، ومن نفاه ضعّفه!
وأثبت سماعه عنه: علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأحمد=

١٦٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّلم
في الباب خمسة أحاديث، أولها: حديث أبي هريرة، رواه مسلم.
الثاني: حديث معاذ: حسن. الثالث: حديث عبد الله بن مغفّل ـ بالغين
المعجمة - حسن. الرابع: حديث حميد بن عبد الله الحميري: حسن.
الخامس: حديث عبد الله بن سَرْجِس: صحيح. وسرجس: عجميٍّ لا
ینصرف، بفتح السين وکسر الجيم(١).
قوله وَل: ((اتقوا اللاعنين))، أي: اجتنبوا الأمرين الجالبين للَّعن(٢) في
العادة، وليس فيه إباحة لعن فاعل ذلك، قال الخطابي(٣): ((ويحتمل أن
يكون اللاعنان هنا بمعنى الملعونين)) أي: اتقوا فعل الملعونين في العادة.
وقوله: ((الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلُّهم)) كما هو في معظم
في رواية عبد الله، وتشكك في سماعه في رواية حرب(1)، وصحح هذا
=
الحديث ابن خزيمة وابن السكن، وانظر: ((البدر المنير)) (٣٢٢/٢ - ٣٢٣)،
((التلخيص الحبير)) (١٠٦/١).
(١) قال المصنف في ((المجموع)) (٨٦/٢): ((سرجس: بفتح السين المهملة وكسر
الجيم وآخره سين أخرى، لا ينصرف))، وترجمه في ((تهذيب الأسماء
واللغات)) (٢٦٩/١) وقال: ((روى عن النبي ◌َ﴾﴾ سبعة عشر حديثًا، روى
مسلم منها ثلاثة)).
(٢) لأنّ من فعل ذلك لُعن، فلما صار سببًا أضيف إليه الفعل، وانظر ((شرح
صحيح مسلم)) (٢٠٧/٣) للمصنف وفيه: ((فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا
الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود)»، ونقله عنه السيوطي
في ((مرقاة الصعود)) (١١ - درجات).
(٣) ((معالم السنن)) (٢١/١)، وعبارته: ((وقد يكون اللاعن أيضًا بمعنى الملعون،
فاعل بمعنى مفعول به)). ونقله عنه المصنف في ((شرح صحيح مسلم))
(٢٠٧/٣) و ((المجموع)) (٨٦/٢).
(أ) انظر: ((المراسيل)) (١٦٨، ١٧٥) لابن أبي حاتم، ((العلل)) لأحمد (٤٣٠٠، ٥٢٦٤) كتابي
(بهجة المنتفع)) (٤٦١ - ٤٦٢).

١٦٣
١٦ - باب: النهي عن البول في الجُخْر
النُّسخ، وفي بعضها بالواو، كما هو في كتاب الخطابي(١)، والأول(٢)
أجود، وهو الموجود في ((صحيح مسلم)) (٣) وغيره(٤)، والثاني(٥) ...
والمراد بالتَّخلِّي(٦) التغوط والتقييد بظل الناس، احترازًا من الظل
الذي يكون في المواضع الخالية التي لا يأتيها الناس(٧)، وأما الملاعن:
فهي مواضع اللعن(٨). والبراز - بفتح الباء وكسرها - سبق بيانهما(٩).
(١) ((معالم السنن)) (٢١/١).
(٢) وهو رواية ابن داسة ومن طريقه البيهقي (٩٧/١)، وكذا وقع في أصل الأشيري
وابن حزم، أفاده محمد عوامة في تعليقه على ((سنن أبي داود)) (١٦٠/١).
(٣) برقم (٢٦٩).
(٤) مثل ((مسند أحمد)) (٣٧٢/٢)، و((صحيح ابن خزيمة)) (٧٦).
(٥) بياض في الأصل، وقد كتب الناسخ في الهامش: ((لعله قليل)).
(٦) أصله (الخلوة)؛ لأنّه شيء يستخلى به، ويقال له الخلاء والمذهب،
والمرفق، والمرحاض، أفاده المصنف في ((تهذيب الأسماء واللغات))
(٩٨/٣)، ونقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١١ - درجات) عن المصنف
في كتابه هذا مختصرًا .
(٧) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)): ((قال الخطابي وغيره من العلماء: المراد
بالظل هنا مستظل الناس، الذي اتخذوه مقیلا ومناخًا ینزلونه ويقعدون فيه، ولیس
كل ظل يحرم القعود تحته، فقد قعد النبي وتلفي تحت حائش النخل لحاجته، وله ظل
بلا شك)). وقال في معنى ما عند مسلم: ((لا الذي يتخلى في طريق الناس)):
((فمعناه يتغوّط في موضع يمرُّ به الناس، وما نهى عنه في الظل والطريق لما فيه
إيذاء المسلمين بتنجيس من يمرّ به ونتنه واستقذاره، والله أعلم)).
(٨) قال المصنف في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٧/٤): ((سميت ملاعن لأن
الناس يلعنون فاعل ذلك، فهي مواضع لعن، والله تعالى أعلم)).
وزاد في ((المجموع)) (٨٦/٢): ((جمع ملعنة، كمقبرة ومجزرة، موضع القبر
والجزر)).
(٩) (ص ٨٣).

١٦٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تراثه
والموارد: هي الطرق إلى الماء، جمع موردة(١).
وقارعة الطريق: صدره، وقيل: وسطه، وقيل: ما برز منه(٢).
والمستحم (٣): المغتسل، مأخوذ من الحميم - وهو الماء الحار(٤) -،
(١) مثله في ((المجموع)) (٨٦/٢)، وصرح بنقله عن الخطابي، قلت: هو في
((المعالم)) له (٢١/١).
(٢) بنحوه في ((تحرير ألفاظ التنبيه)) (٣٨) للمصنف، إلَّا أن فيه ((أعلاه)) بدل
((وسطه))، وزاد: ((وهو متقارب، والطريق: يذكر ويؤنث)).
وقال في (تهذيب الأسماء واللغات)) (٨٨/٤): ((وقارعة الطريق: أعلاه،
قاله(٢) الأزهري والجوهري، وقيل: هو ما برز منه، وقيل: صدر الطريق))
ونقله السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١١ - درجات) كما هنا، وتحرف فيه
«صدره)) إلى ((ضده))؛ فلتصوّب.
(فائدة) قال المصنف في ((المجموع)) (٨٧/٢): ((وهذا الأدب - وهو اتقاء
الملاعن الثلاث - متفق عليه، وظاهر كلام المصنف - أي الشيرازي في
((المهذب)) - والأصحاب أن فعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه
لا تحريم، وينبغي أن يكون محرّمًا لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء
المسلمين. وفي كلام الخطابي وغيره (ب) إشارة إلى تحريمه)).
(٣) هو بضم الميم وفتح الحاء، قاله المصنف في ((التهذيب)) (٧٢/٣).
(٤) قاله الخطابي في ((المعالم)) (٢٢/١)، وصرح المصنف بالنقل منه، في
(المجموع)) (٩١/٢ - ٩٢) وفي ((التهذيب)) (٧٢/٣)، وعبارة الخطابي:
«وسمي مستحمًا باسم الحمیم، وهو الماء الحار الذي يغتسل به، وإنما نھی
عن ذلك إذا لم يكن المكان جددًا (ج) صلبًا(٥) أو لم يكن [له] مسلك ينفذ فيه =
(أ) في الأصل ((قال)) والتصويب من ((المجموع)) (٢/ ٨٧) و(تهذيب اللغة)) (١/ ٢٣٢)
و((الصحاح)) (٣/ ١٢٦٣).
(ب) مثل: البغوي في ((شرح السنة)) (١/ ٣٨٣).
(ج) في مطبوع ((التهذيب)): ((جلداً».
(د) بعدها في مطبوع ((التهذيب)): ((أو مبلطاً».

١٦٥
١٦ - باب: النهي عن البول في الجُخْرِ
فلزمه الاسم، وإن استعمل فيه الماء البارد، وإنما نهي عن الاغتسال فيه
إذا كان صلبا یخاف إصابة رشاشه، فإن كان لا يخاف ذلك بأن یکون له
منفذ أو غير ذلك فلا كراهة(١).
قوله هو: «لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسلُ فیه»، يجوز
جزم (يغتسل) ورفعه ونصبه، فالجزم عطفًا على موضع (يبولن)، والرفع
على تقدير (ثم هو يغتسل)، والنصب على إضمار (أَنْ)، وإعطاء (ثم)
حكم واو الجمع(٢).
والنهي عن الامتشاط كل يومٍ نهي تنزيه لا تحريم(٣).
البول، ويسيل منه الماء، فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه، فيورثه
=
النسيان» .
(١) هذا الذي قرره في ((الروضة)) (٦٥/١) و((التحقيق)) (٨٤)، و((المجموع)) (٢/
٩٢).
(٢) نقله في (شرح صحيح مسلم)) (٢٤١/٣ - ط قرطبة) عن شيخه ابن مالك
الجياني (ت ٦٧٢ هـ) صاحب ((الكافية)) و((التسهيل)). وهو في كتابه ((شواهد
الإيضاح)) (١٦٤) وضعف صاحب ((المفهم)) النصب، وقرر أنه لا ينصب
بإضمار (أن) بعد (ثم) فانظر كلامه في ((المفهم))، وستأتي المسألة مبسوطة في
التعليق على حديث رقم (٦٩)، والله الموفق.
(٣) ذهب الجماهير إلى أنه يسن الإغباب (أي: التقليل) في ترجيل الشعر ودهنه،
والاستكثار منهما والمداومة عليهما مكروهان إلا لحاجة، واللحية في ذلك
كالرأس. انظر: ((شرح الزرقاني على الموطأ)» (١٧٤/١)، ((المجموع))
(٣٦٠/١)، ((الفروع)) (٩٨/١)، ((كشاف القناع)) (٧٤٠/١)، ((فتح الباري))
(٣٨١/١٠)، ((فيض القدير)) (٣١٢/٦)، ((أحكام الشعر في الفقه الإسلامي))
(٣٠٩) لطه فارس.

١٦٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تكّثه
١٧ - باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء
٣٠ - (صحيح) حدثنا عمرو بن محمد الناقد، ثنا هاشم بن القاسم،
ثنا إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، قال: حدثتني عائشة
[رضي الله عنها]: أن النبي 18 كان إذا خرج من الغائط قال:
(غفرانك))(١).
حديث الباب صحيح، ويجوز في (يوسف) ضمّ السين وكسرها وفتحها
مع الهمز وتركه، فهي ستة أوجه أصحها وأشهرها : الضمُّ بلا همز (٢).
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (ص ٢٤٠) - وعنه الترمذي (٧)، وابن
ماجه (٣٠٠) -، وأحمد (١٥٥/٦)، والدارمي في ((السنن)) (١٨٣/١)،
والنسائي في ((السنن الكبرى))، (٢٤/٦) رقم (٩٩٠٧)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (١١/١، ١١٤/٦)، والطبراني في ((الدعاء)) (ص ١٣٦)،
وابن الجارود (٤٢) وابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٢٥)، وابن خزيمة (٩٠)،
وابن حبان (١٤٤٤)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٣)، والحاكم
(١٥٨/١)، والبيهقي (٩٧/١)، وفي ((السنن الصغير)) (٧٣)، والبغوي
(١٨٨)، والمزي في (تهذيب الكمال)) (ترجمة يوسف بن أبي بردة)، من
طريق إسرائيل عن يوسف به.
وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين سوى يوسف بن أبي بردة وقد روى عنه
اثنان، ووثقة ابن حبان والعجلي، والحاكم، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم، وحسن له الترمذي، فمثله يمشّى حديثه، وصححه النووي هنا وفي
((المجموع)) (٧٥/٢) وفي ((خلاصة الأحكام)) (١٦٩/١ - ١٧٠) رقم (٣٩١).
(٢) وبنحوه في ((شرح صحيح مسلم)) (١٣/١)، و((تهذيب الأسماء واللغات))
(١٦٦/٢) كلاهما للمصنف.

١٦٧
١٧ - باب: ما يقول إذا خرج من الخلاء
قولها: ((كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك))، أي: أسألك
غفرانك، أو اغفر غفرانك. والغفران مصدر بمعنى المغفرة، وأصله
السّتر. والمراد بغفران الذنب: إزالته وإسقاطه(١)، قال الخطابي(٢)
وغيره: في سبب قوله 8* هذا الذكر في هذا الموطن قولان:
أحدهما: إنه استغفر من ترك ذكر الله تعالى حال لبثه على الخلاء،
وكان لا يهجر ذكر الله تعالى إلَّا عند الحاجة ونحوها.
والثاني: إنه استغفر خوفًا من تقصيره في شكر نعمة الله التي أنعمها
عليه، فأطعمه ثم هضمه ثم سهّل خروجه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ
حق هذه النِّعم، فاستغفر(٣).
(١) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٦١/٤)، و((المجموع)) (٧٦/٢).
(٢) ((معالم السنن)) (٢٣٢٢/١)، بتصرف واختصار، ونقله عنه المصنف في
المصدرين السابقين.
(٣) قال المصنف في ((المجموع)) (٧٦/٢) على سنيّة هذا الذكر: ((متفق على
استحبابه، ويشترك فيه البناء والصحراء، صرح به المحاملي وغيره))، واعتمده
في ((التحقيق)) (٨٣) و((الروضة)) (٦٦/١) و((المنهاج)) (٩٢/١).
(تنبيهات):
الأول: ذكر الغزالي في ((الوسيط)» (٣٠٠/١) حديث الخروج: ((الحمد لله
الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى عليّ ما ينفعني))، وقال عنه ابن الصلاح
في ((شرح مشكل الوسيط)): ((عن طاوس مرسلًا ولا يثبت))، وأورد تحته
حديث: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) وضعّفه أيضًا، ولم
يتعقب النووي في ((التنقيح" الغزالي في هذا الموطن، وهو على شرطه، ومن
عادته أن يفعل في مثله.
الثاني: أورد المصنف في المصادر المذكورة آنفًا عقب ((غفرانك)) هذا الذكر مع
قوله عنه في ((المجموع)) (٢/ ٧٥): ((وإسناده مضطرب غير قوي))، وقوله فيه
(٧٦/٢) أيضًا: ((وجاء في الذي يقال عقب الخروج أحاديث كثيرة، ليس =

١٦٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّثه
فيها شيء ثابت إلَّا حديث عائشة المذكور، وهذا مراد الترمذي بقوله: ((لا
=
نعرف في الباب! إلَّا حديث عائشة))(1) والأدق منه ما نقله ابن أبي حاتم في
((العلل)) (٤٣/١) عن أبيه فيه: ((أصح حديث في الباب)).
الثالث: على فرض ثبوت ((الحمد لله الذي أذهب ... )) فإنه حينئذٍ يقال تارة،
ويقال: ((غفرانك)) تارة أخرى. ومع عدم ثبوته فما ينبغي زيادته على الثابت،
ومن منهج المصنف في جميع كتبه في مواطن عديدة؛ الجمع بين الأذكار
الواردة في أحاديث مختلفة، وسياقها سياقة واحدة! وقد يخلط الصحيح
بالضعيف، والسليم بالسقيم، كما فعل هنا، وقد انتقده ابن القيم في (الفصل
العاشر: في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بألفاظ مختلفة،
كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي
اختلفت ألفاظها وأنواع الأذكار بعد الاعتدالين من الركوع والسجود) من كتابه
((جلاء الإفهام)) (ص ٤٥٣ وما بعد - بتحقيقي)، ولم يسمّه، وذكر ستة وجوه
على ضعفه، وهي مهمة، فلتنظر فيه، والله الموفق والمسدد.
(أ) ورد غيره عن جمع ولم يثبت، انظر: ((البدر المنير)) (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، ((نتائج الأفكار)»
(١/ ٢١٥ - ٢٢١) لابن حجر.

١٦٩
١٨ - باب: كراهة مسّ الذكر باليمين في الاستبراء
١٨ - باب: كراهة مس الذكر
باليمين في الاستبراء
٣١ - (صحيح) حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالا :
ثنا أبان، ثنا يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال
نبي الله وقال : ((إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا
يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا))(١).
٣٢ - (صحيح) حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي، نا ابن
أبي زائدة، نا أبو أيوب - يعني الإفريقي - ، عن عاصم، عن المسيب بن
رافع ومعبد، عن حارثة بن وهب الخُزاعي، قال: حدثتني حفصةُ زوج
النبي ◌َ﴾: أنَّ النبي وَ لو كان يجعل يمينه لطعامه، وشرابه، وثيابه،
ويجعل شماله لما سوى ذلك(٢).
(١) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٨/٩)، وأبو يعلى في مسنده
(٤٧٠/١٢، ٤٨٤) (رقم ٧٠٤٢، ٧٠٦٠)، وفي ((معجم شيوخه)) (٢٢٢)،
والطبراني في ((الكبير)) (٢٠٣/٢٣) رقم (٣٤٦)، والحاكم في ((المستدرك))
(١٠٩/٤) - وقال: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) وتعقبه الذهبي بقوله: ((في
سنده مجهول)) - والبيهقي (١١٢/١ - ١١٣) من طريق أبي أيوب عبد الله بن
علي عن عاصم به.
قال ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (١٤٦/١): ((وفي تصحيحه نظر؛ لأن في
أبي أيوب الإفريقي - واسمه عبد الله بن علي - مقالًا، مع الاضطراب من
عاصم في سنده)).
=

١٧٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني آله
٣٣ - (صحيح) حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا عيسى بن يونس،
عن ابن أبي عَروبة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن عائشة، قالت:
كانت يد رسول الله * اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليُسرى
لخلائه وما كان من أذى(١).
= قلت: نعم، اختلف فيه على عاصم على ألوان وضروب، منها:
ما رواه عنه حماد بن سلمة عند ابن راهويه في ((مسنده)) (١٩٠/٤)، عن
عاصم عن سواء عن حفصة به. ورواه زائدة عند ابن أبي شيبة (١/ ١٥٢ و٣/
٤٢ و٧٦/٩) وعبد بن حميد في ((مسنده)) (١٥٤٥ منتخب)، وأحمد (٦/
٢٨٧)، والنسائي (٢٠٣/٤ - ٢٠٤)، وفي ((الكبرى)) (٢٦٧٦، ٢٧٧٧،
١٠٦٠٠)، وأبو يعلى (٧٠٣٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٣ / رقم ٣٤٧)،
وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٣٠)، عن عاصم عن المسيب عن
حفصة به، وبعضهم اختصره، ولعل هذا الاضطراب من عاصم بن أبي
النجود، ویشهد له أحاديث الباب.
وصحح النووي في ((المجموع)) (٣٨٤/١) إسناد أبي داود، وانظر ((خلاصة
الأحكام)) له أيضًا (١٦٨/١) رقم (٣٨٧)، والحديث صحيح لغيره.
(١) أخرجه أحمد (٢٦٥/٦) حدثنا محمد بن جعفر عن سعيد به، وهذا إسناد
منقطع بين إبراهيم النخعي وعائشة، ولذلك ساقه المصنف مستقلًّا بعده
مباشرة .
وقد أخرجه كذلك أحمد (٢٦٥/٦)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(١١٣/١)، وفي ((شعب الإيمان)) (٧٧/٥) من طريق سعيد عن أبي معشر عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح، والزيادة فيه زيادة ثقة مقبولة.
فالحديث صحيح، وصححه النووي في ((خلاصة الأحكام)) (١٦٨/١) رقم
(٣٨٦)، وفي ((المجموع)) (٣٨٤/١ و١٠٨/٢).
ويؤكده ما أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢١٧) من طريق نصر بن علي عن
عيسى بن يونس به، وفيه (الأسود) بين النخعي وعائشة.
ولكن؛ أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥) حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن رجل، =

١٧١
١٨ - باب: كراهة مسّ الذكر باليمين في الاستبراء
٣٤ - (صحيح) حدثنا محمد بن حاتم بن بَزِيع، نا عبد الوهاب بن
عطاء، عن سعيد، عن أبي مَعْشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن
عائشة، عن النبي وَله، بمعناه(١).
حديث أبي قتادة رواه البخاري ومسلم، وحديث حفصة إسناده جيد.
فإن قيل: فيه أبو أيوب الإفريقي، واسمه: عبد الله بن علي الكوفي،
وقد قال أبو زرعة: ((إنه ليِّن الحديث، ليس بالمتقن(٢)، في حديثه
إنكار))(٣)؟
قلنا: قد احتجّ به أبو داود، وسكت عن تضعيف حديثه، فهو عنده
حسن كما سبق(٤)، ولم يفسّر أبو زرعة سبب جرحه(٥) بما يقتضي ردّ
عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه، فأدخل (مبهمًا) بين سعيد
۔
وأبي معشر، وأسقط (الأسود).
قال الدارقطني في ((العلل)) (٥/ ق ٦٩) بعد ذكره الخلاف فيه على سعيد:
«وقول ابن أبي عدي أشبه بالصواب)» !!
(١) سبق في الذي قبله.
(٢) في ((الجرح والتعديل)) (١١٥/٥): «سألت أبا زرعة عنه، فقال: ليس بالمتين،
في حديثه إنکار، هو لین)).
(٣) كذا عند المزي في ((تهذيب الكمال)) (٣٢٥/١٥) واقتصر عليه وعلى قوله:
((وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات)))، قلت: هو فيه (٢١/٧، ٢٨)، وقال
الدوري في ((تاريخه)) (٣٢٠/٢) عن ابن معين: ((ليس به بأس))، وأفاد
مغلطاي في ((إكمال تهذيب الكمال)) (٧٤/٨ - ٧٥) أن كلّ من ابن خلفون
وابن شاهين ذكراه في ((ثقاتهما))، قلت: انظر ((الثقات)) لابن شاهين (٦٦٨)
فلعله غير المذكور، وجهله أبو حاتم الرازي في كتابه ((العلل)) (١٠٥٩).
(٤) ليس كذلك، كما قدمناه في التعليق على (ص ٤٨ - ٤٩).
(٥) ليس كذلك، قال: ((في حديثه إنكار))، والحديث مضطرب كما بيّناه، فالجرح
مفسر، وأبو زرعة ليس من المتعنتين في الجرح، ولذا قال الذهبي في ترجمته =

١٧٢
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني آثم
روايته، فإن النكارة في حديثه إنما تقتدح إذا كرر منه، فلا يعمل به،
فالحديث حسن. وربما اشتبه هذا الإفريقي بأبي خالد عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم الإفريقي، ذاك ضعيف مشهورٌ بالضَّعف(١)، (فإنه)(٢) فهما
مفترقان في الاسم والكنية.
وأما حديث عائشة فحسن أو صحيح؛ فإن الرواية الثانية تجبر
الانقطاع الذي في الأولى بين إبراهيم وعائشة(٣)، والله أعلم.
قوله: ((محمد بن آدم بن سُليمان المِصِّيصي))، هو بكسر الميم
وتشديد الصاد(٤)، ويجوز فتح الميم مع تخفيف الصاد، وهي نسبة إلى
بلدة كبيرة على ساحل بحر الشام(٥).
وفيه ((المسيَّب بن رافع)) بفتح الياء لا غير(٦)، بخلاف سعيد بن
المسیّب، فإن فيه الفتح والکسر(٧).
= من ((السير)) (٨١/١٣): ((قلت: يُعجبني كثيرًا كلامُ أبي زرعة في الجرح
والتعديل، يَبِينُ عليه الوَرَعَ والمَخْبَرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جرَّاح)).
(١) انظر ترجمته في ((الميزان)) (٢/ ٥٦١) وغيره.
(٢) كذا في الأصل، ولعله سبق قلم من الناسخ، ولا داعي لها ونقله السيوطي في
((مرقاة الصعود)) (١٢) عن المصنف، وعنده: ((وهما يفترقان باسم وكنية))،
وفي مطبوعة: ((بابن خالد))! وصوابه المثبت ((بأبي خالد)).
(٣) انظر تخريجنا له المتقدم قريبًا .
(٤) هذا هو ((الصحيح الصواب)) كما في ((الأنساب)) (٣١٥/٥).
(٥) انظر: ((معجم البلدان)) (١٦٩/٥) العلمية.
(٦) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١١٧/١): ((وأما المسيب بن رافع،
فبفتح الباء بلا خلاف كذا قال القاضي عياض في ((المشارق)) (٣٩٩/١)،
وصاحب ((المطالع)) (ق ٨/ ب - نسخة شستربتي). أنه لا خلاف في فتح يائه،
بخلاف سعيد بن المسيب، فإنهم اختلفوا في فتح یائه وکسرها)).
(٧) قال في ((شرح مسلم)) (١٥٦/١): ((هو بفتح الياء، هذا هو المشهور)) =

١٧٣
١٨ - باب: كراهة مسّ الذكر باليمين في الاستبراء
و((حارثة بن وهب)) بالحاء، وهو صحابي تَمنه (١)، و((أبو توبة))
بالمثناة فوق، اسمه: الربيع بن نافع(٢). و((أبو معشر)) اسمه: زياد بن
◌ُلَيْب(٣).
وفي حديث أبي قتادة كراهة مسّ الذكر باليمين من غير حاجة، ولا
فرق بين حال الاستنجاء وغيره، وإنما ذكرت حالة الاستنجاء في الحديث
تنبيهًا على ما سواها؛ لأنه إذا كان المس باليمين مكروهًا في حال
الاستنجاء - مع أنه مظنة الحاجة إليها - فغيره من الأحوال التي لا حاجة
فيها إلى المسّ أولى، ويلتحق بالذَّكَرِ الدُّبُرُ، والمرأة كالرجل في كراهة
مسّ القبل والدبر باليمين، وسبب الكراهة: إكرام اليمين.
وفي هذا الحديث مع حديثَي عائشة وحفصة المذكورين بعده دليلٌ
القاعدةٍ مُهمة في الأدب، وهي أنّ ما كان بخلافه فلليسار، فإن أراد
الاستنجاء من البول أمسك الذَّكَرَ بيساره ومسحه على حجر بين يديه، فإن
كان صغيرًا جعله بين عقبيه، فإن عجز أخذ الحجر بيمينه ومسح عليها،
وحرك الیسار دون اليمين(٤).
ونقل الخلاف فيه. وانظر (٢٧٨/١، ٢٩٥، و١٠١/٢، ٠٠٠،٢٤٤) ونقل
=
المذكور هنا السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٢ - درجات).
(١) هو خزاعي أخو عُبيد بن عمر بن الخطاب لأمه، قاله مسلم في ((صحيحه))
على إثر (٦٩٦) بعد (٢١)، وانظر ((شرح النووي)) (٨٧/٥) و(٧٧/١٥ و١٧/
٢٧٢).
(٢) كذا سماه مسلم في ((صحيحه)) (٣١٥، ٤٠٨٥)، وهو شيخ شيخه.
(٣) كذا قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٥٥/٣ و٢٠٥/٤).
(٤) ذكره بنحوه في: ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٠/٣، ٢٠٤)، و((التحقيق)) (٨٤،
٨٦) و((المنهاج)) (٩٥/١)، و((روضة الطالبين)) (٧٥/١)، و((المجموع)) (٢/
١٠٨ - ١١٠).

١٧٤
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقالم
قوله : ((وإذا شَربَ فلا يشربْ نَفَسًا واحدًا))؛ هذا نهي تنزيه
وأدب(١)، والحكمة فيه أنه إذا قطع شُربه بثلاثة أنفاس كان أهناً وأبلغَ في
ريّه، وأخفَّ لمعدته، وأحسنَ في الأدب، وأبعد من فعل أهل الشّره(٢).
قولها: «کان یجعل یمینه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما
سوى ذلك))؛ ليس هذا على ظاهره، بل المراد: لطعامه وشرابه وثيابه
وما كان في معناه مما هو نظافة أو زينة أو نحو ذلك: كالسواك(٣)،
والاكتحال، والأخذ، والعطاء، ونحو ذلك(٤)، واليسرى لما سوى
(١) انظر: ((مغني المحتاج)) (٢٢٠/٣)، ((حاشية الجمل على شرح المنهج))
(٥٢٢/٦)، ((آداب الأكل)) (ص ٤٥) للأقفهسي، ونص عليه الحنفية والمالكية
والحنابلة أيضًا. انظر: ((الفواكه الدواني)) (٤١٥/٢)، ((الفتاوى الهندية))
(٣٤١/٥)، ((الإنصاف)) (٣٤٥/٨)، ((كشاف القناع)» (١٥٦/٤).
(٢) زاد في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٥/٣): ((وأما التنفّس خارج الإناء، فسنّة
معروفة)) قال: ((قال العلماء: والنهي عن التنفّس في الإناء هو من طريق
الأدب مخافة من تقذيره ونتنه، وسقوط شيء من الفم والأنف فيه، ونحو
ذلك، والله أعلم)).
وثبت في ((صحيح مسلم)) (٢٠٢٨) عن أنس قال: كان رسول الله وَل* يتنفَّس
في الشراب ثلاثًا، ويقول: ((إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ))، والمراد: أنه كان
يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء، وانظر ((شرح صحيح مسلم)) للمصنف
(٢٨٧/١٣).
(٣) وقع خلاف في الاستياك: هل هو بالشمال أم باليمين، والذي أراه - بعد
دراسة وبحث - إن كان للنظافة كان باليسار، وإن كان لتطييب الفم، كان
باليمين، وكلام العلماء في المسألة كثير، أوردته - ولله الحمد - في (شرحي)
المسموع على ((صحيح مسلم))، يسر الله وأعان على تحريره وتهذيبه والزيادة
عليه لإعداده للنشر.
(٤) قال المصنّف في ((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٥/٣): ((هذه قاعدة مستمرّة في
الشرع، وهي أنّ ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الثوب والسراويل،
والخفّ ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصّ =

١٧٥
١٨ - باب: كراهة مسّ الذكر باليمين في الاستبراء
ذلك (١)، وقد فسرته رواية عائشة تَتها.
الشارب، وترجيل الشعر - وهو مشطُه - ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام
=
من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل،
والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه
يستحب التيامن فيه ... )).
فذكر النووي هنا أربعة أشياء، بينما أوصلها في ((شرحه على مسلم)) في النص
السابق إلى سبعة عشر خصلة، وقال: ((وغير ذلك))، ولم يذكر (الأخذ
والعطاء). وزاد في ((شرحه على مسلم)) أيضًا (١٠٥/١٤): ((دفع الصدقة
وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة ونحو ذلك، ولبس
المداس، والكم، والتيمم)). فبلغت ثلاثًا وعشرين خصلة، ومما يلحق بها
مما هو منصوص عليه: البدء بميامن الميت في تغسيله، ووضع اليمنى على
اليسرى في الصلاة، والوقوف على يمين الإمام بحذائه في صلاة الإثنين
جماعة، وعقد التسبيح باليمين، والوقوف في ميامن الصفوف، وتقديم الأيمن
فالأيمن في الشرب، والاضطجاع على الشق الأيمن في النوم.
(١) تتمة كلام النووي في الهامش السابق، هو: ((وأما ما كان بضدّه، كدخول
الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب
والسراويل والخف وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه)) قال: ((وذلك كله
لكرامة اليمين وشرفها)).
قلت: وعلى الجملة؛ فاليمين وما نسب إليها، وما اشتق منها، محمود لغة
وشرعًا ودينًا، والشمال على نقيض ذلك، فمن الآداب المناسبة لمكارم
الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء: اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة،
والأحوال النظيفة، قال الله تعالى: ﴿وَدَيْنَهُ مِن جَانِ العُورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ غَيََّ﴾
[مريم: ٥٢]، وقال: ﴿فَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنَبَهُ بِمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧].
وعليه: فيستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد المذكور في الهامش
السابق، وقد ثبتت نصوص في كراهية الاتكاء على اليد اليسرى، وعلى
البصاق على اليسار أو تحت دون اليمين.
!

١٧٦
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقدّشه
١٩ - باب: الاستتار في الخلاء
يعني : استحبابه .
٣٥ - (ضعيف) حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى بن
يونس، عن ثور، عن الحُصين الحُبراني، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة،
عن النبي ◌َّه قال: ((من اكتحل فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛
فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا
حرج، ومن أكل، فما تخلل فلْيلفِظُ، وما لاك بلسانه؛ فليبتلع، فمن
فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج، ومن أتى الغائط؛ فليستتر، فإن
لم يجد إلَّا أن يجمع كثيبًا من رمل؛ فليستدبِرْه، فإنّ الشيطان يلعب
بمقاعد بني آدم، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج))(١).
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البغوي في (شرح السنة)) (٣٢٠٤) والبيهقي في
((الخلافيات)) (٨٤/٢ - ٨٥) رقم (٣٦٧ - بتحقيقي).
وأخرجه ابن ماجه (٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٩٨)، وأحمد (٣٧١/٢)، والدارمي
(٦٦٢، ٢٠٨٧)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٧٥/١)، والبيهقي في
(«الكبرى» (٩٤/١، ١٠٤)، وفي ((الشعب)) (١٢٥/٥) (رقم ٦٠٥٣) وفي
((الآداب)) (٥٥٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٢١/١، ١٢٢)،
وفي ((المشكل)) (١٣٨)، وابن حبان (١٤١٠)، والبغوي (٣٢٠٤) والمزي في
((تهذيب الكمال)) (٣٥٤/٣٣ - ٣٥٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٣٧/٤)، -
وقال: ((صحيح الإسناد)) وافقه الذهبي - من طريق ثور عن الحصين به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فالحصين ضعيف، وأبو سعيد مجهول لا يعرف، ومع
هذا فقد حسَّنه المصنف هنا، وفي ((خلاصة الأحكام)) (١ / ١٤٧) رقم =

١٧٧
١٩ - باب: الاستقار في الخلاء
قال أبو داود: رواه أبو عاصم(١)، عن ثور، قال: حصين الحميري.
[قال]: ورواه عبد الملك بن الصَّباح(٢)، عن ثور، فقال: أبو سعيد
الخير .
قال أبو داود: أبو سعيد الخير [هو] من أصحاب النبي (وَل﴾ (٣).
حدیث الباب حسن.
قوله: ((عن الحسين الحبراني، عن أبي سعيد)) وفي الرواية الثانية:
((عن أبي سعيد الخير)) (٤)، وفي رواية: ((حُصين الحميري)).
(٣١٢) وفي ((المجموع)) (٩٥/٢) !!.
=
وانظر لتضعيفه: ((العلل)) للدارقطني (٢٨٣/٨ - ٢٨٥) رقم (١٥٧٠)
و((المعرفة)) للبيهقي (٢٠١/١) و((التلخيص الحبير)) (١٠٣/١) و((السلسلة
الضعيفة)) (١٠٢٨).
وانظر لتحسينه: ((البدر المنير)) (٣٠١/٢ - ٣٠٣)، ((خلاصة البدر المنير))
(٤٣/١)، ((تحفة المحتاج» (١٦١/١)، ((فتح الباري)) (٢٥٧/١)، ((عمدة
القاريء))، (٧٣٢/١)، ((معارف السنن)) (١١٥/١) للبنَّوري.
(١) روايته عند الدارمي (٦٦٢) ومضت.
(٢) روايته عند ابن ماجه (٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٩٨) ومضت.
مراد أبي داود: بيان الاختلاف في نسبة (الحصين)، وأنه في رواية الباب
(الحُبراني)، وفي الرواية المعلقة (الحميري).
(٣) قيل: إن اسمه عمرو، وانظر: ((الإصابة)) (١٤٣/٧) رقم (١٠٠٠٥)، وقوله:
((قال أبو داود ... )) إلى هنا من رواية ابن داسة، ونحوه في ((النكت الظراف))
(٤٥٥/١٠) نقلًا عن رواية ابن الأعرابي، ويمكن أن يكون مراد أبي داود من
هذا إثبات أن أبا سعيد المذكور في السند، ليس هو الصحابي أبو سعيد
الخير، وأن الصواب أبو سعيد بلا إضافة، انظر: ((بذل المجهود)) (٨٧/١)
و ((عون المعبود)» (١٣/١).
(٤) انظر: ((تحفة الأشراف)) (٤٥٥/١٠) رقم (١٤٩٣٨).

١٧٨
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني تقالم
فأما حصين، فيقال فيه: الحُبْر - بضم الحاء وإسكان الموحّدة(١) -
نسبةً إلى حُبران: قبيلة من اليمن، وهم بنو حبران بن عمرو بن قيس بن
معاوية بن جُشَم (٢)، ويقال فيه أيضًا: الحُمراني - بالميم - نسبةً إلى
حُمْران(٣)، ويقال: الحِمْيَريّ نسبة إلى حِمْيَر: قبيلة مشهورة (٤).
وأما أبو سعيد هذا فالمشهور فيه: أبو سعيد بالياء، ويقال: أبو سعد
بحذفها، والمشهور أنه تابعيٍّ، وقيل: صحابي(٥).
قوله : ((من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا
حرج)).
الاستجمار: الاستنجاء بالأحجار، وقد سبق(٦) بيانه، والمراد: أن
الإيتار مستحبٌّ وليس بواجب، وهذا فيما زاد على ثلاث مسحات، أما
(١) انظر: ((الإكمال)) (٢٤٩/٢ - ٢٥٠) مع حاشيته للعلامة المعلّمي اليماني،
((والتبصير)) (٣٨٣/١)، و((التوضيح)) (٥٧٢/٢).
(٢) انظر: ((الأنساب)) (١٦٦/٢).
انظر: ((الأنساب)) (٢٦٠/٢).
(٣)
(٤) انظر: ((الأنساب)) (٢٧٠/٢).
(٥) أبو سعد الخير صحابي، أثبت صحبته البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو داود
وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة، أما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا،
ذكره العجلي في ((ثقاته)) (٤٩٩) وقال ابن حجر في ((التقريب)): ((مجهول))
وحديثه في المصريين، روى عن معاذ، قال المزي في ((تهذيب الكمال))
(٣٥٤/٣٣): ((أراه مرسلًا)) أي: لم يسمع منه، جزم بذلك الذهبي في
(تذهيب تهذيب الكمال)) (٢٧٥/١٠) وفرق بينه وبين الصحابي، وهكذا صنع
جماعة.
ونقل السيوطي في ((مرقاة الصعود)) (١٢) عن النووي قوله: ((المشهور به
كأمير)) أي: أبو سعيد بالياء، ونقل عنه أيضًا قوله: ((المشهور أنه تابعي)).
(٦) (ص ١١١).

١٧٩
١٩ - باب: الاستتار في الخلاء
الثلاث فيجب فِعْلُها بكلّ حال، للأحاديث السابقة(١).
وتقدير الحديث: ليكن الاستجمار وترًا مع استيفاء الثلاث، فإنْ لم
يحصل الإنقاء إلَّا بأربع - مثلًا - فيُستحبُّ الإيتار بخامس، فإنْ فعل
الخامس فقد أحسن، وإن اقتصر على الأربع فلا حرج، هذا هو الصحيح
في معنى الحديث، وذكر الخطابي (٢) وجهًا آخر: أن معناه: إذا حصل
الإنقاء بالثلاث أو بوترٍ بعدها فليقتصر على الإيتار، فإنْ زاد فلا حرج.
ووجهًا آخر: أنّ معناه: من ترك الاستجمار وعدل إلى الاستنجاء
بالماء فلا حرج. وهذا فاسد، وقد احتجَّ به أصحابُ أبي حنيفة في أن
الاستنجاء ليس بواجب (٣)، إذا لم يزد الباقي على المحل على قَدْر
درهم، وأجاب الجمهور بأن المراد نفي الحرج في ترك الإيتار كما هو
ظاهر الحديث، لا في ترك أصل الاستنجاء.
وأما الإيتار في الاكتحال، فمعناه: في كل عينٍ وترٌ، وأفضلُه: في
كل عين ثلاث، وفيه حديث صحيح (٤).
(١) سبق إيضاح المسألة عند شرح الحديث المتقدّم برقم (٧)، انظر تعليقنا هناك.
(٢) ((معالم السنن)) (٢٥/١)، وهو منقول بالمعنى.
(٣) سبق بيان مذهبهم في التعليق على (ص ٩٩ - ١٠٠).
(٤) أخرجه الطيالسي في مسنده (ص ٣٤٩) - ومن طريقه الترمذي (١٧٥٧)، وفي
الشمائل (ص ٦٣) - وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َّ)) (ص ١٧٠)، عن
عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي وَل08 قال: ((عليكم
بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر))، وزعم أن النبي وَل# كانت له مُكْحلة
يكتحل منها كل ليلة، ثلاثًا في هذه، وثلاثًا في هذه)).
وأخرجه أحمد (٣٥٤/١) وابن سعد (٤٨٤/١) وابن أبي شيبة (٢٢/٨ و٥٩٩
- ٦٠٠)) وعبد بن حميد (٥٧٣ - المنتخب) والترمذي (٢٠٤٨) وعلى إثر
(١٧٥٧) وفي ((الشمائل)) (٤٩)، وابن ماجه (٣٤٩٩) وأبو يعلى (٢٦٩٤)=

١٨٠
الإيجاز في شرح سنن أبي داود السجستاني حقاًثم
قوله وَّ: ((ومن أكل فما تخلل فلْيلفِظُ، وما لاك بلسانه فَلْيَبْتِعْ)).
اللوك: إدارة الشيء في الفم، وقد لاکه يلوكه لوكًا(١).
ومعنى الحديث: أنه يستحبُّ للآكل إذا بقي في فمه وبين أسنانه
شيءٌ من الطعام، وأخرجه بعودٍ تخلل به أنْ يلفظَه ولا يبتلعَه؛ لما فيه من
الاستقذار، وإن أخرجه بلسانه ـ وهو معنى لاكه - فليبتلعه ولا يلفظه؛
لأنه لا يستقذر(٢).
وأبو الشيخ (ص ١٦٩ - ١٧٠) والحاكم (٤٠٨/٤) والبيهقي (٢٦١/٤) من
=
الطريق السابق نفسه بلفظ: ((كانت لرسول الله وَهو مُكْحَلة، يكتحل بها عند
النوم ثلاثًا في كلِّ عين)).
وهذا إسناد ضعيف، فيه عباد بن منصور، وهو مدلس وتغير بأخرة، وقد
عنعن، فالحديث ضعيف، وانظر ((الجوهر النقي)) (٤/ ٢٦١).
وأخرج ابن سعد (٤٨٤/١) وابن أبي شيبة (٢١/٨، ٥٩٩) بسند جيد من
مرسل عمران بن أبي أنس قال: ((كان * يكتحل في عينه اليمنى ثلاث
مرات، والیسری مرتین)).
وأخرجه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي (وَ ا﴾)) (ص ١٨٣) - ومن طريقه البغوي
في ((شرح السنة)) (١١٩/١٢) - عن عمران عن أنس رفعه، فثبت موصولًا.
وللحديث شواهد، وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦٣٣).
(١) قال المصنف في ((شرح صحيح مسلم)) (١٧٥/١٥): ((قال أهل اللغة: اللوك
مختص بمضغ الشيء الصلب)). وانظر: ((النهاية)) (٢٧٨/٤).
(٢) ورد عن معاذ مرفوعًا: ((حبذا المتخللون، أن تخلل بين أصابعك بالماء، وأن
تخلل من الطعام))، أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١)، وأحمد (٤١٦/٥)
وعبد بن حميد (٢١٧) والطبراني في ((الكبير)) (٤٠٦١، ٤٠٦٢) وابن عدي في
((الكامل)) (٢٥٤٧/٧). وإسناده ضعيف جدًّا، فيه واصل بن السائب الرقاشي
وأبو سورة ابن أخي أيوب، مجمع على تضعيفهما. ولا يعرف لأبي سورة
سماع من أبي أيوب، فيما ذكر البخاري.
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: ((إن فضل الطعام الذي يبقى بين =