النص المفهرس
صفحات 361-380
ومسألته في وجهه خموش ، أو خدوش ، أو كدوح )) ، وفي بعض نسخ ((السنن)): ((خموشاً)) بالنصب، وكذلك ((كدوحاً)) و((خدوشاً)) فوجهه - إن صح - أن يكون حالاً من الضمير الذي في (( جاءت )) الذي هو عبارة عن المسألة، وهنا وجه آخر، وهو أن يكون ((جاءت )) مسندة إلى قوله: ((خموش))، ويكون ارتفاع ((خموش)) على الفاعلية، ويكون / التأنيث باعتبار المسألة؛ لأن المسألة هي التي تكون (( خموشاً)) [٢٥٢/٢ -ب] يوم القيامة [ ... ] (١) وهو الظاهر ، يقال : خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشاً وخموشاً إذا خدشته بظفر أو حديد ، وأما إذا كان الخموش جمع (( خمش))، فحينئذ يكون تأنيث الفعل لتأنيث الفاعل، و((الكدُوح)) بضم الكاف : الخدوش ، وكل أثر من خدش ، أو عض فهو كدح ، ويجوز أن تكون (( الكدوح )) مصدراً سمي به الأثر ، وأن تكون جمع كدح ، فافهم . والحديث أخرجه : الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسن ، وقال : والعمل على هذا عند بعض أصحابنا ، وبه يقول الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق، قالوا : إذا كان عند الرجل خمسون درهماً لم تحل له الصدقة ، قال : ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير ، ووسعوا في هذا، وقالوا : إذا كان عنده خمسون درهماً ، أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة ، وهو قول الشافعي ، وغيره من أهل الفقه والعلم . قلت : مذهب أبي حنيفة : أن دفع الزكاة لا يجوز على من يملك قدر نصاب فاضل عن مسكنه ، وخادمه ، وفرسه ، وسلاحه ، وثیاب بدنه ، وما يتأثث (٢) به ، وكتب العلم إن كان من أهله ، وما ذكره صاحب ((المنظومة)) من أن من ملك خمسين درهماً يحرم عليه أخذ الزكاة عند الشافعي ، فليس بمعتمد مذهبه . ص - قال يحيى : فقال عبد الله بن عثمان لسفيان : حفظي أن شُعبةً لا (١) طمس في الأصل قدر ست كلمات . (٢) في الأصل: ((يتأثت)). - ٣٦١- يَرْوِي عن حَكِيمٍ بنِ جُبير ، فقال سفيانُ : فقدْ حَدَّثَنَاهُ زُبيدٌ، عن محمدِ بنِ عَبدِ الرحمنِ بنِ یزید . ش - أي : قال يحيى بن آدم : فقال عبد الله بن عثمان بن خثيم القاريّ - من القارة حليف بني زهرة - لسفيان الثوري : حفظي أن شعبة ابن الحجاج لا يروي عن حكيم بن جبير ، فقال سفيان : فقد حدثناه ، أي : الحديث ، زبيد بن الحارث الكوفي ، عن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي الكوفي . وقال الخطابي (١) : وضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا : أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده ، وإنما قال : فقد حدثناه زبيد ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، حسب . وحكى الإمام أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن آدم : أن الثوري قال يوماً : قال أبو بسطام : يحدث - يعني شعبة - هذا الحديث عن حكيم ابن جبير ، قيل له : قال : حدَّثني زبيد ، عن محمد بن عبد الرحمن ، ولم يزد عليه ، قال أحمد : كأنه أرسله ، أو كره أن يحدث به ، أما يعرف الرجل كلاماً نحو ذا ؟ وحكى الترمذي : أن سفيان صرح بإسناده ، فقال : سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، وحكاه ابن عدي أيضاً ، وحكى أيضاً : أن الثوري قال : فأخبرنا به زبيد، وهذا يدل على أن الثوري حدَّث به مرتين ، مرة لا يصرح فيه بالإسناد ، ومرة يسنده فتجمع الروايات ، وقال أبو عبد الرحمن النسائي : لا نعلم أحداً قال في هذا الحديث : زبيد ، غير يحيى بن آدم ، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير ، وحكيم ضعيف ، وسئل شعبة عن حديث حكيم ؟ فقال : أخاف النار ، وقد كان روى عنه قديماً ، وسئل يحيى بن معين : يرويه أحد غير حكيم ؟ فقال يحيى : نعم ، يرويه يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن زبيد ، ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن (١) معالم السنن (٤٨/٢). -٣٦٢- آدم ، وهذا وهم ، لو كان كذا لحدث الناس به جميعاً عن سفيان ، ولكنه حديث منكر ، هذا الكلام قاله يحيى ، أو نحوه . ١٧٤٧ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، أنه قال: (( نزلتُ أنا ، وأَهلِي ببقيعِ الغَرَقَد، فقال لي أهلي : اذهبْ إلى رسولِ الله - عليه السلام - فَسَلْهُ لنا شيئاً نأكُلُهُ، فجَعَلُوا يذكرونَ من حَاجَتَهم ، فذهبتُ إلى رسول الله - عليه السلام - فوجدتُ عندَه رجلاً يسألُهُ، وَرسولُ الله - عليه السلام - يقول : لا أجدُ ما أُعْطِيكَ، فتولَّى الرجلُ عنه وهو مُغْضَبٌ، وهو يقولُ: لَعَمْرِي إِنكَ لَتُغَطِي مَن شئتَ ، فقالَ رسولُ الله - عليه السلام - بغضب (١) عَلَيَّ أن لا أَجدُ ما أُعطيَه: مَن سأَلَ منكم ولَه أُوقِيَّةٌ، أو عدْلُهَا فقد سَأَلَ إلَحَافاً ، قال الأَسَدِيُّ: فَقَلَتُ: لقحةٌ (٢) لنا خيرٌ منَ أوقية، وَالوَقِيةُ(٣): أربعونَ درهماً، قال: فرجعتُ، ولم أَسأَلُهُ ، فَقدمَ على رسولَ الله - عليه السلام - بعدَ ذلك شعيرٌ (٤)، وزبيبٌ، قَسَمَ (٥) لنا منه / [ أو كما قال: حتى أغنانا الله عَزّ وجَلَّ](٦)، (٧) . [٢ /٢٥٣-أ] ش - ((بقيع الغرقد)): بالباء الموحدة: مدفن أهل المدينة ، و((البقيع)): المكان المتسع من الأرض ، وقيل : لا يسمى بقيعاً إلا إذا كان فيه شجر ، أو أصول شجر من ضروب شتى، و((الغرقد)) بفتح الغين المعجمة ، وسكون الراء ، وفتح القاف ، وفي آخره دال مهملة من شجر الغضاة ، والغضاة : شجر له شوك ، وقيل : الطلح ، والسدر ، وكان فيه غرقد فذهب وبقي اسمه . (١) في سنن أبي داود: ((يغضب)). (٢) في سنن أبي داود: ((لَلُقحة))، وسيذكر المصنف أنها نسخة. (٣) في سنن أبي داود: ((والأوقية)). (٤) في سنن أبي داود: ((أو شعير)). (٥) في سنن أبي داود: ((فقسم)). (٦) طمس في الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود . (٧) النسائي : كتاب الزكاة ، باب : الإلحاف في المسألة (٩٩/٥). -٣٦٣- قوله: ((وهو مغضب)) جملة حالية، و((مغضب)) بفتح الضاد مفعول من الإغضاب، وكذلك قوله: (( وهو يقول )) جملة حالية . قوله: ((لعمري)) ((العمر)) بالفتح : العمر ، ولا يقال في القسم إلا بالفتح ، ومعنى قوله: ((لعمري )) : وحق بقائي وحياتي ، وكذا معنى قوله: ((لعمر الله))، أحلف ببقاء الله ، واللام فيه للتأكيد . قوله: ((أو عدلها)) بفتح العين ، يريد قيمتها ، يقال : هذا عدل الشيء أي : ما يساويه في القيمة ، وهذا عدله - بكسر العين - أي : نظيره ، ومثله في الصورة والهيئة . قوله (١): ((لقحة لنا)) اللقحة: الناقة المرية، وهي التي تمرأ ، أي : تحلب، وجمعها لقاح، وفي بعض النسخ: (( للقحة )) بلام التأكيد ، وارتفاعها بالابتداء ، وتخصص بالصفة ، وخبره قوله: (( خير)). قوله: (( والوقية)) بفتح الواو، وهي لغة في ((أوقية))، وقد مر تحقيق الكلام فيه ، وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغِنى إلى هذا الحديث ، وزعم أن من وجد أربعين درهماً حرمت عليه الصدقة . والحديث أخرجه النسائي . ص - قال أبو داود: هكذا رَواهُ الثوريَّ، كما قال مالك . ش - أي : هكذا روى الحديثَ المذكور سفيانُ الثوريَّ كما قال مالك ابن أنس - رضي الله عنه - . ١٧٤٨ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، وهشام بن عمار، قالا : نا عبد الرحمن ابن أبي الرجال ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((مَنْ سَأَلَ وله قيمةُ أُوقية فقد أَلْحَفَ ، فقلتُ : نَاقَتِي اليَاقُوتةُ هي خيرٌ من أُوقية )) قال هشامٌ: ((خيرٌ من أربعين درهماً، فرجعتُ ولم أسأله )) (٢) زادَ هشامٌ (١) مكررة في الأصل . (٢) في سنن أبي داود: (( فلم أسأله شيئاً ». -٣٦٤- في حديثه: ((وكانتْ الوَقيةُ على عهد النبيِّ - عليه السلام - أربعينَ درهماً))(١). ش - اسم أبي الرجال : محمد بن عبد الرحمن ، وقد مر بيانه ، واسم أبي سعيد : سعد بن مالك الأنصاري ، وقد مر مرة . قوله: ((فقد ألحف)) يقال: ألحف في المسألة إذا بالغ فيها ، وألح ، يقال : ألح ، وألحف ، وقيل : ألحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف. قوله: ((ناقتي الياقوتة)) مبتدأ، وقوله: ((هي)) مبتدأ ثان ، وخبره قوله: ((خير))، والجملة خبر المبتدأ الأول، و((الياقوتة)) اسم تلك الناقة، وفيه جواز تسمية البهائم ، وقد كان خيل رسول الله - عليه السلام- وغيرها من دوابه لها أسماء ، والحديث أخرجه النسائي . ١٧٤٩ - ص - نا عبد الله بن محمد النفیلي ، نا مسکین ، نا محمد بن المهاجر ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي كبشة السلولي ، نا سهل ابن الحنظلية ، قال: (( قَدِمَ عَلَى رسول الله - عليه السلام - عُبَيْنَةُ بنُ حصْن ، والأقرعُ بنُ حَابس، فسأَلاهُ، فَأَمَرَ لهما بما سَأَلاهُ، فَأَمَرَ (٢) مُعاويَةَ ، فَكَتَبَ لهما بما سأَلاءُ(٣) ، فأمَّ الأَقرعُ فأخْذَ كِتَابَهُ فَفَّهُ في عِمامَتَهِ وانطلقَ ، وأمَّا عيينةُ فأخذ كِتَابَهُ، وأَتَى النبيَّ - عليه السلام - مكانه فقال: يا محمدُ، أَثْرَانِي حَامِلاً إلى قَومِي كِتَاباً لا أَدْرِي ما فيه كَصحيفةِ المُتَلَمِّسِ؟ فأخبرَ معاويةُ بقوله رسولَ الله - عليه السلام - فقال رسولُ اللهِ - عليه السلام -: مَنْ سَأَلَ، وعَنَدَه ما يُغنِيهَ فإنما يَسْتَكْثِرُ من النارِ))، وقال النفيليُّ في موضعٍ آخَرَ: « مِن جَمْرٍ جَهنمَّ، فقالوا : يا رسولَ الله، وما يُغْنيه؟ )) وقال النفيليُّ في موضع آخرَ: (( وما الغِنَى الذي لا ينبغي (٤) معه المَسأَلَةُ؟ قال: قَدْرَ ما يُغَدِّيه، ويُعُشِّيه))، وقال التفيليُّ في موضعٍ آخَرَ: ((أن يكونَ له شِبَعُ يومٍ وليلةٍ، أوَ ليلةٍ ويومٍ)) (٥) . (١) النسائي: كتاب الزكاة، باب: الإلحاف في المسألة (٩٨/٥). (٢) في سنن أبي داود: ((سألا وأمر)). (٣) في سنن أبي داود: ((سألا)). (٤) في سنن أبي داود: (( تنبغي)). (٥) تفرد به أبو داود . -٣٦٥- ش - مسكين بن بكير الحراني الحذاء . ومحمد بن المهاجر بن دينار بن أبي مسلم الأنصاري الأشهلي الشامي مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية . روى عن : أبيه ، وأخيه ، وكيسان مولى معاوية ، وربيعة بن يزيد ، وغيرهم . روى عنه : الربيع بن نافع الحلبي ، والوليد بن مسلم ، ومسكين ، وابن عيينة ، وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو زرعة ، ويعقوب بن سفيان : هو ثقة ، مات سنة سبعين ومائة . روى له : أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . [٢٥٣/٢-ب] وربيعة بن يزيد / الدمشقي ، وأبو كبشة السلولي ، مذكور في الكنى ، وقد مر ذكره ، وسهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري الأوسي ، والحنظلية أمه ، وعيينة بن حصن بن بدر الفزاري ، كنيته : أبو مالك ، من المؤلفة قلوبهم ، أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبل الفتح ، وقيل : إن الأقرع ، وعيينة شهدا مع رسول الله - عليه السلام - فتح مكة ، وحنيناً ، والطائف، والأقرع لقب ، واسمه : فراس بن حابس ، تميمي مجاشعي ، قدم على رسول الله - عليه السلام - في أشراف بني تميم بعد فتح مكة ، وكان هو أيضاً أحد المؤلفة قلوبهم . قوله: ((أتراني حاملاً)) بفتح الهمزة ، وضم التاء . قوله: ((كصحيفة المتلمس)) المتلمس هو: جرير بن عبد المسيح الضبعي، الشاعر المشهور الجاهلي ، وسمي المتلمس ببيت قاله هجاء هو وطرفةُ عمرو بن هند ملك الحيرة ، فكتب إلى عامله له ولطرفة بن العبد كتابين ، أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز ، وكتب فيه يأمره بقتلهما ، والقصة مشهورة عند العرب ، وأن المتلمس لما علم بما فيها رمى بها وهرب، فضربت العرب المثل بصحيفته بعد، ولما وافى طرفة بصحيفته قتل . قوله: (( ما يغديه ويعشيه )) اختلف الناس في تأويله ، فقال بعضهم : من وجد غداء يومه وعشاء ، لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٦٣٦/٢٦). -٣٦٦- قلت : قال أصحابنا : ومن له قوت يوم فسؤاله حرام ، وقال بعضهم : إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات ، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة . وقيل : هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث ، والغداء والعشاء يُحَرِّمُ سؤال اليوم ، والأوقية تحرم مقدار ما يسد من المناقر للسائل . ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء ، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسين درهماً أن يسأل ما يحتاج إليه من الزيادة على ذلك ، وقيل : إنما أعطاهما رسول الله - عليه السلام- من سهم المؤلفة ، فإن الظاهر أنهما ليسا فقيرين ، وهما رئيسا قبائلهما ، وسيدا قومهما . ص - وكان حدَّثنا به مختصراً على هذه الألفاظ التي ذكرت . ش - هذا من كلام أبي داود ، أي : كان النفيلي حدَّثْنا به . قوله: ((التي ذكرت))، وفي بعض النسخ: ((التي ذكرها)) أي : ذكرها النفيلي . ١٧٥٠ - ص - ثنا عبد الله بن مسلمة ، نا عبد الله - يعني : ابن عمر بن غانم - عن عبد الرحمن بن زياد ، أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي ، أنه سمعٍ زياد بن الحارث الصدائي ، قال: (( أَتيتُ رسولَ الله - عليه السلام - فَبَايَعْتُه))، فذكر حديثاً طويلاً(١): ((فأتاه رجلٌ ، فقال : أعطني من الصدقة، فقال له رسولُ الله - عليه السلام -: إن اللهَ لم يرضَ بحكْمٍ نَبيِّ ولا غيره في الصدقات ، حتى حَكَمَ فيها هو ، فَجَزَّأَهَا ثمانيةَ أَجزاء ، فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتُكَ حَقَّكَ)) (٢) . ش - عبد الرحمن بن زياد الإفريقي فيه مقال ، وقد مر غير مرة ، وزياد ابن نعيم الحضرمي البصري ، ذكره ابن حبان في (( الثقات)). قوله: ((فجزأها)) أي: الصدقات، ((ثمانية أجزاء)) أي : ثمانية (٢) تفرد به أبو داود . (١) في سنن أبي داود: ((طويلاً قال)). -٣٦٧- أقسام، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ (١) الآية . وقال الخطابي (٢) في قوله: ((فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك)) دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد ، وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان : بحصصهم ، ولو كان في الآية بيان الحمل (٣) دون بيان الحصص ، لم يكن للتجريد معنى ، ويدل على صحة ذلك قوله: ((أعطيتك حقك))، فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقا ، وإلى هذا ذهب : عكرمة ، وهو قول الشافعي . وقال إبراهيم النخعي : إذا كان المال كثيراً يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف ، وإذا كان قليلاً جاز أن يضع في صنف واحد . وقال أحمد بن حنبل : تفريقه أَوْلى ، ويجزئه أن يجعله في صنف واحد . وقال أبو ثور : إن قسمه الإمام قسمه على الأصناف الثمانية ، وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في صنف واحد رجوت أن يسعه . وقال مالك بن أنس : يجتهد ، ويتحرى موضع الحاجة منهم ، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الفاقة والخلة ، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قَدَّمهم ، وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر حولها إليهم . وقال أصحاب الرأي : هو خبير / يضعه في أي [ الأصناف شاء، وكذلك قال سفيان الثوري ] (٤) ، وقد روي ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح )) . [٢ /٢٥٤-١] قلت: (((٥) روى الطبري (٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ الآية ، أخبرنا عمران بن عيينة ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكين﴾ الآية، قال: في أي صنف وضعته أجزاك، وقال ابن ١ (١) سورة التوبة: (٦٠). (٢) معالم السنن (٥٠/٢ - ٥١) . (٣) في معالم السنن: ((المحمل)). (٤) طمس في الأصل، وأثبتناه من معالم السنن (٥١/٢). (٥) انظر: نصب الراية (٣٩٧/٢ - ٣٩٨). (٦) تفسير الطبري (١١٦/١٠). - ٣٦٨- أبي شيبة في ((مصنفه)): أخبرنا جرير ، عن ليث ، عن عطاء ، عن عمر ابن الخطاب ، أنه قال: ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ الآية ، قال : أيما صنف أعطيته من هذا أجزأك . حدَّثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن عمر: (( أنه كان يأخذ الفرض في الصدقة ، فيجعله في صنف واحد )). وروي أيضاً : عن الحجاج بن أرطاة ، عن المنهال بن عمرو ، عن زر ابن حبيش، عن حذيفة، أنه قال: ((إذا وضعتها في صنف واحد أجزاك)) وأخرج نحو ذلك عن : سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وأبي العالية ، وميمون بن مهران ، بأسانيد حسنة ، واستدل ابن الجوزي في ((التحقيق)) على ذلك بحديث معاذ: ((فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، وترد في فقرائهم » ، قال : والفقراء صنف واحد ، ولم يذكر سواهم . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الأموال)): (( ومما يدل على صحة ذلك أن النبي - عليه السلام - أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد سوى صنف الفقراء ، وهم : المؤلفة قلوبهم : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وعلقمة ابن علاثة ، وزيد الخيل قسم فيهم الذهبة التي بعث بها إليه علي من اليمن، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة ، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر ، وهم : الغارمون ، فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة: (( يا قبيصة ، أقم حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها))، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: (( أنه أمر له بصدقة قومه ))، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد))، وبهذا سقط قول الخطابي : لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد ، ولا تمسك للشافعي بالآية أيضاً ؛ لأن المراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم دون غيرهم ، وكذا المراد بآية الغنيمة فافهم )) (١). (١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. ٢٤ • شرح سنن أبي داوود ٦ -٣٦٩- وقال الخطابي أيضاً (١): وفي قوله: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات ، حتى حكم فيها )) دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين ، أحدهما : ما تولى الله بيانه في الكتاب العزيز وأحكم فرضه فيه ، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي - عليه السلام - وبيان شهادة الأصول ، والوجه الآخر : ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً ، ووكل بيانه إلى النبي - عليه السلام - فهو تفسيره قولاً وفعلاً ، أو يتركه على إجماله ليبينه فقهاء الأمة ، ويستدركوه : استنباطاً ، واعتباراً بدلائل الأصول ، وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى ، وعن رسوله - عليه السلام - ولم يختلفوا في [ أن ] السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها ، وإنما اختلفوا في سهم المؤلفة ، فقالت طائفة من أهل العلم : سهمهم ثابت ، يجب أن يعطوه ، هكذا قال الحسن البصري ، وقال أحمد بن حنبل : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك ، وقالت طائفة : انقطعت المؤلفة بعد رسول الله - عليه السلام - روي ذلك عن الشعبي ، وكذلك قال أصحاب الرأي ، وقال مالك : سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية ، وقال الشافعي : لا يُعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام، وأما العاملون وهم : السعاة ، وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجر مثلهم ، فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى إخراج الصدقة وقسمها بين أهلها فليس فيها للعاملين حق)) . ١٧٥١ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب قالا : نا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وقالآخر: ((ليسَ المسكينُ الذي تَرُدُّه التمرةُ والتمرتان، والأُكْلَةُ والأُكْلَتَان ، ولكنّ المسكين الذي لا يَسْأَلُ الناسَ شيئاً، ولا يَفْطِئُونَ بِهِ فَيُعْطُونَهُ)) (٢). (١) معالم السنن (٥١/٢ - ٥٢). (٢) البخاري : كتاب الزكاة ، باب: قول الله تعالى: ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً﴾ (١٤٧٦) ، مسلم : كتاب الزكاة ، باب : المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه (١٠٣٩) ، النسائي : كتاب الزكاة ، باب : تفسير المسكين (٨٥/٥) . - ٣٧٠- ش - جرير بن عبد الحميد ، وسليمان الأعمش ، وأبو صالح ذكوان الزيات . قوله: ((ليس المسكين)) هو مفعيل / وهو من صيغ المبالغة ((كمنطيق))، [٢٥٤/٢ -ب] واشتقاقه من السكون ، [ ويستوي في هذا المذكر والمؤنث] (١) ، يقال : رجل مسكين ، وامرأة مسكين ، ويقال : مسكينة أيضاً ، وجمعه : مساكين ومسكينون ، وقال الجوهري : والمسكين الفقير ، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف ، يقال : تسكن الرجل وتمسكن ، كما قالوا : تمدرع ، وتمندل، من المدرعة ، والمنديل على تمفعل وهو شاذ، وقياسه تسكن وتدرع وتندل، مثل : تشجع وتحلم ، وكان يونس يقول : المسكين أشد حالاً من الفقير ، قال : وقلت لأعرابي: أفقير أنت ؟ فقال : لا والله ، بل مسكين . وقال الخطابي (٢): وقد اختلف الناس في المسكينٍ والفقير ، والفرق بينهما ، فروي عن ابن عباس، أنه قال: (( المساكين هم : الطوافون ، والفقراء: فقراء المسلمين))، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: ((إن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل))، وعن قتادة: ((إن الفقير هو الذي به زمانة ، والمسكين الصحيح المحتاج)) ، وقال الشافعي : ((الفقير من لا مال له ولا حرفة ، تقع منه موقعاً ، زَمِناً كان ، أو غير زَمِنٍ، والمسكين من له مال أو حرفة ، ولا يقع منه موقعاً ، ولا تغنيه ، سائلاً كان، أو غير سائل)). وقال بعض أهل اللغة: (( المسكين الذي لا شيء له ، والفقير من له البلغة من العيش ، واحتج بقول الراعي : وَفَقَ العيال فلم يترك له سَبد أما الفقير الذى كانت حلوبته قال : فجعل للفقير حلوبة ، وقال غيره من أهل اللغة : إنما اشترط له الحلوبة قبل الفقر ، فلما إنتزعت منه ، ولم يترك له سبد صار فقيراً لا شيء له ، قال: والمسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتج بقول الله تعالى: (١) طمس في الأصل ، ولعل الجادة ما أثبتناه . (٢) معالم السنن (٥٢/٢ - ٥٣). - ٣٧١- ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) ، فأثبت لهم مع المسكنة ملكاً وكسباً وهما : السفينة ، والعمل بها في البحر ، وقال بعض من ينصر القول الأول : إنما سماهم مساكين مجازاً على سبيل الترحم والشفقة عليهم ، إذ كانوا مظلومين . قلت: قال صاحب ((الهداية)): ((والفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له ، وهذا مروي عن أبي حنيفة ، وقد قيل على العكس ، وقالت الشراح : وهو قول الشافعي ، ولكل وجه ، والأول أصح ، ووجهه قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ (٢) أي: لاصقاً بالتراب من الجوع والعُري ، ووجه الثاني أن الفقير مشتق من انكسار فقار الظهر ، فيكون أسوأ حالاً من المسكين ، وقال الخطابي (٣) : وقيل: إن الفقير مشبه بمن أصيب فقاره فانقصف ظهره ، من قولهم: (( فقرت الرجل)) إذا أصبت فقاره، كما تقول: ((بطنته)) إذا أصبت بطنه، و((رأسته )) إذا أصبت رأسه ، إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب . فإن قيل : فائدة هذا الخلاف تظهر في ماذا ؟ قلت : يظهر ذلك في الوصايا والأوقاف ، وأما في الزكاة فلا يظهر الخلاف فيها عندنا ، فافهم . ثم اعلم أنه - عليه السلام - نفى المسكنة عن الذي ترده التمرة ، أو التمرتان ، الذي هو السائل الطواف ؛ لأنه بمسألته تأتيه الكفاية ، وقد تأتيه زيادة عليها ، فيسقط عنه اسم المسكنة ، والحديث حجة قوية لما قال أبو حنيفة من أن المسكين من لا شيء له . قوله: ((والأكلة)) الأكلة بضم الهمزة : اللقمة، والأكلتان : اللقمتان، والأكلة بفتح الهمزة هي الواحدة ، والمرة من الأكل . قوله: (( ولا يفطنون به )) أي : لا يعلمون بحاله ، من فطن يفطن ، من باب ضرب يضرب . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، من حديث عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة . (١) سورة الكهف : (٧٩) . (٣) معالم السنن (٥٣/٢). (٢) سورة البلد : (١٦). - ٣٧٢- ١٧٥٢ - ص - نا مسدد ، وعبيد الله بن عمر ، وأبو كامل - المعنى - قالوا: نا عبد الواحد بن زياد ، نا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله - عليه السلام - مثلَه (١): ((ولكنَّ المسكينَ المُتَعَفِّفَ)) زاد مسددٌ في حديثه: (( ليس له ما يَسْتَغْنِي به ، الذي لا يَسْأَلُ، ولا يُعْلَمُ بحاجَتَه فيُتَصَدَّقُ عليه، فذاكَ الَحْرُومُ))، ولم يذكر مسددٌ: (( المتعفف الذي لا يَسأَلُ)) (٢). ش - أبو كامل : فضيل الجحدري ، ومعمر بن راشد ، وأبو سلمة : عبد الله بن عبد الرحمن . قوله: ((بمثله)) أي : مثل الحديث المذكور . قوله: ((فيتصدق)) [ ... ] (٣). [٢٥٥/٢-١] / قوله: ((فذاك المحروم)) المحروم: الذي حُرِمَ ، أي: مُنِع من العطاء، يقال : حرمه الشيء ، يحرمه حرماً ، مثل : سرقه سرقاً بكسر الراء ، وحرمة وحريمة وحريما ، وأخرجه النسائي بمثله ، وليس فيه : ((فذاك المحروم )) . ص - قال أبو داود : روى هذا (٤) محمد بن ثور ، وعبد الرزاق ، عن معمر ، جعلا المحروم من كلام الزهري (٥) . ش - أي : روی هذا الحدیث محمد بن ثور ، وعبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، وجعلا لفظ: (( فذاك المحروم )) من كلام ابن شهاب الزهري ، ولم يجعلاه من متن الحديث . ومحمد بن ثور الصنعاني ، روى عن : معمر ، وابن جريج . رؤى (١) في سنن أبي داود: ((مثله. قال)). (٢) النسائى: كتاب الزكاة، باب: تفسير المسكين (٨٦/٥). (٣) بياض في الأصل قدر نصف سطر . (٤) في سنن أبي داود: ((روى هذا الحديث محمد)). (٥) في سنن أبي داود: ((وجعلا ... الزهري وهو أصح)). -٣٧٣- عنه : فضيل بن عياض ، ومحمد بن عبيد بن حساب ، ونعيم بن حماد ، وجماعة آخرون . قال يحيى بن معين : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي (١) . ١٧٥٣ - ص - نا مسدد ، نا عيسى بن يونس ، نا هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلانِ: (( أَنهما أَتَيَا النبيِّ -عليه السلام- في حَجَّةِ الوَدَاعِ، وهو يَقْسِمُ الصدقةَ، فَسَأَلاهُ منها ، فَرَفَعَ فينا البصرَ وَخَفَضَهُ، فَرَانَا جَلْدَين، فقال: إن شئتُمَا أَعطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فيها لِغَنِيٌّ، ولا لِقَوِيٌّ مُكْتَسِبٍ)) (٢) . ش - عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني ، أدرك النبي - عليه السلام - وكان من فقهاء قريش ، وروى عن : عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وسمع : عثمان ابن عفان ، وعليّ بن أبي طالب ، والمقداد بن الأسود ، وكعب الأحبار . روى عنه : عروة ، وحميد بن عبد الرحمن ، وعطاء بن يزيد ، وغيرهم. قال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٣) . قوله: ((جَلْدين)) بفتح الجيم، وسكون اللام تثنية ((جَلْد »، وهو الرجل القوي من الجَلَدِ بفتح اللام ، وهو القوة والصبر ، تقول منه : جَلُدَ الرجل - بالضم - فهو جَلْدٌ وجَلِيدٌ بَيِّنُ الجَلَد ، والجَلادة، والجُلُودة. وقال الخطابي (٤) : هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد ، دون أن يضم (٥) إليه الكسب ، فقد يكون من الناس من يرجع (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥١٠٨/٢٤). (٢) النسائي: كتاب الزكاة ، باب: مسألة القوي المكتسب (١٠٠/٥). (٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٣٦/٢)، وأسد الغابة (٥٢٦/٣)، والإصابة (٧٤/٣). (٤) معالم السنن (٥٣/٢). (٥) في الأصل: (( ضم)). -٣٧٤- إلى قوة الكسب ، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه ، ويكون مع ذلك أخرق اليد ، لا يعتمل ، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة بدلالة الحديث ، وقد استظهر - عليه السلام - مع هذا في أمرهما بالأنداد، وقلدهما الأمانة فيما يظن من أمرهما )) . والحديث أخرجه: النسائي . ١٧٥٤ - ص - نا عباد بن موسى الخَتَّلي الأبناوي (١)، نا إبراهيم - يعني: ابن سعد - أخبرني أبي ، عن ريحان بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لِغَنِيٌّ ، ولا لِذِي مِرَّةٍ (٢) سَوِيٍ)(٢) . ش - قد مر غير مرة أن الخُتَّلِي - بضم الخاء المعجمة ، وتشديد التاء المثناة من فوق المضمومة - نسبة إلى ختلان ، وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ، والأبناوي نسبة إلى الأبناء ، ويقال لأولاد فارس : الأبناء ، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة ، فنصروه ، وملكوا اليمن ، وتديَّرُوها ، وتزوجوا من العرب ، فقيل لأولادهم : الأبناء ، وغلب عليهم هذا الاسم ؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم ، والأبناء في الأصل جمع ابن . C وريحان بن يزيد العامري ، روى عن : عبد الله بن عمرو بن العاص . روى عنه : سعد بن إبراهيم . قال حجاج : نا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم سمع : ريحان - وكان أعرابي صدق - وقال أبو حاتم : هو شيخ مجهول . وقال عثمان بن سعيد : قلت ليحيى بن معين : ما حاله ؟ قال: ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي (٣) . قوله: (( ولا لذي مرة سوي)) ((المرة)) - بكسر الميم - : القوة والشدة ، (١) في سنن أبي داود: ((الأنباري)) خطأ. (٢) الترمذي : كتاب الزكاة ، باب: من لا تحل له الصدقة (٦٥٢). (٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٩٤٤/٩). - ٣٧٥- و((السوي)): الصحيح الأعضاء ، وبه تمسك الشافعي أن من يجد قوة يقدر بها على الكسب لا تحل له الصدقة ، وبه قال إسحاق ، وأبو عبيد ، وقال أصحابنا : يجوز له ذلك ما لم يملك مائتي درهم فصاعدا ؛ لأن المراد من الغنى هو : الغنى الشرعي ، وهو أن يملك نصاباً ، وما فوقه ، وأجابوا عن قوله: ((ولا لذي مرة سوي)) أن المراد به : أن يسأل مع [٢٥٥/٢ -ب] قدرته على اكتساب القوت ، وأما إذا / أُعطي من غير سؤال ، فلا يحرم له أخذه لدخوله في الفقراء، [ ... ] (١). والحديث أخرجه : [الترمذي] عن سفيان ، عن سعد به ، وقال : حديث حسن ، وقد رواه شعبة ، عن سعد فلم يرفعه . ص - قال أبو داود : رواه سفيانُ ، عن سعد بنِ إبراهيمَ ، كما قال إبراهيمُ، ورواه شعبةُ، عن سعدٍ ، قال: ((لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ)) . ش - أي : روى هذا الحديث سفيان الثوري ، عن سعد بن إبراهيم ، كما قال إبراهيم بن سعد، وهو: (( لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي )) . (((٢) وكذا رواه : النسائي ، وابن ماجه ، عن أبي حصين ، عن سالم ابن أبي الجعد ، عن أبي هريرة بنحوه ، ورواه ابن حبان في (( صحيحه )) في النوع السابع والسبعين من القسم الثاني، قال صاحب ((التنقيح)): رواته ثقات إلا أن أحمد بن حنبل قال : سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة . وطريق آخر أخرجه الحاكم في ((المستدرك)» (٣)، عن ابن عيينة ، عن منصور ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، فذكره ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . وطريق آخر أخرجه البزار في (( مسنده )) ، عن إسرائيل ، عن منصور ، (١) طمس في الأصل قدر نصف سطر . (٢) انظر: نصب الراية (٣٩٩/٢ - ٤٠٠). (٣) (٤٠٧/١) . -٣٧٦- عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي هريرة ، وقال البزار : وهذا الحديث رواه ابن عيينة ، عن منصور ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، والصواب حديث إسرائيل ، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين ، فرواه عن سالم ، عن أبي هريرة ، ثم أخرجه كذلك ، وهذا مخالف لكلام الحاكم . وروى الترمذي (١) : نا علي بن سعيد الكندي ، نا عبد الرحيم بن سليمان ، عن مجالد، عن الشعبي ، عن حُبشيٍّ (٢) بن جنادة السلولي، قال : سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو واقف بعرفة في حجة الوداع، وقد أتاه أعرابي فسأله رداءه، فأعطاه إياه، قال: (( إن المسألة لا تحل لغني ، ولا لذي مرة سوي ))، وقال : غريب من هذا الوجه . ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣): حدّثنا عبد الرحيم به، ومن طريقه الطبراني في (( معجمه)) (٤) . قوله : (( ورواه شعبة ، عن سعد )) أي : روى الحديث المذكور شعبة ، عن سعد بن إبراهيم، قال: ((لذي مرة قوي))، (( (٥) وأخرج الطبراني(٦) في ((سنته))، عن الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله، قال: (( جاءت رسول الله صدقة ، فركبه الناس ، فقال : إنها لا تصلح لغني ، ولا لصحيح سوي ، ولا لعامل قوي)). انتهى. والوازع بن نافع قال ابن حبان في كتاب ((الضعفاء »: يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته ، ويشبه أنه لم يتعمدها ، بل وقع ذلك في روايته لكثرة وهمه ، فبطل الاحتجاج به . انتهى كلامه . (١) كتاب الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة (٦٥٣). (٢) تصحف في جامع الترمذي إلى ((حبيشي)). (٣) (٥٦/٣). (٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . (٥) انظر: نصب الراية (٤٠٠/٢). (٦) كذا، وفي نصب الراية: ((وأخرج الدارقطني))، والحديث في سنن الدارقطني (١١٩/٢)، ولم أجده في معاجم الطبراني الثلاثة ، فالله أعلم. -٣٧٧- ورواه أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في (( تاريخ جرجان )) من حديث محمد بن الفضيل (١) بن حاتم : حدَّثنا إسماعيل بن بهرام الكوفي، حدَّثني محمد بن جعفر ، عن أبيه ، عن جده ، عن جابر مرفوعاً: (( لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي)). ورواه أبو يعلى الموصلي في ((مسنده )): من حديث إسماعيل بن يعلى ابن أمية الثقفي، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، عن طلحة بن عبيد الله، عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي )) . ورواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢)، وقال: لا أعلم أحداً رواه بهذا الإسناد غير أبي أمية بن يعلى ، وضعفه عن : ابن معين ، والنسائي ، ولينه عن البخاري ، ووثّقه عن شعبة ، ثم قال : وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم )) (٣). ص - قال: والأحاديثُ الأُخَرُ، عن النبيِّ - عليه السلام - بعضُها : ((لذي مِرَّةٍ قَوِيٌّ))، وبعضُها: ((لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ)). ش - أي : قال أبو داود -رحمه الله- ، وقد ذكرنا اختلاف الطرق فيه. ص - قال عطاء بن زهير: إنه لقي عبد الله بن عمرو، فقال: ((إن الصدقة لا تحل لقوي ، ولا لذي مرة سوي )» . ش - أشار بهذا التعليق إلى أن هذا الحديث موقوف عند البعض ، وعطاء بن زهير ذكره ابن حبان في (( الثقات))، وقال : عطاء بن زهير بن الأصبع العامري . روى عن: ابن عمر [ و] . روى عنه : الأخضر بن عجلان ، وهو الذي يقال له ابن الأصبع . (١) كذا، وفي ((تاريخ جرجان)) (ص/٣٦٧)، و((نصب الراية)): ((الفضل)). (٢) (٥١٤/١، ترجمة إسماعيل بن يعلى بن أمية). (٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. -٣٧٨- ٢٣ - باب : من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني أي : هذا باب في بيان حكم من يجوز له أخذ الصدقة ، والحال أنه غني . ١٧٥٥ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بنٍ أسلم ، / عن عطاء بن يسار، أن رسولَ الله - عليه السلام - قال: ((لا تَحلّ الصدقةُ لِغَنِيٌّ إلا لخمسة: لغازي (١) في سبيلِ الله، أو لعامل عليها، أو لغارمٍ ، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل (٢) كان له جارٌ مسكينٌّ فتصدقَ على المسكين فَأَهْدَاهًا المسكينُ للَغَنِيِّ)) (٣). [٢٥٦/٢-٢]. ش - هذا مرسل ، به استدل الشافعي أن الزكاة يجوز دفعها إلى الغازي - وإن كان غنيا- وهو قول مالك ، وأحمد ، وإسحاق . وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز ذلك لإطلاق، لقوله - عليه السلام -: (( لا تحل الصدقة لغني))، والمراد من قوله: ((لغازي في سبيل الله )) هو الغازي الغني بقوة البدن ، والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي ، بدليل حديث معاذ: (( وردها في فقرائهم)). قوله: ((أو لعامل عليها)) أي: على الزكاة ، وقال أصحابنا : العامل يدفع إليه الإمام إن عمل بقدر عمله ، فيعطيه ما يسعه وأعوانه ؛ لأن استحقاقه بطريق الكفاية ، ولهذا يأخذ - وإن كان غنيا - ويستثنى منه العامل الهاشمي تنزيهاً ، لقرابة الرسول عن شبهة الوسخ . وقال الخطابي (٤) : وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله ، فسواء كان غنيا أو فقيراً ، فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً)). ونقل صاحب ((الهداية)) عن الشافعي أن الذي يعطى للعامل مقدر بالثمن . (١) في سنن أبي داود: ((لغازِ)). (٣) تفرد به أبو داود . (٢) في سنن أبي داود: ((لرجل)). (٤) معالم السنن (٥٥/٢). -٣٧٩- قوله: (( أو لغارم)) الغارم : من لزمه دين ، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه، كذا فسره صاحب ((الهداية))، ثم قال : وقال الشافعي : من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين ، وإطفاء النائرة بين القبيلتين . وقال الخطابي (١) : وأما الغارم الغني فهو : الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف ، وإصلاح ذات البين ، وله مال إن يقع فيها افتقر فيُوَفَّرُ عليه ماله ، ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه ، وأما الغارم الذي يدان لنفسه وهو معسر ، فلا يدخل في هذا المعنى ؛ لأنه من جملة الفقراء. انتهى . فإن قيل: ما فسره صاحب ((الهداية)) لا يطلق إلا على الفقير ، وهو ليس له دخل في هذا الباب ؛ لأن الكلام في الغارم الغني ، كما دل عليه عبارة الحديث ، وكما بينه الخطابي . قلت : ليس الأمر كما ذكرتم ؛ لأن الغارم الذي فسره صاحب ((الهداية)) إنما هو فقير بالنظر إلى نفس الأمر، أعني عند مقابلة موجوده وما يملكه بسائر ديونه ، وأما بالنظر إلى الظاهر فيطلق عليه أنه غني غارم فح (٢) يصح الاستثناء ، ويكون المعنى: تحمل الصدقة للغارم الغني في الصورة ، وإن كان فقيراً في نفس الأمر بالمعنى الذي ذكرناه - كما قلنا - : إن المراد بالغازي الغني : الغني بالقوة والقدرة على الكسب ، فافهم . قوله: (( أو لرجل اشتراها)) أي: اشترى الصدقة بماله، والمعنى : إن المتصدق إذا تصدق بالشيء ، ثم اشتراه من المدفوع إليه ، فإن البيع جائز، وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم البيع في ذلك . وقال مالك : إن اشتراه فالبيع مفسوخ ، وقد مر الكلام فيه مرة مستوفى . قوله: ((أو رجل كان له جار مسكين)) برفع («مسكين)) على أنه صفة للجار ، الذي ارتفع بأنه اسم كان ، وإنما جاز في هذه الصورة لأن المهدي له الصدقة إذا ملكها ، فقد خرجت أن تكون صدقة ، (١) نفسه . (٢) أي: ((فحينئذ)). -٣٨٠-