النص المفهرس

صفحات 201-220

فإن قيل : قد روي هذا الحديث من رواية أبي بكر الصديق ، وفيه :
((ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) قلنا : يحتمل أن يكون ذكره بعد ذلك،
ويحتمل أن يكون سمعه من ابن عمر ، أو غيره فأرسله )) (١) وأما معنى
حديث عمر - رضي الله عنه - :
قوله: (( أمرت)) أي أمرني الله تعالى ، طوى ذكر الفاعل للعلم به ،
ولتعينه لذلك .
قوله: (( حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) قال الخطابي (٢): المراد بهم أهل
الأوثان دون أهل الكتاب ، لأنهم يقولون لا إله إلا الله ، ثم إنهم يقاتلون
ولا يرفع عنهم السيف، قال: ومعنى: ((حسابه على الله)) أي فيما
يستسرون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة ،
قال : ففيه أن من أظهر الإسلام ، وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر ،
وهذا قول أكثر العلماء ، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل ،
ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل)) . انتهى كلامه.
وقال القاضي عياض (٣) : اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال : لا
إله إلا الله ، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان ، وأن المراد بهذا مشركو
العرب، وأهل الأوثان ومَن لا يُوَحِّدُ ، وهم كانوا أول من دُعي إلى
الإسلام وقوتل عليه ، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته
بقوله : لا إله إلا الله ، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ، فلذلك
جاء في الحديث الآخر (( وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي
/ الزكاة )) انتهى .
[٢٢١/٢ -ب]
وقال الشيخ محيي الدين (٤): ((ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما
جاء به رسول الله ، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة : (( حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي ، وبما جئت به)).
(١) إلى هنا انتهى النقل من المعالم.
(٣) شرح صحيح مسلم (٢٠٦/١-٢٠٧) .
(٢) معالم السنن (١٠/٢).
(٤) المصدر السابق باختصار .
-٢٠١-

وقال أيضاً : اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق ، وهو الذي ينكر
الشرع جملة ، فذكروا فيه خمسة أوجه ، لأصحابنا أصحها والأصوب منها
قبولها مطلقا الأحاديث الصحيحة المطلقة ، والثاني : لا تُقبل ، ويتحتم
قتله ، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة ، وكان من أهل
الجنة ، والثالث : أنه إن تاب مرة واحدة قُبلت توبته ، فإن تكرر ذلك منه
لم تقبل . والرابع : إن أسلم ابتداء من غير طلب قُبُل منه ، وإن كان تحت
السيف فلا ، والخامس : إن كان داعيا إلى الضلال لم يُقُبل منه وإلا قُبل
منه )) .
قلت : الزنديق يقتل عندنا ، وتقبل توبته بالإجماع ، إلا عند الشافعي،
ورواية عنا ، كذا ذكرته في شرحي على ((المجمع )).
قوله: (( من فرق بين الصلاة والزكاة )) قال الشيخ محيي الدين (١):
((ضبطناه بوجهين: فَرَّقَ)) و((فَرَقَ)) بتشديد الراء ، وتخفيفها ، ومعناه :
من أطاع في الصلاة ، وجحد في الزكاة ، أو منعها )) .
قوله: ((لو منعوني عقالا)) (((٢) هكذا في مسلم أيضاً ((عقالا)) وكذا
في بعض روايات البخاري ، وفي بعضها (( عناقا)) لما يجيء الآن ،
وكلاهما صحيح ، ورواية (( العقال )) اختلف العلماء فيها قديما وحديثا ،
فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعقال زكاة عام ، وهو معروف في اللغة
بذلك ، وهذا قول الكسائي ، والنضر بن شميل ، وأبي عبيد ، والمبرد
وغيرهم من أهل اللغة ، وهو قول جماعة من الفقهاء ، واحتج هؤلاء
على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء :
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
سعى عقالا فلم يترك لنا سبْداً
أراد مدة عقال ، فنصبه على الظرف ، وعمرو هذا هو عمرو بن عتبة
ابن أبي سفيان الساعي ، ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان صدقات كلب
فقال فيه قائلهم ذلك ، قالوا : ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يعقل فيه
(١) شرح صحيح مسلم (٢٠٧/١) .
(٢) المصدر السابق .
- ٢٠٢-

البعير لا يجب دفعه في الزكاة ، فلا يجوز القتال عليه ، فلا يصح حمل
الحديث عليه ، وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل ،
الذي يعقل به البعير ، وهذا القول محكي عن مالك ، وابن أبي ذئب
وغيرهما ، وهو مأخوذ مع الفريضة ، لأن على صاحبها التسليم ، وإنما
يقع قبضها برباطها ، وقيل : معنی وجوب الزكاة فيه إذا كان من عروض
التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب ، وقيل : أراد به الشيء التافه
الحقير ، فضرب العقال مثلا له ، وقيل : كان من عادة المصدق إذا أخذ
الصدقة أن يعمد إلى (١) قَرَن - بفتح القاف والراء - وهو الحبل ، فيقرن به
بين بعيرين لئلا تشرد الإبل ، فيسمى عند ذلك القرائن ، فكل قرينين منها
عقال ، وقال أبو عبيد : وقد بعث النبي - عليه السلام - محمد بن مسلمة
على الصدقة ، فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما (٢) وقرانهما، وكان
عمر أيضاً يأخذ مع كل فريضة عقالاً )) (٣).
قوله: (( إلا أن رأيت الله)) أي: علمت وأيقنت .
قوله: (( قد شرح)) أي : فتح ووسع ، والمعنى علمت أنه جازم بالقتال
لما ألقى الله - سبحانه وتعالى - في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصفائه
ذلك .
قوله: (( فعرفت أنه الحق )) أي : بما أظهر من الدليل وإقامة الحجة ،
فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق والحديث أخرجه : البخاري ،
ومسلم ، والترمذي ، والنسائي .
ص - قال أبو داود : قال شعيب بن أبي حمزة ، ومعمر ، والزبيدي : عن
الزهري في هذا الحديث قال (٤): ((لو منعوني عَنَاقاً ».
ش - شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي ، ومعمر بن راشد ،
والزبيدي محمد بن الوليد الحمصي ، والزهري محمد بن مسلم .
(١) مكررة في الأصل .
(٢) في الأصل: ((عقالاهما)) وما أثبتناه من شرح صحيح مسلم.
(٣) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(٤) كلمة ((قال)) غير موجودة في سنن أبي داود .
-٢٠٣-

قوله: ((عناقاً)) بفتح العين وبالنون ، وهي الأنثى من ولد المعز ، وهو
محمول على أنه كرر الكلام مرتين ، فقال في مرة: (( عقالا » وفي
الأخرى: ((عناقا)) قال الشيخ محيي الدين: ((رواية العناق محمولة على
ما إذا كانت الغنم صغارا كلها ، بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول ، فإذا
حال حول الأمهات زكى السخال الصغار بحول الأمهات ، سواء بقي من
الأمهات شيء أم لا ، هذا هو الصحيح المشهور ، وقال أبو القاسم
الأنماطي من أصحابنا : لا يزكي الأولاد بحول الأمهات ، إلا أن يبقى من
الأمهات نصاب ، وقال بعض أصحابنا : إلا أن يبقى من الأمهات شيء ،
ويتصور ذلك أيضا ما إذا مات معظم الكبار ، وحدثت صغار ، فحال
حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار )» .
[٢/ ٢٢٢-١] / قلت: قوله ((هو الصحيح المشهور)) هو قول أبي يوسف أيضاً من
أصحابنا ، وعند أبي حنيفة ، ومحمد: لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة،
وحَمَلا الحديث على جهة المبالغة ، أو على الفرض والتقدير .
ص - ورواه عنبسة ، عن يونس ، عن الزهري في هذا الحديث قال :
((عَنَاقاً)) .
ش - عنبسة بن خالد بن يزيد الأَيْلي ، ويونس بن يزيد الأَيْلي ، عم
عنبسة المذكور .
١٦٧٧ - ص - نا ابن السرح ، وسليمان بن داود ، قالا: أنا (١) ابن
وهب، أخبرني يونس، عن الزهري (٢)، قال: قال أبو بكر: ((إن حَقَّه أَداءُ
الزكاة)) وقال: ((عِقَالا)) (٣).
ش - أحمد بن عمرو بن السرح ، وسليمان بن داود الزهراني العتكي ،
وعبد الله بن وهب ، ويونس بن يزيد .
(١) في سنن أبي داود ((أخبرنا ))
(٢) في سنن أبي داود ((عن الزهري هذا الحديث)).
(٣) انظر الحديث السابق.
-٢٠٤ -

وأشار بهذا إلى أن هذه الرواية أيضا فيها ((عقال)) موضع (« عناق)).
ص - قال أبو داود : رواه رباح بن زيد، عن معمر (١) ، عن الزهري
بإسناده، قال بعضهم : (( عقالا)) ورواه ابن وهب ، عن يونس ، قال :
«عناقا)).
ش - رياح بن زيد القرشي الصنعاني ، ومعمر بن راشد .
والحاصل أنه قد اختلفت الروايات في ((العقال)) و((العناق )) وكلاهما
صحيح كما ذكرناه ، ومحمول على أنه قال ذلك مرتين .
١ - باب : ما يجبُ فيه الزكاة
أي : هذا باب في بيان ما يجب فيه الزكاة .
١٦٧٨ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، قال : قرأت على مالك بن أنس :
عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، أنه قال : سمعت أبا سعيد الخدري
بقول : قال رسول الله چ : «لَیسَ فیما دُون خَمس ذَود صدقةٌ ، ولیس فیما
دونَ خمسٍ أَوَاقٍ صدقةٌ، وليس فيما دُون خمسةٍ أَوَّسُقْ صدقةٌ )) (٢).
ش - عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني.
قوله: (( ليس فيما دون خمس ذود صدقة)) (٣) الرواية المشهورة بإضافة
((خمس)) إلى ((ذود))، وهو نقل الجمهور، وروي بتنوين (( خمس))
ويكون (( ذود)) بدلا منه ، حكاه ابن عبد البر ، والقاضي ، وغيرهما ،
وقال أهل اللغة : الذود - بفتح الذال المعجمة ، وسكون الواو ، وبعدها
(١) في سنن أبي داود ذكر هذا النص في الحديث الأول، وزاد ((وعبد الرزاق)).
-
(٢) البخاري : كتاب الزكاة ، باب : ما أدى زكاته فليس بكنز (١٤٠٥)، مسلم:
كتاب الزكاة (٩٧٩) ، الترمذي : كتاب الزكاة ، باب : ما جاء في صدقة
الزرع والتمر والحبوب (٦٢٦) و (٦٢٧)، النسائي : كتاب الزكاة، باب:
زكاة الإبل (١٧/٥)، ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة
من الأموال (١٧٩٣) .
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٧/ ٥٢:٥٠).
-٢٠٥-

دال مهملة - وهو من الثلاثة إلى العشرة ، لا واحد له من لفظه ، إنما
يقال في الواحد بعير ، وكذلك النفر ، والرهط ، والقوم ، والنساء ،
ونحو هذه الألفاظ التي لا واحد لها من لفظها ، قالوا : وقولهم :
((خمس ذود)) كقولهم : خمسة أبعرة ، وخمسة جمال ، وخمس نوق ،
وخمس نسوة ، قال سيبويه : يقول : ثلاث ذود ، لأن الذود مؤنت ،
وليس باسم كُسر عليه مذكره ، وقال أبو عبيد : الذود ما بين ثنتين إلى
تسع وهو مختص بالإناث ، وقال الأصمعي : الذود ما بين الثلاث إلى
العشر ، والصُّبَةُ خمس أَوْسِت ، والصِّرْمَةُ ما بين العشر إلى العشرين ،
والعَكْرَةُ ما بين العشرين إلَى الثلاثين ، والهَجْمَةُ ما بين الستين إلى
السبعين، والهُنَيْدَةُ مائة، والخِطْر نحو مائتين ، والعَرْجُ من خمسمائة إلى
ألف ، وقال أبو عبيد وغيره : الصِّرْمَةُ من العشر إلى الأربعين ، وأنكر ابن
قتيبة أن يقال : خمس ذود كما لا يقال : خمس ثوب ، وغلطه العلماء ،
بل هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح ، ومسموع من العرب ، معروف
في كتب اللغة ، وليس هو جمع لمفرد ، بخلاف الأثواب ، قال أبو حاتم
السجستاني : تركوا القياس في الجمع ، فقالوا : خمس ذود لخمس من
الإبل ، وثلاث ذود لثلاث من الإبل ، وأربع ذود وعشر ذود على غير
قياس ، كما قالوا : ثلاثمائة ، وأربعمائة ، والقياس مئين أو مئات ، ولا
يكادون يقولونه ، وقد ضبطه الجمهور : (( خمس ذود )) ، ورواه بعضهم
((خمسة ذود))، وكلاهما لرواة كتاب مسلم ، والأول أشهر ، وكلاهما
صحيح في اللغة ، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكر والمؤنث ، ومَن
حَذَفَها قال الداودي : أراد أن الواحدة منه فريضة .
قلت : الصُّبَة - بضم الصاد المهملة ، وتشديد الباء الموحدة - وفي
((الصحاح)) الصَّبة - بالضم - القطعة من الخيل ، والصرمة من الإبل ،
قال أبو زيد : الصَّبة من المعز ما بين العشرة إلى الأربعين ، والصِّرمة
- بكسر الصاد ، وسكون الراء المهملتين ، وفتح الميم - والعَكْرَة بفتح العين
المهملة، وسكون الكاف، وفتح الراء، وفي ((الصحاح)) العكرة ، قال
-٢٠٦-

أبو عبيدة : ما بين الخمسين إلى المائة . وقال الأصمعي : العَكْرَةُ الخمسون
إلى الستين إلى السبعين، والهَجْمَةُ بفتح الهاء، وسكون (١) / الجيم، [٢٢٢/٢-ب]
وفتح الميم ، وفي ((الصحاح)) قال أبو عبيد : الهَجْمَةُ من الإبل أولها
أربعون إلى ما زادك . والهُنَّيْدَةُ - بضم الهاء ، وفتح النون ، وسكون الياء
آخر الحروف، وفتح الدال - وفي (( الصحاح)) الهُنَيدة : المائة من الإبل
وغيرها . وقال أبو عبيد : والخِطْر - بكسر الخاء المعجمة ، وسكون
الطاء، وفي آخره راء - وفي ((الصحاح)): الخِطْرُ : الإبل الكثيرة والجمع
الأخطار ، والعَرْجُ - بفتح العين ، وسكون الراء المهملتين ، وفي آخره
جيم - وفي (( الصحاح )) العرج : القطيع من الإبل نحو من الثمانين ،
وقال أبو عبيدة : مائة وخمسون وفويق ذلك ، وقال الأصمعي : خمسمائة
إلى الألف ، والعِرج - بالكسر - مثله ، والجمع أعراج .
قوله: ( ولیس فیما دون خمس أواق )) قد وقع في رواية أبي داود ((أواق))
بدون الياء .
(((ووقع (٢) في رواية مسلم ((أواقي )) بالياء، وكلاهما صحيح ، وهي
جمع أوقية ، والأوقية - بضم الهمزة وتشديد الياء - وجمعها أواقيّ
-بتشديد الياء وتخفيفها - وأواقٍ بحذفها ، قال ابن السكيت في
((الإصلاح)»: كل ما كان من هذا النوع واحده مشددا جاز في جمعه
التشديد والتخفيف كالأوقية والأواقيّ والأواقي (٣)، والسرية والسراريّ
والسرارِي (٣) ، والنحتية والعلية ، والأثقبة ونظائرها ، وأنكر الجمهور أن
يقال في الواحدة : وقية ، بحذف الهمزة ، وحكى الجبائي جوازها بفتح
الواو ، وتشديد الياء وجمعها وقايا ، مثل ضحية وضحايا ، وأجمع أهل
الحديث والفقه وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهما وهي أوقية
الحجاز .
(١) مكررة في الأصل .
(٢) انظر : شرح صحيح مسلم (٧/ ٥١ - ٥٢).
(٣) ضبب المصنف فوقها .
-٢٠٧-

وقال القاضي عياض : ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في
زمن النبي - عليه السلام - وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ، ويقع بها
البياعات والأنكحة ، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة ، قال : وهذا يبين
أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن
مروان، وأنه جمعها برأي العلماء ، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ،
ووزن الدراهم ستة دوانيق قول باطل ، وإنما معنى ما نقل من ذلك ، أنه
لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام ، وعلى صفة لا تختلف ، بل كانت
مجموعات من ضرب فارس والروم صغارا وكبارا ، وقطع فضة غير
مضروبة ولا منقوشة ، ويمنية ، ومغربية ، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام
ونقشه ، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف ، وأعيانا يستغنى فيها عن
الموازين ، فجمعوا أكبرها وأصغرها ، وضربوه على وزنهم .
قال القاضي : ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة ، وإلا فكيف
كانت تتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها ، وحقوق العباد ؟
وهذا كما كانت الأوقية معلومة. وقال الشيخ محيي الدين: ((أجمع أهل
العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف ، وهو أن الدرهم ستة
دوانيق ، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ، ولم يتغير المثقال في الجاهلية
ولا الإسلام)) (١) .
قلت: (((٢) روى ابن سعد في ((الطبقات)) (٣) في ترجمة عبد الملك
ابن مروان : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني عبد الرحمن بن
أبي الزناد، عن أبيه، قال: (( ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير
والدراهم سنة خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها، ونقش عليها)).
قال الواقدي : وحدثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال ، عن أبيه ، قال :
كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنتين وعشرين قيراطا إلا
حبة بالشامي ، وكانت العشرة وزن سبعة )) انتهى .
(١) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٢) انظر: نصب الراية (٣٦٨/٢).
(٣) (٥/ ١٧٠) .
-٢٠٨-

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (( الأموال )) في باب الصدقة
وأحكامها: (( كانت الدراهم قبل الإسلام كبارا وصغارا ، فلما جاء
الإسلام وأرادوا ضرب الدراهم ، وكانوا يُزُكَّونها من النوعين ، فنظروا إلى
الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق ، وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة
دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء،
كل واحد ستة دوانيق ، ثم اعتبروها بالمثاقيل ، ولم يزل المثقال في آباد
الدهر محدودا لا يزيد ولا ينقص ، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي
واحدها ستة دوانيق / تكون وزن (١) سبعة مثاقيل، وأنه عدل بين الكبار [٢٢٣/٢-أ]
والصغار ، وأنه موافق لسنة رسول الله - عليه السلام - في الصدقة،
فمضت سنة الدراهم على هذا فاجتمعت عليه الأمة ، فلم تختلف أن
الدرهم التام ستة دوانيق فما زاد ، أو نقص قيل فيه : زائد أو ناقص ،
والناس في الزكوات على الأصل الذي هو السنة لا يزيغوا عنه ، وكذلك
في المبايعات)) (٢) انتهى. وقالت شراح كتب أصحابنا: إن الدراهم
كانت في الابتداء على ثلاثة أصناف ، صنف منها كل عشرة منه عشرة
مثاقيل ، كل درهم مثقال ، وصنف منها كل عشرة منه ستة مثاقيل ، كل
درهم ثلاثة أخماس مثقال ، وصنف منها كل عشرة منه خمسة مثاقيل، كل
درهم نصف مثقال ، وكان الناس يتصرفون بها ، ويتعاملون فيما بينهم إلى
أن استخلف عمر - رضي الله عنه - فأراد أن يستوفي الخراج بالأكبر ،
فالتمسوا منه التخفيف ، فجمع حساب زمانه ليتوسطوا ويوفقوا بين
الدراهم كلها وبين ما رامه عمر - رضي الله عنه - وبين ما رامه الرعية ،
فاستخرجوا له وزن السبعة ، بأن أخذوا من كل صنف ثلثه ، فيكون
المجموع سبعة .
فائدة : الدرهم لفظ فارسي ، وجاء فيه : درهام ، وكان أصله درما ،
فلما عربوه زادوا فيه الهاء فقالوا : درهم والدينار أصله دِنَّار - بالتشديد -
(١) في الأصل: ((وزان)) وما أثبتناه من نصب الراية.
(٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
١٤ • شرح سنن أبي داوود ٦
-٢٠٩-
د

فأبدلت إحدى النونين ياء فصار دينار ، والدينار عشرون قيراطاً ، وكل
قيراط ثلاث حبات ، فيكون ستين حبة ، وكل حبة أربع أرزات فيكون
مائتين وأربعين أرزة ، ويقال : القيراط طُسرجتان ، والطُسرجة حبتان ،
والحبة شعيرتان ، والشعيرة ذرتان ، والذرة فتيلتان والدانق بفتح النون
وكسرها، وقال في ((الصحاح)): الدانق أربعة طناسيج .
قوله: (( خمسة أوسق)) (((١) الأوسق جمع وسق ، وفيه لغتان ، فتح
الواو وهو المشهور وكسرها ، ويقال : الوسق بالفتح وجمعه أوسق ،
وبالكسر وجمعه أوساق ، والوسق ستون صاعا ، كل صاع خمسة أرطال
وثلث بالبغدادي فيكون ثلاثمائة وعشرين رطلاً ، هذا مذهب أهل
الحجاز، ومذهب أهل العراق : الصاع ثمانية أرطال ، فيكون الجملة
أربعمائة وثمانين رطلا . والحديث أخرجه الجماعة ، وهو مشتمل على
ثلاث فصول ، الأول فيه بيان أقل الإبل التي تجب فيها الزكاة ، فبين أنه لا
تجب الزكاة في أقل من خمس ذود من الإبل ، فإذا بلغت خمسا سائمة ،
وحال عليها الحول ففيها شاة ، وهذا بالإجماع ، وليس فيه خلاف .
الثاني : فيه بيان نصاب الفضة وهو خمس أواق ، وهي مائتا درهم ،
لأن كل أوقية أربعون درهما كما ذكرناه ، وحدد الشرع نصاب كل جنس
بما يحتمل المواساة ، فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص
الحديث والإجماع ، وأما الذهب فعشرون مثقالا ، والمعوَّلُ فيه على
الإجماع ، إلا ما روي عن الحسن البصري، والزهري أنهما قالا: ((لا
يجب في أقل من أربعين مثقالا)) والأشهر عنهما الوجوب في عشرين
مثقالا كما قاله الجمهور ، وقال القاضي : وعن بعض السلف وجوب
الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ، وإن كان دون عشرين
مثقالا، قال هذا القائل : ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مائتي
درهم ، ثم إذا زاد الذهب أو الفضة على النصاب اختلفوا فيه ، فقال
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٥١:٤٩/٧).
- ٢١٠-

مالك ، والليث ، والثوري ، والشافعي ، وابن أبي ليلى ، وأبو يوسف،
ومحمد ، وعامة أهل الحديث أن فيما زاد من الذهب والفضة ربع العشر
في قليله وكثيره ولا وقص ، وروي ذلك عن : علي ، وابن عمر - رضي
الله عنهم - وقال أبو حنيفة ، وبعض السلف : لا شيء فيما زاد على
مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما ، ولا فيما زاد على عشرين دينارا حتى
يبلغ أربعة دنانير ، فإذا زادت ففي كل أربعين درهما درهم ، وفي كل
أربعة دنانير درهم ، فجعل لهما وقصا كالماشية .
قال الشيخ محيي الدين: (( واحتج الجمهور بقوله - عليه السلام - في
((صحيح البخاري)): ((في الرقة ربع العشر)) والرقة الفضة، وهذا عام
في / النصاب وما فوقه ، وبالقياس على الحبوب ولأبي حنيفة حديث [٢٢٣/٢-ب]
ضعيف ، لا يصح الاحتجاج به )) (١) .
قلت : أشار بهذا إلى ما رواه الدارقطني في («سننه » (٢) من طريق ابن
إسحاق ، عن المنهال بن جراح ، عن حبيب بن نجيح ، عن عبادة بن
نُسي، عن معاذ: (( أن رسول الله - عليه السلام - أمره حين وجهه إلى
اليمن أن لا يأخذ من الكسر شيئاً ، إذا كانت الورق مائتي درهم فخذ منها
خمسة دراهم ، ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما ، فإذا
بلغت أربعين فخذ منها درهما)) قال الدارقطني : المنهال بن الجراح هو
أبو العطوف ، متروك الحديث ، وكان ابن إسحاق يقلب اسمه إذا روى
عنه ، وعبادة بن نسي لم يسمع من معاذ ، انتهى .
وقال النسائي : المنهال بن الجراح متروك الحديث ، وقال ابن حبان :
كان يكذب، وقال عبد الحق في ((أحكامه)): كذاب ، وقال الشيخ في
(الإمام)): قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ، فقال: متروك الحديث
واهیه ، لا یکتب حديثه، وقال البيهقي: إسناد هذا الحديث ضعيف جدا».
(١) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٢) (٩٣/٢ - ٩٤)، وانظر النص وما بعده في نصب الراية (٣٦٨/٢).
- ٢١١-

قلت : ذكر البيهقي هذا الحديث في (( باب ذكر الخبر الذي روي في
وقص الورق)) ، ثم اقتصر عليه لكون الباب معقود البيان مذهب خصمه،
وفي الباب حديثان ، أحدهما : ذكره البيهقي في (( باب فرض الصدقة ))
وهو كتابه - عليه السلام - الذي بعثه إلى اليمن مع عمرو بن حزم ،
وفيه: ((وفي كل خمس أواقي من الورق خمسة دراهم ، وما زاد ففي كل
أربعين درهما درهم )) ثم قال البيهقي : مجود الإسناد .
ورواه جماعة من الحفاظ موصولا حسنا ، وروى البيهقي ، عن أحمد
ابن حنبل ، أنه قال : أرجو أن يكون صحيحاً .
والثاني: ذكره البيهقي في (( باب لا صدقة في الخيل )) من حديث
علي، قال رسول الله - عليه السلام -: (( عفوت لكم عن صدقة الخيل،
والرقيق ، فهلموا صدقة الرقة من كل أربعين درهما ، وليس في تسعين
ومائة شيء ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) . قال ابن حزم :
صحيح مسند .
وروى ابن أبي شيبة ، عن عبد الرحمن بن سليمان ، عن عاصم
الأحول ، عن الحسن البصري ، قال : ((كتب عمر إلى أبي موسى : فما
زاد على المائتين ففي كل أربعين درهما درهم » وأخرجه الطحاوي في
(أحكام القرآن)) من وجه آخر عن أنس ، عن عمر نحوه ، قال صاحب
((التمهيد)): وهو قول ابن المسيب ، والحسن ، ومكحول ، وعطاء،
وطاوس ، وعمرو بن دينار ، والزهري ، وبه يقول أبو حنيفة ،
والأوزاعي، وذكر الخطابي الشعبي معهم ، وروى ابن أبي شيبة بسند
صحيح عن محمد الباقر رفعه، قال: ((إذا بلغت خمس أواقي ففيها
خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم)). وفي (١) ((أحكام))
عبد الحق ، قال : وروى أبو أويس ، عن عبد الله ، ومحمد ابني أبي بكر
ابن عمرو بن حزم ، عن أبيهما ، عن جدهما ، عن النبي -عليه السلام-
(١) انظر: نصب الراية (٣٦٧/٢ - ٣٦٨).
- ٢١٢-

أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين أمّره على اليمن وفيه: (( الزكاة
ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم ، فإذا بلغت مائتي درهم (١) ففيها
خمسة دراهم ، وفي كل أربعين درهما درهم ، وليس فيما دون الأربعين
صدقة)) انتهى . ولم يعزه عبد الحق لكتاب ، وكثيرا ما يفعل ذلك في
((أحكامه))، والموجود في كتاب عمرو بن حزم عند النسائي ، وابن
حبان، والحاكم ، وغيرهم: ((وفي كل خمس أواق من الورق خمسة
دراهم ، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم ، وليس فيما دون خمس
أواق شيء )) .
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الأموال)) (٢): حدثنا
يحيى بن بكير ، عن الليث بن سعد ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد ،
عن أنس ، قال: (( ولاني عمر بن الخطاب الصدقات ، فأمرني أن آخذ
من كل عشرين دينارا نصف دينار ، وما زاد فبلغ أربعة دنانير ففيه درهم ،
وأن آخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم ، فما زاد فبلغ أربعين درهما
ففیه درهم )) انتھی (٣).
وقد عرفت مستندات أبي حنيفة في هذا الباب ، وعرفت مَن عنده
تعصب ، كيف يذكر له الأحاديث الضعيفة ويترك الأحاديث القوية ؟!
والعجب من الشيخ محيي الدين مع وقوفه على هذه الأحاديث كيف
يقول: / ولأبي حنيفة حديث ضعيف، ويشير به إلى ما رواه الدار قطنى، [٢٢٤/٢-١]
ولا يشير إلى ما ذكرنا ثَمَّ ؟ (٤) .
قال القاضي : ثم إن مالكا والجمهور يقولون بضم الفضة ، والذهب
بعضهما إلى بعض في إكمال النصاب ، ثم إن مالكا يراعي الوزن ويضم
على الأجزاء لا على القيم ، ويجعل كل دينار كعشرة دراهم على الصرف
الأول ، وقال الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة : يضم على القيم في
وقت الزكاة ، وقال الشافعي ، وأحمد، وأبو ثور وداود: لا يضم مطلقاً)).
(١) في الأصل: ((دراهم)).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٢) (ص/ ٥٢٤).
(٤) انظر : شرح صحيح مسلم .
- ٢١٣-

وقال الخطابي (١): ((ولم يختلفوا في أن القيم لا تضم إلى الإبل ولا
إلى البقر ، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب ، واختلفوا في البر والشعير ،
فقال أكثر العلماء : لا يضم واحد منهما إلى الآخر ، وهو قول الثوري ،
والأوزاعي ، وأصحاب الرأي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وقال
مالك : يضاف القمح إلى الشعير ولا يضاف القطاني إلى القمح
والشعير)).
الفصل الثالث : فيه بيان زكاة الزروع والثمار ، واستدل الشافعي ،
وأبو يوسف ، ومحمد بهذا الحديث (( إن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة
أوسق يجب فيها الصدقة ، وهي العشر)) وقال أبو حنيفة : في قليل ما
أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سُقِي سيحا أو سقته السماء ، إلا
القصب الفارسي والحطب ، والحشيش .
وقال الشيخ محيي الدين: ((وفي (٢) هذا الحديث فائدتان ، إحداهما:
وجوب الزكاة في هذه المحددات ، والثانية : أنه لا زكاة فيما دون ذلك ،
ولا خلاف بين المسلمين في هاتين ، إلا ما قال أبو حنيفة ، وبعض
السلف: إنه يجب الزكاة في قليل الحب وكثيره ، وهذا مذهب باطل ،
منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة !
قلنا : لا نسلم أن هذا مذهب باطل ، وإطلاق الباطل عليه باطل ،
وكيف يكون هذا منابذاً لصريح الأحاديث الصحيحة ، وقد استدل
أبو حنيفة بما روى (٣) الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال : قال
رسول الله ص 39: ((فيما سقت السماء والعيون ، أو كان عثريا العشر،
وفيما سُقِي بالنضح نصف العشر )) رواه البخاري .
وبما روى أبو الزبير ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - عليه
السلام -: ((فيما سقت الأنهار والغيم العشر ، وفيما سقي بالسانية نصف
العشر )) رواه مسلم .
(١) معالم السنن (١٤/٢).
(٢) شرح صحيح مسلم (٤٩/٧).
(٣) انظر: نصب الراية (٣٨٤/٢: ٣٨٦).
-٢١٤-

وبما روى مسروق ، عن معاذ بن جبل ، قال: (( بعثني رسول الله
- عليه السلام - إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء ، وما سقي
بعلاً العشر ، وما سقي بالدوالي نصف العشر)) . رواه ابن ماجه.
وهذه الأحاديث كلها مطلقة ، وليس فيها فصل ، وتأويل قوله - عليه
السلام -: ((وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) زكاة التجارة ، لأنهم
كانوا يتبايعون بالأوساق ، وقيمة الوسق أربعون درهما ، ومن الأصحاب
من جعله منسوخا ، ولهم في تقريره قاعدة ذكرها السغناقي نقلا عن
(الفوائد الظهيرية)) قال: إذا ورد حديثان أحدهما عام ، والآخر خاص
فإن علم تقديم العام على الخاص خصّ العام بالخاص ، كمن يقول لعبده:
لا تعط لأحد شيئا ، ثم قال له : أعط زيدا درهما ، ثم قال له : لا تعط
أحدا شيئا ، فإن هذا ناسخ للأول ، هذا مذهب عيسى بن أبان ، وهو
المأخوذ به ، قال محمد بن شجاع البلخي : هذا إذا علم التاريخ ، أما إذا
لم يعلم فإن العام يجعل آخرا لما فيه من الاحتياط ، وهنا لم يعلم
التاريخ، فيجعل العام آخرا احتياطا ، ويؤيده ما روي من الآثار ، وهو ما
أخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه)) : أنا معمر ، عن سماك بن الفضل ،
عن عمر بن عبد العزيز، قال: (( فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير
العشر )) .
وأخرج نحوه عن مجاهد ، وعن إبراهيم النخعي ، وأخرجه ابن
أبي شيبة أيضاً في ((مصنفه)) (١)، عن عمر بن عبد العزيز ، وعن
مجاهد، وعن إبراهيم النخعي، وزاد في حديث النخعي: (( حتى في كل
عشر دستجات بقل دستجة بقل )) (٢) .
١٦٧٩ - ص - نا أیوب بن محمد الرقي ، نا محمد بن عبيد ، نا إدريس
ابن يزيد الأودي، عن عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي البختري الطائي ، عن
(١) (١٩/٣).
(٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
- ٢١٥-

أبي سعيد الخدري، يرفعه إلى النبي - عليه السلام - قال: (( ليسَ فيما دُون
[٢/ ٢٢٤ - ب] خمسة أَوْسَاق(١) زكاة)) / والوَسْقُ ستون مَخْتُوماً (٢).
ش - [ محمد بن ] (٣) عبيد بن أبي أمية الأحدب الكوفي ، وإدريس
ابن يزيد بن عبدالرحمن الأودي أبو عبد الله الكوفي ، والد عبد الله وأخو
داود ، روى عن : أبيه ، وأبي إسحاق السبيعي ، وسماك بن حرب ،
وغيرهم ، روى عنه : ابنه عبد الله ، والثوري ، وابن أبي زائدة ، ومحمد
ابن عبيد ، وغيرهم ، قال ابن معين : ثقة ، روى له الجماعة (٤).
وأبو البختري سعيد بن فيروز ، ويقال : ابن عمران ، ويقال : ابن
أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي ، تابعي مشهور ، روى عن علي
مرسلا ، وسمع : ابن عباس ، وابن عمر ، وجماعة من الصحابة ، روى
عنه : عمرو بن مرة ، وزيد بن جبير ، وسلمة بن کھیل ، قال أبو حاتم،
وابن معين ، وأبو زرعة : ثقة ، قتل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين روى له
الجماعة (٥)
٠
والبَختري : بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة ، وفتح التاء المثناة
من فوق ، وکسر الراء ، وتشديد الياء .
قوله: (( والوسق ستون مختوماً)) قال أبو عبيد : المختوم الصاع ، وإنما
سمي مختوما لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتما مطبوعا لئلا يزاد فيه ،
ولا ينقص منه ، والحديث أخرجه : النسائي ، وابن ماجه مختصرا .
ص - قال أبو داود : أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد .
(١) في سنن أبي داود: ((أوسق)).
(٢) النسائي : كتاب الزكاة ، باب: القدر الذي يجب فيه الصدقة (٥/ ٤٠) ، ابن
ماجه : كتاب الزكاة ، باب : الوسق ستون صاعاً (١٨٣٢) .
(٣) بياض في الأصل.
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٩٣/٢).
(٥) المصدر السابق (٢٣٤٢/١١).
-٢١٦-

ش - أشار به أبو داود إلى أن هذا الحديث منقطع .
١٦٨٠ - ص - نا محمد بن قدامة بن أعين ، نا جرير ، عن مغيرة ، عن
إبراهيم، قال: ((الوَسْقُ ستونَ صاعاً مختوماً بالحَجَّاجِيِّ)) (١).
ش - جرير بن عبد الحميد ، ومغيرة بن مقسم أبو هشام الضبي
الكوفي، وإبراهيم النخعي .
قوله: ((بالحَجاجي)) أي : بالصاع الحجاجي نسبة إلى حجاج بن
يوسف، والصاع الحجاجي ثمانية أرطال بالبغدادي ، وروى ابن أبي شيبة
في ((مصنفه )) نا وكيع ، عن علي بن صالح ، عن أبي إسحاق ، عن
موسى بن طلحة ، قال: (( الحجاجي صاع عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - )) .
١٦٨١ - ص - نا محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري ،
نا صُرَدُ بن أبي المنازل، قال: سمعت حبيبا المالكي ، قال : قال رجل لعمران
ابن الحصين: (( يا أبا نُجَيد، إنكم لَتُحَدِّثُونا (٢) بأحاديث ما نَجِدُ لها أصلا
في القرآنِ ، فغَضِبَ عمرانُ ، وقال للرجل : أوجدتُم في كلِّ أربعينَ درهما
درهمٌ، ومن كلٌّ كذا وكذا شاةً شاةٌ ، ومن كذا (٣) وكذا بعيرا كذا وكذا ،
أوجدتُم هذا في القرآن ؟ قال: لا ، قال : فعمن (٤) أخذتم هذا؟ أَخذتُمُوه
عنا، وأخذناه عن نبيِّ الله - عليه السلام - وذكَرَ أشياءَ نحوَ هذا)) (٥) .
ش - محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ، قاضي البصرة .
وصُرُدُ بن أبي المنازل بضم الميم ، روى عن : حبيب المالكي ، روى
عنه : محمد بن عبد الله الأنصاري ، روى له : أبو داود ، والنسائي (٦).
-
(٢) في سنن أبي داود ((لتحدثوننا)).
(١) تفرد به أبو داود .
(٣) في سنن أبي داود ((ومن كل كذا)).
(٤) في سنن أبي داود بدون إدغام (( فعن من)).
(٥) تفرد به أبو داود .
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨٧٣/١٣).
- ٢١٧-

وصرد بضم الصاد المهملة ، وفتح الراء ، والمنازل بضم الميم ، وفتح
النون .
وحبيب بن فضالة ، ويقال : ابن أبي فضالة المالكي، روى عن: عمران
ابن حصين ، روى عنه: صُرُدُ بن أبي المنازل، روى له: أبو داود(١).
وأبو نجيد : بضم النون ، وفتح الجيم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي
آخره دال مهملة ، وهو كنية عمران بن الحصين .
قوله: (( أوجدتم)) الهمزة فيه للاستفهام ، ويستفاد من الحديث أن جميع
القضايا لا توجد في القرآن ، وأن الأحكام كما تثبت بالكتاب تثبت
بالسنة، وأن المقدرات الشرعية ليس للرأي فيها دخل .
٢ - بابُ: العُروض إذا كانت للتجارة هل فيها (٢) زكاة؟
أي : هذا باب في بيان العروض إذا أعدت للتجارة هل تجب فيها
الزكاة؟ والعروض - بضم العين - جمع عَرض - بفتح العين - وهو
المتاع، ليس فيه نقد .
١٦٨٢ - ص - نا محمد بن داود بن سفیان ، حدثني یحیی بن حسان ، نا
سلیمان بن موسی أبو داود ، نا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ، حدثني
خُبَيبُ بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ، عن سمرة بن جندب (٣):
((أمَّا بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كان يأمُرُنَا أن نُخْرِجَ الصدقَةَ من الذي نَعُدُّ
للبيع )) (٤) .
ش - محمد بن داودَ بن سفيان شيخ أبي داود ، والنسائي ، وهو غير
محمد بن داود بن أبي سفيان فإنه أيضا من شيوخ أبي داود ، والنسائي .
(١) المصدر السابق (١٠٩٦/٥). (٢) في سنن أبي داود ((هل فيها من زكاة)).
(٤) تفرد به أبو داود .
(٣) في سنن أبي داود ((قال)).
-٢١٨-

ويحيى بن حسان بن حيان التنيسي أبو زكرياء البصري ، وسليمان بن
موسى أبو داود الزهري الخراساني الأصل .
وجعفر بن سعد الفزاري أبو محمد ، وخُبيب - بضم الخاء المعجمة ،
وفتح الباء الموحدة - ابن سليمان بن سمرة بن جندب الفزاري .
قوله: / ((أما بعد))، هذا يسمى فصل خطاب، وقد قيل في قوله [٢٢٥/٢- أ]
تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) هو قوله : أما بعد ،
فأول من قالها داود - عليه السلام - وكلمة (( أما)) تتضمن الشرط ، فلهذا
دخلت ((الفاء)) في خبره، و ((بعد)) من الظروف الزمانية، وأصله
الإضافة ، فإذا قطع عنها لعلم المخاطب يبنى على الضم ، ويسمى غاية .
قوله: (( من الذي نعد للبيع )) من الإعداد ، وهو : التهيئة يقال : أعده
لأمر كذا : هيأه له ، وبالحديث استدلت العلماء أن المال الذي يعد للتجارة
إذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة من أي صنف كان، (((٢) والحديث
رواه المنذري أيضا ، وسكت عنه كما سكت أبو داود ، وقال عبد الحق في
((أحكامه)): خبيب هذا ليس بمشهور ، ولا يعلم روى عنه إلا جعفر بن
سعد ، وليس جعفر ممن يعتمد عليه ، وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر
هذا الحديث : رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، انتهى .
ورواه الدارقطني في ((سننه))، والطبراني في ((معجمه))، عن سمرة،
قال: (( كان رسول الله - [ صلى الله ] عليه وسلم - يأمر بالرقيق الرجل
والمرأة الذي هو تلاده ، وهم عملة لا نريد بيعهم أن لا نخرج عنهم
الصدقة ، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع )) .
٣ - باب: الكنز ما هو ؟ (٣)
أي : هذا باب في بيان الكنز ما هو ؟ الكنز : ما دفنه بنو آدم من
(١) سورة ص : (٢٠).
(٢) انظر: نصب الراية (٣٧٦/٢).
(٣) هذا الباب والذي بعده قد جمعا في سنن أبي داود في تبويب واحد ، وقد أفردا
هنا في نسخة المصنف .
-٢١٩-

الذهب ، والفضة ، والمعدن ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقها ،
مشتق من العدن وهو : الإقامة ، والركاز : يتناولهما من الركز ، وهو
الإثبات لغة ، يقال : ركز رمحه في الأرض إذا أثبته .
١٦٨٣ - ص - نا محمد بن عیسی ، نا عتاب ، عن ثابت بن عجلان ، عن
عطاء، عن أم سلمة، قالت: ((كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحاً من ذَهب ، فقلتُ :
يا رسولَ الله! أَكَنزٌ هُوَ؟ فقالَ : مَا بَلِغَ أن تُؤْدِّيَ زَكاتَه فَزَكِّيَ ، فليسَ
بگنز))(١).
ش - محمد بن عيسى بن الطباع .
وعتاب بن بشير أبو الحسن ، ويقال : أبو سهل الحراني الأموي
مولاهم، سمع إسحاق بن راشد الجزري ، وخصيف بن عبد الرحمن ،
وعلي بن بذيمة ، روى عنه : النفيلي ، وابن الطباع ، ومحمد بن سلام ،
وغيرهم ، قال ابن معين : هو ثقة ، مات سنة تسعين ومائة ، روى له
البخاري في المتابعات ، وأبو داود (٢) .
وثابت بن عجلان الشامي الأنصاري أبو عبد الله الحمصي ، وقيل : إنه
من أهل أرمنية ، روى عن : أنس بن مالك ، وعطاء بن أبي رباح ،
ومجاهد بن جبر ، وغيرهم ، روى عنه : محمد بن حمير الحمصي ،
وبقية بن الوليد ، وليث بن أبي سليم وغيرهم ، قال يحيى : ثقة ، وقال
أبو حاتم : لا بأس به ، روى له : البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه (٣) .
قوله: ((أوضاحا)) الأوضاح جمع وَضَح بفتحتين ، وهو نوع من الحلي،
يعمل من الفضة ، سميت به لبياضها ، ثم استعملت في التي تعمل من
الذهب أيضا ، وقيل : حلي من الدراهم الصحاح ، والوَضَح الدرهم
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٣٧٦٣/١٩).
(٣) المصدر السابق (٨٢٣/٤).
-٢٢٠-