النص المفهرس

صفحات 441-460

ابن يزيد بن جابر ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس ،
ومَنْ نظر ظاهر هذا الإسناد لم يَرْتَبْ في صحته لثقة رواته وشهرتهم ،
وقبول الأئمة أحاديثهم ، واحتجاجهم بها ، وحدّث بهذا الحديث عن
حسين الجُعْفي جماعةٌ من النُّبلاء ، وعلّته : أن حُسَين بن علي الجُعْفي لم
يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وإنما سمع من عبد الرحمن بن
يزيد بن تميم ، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا يحتج به ، فلما حدّثه
حسين الجُعفي غلط في اسم الجد فقال : ابن جابر ؛ بيّن ذلك الحُفّاظ
ونبّهوا عليه؛ قال البخاري في ((التاريخ الكبير )) : عبد الرحمن بن يزيد
ابن تميم السُّلَمي الشامي ، عن مكحول . سمع منه : الوليد بن مسلم ،
عنده (١) مناكير ، ويُقال : هو الذي روى عنه أهل الكوفة أبو أسامة ،
وحسين فقالوا : عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، وابن تميم أصحّ . وقال
عبد الرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم
فقال : عنده مناكير ، فقال : هو الذي روى عنه : أبو أسامة ، وحسين
الجُعفي وقالا : هو ابن يزيد بن جابر ؛ وغلطا في نسبه ؛ ويزيد بن تميم
أصح ؛ وهو ضعيف الحديث . وقال أبو بكر الخطيب : روى الكوفيون
أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر، ووهموا في ذلك . وقال موسى بن هارون الحافظ : روى أبو أسامة
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهما منه ، هو لم يلق
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ؛ إنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ،
فظن أنه ابن جابر ، وابن جابر ثقة ، وابن تميم ضعيف .
قوله : ((أَرَمت)) على وزن ضربتَ؛ وأصله: ((أرمَمْت)) أي: بليتَ
وصرتَ رميما ؛ فحذفوا إحدى الميمَيْن ؛ وهي لغة كما قالوا : ظَلت في
ظللت ، وقد مر الكلام فيه مستوفّى في (( باب الجمعة)).
(١) في الأصل: ((عدة)) خطأ، وانظر: ((التاريخ الكبير)) (٥/ الترجمة ١١٥٦).
- ٤٤١ -

٣٤٨ - بَابُ : النَّهْي أَنْ (١) يَدْعو الإنسانُ على أَهْله وماله
أي : هذا باب في بيان النهي عن دعاء الإنسان على أهله وعياله
وأمواله، وفي بعض النسخ: (( باب النهي عن دعاء الإنسان على أهله
وماله )) .
١۵٠٣ - ص - نا هشام بن عمار ، ویحیی بن الفضل ، وسليمان بن
عبد الرحمن قالوا : نا حاتم بن إسماعيل : نا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَة ،
عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر بن عبد الله قال : قال
رسول الله - عليه السلام -: ((لا تَدْعُوا على أنفسكُم ، ولا تَدْعُوا على
أولادِكُم ، ولا تدعوا على خَدَمِكُم ، ولا تدعوا على أموالِكُم ، لا تُوافِقُوا مِن
الله تعالى سَاعَةَ نَّلٍ فيها عطاءٌ فَيَسْجيبَ لكم (٢)) (٣) .
[٢/ ١٨١-١]
ش - / يحيى بن الفضل : السِجِسْتاني ، وسليمان بن عبد الرحمن :
التميمي الدمشقي ، وحاتم بن إسماعيل : الكوفي ، وأبو حَزْرَةً - بفتح
الحاء المهملة ، وسكون الزاي ، وفتح الراء - وقد مرّ مرةً.
قوله: ((على خدمكم)) الخدَم - بفتحتين - جمع خادمٍ ، ويقع الخادم
على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال
كحائض وعاتقٍ .
قوله : ((ساعة نيْل)) النَّيْل: الإصابة، مصدر من نال ينالُ، والمعنى :
ساعة إصابة فيها عطاء .
قوله: (فيستجيب لكم)) بالنَّصْب؛ لأنه جواب النهي، والمعنى (٤):
(١) في سنن أبي داود: (عن أن)).
(٢) جاء في سنن أبي داود بعد الحديث قوله: (( قال أبو داود : هذا الحديث متصل
الإسناد ، فإن عبادة بن الوليد بن عبادة لقي جابرا)) .
(٣) مسلم : كتاب الزهد والرقائق ، باب : حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر
(٣٠٠٩) .
(٤) مكررة في الأصل.
- ٤٤٢ -

إن كانت منكم موافقة الساعة التي فيها العطاء يكون من الله الاستجابة
لدُعائكم . والحديث : أخرجه مسلم في أثناء حديث جابر الطويل ؛
وليس فيه ذكر الخدم .
٣٤٩ - بَابُ: الصَّلاة على غَيْر النبي - عليه السلام -
أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة على غير النبي - عليه السلام -.
١٥٠٤ - ص - نا محمد بن عيسى : نا أبو عوانة ، عن الأَسْود بن قَيْس ،
عن نُبَيح العنزي ، عن جابر بن عبد الله ، أن امرأةً قالتْ للنبي - عليه
السلام -: صَلِّ عليّ وعلى زَوْجِي فقال النبي - عليه السلام -: ((صَلَّى اللهُ
عليك وعلى زَوْجك)) (١) .
ش - أبو عوانة : الوَضاح الواسطي ، والأسود بن قيس : العَبْدي
الكوفي .
ونبيح - بضم النون ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف،
وفي آخره حاء مهملة - ابن عبد الله العَنزِي الكوفي ، أبو عمرو . سمع:
جابر بن عبد الله ، وأبا سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمرو . روى عنه :
الأسود بن قيس ، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني ، قال
أبو زرعة : كوفي ، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس .
قلت : قد ذكر أبو داود ، رواية أبي خالد الدالاني (٢) عنه . روى له:
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
قوله: (( صلى الله عليك)) الصلاة من الله تعالى: الرحمة ، ومن
الملائكة : الاستغفار ومن المؤمنين : الدعاء .
وقد اختلف العلماء في الصلاة على غير الأنبياء ؛ فقال مالك ،
(١) الترمذي في ((الشمائل))، باب: ما جاء في إدام رسول الله اَلَه (١٨٠)،
النسائي: في ((عمل اليوم والليلة)).
(٢) في الأصل: ((الآتي)).
-٤٤٣ -

وأبو حنيفة ، والشافعي والأكثرون : لا يصلَّى على غير الأنبياء استقلالاً ،
لا يقال : اللهم صل على أبي بكر ، أو عمر ، أو عليّ ، أو غيرهم ؛
ولكن يُصلَّى عليهم تبعا ، فيقال : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
وأصحابه وأزواجه وذريته - كما جاءت الأحاديث . وقال أحمد وجماعة :
يُصلَّى على كل واحد من المؤمنين مستقلاً ، واحتجوا بهذا الحديث وبقوله
- عليه السلام -: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) وكان إذا أتاه قوم
بصَدقتهم صَلّى عليهم ، واحتج الأكثرون بأن هذا النوع مأخوذ من
التوقيف، واستعمال السلف ، ولم يُنقَل استعمالهم ذلك ؛ بل خصّوا به
الأنبياء كما خصوا الله تعالى بالتقديس والتَّسْبيح فيقال : قال الله سبحانه
وتعالى ، وقال الله تعالى ، وقال عز وجل ، وقال الله جلّت عظمته ،
وتقدست أسماؤه ، وتبارك وتعالى ونحو ذلك ، ولا يُقال : قال النبي
عز وجلّ وإن كان عزيزا جليلا ولا نحو ذلك . وأجابوا عن الأحاديث أن
ما كان من الله ورسوله فهو دعاء وترحم ، وليس فيه معنى التعظيمٍ
والتوقير الذي يكون من غيرهما . وكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿ إنّ
اللهَ وَمَلَاَئِكَتَهُ يُصَلَّونَ عَلَى النَبِيِّ﴾ الآية (١). وأما الصلاة على الأَل
والأزواج والذرية فإنما جاء على التبع لا على الاستقلال ، والتابع يحتمل
فيه ما لا يحتمل استقلالا
وقال الشيخ محيي الدين : اختلف أصحابنا في الصلاة على غير الأنبياء
هل يقال : هو مكروه أو مجرد ترك أدب ؟ والصحيح المشهور : أنه
مكروه كراهة تنزيه . وقال الشيخ أبو محمد الجُويني : والسلام في معنى
الصلاة ؛ فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء ، فلا
يقال : أبو بكر ، وعمر ، وعليّ - عليه السلام - ؛ وإنما يقال ذلك
خطابًا للأحياء والأموات ، فيُقال : السلام عليكم ورحمة الله ، والله
أعلم. والحديث : أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وإسناده حسنٌ .
(١) سورة الأحزاب : (٥٦) .
-٤٤٤-

٣٥٠ - بابُ الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الغَيْبِ
أي : هذا باب في بيان الدعاء لأخيه بظهر الغيب أي : في سِرّه .
١٥٠٥ - ص - نا رجاء بن المرجَّى : نا النَّضر بن شُمَیل : نا موسى بن
ثروان : حدثني طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز : حدثتني أم الدرداء قالت :
حدثني سيّدي، أنه سمعَ رسولَ اللهِ - عليه السلام - يقولُ: ((إذا دَعَى
الرجلُ لأخيه بظهرِ الغيْبِ قالت الملائكةُ: آمين ولك بمثل )) (١) .
[١٨١/٢ -ب]
/ ش - النضر بن شُميل: ابن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي المازني
أبو الحسن البصري ، سكن مَرْو . سمع : إسماعيل بن أبي خالد ،
وهشام بن عروة ، وعبد الله بن عون ، وشعبة وغيرهم . روى عنه :
إسحاق بن راهويه ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني وغيرهم . وقال
ابن أبي حاتم : سُئل أبي عنه فقال : ثقة ، صاحب سُنَّة . توفي سنة
أربع ومائتين . روى له : الجماعة .
ومُوسى بن ثروان - بالثاء المثلثة - ويقال : ابن شروان ، ويقال : ابن
مروان المعلم العجلي . روى عن : أبي المتوكل الناجي ، وطلحة بن
عبيد الله بن كريز ، وبديل بن ميسرة وغيرهم . روى عنه (٢) : شعبة ،
وابن المبارك ، والنضر بن شميل وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى
له: مسلم متابعةً ، وأبو داود .
وطلحة بن عبيد الله بن كريز - بفتح الكاف وكسر الراء - ابن جابر بن
ربيعة بن هلال أبو المطرف الكوفي . روى عن : ابن عُمر، وأبي الدرداء،
وعائشة ، وأم الدرداء الصغرى . روى عنه : أبو حازم الأعرج ، وحميد
الطويل ، ومحمد بن إسحاق ، وموسى بن ثروان وغيرهم ، قال ابن
معین : ثقة . روی له : مسلم ، وأبو داود .
(١) مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : فضل الدعاء للمسلمين
بظهر الغيب ٨٧ - (٢٧٣٢).
(٢) مكررة في الأصل .
- ٤٤٥-

وأم الدرداء هذه : الصغرى تابعية ، واسمها : هُجيمة ويقال : جُهيمة ،
ويقال : جمانة بنت حُيي الأوصابية ، ويقال : الوصابيّة ؛ والوَصَابُ :
بطن من حمير ، زوجة أبي الدرداء وهي التي مات عنها فخطبها معاوية
فلم تفعل ، وهي أم بلال بن أبي الدرداء . سمعت : أبا الدرداء ،
وأبا هريرة ، وعائشة الصديقة . روى عنها : جُبير بن نفير ، ورجاء بن
حيوة ، وأبو قلابة الجرمي ، وجماعة آخرون كثيرة . روى لها : مسلم ،
وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .
وأما أم الدرداء الكبرى : فاسمها : خيرة ، لها صحبة وليس لها في
الکتابین حدیث .
قوله : (( حدثني سيّدي أنه )) أرادت به زوجها أبا الدرداء . وفيه جواز
دعوى المرأة زوجها بسيّدي . وذكر خلف الواسطي في تعليقه هذا الحديث
في مسند أم الدرداء عن رسول الله - عليه السلام - ؛ لظاهر رآه في
«صحيح مسلم » وقد ذكر مسلم قبل ذلك وبعده ما يدل على أنه من روايتها
عن أبي الدرداء عن رسول الله - عليه السلام - ، وقد نبّه على هذا غير
واحد من الحُفّاظ .
قوله: (( بظهر الغيب)) أي : في سرّه وبغير حضوره ، كأنه من وراء
معرفته ومعرفة الناس ؛ لأنه دليل على إخلاص الدعاء له كمثل ما يجعله
الإنسان وراء ظهره ، ويَسْتره عن أعين الناس .
قوله: ((ولك بمثل)) - بكسر الميم وسكون الثاء - و (( بمَثَل)) - بفتحهما
أي : لك من الأجر بدعائك مثل ما دعوتَ له فيه ورغبتَ ، ويُقال : مثْله
ومَثَلُه ومَثَيله بمعنَّى .
١٥٠٦ - ص - نا أحمد بن عمرو بن السَّرْح : أنا ابن وهب : حدثني
عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص، أن رسولَ الله - عليه السلام - [ قال]: ((إِن أَسْرَعَ الدَّعَاء إجابةً:
دَعْوةُ غائب لغائب )) (١)
(١) الترمذي : كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في دعوة الأخ لأخيه بظهر
الغيب (١٩٨٠) .
-٤٤٦-

ش - عبد الرحمن بن زياد : الأفريقي ، وأبو عبد الرحمن : عبد الله
ابن يزيد الحُبُلي . والحديث أخرجه : الترمذي ، وقال : حديث غريب لا
نعرفه إلا من هذا الوجه ، والأفريقي ضعيف في الحديث . وإنما كان هذا
الدعاء أسْرَع إجابة لأنه يصدر عن إخلاصٍ .
١٥٠٧ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر،
عن أبيٍ هريرة، أن النبيَّ - عليه السلام - قال: ((ثلاثُ دَعَوات مُستَجاباتٌ
لا شَكَّ فيهنَّ: دَعوةُ الوالد، ودَعْوةُ المسافرِ، ودعوةُ المظلوم)) (١) .
ش - هشام : ابن أبي عبد الله الدستوائي ، ويحيى : ابن أبي كثير ،
وأبو جعفر : قال الترمذي : وأبو جعفر الذي روى عن أبي هريرة يقال
له: أبو جَعْفر المؤذن ولا يُعرف اسمُه . وقد روى عنه : يحيى بن أبي كثير
غير حديث . وذكر المزّي في ((الأطراف)) قال : ويقال : إن أبا جعفر هذا
هو محمد بن علي بن الحسين . قال : وقد رواه - يعني : الحديث -
محمد بن سليمان الباغندي الكبير ، عن أبي عاصم وقال : عن أبي جعفر
محمد بن علي . والحديث أخرجه : الترمذي ، وابن ماجه ، وقال
الترمذي : حديث حسنٌ .
٣٥١ - بَابٌ: ما يَقُول الرجلُ إذا خافَ قوْمًا
أي : هذا باب في بيان ما يقول الرجل إذا خاف عن قوم ظلمة أو عَدوّ.
[١٨٢/٢- أ]
١٥٠٨ - ص - نا محمد بن المثنى : نا معاذ بن هشامٍ: / حدثني أبي ، عن
قتادة ، عن أبي بردة بن عبد الله ، أن أباه حدَّثه ، أن النبيّ - عليه السلام - كان
إذا خَافَ قومًا قال: ((اللهمّ إِنّا نَجعَلُكَ فِي نُحُورِهم ، ونعُوذُ بك من
شرُورِهمْ)) (٢) .
(١) الترمذي : كتاب البر والصلة، باب : ما جاء في دعوة الوالدين (١٩٠٥)
وكتاب الدعوات ، باب : حدثنا محمد بن بشار (٣٤٤٨) ، ابن ماجه : كتاب
الدعاء ، باب : دعوة الوالد ودعوة المظلوم (٣٨٦٢) .
(٢) النسائي في الكبرى : كتاب السير ، وفي عمل اليوم والليلة .
-٤٤٧-

ش - معاذ بن هشام : ابن أبي عبد الله - سنْبر - الدَّسْتوائي البصري ،
وأبو بردة بن عبد الله : ابن قيس أبي موسى الأشعري .
قوله: (( نجعلك في نحورهم )) يقال : جعلتُ فلانا في نحر العدو ،
أي: قبالته وحذاءه ؛ وتخصيص النحر بالذكر لأن العدو يستقبل بنحره عند
المناهضة للقتال ، والمعنى : نسألك أن تتولانا في الجهة التي يُريدون أن
يأتونا منها ، ونتوقى بك عما يواجهوننا به ، فأنت الذي تدفع شرورهم ،
وتكفينا أمرهم ، وتحولُ بيننا وبينهم ، ولعله اختار هذا اللفظ تفاؤلا بنحر
العدو - أعني : قتلهم - مع ما أراد من المعنى الذي ذكرناه .
فإن قيل : النبي - عليه السلام - محفوظ من شر الإنس والجنّ بحفظ
الله إياه ، ومؤيَّدٌ بالملائكة ، فكيف يجوز أن يخاف قومًا وهم أعداء الله
تعالى ؟ قلت : هنا ثلاثة أجوبة ؛ الأول : أن الطبيعة البشريّة من
خواصّها: الخوف مع قطع النظر عن العارض ، والثاني : يجوز أن يكون
خوفه على صحابته ، والثالث : أن هذا تعليم لأمته أنهم إذا خافوا قومًا
يدعون بهذا الدعاء ، وهذه الأجوبة لاحَتْ لي في هذا المقام من الأنوار
الربانية ، فإن ذكرها أحد غيري يكون من توارد الخواطر والاتفاقيات .
والحديث أخرجه : النسائي .
٣٥٢ - بَابُ الاسْتِخَارَة
أي : هذا باب في بيان الاستخارة ، وهو طلب الخيرة في الشيء .
١٥٠٩ - ص - نا عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وعبد الرحمن بن مقاتل
خالُ القعنبي ، ومحمد بن عيسى - المعنى واحد - قالوا : نا عبد الرحمن بن
أبي الموال : حدثني محمد بن المنكدر ، أنه سمع جابر بن عبد الله قال : كان
رسولُ الله - عليه السلام - يُعَلِّمُنَا الاستخارة كما يُعلِّمُنَا السورةَ من القرآن
يَقُولُ لَنا : ((إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمرِ فليركعْ ركعتَّيْنِ من غيرِ الفريضة ، وليقلْ:
اللهمَّ إني أستَخيرُكَ بعلمكَ ، وأستَقْدرُكَ بِقُدرَتَكَ ، وأَسأَلُكَ من فضلكَ
-٤٤٨-

العظيم . فإنك تَقْدرُ ولا أقدرُ ، وتعلَمُ ولا أَعلمُ ، وأنتَ علَّمُ الغُيوبِ ،
اللهمَّ فإن (١) كُنْتَ تَعلمُ أن هذا الأمْرَ - يُسَمِّيْه بعيْنِهِ الذي يُريدُ - خيرٌ لي
فِي دِينِي ومَعَاشِي ومَعَادِي وعَاقبةٍ أَمْرِي، فاقدُرْهُ لِي، وَيَسِّرُهُ لي، وبارِكْ ليَ
فيهِ ، اللهم وإن كنتَ تَعْلَمُهُ شرالي - مثلَ الأوّلِ - فاصرِفْني عنه، واصْرِفْهُ
عِنِّي واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كانَ ، ثم رَضِّني به ، أو قال : في عَاجِلِ أَمْرِي
وآجله )) . قال ابنُ مسلمةَ ، وابنُ عيسى ، عن محمد بن المنكدرِ ، عن
(F)-
جابر(
ش - عبد الرحمن بن مقاتل : أبو سهل التستري خالُ القعنبي ، سكن
البصرة . سمع : مالك بن أنس ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي ،
وعبد الملك بن قدامة وعبد الله العُمري . روى عنه : أبو داود ، قال
أبو حاتم : صدوق .
وعبد الرحمن بن زيد بن أبي الموال ، والمشهور : عبد الرحمن بن
أبي الموال المدني القرشي مولى علي بن أبي طالب. روى عن: عبد الرحمن
ابن أبي عمرة ، ومحمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن المنكدر وغيرهم .
روى عنه : الثوري ، وابن المبارك ، والقعنبي وغيرهم ، قال أحمد : لا
بأس به ، وقال ابن معين : ثقة . روى له : الجماعة إلا مُسلما .
قوله: ((إذا هم)) أي : إذا قصد .
قوله: (( بالأمر)) أي: بأمر من الأمور مثل السفر والنكاح ، وشراء
العبد، وطلب الحاجة ونحو ذلك .
قوله: (( فليركع )) أي : فليصل ركعتين ، وقد يذكر الركوع ويراد به
(١) في سنن أبي داود: ((إن)).
(٢) البخاري: كتاب التهجد، باب: ما جاء فى تطوع مثنى مثنى (١١٦٢)،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة الاستخارة (٤٨٠) ،
النسائي : كتاب النكاح ، باب: كيف الاستخارة ؟ (٣٢٥٣) ، ابن ماجه :
كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة الاستخارة (١٣٨٣).
1
٢٩ ٥ شرح سنن أبي داوود ٥
-٤٤٩-

الصلاة ، كما يذكر السجود ويراد به الصلاة ؛ من قبيل ذكر الجزء وإرادة
الكل .
قوله : (( من غير الفريضة)) يعني : تكون تلك الركعتان من النوافل.
قال الشيخ محيي الدين : الظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب
وتحية المسجد وغيرها من النوافل .
قلت : قد نظر في ذلك إلى ظاهر اللفظ؛ ولكن السنن تابعة للفرائض،
فإذا استثنيت الفرائض تُسْتثنى السنن معها تبعا لها ، فيكون المراد ركعتين من
النافلة المحضة . وقال : يقرأ في الأولى ﴿ قُلْ يَا أَيَّها الكَافِرُونَ ﴾ ، وفي
[١٨٢/٢ -ب] الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ويستحب / افتتاح الدعاء المذكور وختمه
بالحمد لله ، والصلاة والتسليم على رسول الله .
قوله: ((أستخيرك)) أي : أطلب منك الخير فيما هممت به ، وأن تُخير
لي أَصلح الأَمْرين ﴾ أي : تَختاره - لأنك عالم به وأنا جاهل .
قوله : ((وأَسْتقدرك)) أي: أطلب أن تُقدرَ لي على أَصلح الأمرين ، أو
أطلب منك القدرة على ما نويتُه ؛ فإنك قادر على إقداري عليه ، أو تقدر
لي الخير بسبب قدرتك عليه ، والباء للسبيّة في الموضعين.
قوله: (( يُسَمّيه بعَيْنه الذي يريدُ)) معترض بين اسم ((إن )) وخبرها ،
أي: يُسمِّي الأمر الذي قصده بعينه ، مثلا يقول : اللهم إن كنت تعلم أن
هذا السفر خيرٌ لي ، أو هذا النكاح ، أو هذا البيع ونحو ذلك .
قوله : (( في ديني )) يعني : إن كان فيه خير يرجع لديني ولمعاشي وعاقبة
أمري ، وإنما ذكر عاقبة الأمر لأنه رُبَّ شيء يَهمّه الرجلُ يكون فيه خير في
تلك الحال في الظاهر ؛ ولكن لا يكون له خير في آخر الأمر ؛ بل ينقلب
إلى عكسه؛ فلذلك زاد - عليه السلام - في الدعاء بقوله ((وعاقبة أمری)).
قوله : ((فاقدُره )) - بضم الدال - أي : اقض لي به وهَيّتْهُ .
قوله : ((مثل الأول)) أي: يقول مثل ما قال في الأول، يقولُ: ((اللهم
- ٤٥٠-

وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري فاصرفني
عنه )) أي : أقلعه من خاطري أن لا أهمّه بعد ذلك.
قوله: (( واصرفه عني )) أي : لا تقض لي به ، ولا ترزقني إياه.
قوله: (( حيث كان )) أي : حيث كان الخيرُ .
قوله : (( ثم رضّني به )) أي : ثم اجعلني راضيا بذلك ، أي : بخيرك
المقدور . والحديث أخرجه : البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه بنحوه .
٣٥٣ - بَابٌ: في الاسْتعَاذة
أي : هذا باب في بيان الاستعاذة .
١٥١٠ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع : نا إسرائيل ، عنٍ
أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمرَ بن الخطّاب قال : كان النبي
-عليه السلام - يَتعوّذُ من خَمْس: من الجُبْن ، والبُخل ، وسُوءِ العَمرِ ،
وفتْنة الصَّدْرِ، وعَذابِ القبرِ)) (١).
ش - إسرائيل : ابن يونس ، وأبو إسحاق : السبيعي .
قوله : ((الجُبن)) - بضم الجيم ، وسكون الباء - الخوف، والجُبن الّذِي
يُؤكل - أيْضًا - وفيهما جاء ضم الباء ، ويقال : الذي يؤكل : جبنّ
- بتشديد النون - ووجه استعاذته - عليه السلام - من الجبن والبخل لما
فيهما من التقصير عن أداء الواجبات ، والقيام بحقوق الله تعالى ، وإزالة
المنكر، والإغلاظ على العصاة ، ولأن بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم
العبادات، ويقومُ بنصر المظلوم ، وبالسلامة من البخلِ يَقوم بحقوق المال ،
وينبعث للإنفاق والجود ومكارم الأخلاق ، ويمتنع من الطمع فيما ليس له.
(١) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من فتنة القبر (٢٦٢/٨)،
وباب: الاستعاذة من فتنة الدنيا (٢٦٦/٧)، ابن ماجه: كتاب الدعاء، باب:
ما تعوذ منه رسول الله گچ﴾ (٣٨٤٤).
- ٤٥١-

قوله: ((وسُوء العُمر)) أرادَ به الخَرَف؛ والخرَفُ - بفتح الراء - فسادُ
العقل من الكبر ، وقد خرِف الرجل - بالكسر - فهو خَرِفٌ ؛ وإنما
استعاذَ منه لأنه حالةٌ يختلّ فيها أشرف الأشياء الذي هو العقل ، ويَعْجز به
عن أداء العبادات .
قوله : (( وفتنة الصَّدْر)) يجوز أن يكون المراد بها : ما يحصل فيه من
الوساوس الشيطانيّة ، ويجوز أن يكون المراد : ما يكون فيه من الهمم إلى
المعاصي ، واكتساب الآثام ونحو ذلك ؛ وذلك لأن الصدر فيه القلبُ ،
وهو مَحل هذه الأشياء ، وهو الأصل في أعمال سائر الأعضاء حتى إذا
صلح هو صلحت الأعضاء ، وإذا فسد فسدت الأعضاء على ما جاء في
الحديث .
قوله: ((وعذاب القبر)) فيه إثبات عذاب القبر ، ردّاً على المعتزلة.
والحديث : أخرجه النسائي ، وابن ماجه .
١٥١١ - ص- نا مسدد: نا المعتمر قال : سمعت أبي قال : سمعت أنس
ابن مالك يقول : كان رسول الله - عليه السلام - يقول: (( اللهم إني أعوذُ
بك من العجز والكسَلِ ، والجُبْنِ والبُخْلِ، والهَرَمِ ، وأعوذُ بك من عذابِ
القبرِ ، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممات)) (١).
ش - المعتمر : ابن سليمان ، وأبوه : سليمان بن طرخان .
قوله: (( من العجز)) وهو عدم القدرة على الخير ، وقيل: هو ترك ما
يجب فعله والتسويف به .
قوله: (( والكسل )) وهو عدم انبعاث النفس للخير ، وقلة الرغبة فيه مع
إمكانه .
قوله: ((والهرم)) - بفتح الهاء والراء - كِبَر السنّ ؛ وقد هرِم الرجل
-بالكسر - وأهرَمه اللهُ فهو هَرِمٌ ، وقوم هرْمَى .
(١) البخاري: كتاب الدعوات ، باب: التعوذ من فتنة المحيا والممات (٦٣٦٧) ،
مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : التعوذ من العجز
والكسل وغيره (٢٧٠٦) ، النسائى : كتاب الاستعاذة ، باب : الاستعاذة من
الهم (٢٥٨/٨) .
-٤٥٢-

[١٨٣/٢-٢]
قوله: ((وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)) أي: من/ فتنة الحياة والموت.
واختلفوا في المراد بفتنة الموت ؛ فقيل : فتنة القبر ، وقيل : يحتمل أن
يراد به الفتنة عند الاحتضار ، قالوا : واستعادته - عليه السلام - من هذه
الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله وشرعه - أيضًا - لتعليم أُمته .
والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
١٥١٢ - ص - نا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد قالا : نا يعقوب بن
عبد الرحمن - قال سعيد : الزهري - ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أنس
ابن مالك قال : كنتُ أخدمُ النبيَّ - عليه السلام - فكنتُ أسمَعُهُ كثيراً يقولُ :
((اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحُزْنِ وضِلِعِ الدَّينِ وغَلَبَةِ الرجالِ )) . وذكر
بعضَ ماذكره التَّيْميُّ (١) .
ش - يعقوب بن عَبد الرحمن : ابن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ
- بتشديد الياء - .
وسعيد (٢) : ابن خالد بن قارظ القارظي المدني الزهري . روى عن :
ربيعة بن عماد الديلي ، وسعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن
وغيرهم . روى عنه : الزهري ، وابن أبي ذئب ، ومحمد بن إسحاق بن
يَسار وغيرهم ، قال الدارقطني : مدني يحتج به ، قال ابن سَعْد : توفي
في آخر سُلْطان بني أمية ، وله أحاديث . روى له : أبو داود ، والنسائي،
وابن ماجه .
قوله: ((وضلع الديْن )) أي: ثقله، والضَلعُ: الاعوجاج، أي: يُثقله
حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال ، يقال : ضلع - بالكسر - يضلع
(١) البخاري : كتاب الدعوات ، باب: الاستعاذة من الجبن والكسل (٦٣٦٩) ،
· الترمذي: كتاب الدعوات ، باب رقم (٧١) (٣٤٨٤)، النسائي: كتاب
٠٠٠٠
الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الهم (٢٥٧/٨) و(٢٦٥/٨، ٢٧٤).
(٢) كذا ترجم المصنف لراوٍ آخر ، وإنما المقصود هو سعيد بن منصور ، والله أعلم.
-٤٥٣-

ضَلَعًا - بالتحريك - وضَلَع - بالفتح يضلَع ضَلْعًا - بالتسكين - أي :
مال .
. قوله: (( ما ذكره التيمي )) أي: سليمان بن طرخان التيمي الذي ذكر في
الحديث الماضي ، وهو والد المعتمر . والحديث : أخرجه البخاريّ ،
والترمذي ، والنسائي .
١٥١٣ - ص - نا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن طاوس،
عن عبد الله بن عباس ، أن رسول الله - عليه السلام - كان يعَلِّمُهُم هذا
الدُّعاءَ كما يُعلِّمُهُمُ السورة من القرآن يَقولُ: «اللهم إني أعوذُ بكَ من
عذاب جهنمَ ، وأعوذُ بك من عذاب القبر ، وأعوذُ بك من فتنةِ المسيحِ
الدجال، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممَت)) (١).
ش - أبو الزبير : محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي .
قوله: ((كان يُعلمهم)) أي: يُعلّم الصحابة ، وقد مر الكلام في المسيح
الدجال في (( كتاب الصلاة في باب التشهد )) . والحديث : أخرجه مسلم،
والترمذي، والنسائي ..
١٥١٤ - ص - نا إبراهيم بن موسى الرازي : أنا عيسى : نا هشام ، عن
أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، أن النبيّ - عليه السلام - كان يَدْعُو
بهؤلاء الكلمات : (( اللهم إني أعوذُ بك من فتنة النارِ ، وعذاب النار ، ومن
شرِّ الغَنَا والفقرِ)) (٢).
(١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : ما يستعاذ منه في الصلاة
(٥٩٠) ، الترمذي: كتاب الدعوات، باب رقم (٧٧) (٣٤٩٤)، النسائي:
كتاب الجنائز ، باب : التعوذ من عذاب القبر (١٠٤/٤).
(٢) البخاري : كتاب الدعوات ، باب: التعوذ من فتنة الفقر (٦٣٧٧)، مسلم :
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : التعوذ من شر الفتن وغيرها
(٥٨٩) ، الترمذي: كتاب الدعوات، باب: ٧٧ (٣٤٩٥)، النسائي: كتاب
الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر فتنة الغنى (٢٦٦/٨)، ابن ماجه:
كتاب الدعاء، باب: ما تعوذ منه رسول الله اَلر (٣٨٣٨).
- ٤٥٤-

ش - عيسى : ابن يونس ، وهشام : ابن عروة .
قوله: (( من فتنة النار )) أراد بها الذنوب والأعمال السيئة التي تكون سببا
لدخول النار .
قوله: ((ومن شر الغنا)) شر الغنا : أن يرزق مالا ولم يرزق هداية إلى
إخراج ما أوجب الله عليه فيه من الصدقات ، والصرف في مصارفه
الشرعية . وشر الفقر : قيل : فقر النفس ، وقيل : فقر المال ، وشره :
أن لا يرزق صبراً على ذلك . والحديث أخرجه : البخاري ، ومسلم ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه بنحوه أتم منه .
١٥١٥ - ص - نا موسى بن إسماعيل: نا حمّاد : أنا إسحاق بن عبد الله ،
عن سعيد بن يَسَار، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله وَِّ كان يقولُ: ((اللهم
إني أعوذُ بكَ من الفَقْرِ والقلَّةِ والذَّلَّةَ، وأعوذُ بك مَنَ أنْ أَظلِمَ أو أُظْلِمَ))(١).
ش - حماد : ابن سلمة ، وإسحاق بن عبد الله : ابن زيد الأنصاري ،
وسعيد بن يَسَار : أبو الحُبَاب المدني .
قوله: ((والقلّة)) يجوز أن تكون تفسيرا لقوله ((الفقر)) إذا أريد بالفقر
فقر المال ، وإذا أريد بالفقر فقر النفس يكون المراد من القلة الفقر - أعني:
فقر المال - .
فإن قيل : قد ثبتت أحاديث كثيرة بفضل الفقر ، فكيف تصحّ الاستعاذة
منه ؟ قلت : المراد منه : الفقر الذي يكون فيه التسخط وقلة الصبر ، أو
الوقوع في الحرام ، أو شبهة للحاجة ، وأما الفقر الذي فيه القناعة
والصبر والرضا ، فذاك مما كانت الأنبياء - عليهم السلام - يفتخرون به ،
ثم مَن بعدهم من الصلحاء والزهداء .
قوله: (( من أن أظلم)) - بفتح الهمزة - أي : أظلم غيري .
قوله : (( أو أُظلم)) - بضم الهمزة وفتح اللام - أي : أو يظلمني غيري،
والمعنى : وأعوذ بك من أن أكون ظالما أو مظلومًا . والحديث أخرجه :
النسائي ، وابن ماجه من حديث جعفر بن عياض / عن أبي هريرة .
[٢ /١٨٣ -ب]
(١) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الذلة (٢٦١/٨).
- ٤٥٥-

١٥١٦ - ص - نا ابن عوف : نا عبد الغفار بن داود : نا يعقوب بن
عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال :
كان من دعاء رسول الله - عليه السلام -: ((اللهم إني أعوذُ بكَ من زَوَال
نعمَتَكَ، وتحوَّل عافيتكَ، وفُجَاءَةِ نقمَتَكَ، وجميع سخطكَ)) (١) .
ش - محمد : ابن عوف الحمصي .
وعبد الغفار بن داود : ابن مهران بن زياد بن داود بن سليمان بن عمير
أبو صالح الحراني ، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة ، وخرج به أبوه إلى
البصرة وهو طفل ، وكانت أمه من أهلها فنشأ بها ، وتفقه وسمع الحديث
بها من حماد بن سلمة ، ثم رجع إلى مصر مع أبيه ، فسمع من : الليث
ابن سَعْد ، وابن لهيعة ، ويَعْقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني . روى
عنه : ابن عوف وغيره ، وتوفي بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين .
قوله: ((وفجاءة نقمتك)) - بضم الفاء ، وفتح الجيم والمدّ، وبفتح
الفاء وسكون الجيم - مقصورة - على وزن ضربة لغتان بمعنى البَغْتة من
غير مقدمة ، والنقمة : بكسر النون ، وسكون القاف مثل نِعْمة ، ويُقال :
نَقِمة: بفتح النون ، وكسر القاف مثل كلمة . والحديث أخرجه : مسلم .
ورواه عن أبي زرعة الرازي أحدٍ حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظا - ولم يرو
مسلم في (( صحيحه )) عنه غير هذا الحديث ، وهو من أقران مسلم ،
توفي بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين .
١٥١٧ - ص - حدثني عمرو بن عثمان : نا بقية : نا ضبارة بن عبد الله بن
أبي السَّليك ، عن دويد بن نافع : نا أبو صالح السمان قال : قال أبو هريرة
- رضي الله عنه -: إن رسولَ الله وَ ل﴿ كان يدْعو يَقولُ: ((اللهم إني أعوذُ بك
من الشِّقاق والنِّفَاقِ، وسُوءِ الأخلاقِ)) (٢).
(١) مسلم : كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : أكثر أهل الجنة
الفقراء، وأكثر أهل النار النساء ، وبيان الفتنة بالنساء ٩٦ - (٢٧٣٩).
(٢) النسائي : كتاب الاستعاذة ، باب : الاستعاذة من الشقاق والنفاق وسوء
الأخلاق (٢٦٤/٨) .
- ٤٥٦-

ش - بقية : ابن الوليد .
وضبارة - بضم الضاد المعجمة وكسرها ، وفتح الباء الموحدة بعدها ألف
وبعدها راء - ابن عبد الله بن أبي السّليك أبو شريح الشامي الحضرمي .
روى عن : دويد بن نافع . روى عنه : بقية ، قال السعدي : روى
حديثا معضلا . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .
ودُوَيَد - بضم الدال المُهْملة ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر
الحروف، وفي آخره دال - أيضا - ابن نافع القرشي الأموي مولاهم ،
أبو عيسى الدمشقي ، ويقال : الحمصي . روى عن : أم هانئ بنت
أبي طالب ، وعروة بن الزبير ، وأبي صالح السمّان ، والزهري وغيرهم.
روى عنه : أخوه مسلمة بن نافع ، وضبارة بن عبد الله ، وابنه : عبد الله
ابن دُوَيَد ، قال أبو حاتم : هو شيخ . روى له : أبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه .
قوله: ((يَقُول)) بدل من قوله ((يدعو)) . والشقاق: الخلاف والعداوة.
والنفاق : يجوز أن يراد به المعنى المخصوص ؛ وهو الذي يَسْتر الكفر
ويظهر الإيمان ، ويجوز أن يراد به الرياء كقوله - عليه السلام -: (( أكثر
منافقي هذه الأمة قُراؤها)) أراد بالنفاق هاهنا الرياء ؛ لأن كليهما إظهار غير
ما في الباطن، ويجوز أن يراد به النفاق المذكور في قوله: (( آية المنافق
ثلاث)) الحديث . والأخلاق : جمع خُلق - بضم اللام وسكونها - وهو
الطبع والسجية. والحديث أخرجه: النسائي. وفي ((مختصر السنن)):
في إسناده بقية ، ودُوَيْد بن نافع ، وفيهما مقال .
١٥١٨ - ص - نا محمد بن العلاء: أنا (١) ابن إدريس ، عن ابن
عجلان، عن المقبري ، عن أبي هريرةَ قال : كان رسولُ الله - عليه السلام -
يقولُ : ((اللهم إني أَعُوذُ بكَ مِنِ الجُوعِ؛ فإنه بئس الضَّحِيعُ، وأعوذُ بكَ من
الخيانةِ؛ فإنها بِئستِ البِطَانَةُ )) (٢)
(١) في سنن أبي داود: ((عن)).
(٢) النسائي: كتاب الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الخيانة (٢٦٣/٨).
٣٠ • شرح سنن أبي داوود ٥
-٤٥٧-

ش - عبد الله : ابن إدريس، ومحمد : ابن عجلان، وسعيد : المقبري.
قوله: ((فإنه)) أي : فإن الجوع بئس الضجيع ؛ والضجيع : الذي
يُضاجعك، من ضجع إذا وضع جنبه على الأرض يضجع ضجعًا
وضجوعًا فهو ضاجع ، وأضجع مثله وأضجَعْتُه أنا .
قوله: (( بئست البطانة)) بطانة الرجل : صاحب سِرّه وداخلة أمره ،
الذي يُشاورُه في أمره وأحْواله . والحديث أخرجه : النسائي .
١٥١٩ - ص - ناقتيبة بن سعيد: نا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري ، عن أخيه : عبّاد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقولُ: كان رسولُ
[١٨٤/٢-١] الله / - عليه السلام - يقول: (( اللهم إني أعوذُ بك من الأَرْبعِ: من علم لا
يَنفَعُ، ومن قلبٍ لا يَخْشِعُ، ومن نفسٍ لا تَشْبِعُ، ومِن دعاءٍ لا يُسْمِعُ )) (١).
ش - عباد - بتشديد الباء - بن كيسان ، وهو ابن أبي سعيد المقبري .
روى عن : أبيه . روى عنه : أخوه : سعيد . روى له : أبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه .
قوله: ((من علم لا ينفع)) العلم الذي لا ينفع وبال وحَسْرة كمثل الحمار
الذي يحمل أسفارا . والقلب الذي لا يخشع : قلب قاسٍ لا ينقاد
للطاعة، ولا لأمور الشريعة . والنفس التي لا تشبع : استعارةٌ من الحرص
والطمع والشَّرَه، وتعلّق النفس بالآمال البعيدة . والدُّعاء الذي لا يُسمَعُ:
أي لا يُستجاب كلا دعاء ، وجوده وعدمه سواء . هذا الحديث وغيره من
الأدعية المَسْجُوعة دليل لما قاله العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو
المتكلَّف ؛ فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ، ويُلْهِي عن الضراعة
والافتقار وفراغ القلب ، فأما ما حصل بلا كلفة ، ولا إِعْمال فكرٍ لكمال
(١) النسائي: (٢٦٣/٨) كتاب الاستعاذة، باب : الاستعاذة من نفس لا تشبع
(٢٦٣/٨)، وباب: الاستعاذة من دعاء لا يسمع (٢٨٤/٨)، ابن ماجه :
كتاب الدعاء ، باب: دعاء رسول الله وَالر (٣٨٣٧).
-٤٥٨-

الفصاحة ونحو ذلك ، أو كان محفوظا فلا بأس به ؛ بل هو حسَنُ .
والحديث أخرجه : النسائي ، وابن ماجه . وأخرجه مسلم في (( صحيحه ))
من حديث زيد بن أرقم ، عن رسول الله - عليه السلام - بنحوه أتم منه.
وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول
الله - عليه السلام - ، وقال : حديث حسن صحيح غريب من هذا
الوجه.
١٥٢٠ - ص - نا محمد بن المتوكل : نا المعتمر قال : قال أبو المعتمر :
أُرَى أن أنس بن مالك حدثنا أن رسولَ الله - عليه السلام - كان يقول :
((إني (١) أعوذُ بك من صلاة لا تنفعُ )) وذكر دعاءً آخرَ (٢) .
ش - المعتمر : هو ابن سليمان ، وأبو المعتمر : سُليمان بن طرخان
التيمي ، والد المعتمر .
قوله: ((أرى)) على صيغة المجهول ، أي: أظن أن أنس بن مالك .
وقد اتفق البخاري ، ومسلم على الاحتجاج بحديث أبي المعتمر ، غير أنه
لم يُجزَمْ بسماعه من أنس بن مالكٍ .
١٥٢١ - ص -نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن منصور ، عن هلال
ابن يساف ، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال : سألت عائشةَ أمَّ المؤمنين
- رضي الله عنها - عما كان رسولُ الله يدعو به، قالت: كان يقول: ((اللهم
إني أعوذ بك من شَرِّ ما عملتُ، ومنَ شرِّ ما لم أَعْمَلْ)) (٣).
ش - جرير : ابن عبد الحميد ، ومنصور : ابن المعتمر .
وفَرْوة بن نوفل الأشجعي : روى عن : أبيه ، وعائشة زوج النبي
(١) في سنن أبي داود: ((اللهم إني)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب : التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم
يعمل (٢٧١٦/٦٥)، النسائي : كتاب السهو ، باب : التعوذ في الصلاة
(٥٦/٣)، وكتاب الاستعاذة، باب: من شر ما عمل وذكر الاختلاف على
هلال (٢٨١/٨)، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب : ما تعوذ منه رسول الله
◌َخة (٣٨٣٩) .
- ٤٥٩-

- عليه السلام - . روى عنه : السَّبيعي ، وهلال بن يساف ، وشريك بن
طارق . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه . والحديث أخرجه : مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه .
١۵٢٢ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا محمد بن عبد الله بن الزبيرح ونا
أحمد : نا وكيع - المعنى - ، عن سَعْد بن أوس ، عن بلال العَبْسي ، عن
شُتَيْر بن شَكَلٍ ، عن أبيه - قال في حديث أبي أحمد : شَكَل بن حميدَ -
قال: قلتُ: يا رسولَ الله! عَلِّمْنِي دعاءً، قال: ((قُلْ: اللهمَّ إني أعوذُ بك من
شرِّ سَمْعي، ومن شرِّ بَصَرِي ، ومن شرٌّ لِسَانِي، ومن شرِّ قَلْبِي ، ومنْ شرِّ
مَنِّي)) (١) .
ش - سَعْد بن أوس: العَبْسي ، ويقال : العدوي ، ويقال : العبْدي ،
أبو محمد الكاتب الكوفي ، ويقال : البصري . سمع : الشعبي ، وأنس
ابن سيرين ، وبلالا (٢) العَبْسي وغيرهم . روى عنه: وكيع ، وأبو نعيم،
وأبو أحمد الزبيري وغيرهم ، قال ابن معين : بصري ضعيف ، وقال
أبو حاتم : صالح . روى له : أبوداود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن
ماجه .
وبلال : ابن يَحْيِى العَبْسي الكوفي . روى عن : علي بن أبي طالب ،
وحذيفة بن اليمان ، وشتير بن شكل . روى عنه : سَعْد بن أوس ، وليث
ابن أبي سليم ، ووكيع ، وحماد ، وأبو أحمد الزَّبَيْري . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
وشتير - بضم الشين المعجمة ، وفتح التاء ثالث الحروف ، وسكون
الياء آخر الحروف ، وبعدها راء - ابن شكل - بفتح الشين المعجمة ،
وفتح الكاف بعدها لام - ابن حُميد العَبْسي ، أبو عيسى الكوفي . روى
(١) الترمذي: كتاب الدعوات، باب رقم (٧٥). (٣٤٩٢) ، النسائي: كتاب
الاستعاذة، باب: الاستعاذة من شر الذكر (٨/ ٢٦٧).
(٢) في الأصل: ((وبلال)).
- ٤٦٠-