النص المفهرس

صفحات 361-380

وفتحها، وتاء تأنيث - تصغير (( هَنَّةٍ )) وهي قليل من الزمان ، ويُقالُ :
(هُنَيهة)) - أيضاً. والحديث : أخرجه النسائي.
٣٣٢ - بَابٌ: فِي فَضْلِ الَّطْوُّعِ فِي البَيْتِ
أي : هذا باب في بيان فضل التطوع في البيت .
١٤١٧ - ص - نا هارون بن عبد الله البزاز : نا مكي بن إبراهيم : نا
عبد الله - يعني : ابن سعيد بن أبي هند - ، عن أبي النضر ، عن بُسْرِ بن
سَعيد ، عن زيد بن ثابت أنه قال : احْتَجَرَ رسولُ الله في المسجدِ حُجرةً ،
فكان رسولُ الله يَخرجُ من الليلِ فُيُصلِّي فيها . قال : فَصَلُّوا معه بصلاته
- يعني: رجالٌ(١) - وكانوا يأتُونَه كلَّ ليلة ، حتى إذا كان ليلةً من الليالي لم
يخرج إليهم رسولُ الله، فتتَحْتَحُوا وَرَفَعُوا أَصواتَهم ، وحَصْبُوا بَابَه . قال :
فخرَجَ إليهم رسولُ اللهِ مُغْضَبًا فقال: (( أيُّها (٢) الناسُ ! ما زال بكم
صَنِيعُكُمْ حتى ظننتُ أنَ ستُكْتبَ عليكمُ ، فعليكُم بالصلاة في بيوتكم ؛ فإن
خيرَ صلاة المرءِ في بَيْته إلا الصلاةَ المكْتوبة)) (٣).
ش - مكي بن إبراهيم : ابن بَشِير - بفتح الباء - ابن فرقد ، وقيل :
ابن فرقد بن بشير ، أبو السكن البلخي البرجمي الحنظلي التميمي .
سمع: يزيد بن أبي عبيد ، ومالك بن أنس ، وابن جريج وغيرهم . روى
عنه : أحمد وابن معين ، والبخاريّ ، وغيرهم ، قال أحمد : هو ثقة ،
وقال ابن معين : صالح ، وقال أبو حاتم : محله الصدق . توفي سنة
أربع عشرة ومائتين ببَلْخ . وروى أبو داود عن رجل عنه، ومسلم عن رجل
عنه ، والنسائي عن رجل عنه ، وابن ماجه عن رجل عنه .
(١) كذا، وفي سنن أبي داود: ((رجالاً)). (٢) في سنن أبي داود: (( يا أيها)).
(٣) البخاري: كتاب الأذان ، باب: صلاة الليل (٧٣١) ، مسلم : كتاب صلاة
المسافرين وقصرها ، باب : استحباب صلاة النافلة (٧٨١) ، الترمذي : كتاب
الصلاة ، باب : فضل التطوع في البيت (٤٥٠) ، النسائي : كتاب قيام الليل،
باب : الحث على الصلاة في البيوت (٣/ ١٩٧).
- ٣٦١-

[١٦٦/٢-أ]
وعبد الله بن سعيد بن أبي هند / أبو بكر الفزاري مولى بني شمخ من
فزارة (١) المديني . روى عن : أبيه ، وسعيد بن المسيّب ، وعبد الرحمن
الأعرج وغيرهم . روى عنه : مالك بن أنس ، ووكيع ، ويحيى القطان ،
ومكي بن إبراهيم وغيرهم ، قال أحمد : هو مديني شيخ ثقة ، وقال ابن
معين : ثقة حجة . روى له : الجماعة . وأبو النضر : سالم بن [ أبي ]
أميّة .
قوله: ((احتجر)) افتعل من الحُجرة؛ وهي الموضع المنفرد ؛ والمعنى :
اتخذ حُجرةً ، أو اقتطع موضعا حجرةً عن غيره ؛ والحجر : المنع ، ومنه
و
سميت الحجرة .
قوله : (( وحصَبُوا بابه)) يعني: رمَوْه بالحصْباء ؛ وهي الحصَا الصغارُ،
واستفيد من الحديث : جواز اتخاذ الحجرة في المسجد إذا لم يضر
بالُصلين، وجواز صلاة النفل في المسجد ، وأن الأفضل : صلاته في بَيْتْه.
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي مختصرا
ومطولا .
١٤١٨ - ص - نا مسدد : نا یحیی ، عن عُبید الله : أنا نافع ، عن ابن عمر
قال: قال رسولُ الله: ((اجْعَلُوا في بُيوتِكُم من صَلاتكُم! ولا تَتَّخذُوهَا
قُبُوراً)) (٢).
ش - يَحْيِى : القطان ، وعُبيد الله : ابن عمر العُمري.
قوله: (( من صلاتكم )) أي: من بعض صلاتكم ؛ وأراد به النفل .
قوله: (( ولا تتخذوها قبورا)) أي: كالقبور ؛ وهذا من التمثيل البديع ؛
(١) في الأصل: (( فرازة )) خطأ .
(٢) البخاري : كتاب الصلاة، باب: كراهية الصلاة في المقابر (٤٣٢)، مسلم:
كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : استحباب صلاة النافلة في بيته
وجوازها في المسجد ٢٠٨ - (٧٧٧) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما
جاء في فضل صلاة التطوع في البيت (٤٥١) ، النسائي : كتاب قيام الليل
(٢/ ١٩٧)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب: ما جاء في التطوع في
البيت (١٣٧٧) .
-٣٦٢-

حيث شبّه البيت الذي لا يُصلَّى فيه بالقبر الذي لا يتأتى فيه من ساكنه
عبادة . واختلفوا في معنى هذا الحديث ؛ فقيل : إنه ورد في النافلة ؛ لأنه
- عليه السلام - قد سنّ الصلوات في الجماعة ، ورغب في ذلك ،
وتوعد من تخلف عنها لغير عذر ، ولأنها إذا كانت في البيت كانت أبعد
من الرياء والشغل بحديث الناس ؛ فحضّ رسول الله على النوافل في
البيوت؛ إذ السرّ فيها أفضل من الإعلان، وعلى هذا تكون ((مِن))
زائدة؛ كأنه قال : اجعلوا صلاتكم النافلة في بيوتكم ، وإلى هذا ذهب
البخاريّ . وقيل: إنه ورد في الفريضة و ((مِن)) للتبعيض ؛ كأنه قال :
اجعلوا بعض صلاتكم في بيوتكم ليقتدي بكم أهلوكم ، ومَن لا يخرج
إلى المسجد منهم، ومَنْ يلزمكم تعليمه لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ
وأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) . ومن تخلّف عن جماعة لجماعة وإن كانت أقل لم
يتخلف عنها ، ومن أصاب في بيته جماعةً فقد أصاب سُنَّة الجماعة
وفضلها .
قلت: قد قررنا الكلام فيه مرةً وذكرنا أن ((مِن )) للتبعيض ، وأنها لا
ترادُ في الإثبات ، وأن المراد من الصلاة : مطلق الصلاة ، فيتناول الفرض
والنفل ، وأن المعنى : من بعض صلاتكم الذي هو النفل من مطلق
الصلاة، فافهم .
وقد ترجم البخاري على هذا الحديث (( كراهة الصلاة في المقابر)) يُريد
أن القبور لا تجوز فيها الصلاة ؛ وهذا كلام بعيد ، وترجمة غير مناسبة .
والحديث أخرجه الجماعة .
٣٣٣ - بَابٌ (٢)
أي : هذا باب ، أي : نوع من أنواع ما يتعلق بالأبواب الماضية ، أو
بالباب الذي يليه .
(١) سورة التحريم : (٦) .
(٢) في سنن أبي داود: (( باب طول القيام)).
-٣٦٣-

١٤١٩ - ص - نا أحمد بن حنبل: نا حجاج قال: قال ابن جريج : حدثني
عثمان بن أبي سليمان ، عن عَليِّ الأزدي، عن عُبيد بن عُمير، عن عَبْد الله
ابن حُبْشِي الخثعمي، أن رسولَ الله وَّرَ سُثُلَ : أيُّ الأعمال أفضلُ ؟ قال :
((طُولُ القَيامِ)) قيلَ: فأيُّ الصدقة أَفَضلُ؟ قال: ((جُهْدُ المُقَلِّ)) قيلَ : فأيُّ
الهجرة أَفضلُ؟ قال: (( مَنْ هَجَرَ ما حرَّمَ اللهُ عليه )) قيلَ : فأيُّ الجهاد
أفضلُ؟ قال: ((مَن جاهَدَ المشركينَ بماله ونفسه)). قيل: فأيُّ القَتْلِ أَشرفُ؟
قال: ((مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وعُقْرَ جَوَادُه)) (١) .
ش - حجاج : ابن محمد الأعور ، وعبد الملك : ابن جريج ، وعثمان
ابن أبي سليمان : ابن جبير بن مطعم المكي ، وعليّ : ابن عبد الله
الأزدي، وعُبيد بن عمير : ابن قتادة بن سَعْد المكي .
قوله: (( أي الأعمال أفضل ؟ قال: طول القيام )) قد تقدّم ذكره بهذا
المقدار .
قوله: ((جُهد المُقلّ)) الجهد - بالضم - الوُسْع والطاقة ، وبالفتح :
المشقة ، وقيل : المبالغة والغاية ، وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة ،
فأما في المشقة والغاية : فالفتح لا غير . والمُقل - بضم الميم ، وكسر
القاف ، وتشديد اللام - الفقير الذي معه شيء قليل ؛ والمعنى : أفضل
الصدقة : ما يكون من جُهد المقل .
قوله : ((من هجَر )) أي : ترك .
قوله: ((أهريق)) أي : أُريق ؛ والهاء / فيه زائدة .
[١٦٦/٢-ب]
قوله: (( وعُقْرَ جواده )) والجواد من الخَيْل يشملُ الذكر والأُنْثى.
٣٣٤ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى قِيَامِ اللَّيل
أي : هذا باب في بيان الحَضّ والترغيب على قيام الليل .
(١) النسائي: كتاب الزكاة (٥٨/٥)، وكتاب الإيمان (٩٤/٨).
-٣٦٤-

١٤٢٠ - ص - نا محمد بن بشار : نا يحيى : نا ابن عجلان : نا القعقاع بن
حكيم ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسولُ الله - عليه السلام -:
(( رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قامَ من الليلِ فصلَّى، وأيقظَ امرأته فصلَّتْ، فإنْ أَبَتْ نَضَحَ
فِي وَجْهِهِا الماءَ، رَحِمَ اللهُ امرأةً قامَتْ من الليلِ فصَلَّتْ، وأيقظتْ زَوْجَهَا،
فإن أَبِى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الماءَ)) (١) .
٠٠
ش - يحيى : القطان ، ومحمد : ابن عجلان ، وأبو صالح : ذكوان
الزيات . والحديث قد تقدم مرةً . وأخرجه النسائي .
١٤٢١ - ص - نا محمد بن حاتم بن بَزِيع: نا عبيد الله بن مُوسى ، عن
شيبان، عن الأعمش ، عن علي بن الأقمرِ ، عن الأغرِّ أبي مُسلمٍ، عن
أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسولُ اللهَ وَيَّ: ((مَن استيقظَ من الليلُ وأيقظَ
امرأتَه فصلَّيا ركعتين جميعًا كُتْبًا من الذَّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَات))(٢).
ش - شيبان : ابن عبد الرحمن النحوي ، والأغر : اسمه سلمان .
وقد تقدّم - أيضًا - في (( باب قيام الليل )) وزاد هاهنا في هذه الرواية قوله
(( كثيرًا )).
٣٣٥ - بَابٌ: فِي ثواب قراءة القُرآنِ
أي : هذا باب في بيان ثواب قراءة القرآن .
١٤٢٢ - ص - نا حفص بن عمر: نا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن
سَعْد بن عُبيدة ، عنِ أبي عبد الرحمن ، عن عثمان ، عن النبيُّ - عليه
السلام- قال: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تعلَّمَ القُرآنَ وعلَّمهُ)) (٣) .
(١) النسائي : كتاب قيام الليل والتطوع بالنهار ، بانٍٍٍ: الترغيب في قيام الليل
(٢٠٥/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : من أيقظ
أهله من الليل (١٣٣٦) وتقدم برقم (١٢٧٨) .
(٢) النسائي: كتاب قيام الليل والتطوع بالنهار، باب: الترغيب في قيام الليل (٢٠٣/٣)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها (١٣٣٥) وتقدم برقم (١٢٧٩) .
(٣) البخاري : كتاب فضائل القرآن ، باب : خيركم من تعلم القرآن وعلمه =
-٣٦٥-

ش - أبو عَبْد الرحمن هذا : اسمه : عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة
- بضم الراء ، وفتح الباء - الكوفي السلمي أخو خرشة ، لأبيه صحبة ،
وقد ذكرنا ترجمته مستوفَى ، والله أعلم بالصواب .
قوله: ((وعَلَّمه)) أي: وعلّم القرآن غيره ، ومفعوله الثاني محذوف .
والحديث : أخرجه البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
١٤٢٣ - ص - نا أحمد بن عمرو بن السَّرْح : أنا ابن وهب : أخبرني
يحيى بن أيوب ، عن زبان بن فائد ، عن سَهل بن معاذ الجهني ، عن أبيه أن
رسولَ الله - عليه السلام - قال: (( مَنْ قَرَأَ القرآنَ ، وعَملَ بما فيه ، أُلْبسَ
وَلِدَاهُ تَاجًا يومَ القيامة : ضوؤُهُ أحسنُ من ضَوْء الشمسِ فَي بُيوت الدنيا لو
كانَتْ فِيكُم ، فما ظنُّكُم بِالّذِي عَمِلَ بهذا))؟ (١) .
ش - زبان : بفتح الزاي ، وتشديد الباء الموحدة ، وفائد : بالفاء ،
وقد مرّ ذكره .
وهذا الحديث هو الذي نظم مضمونه أبو القاسم الشاطبي بقوله :
ملابسُ أنوارٍ من التاج والحُدا
هنيئا مريئًا وَالِدَاك عليهما
أولئك أهلُ الله والصَّفْوة المَلا
فما ظنكم بالنجل عند جزائه
والحديث معلول بزبّان وسَهْلٍ ؛ وكلاهما ضعيفان .
١٤٢٤ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا هشام وهمام ، عن قتادة ، عن
زرارة بن أوفى ، عن سَعْد بن هشام، عن عائشة ، عن النبي - عليه السلام -
قال: ((الذي بَقرأُ القرآنَ وهو مَاهِرٌ به معَ السَّفَرَةِ الكرامِ البَرَرَةِ ، والذي
يَقرأهُ وهو يَشتدُّ عليه فله أجْرانٍ)) (٢).
= (٥٠٢٧)، الترمذي: كتاب فضائل القرآن، باب: ما جاء في تعليم القرآن
(٢٩٠٧)، ابن ماجه : كتاب المقدمة ، باب : فضل من تعلم القرآن وعلمه
(٢١١) .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) البخاري: كتاب التفسير، باب: سورة ((عبس)) (٤٩٣٧)، مسلم: كتاب=
-٣٦٦-

ش - هشام : ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهمّام : ابن يحيى العَوْذِي.
قوله: (( الذي يقرأ القرآن)) في محل الرفع على الابتداء ، والواو في
قوله: ((وهو ماهر)) للحال .
وقوله: (( مع السفرة)) خبر المبتدإ. والماهرُ : الحاذق الكامل الحفظ
الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجودة حفظه وإتقانه . والسفرةُ :
جمع سافرٍ ؛ ككتَبَةٍ جامع كاتب ؛ والسافرُ : الرسولُ، والسَّفْرةُ: الرُّسُل؛
لأنهم يَسْفرون إلى الناس برسالات الله تعالى ، وقيل : السفرة : الكتبة ؛
وسُمِي الكاتب سافرا لأنه يُبيّن الشيء ويُوضحه ، قيل : سُمُوا بذلك
لأنهم ينزلون بوحي الله ، وما يقع به الصلاح بين الناس ، فشبهوا بالسفير
الذي بين الاثنين ، وقيل : لأنهم يسفرون بين الله وأنبيائه .
قوله: ((الكرام البررة)) الكرام: جمع كريم ، والبررة : جمع بارّ ؛
وهو المطيع من البرّ وهو الطاعة . قال القاضي : يحتمل أن يكون معنى
قوله: ((مع السفرة)) يعني: مع الملائكة . أي: له في الآخرة منازل
يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة ، لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله
تعالى . قال : ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم ، وسالك مسلكهم .
قوله: ((والذي يقرأه)) في محل الرفع - أيضًا - على الابتداء ، وخبره:
قوله: ((فله أجران))، وإنما دخل الفاء في جوابه لتضمن المبتدإ معنى
الشرط .
/ قوله: ((وهو يَشتدَّ عليه)) جملة حالية أي: يتعب ويجهدُ عليه لأجل [١٦٧/٢-١)
الحفظ ؛ وإنما كان له أجران ، لأن أحدهما لقراءته ، والآخر لتعبه .
والحديث أخرجه الجماعة
صلاة المسافرين وقصرها ، باب : فضل الماهر بالقرآن والذي يتمتع به
=
(٧٩٨/٢٤٤)، الترمذي: كتاب فضائل القرآن ، باب: ما جاء في فضل
قارئ القرآن (٢٩٠٤)، ابن ماجه: كتاب الأدب ، باب : ثواب القرآن
(٣٧٧٩) .
-٣٦٧-

١٤٢٥ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا أبو معاوية ، عن الأعمش، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ - عليه السلام - قال: (( ما اجتمعَ
قومٌ في بَيِّتِ من بُيُوتِ الله تعالى ، يَتْلُونَ كتابَ الله ، ويتدارسُونَه بينهم ، إلا
نَزَلَتْ عليهمَ السَّكِينةُ، وغشِيَتْهُمُ الرحمة ، وحَفْهُمُ الملائكةُ، وذكَرَهم اللهُ
فيمَنْ عندَه)) (١) .
ش - أبو معاوية : محمد بن خازم الضرير ، وأبو صالح : ذكوان
الزيات . والسكينة : شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة
ومعه الملائكة .
قوله: ((وحفتهم)) أي: أحاطتهم الملائكة وأحدقت بهم .
قوله: (( فيمَن عنده )) أي : فيمن بحضرته من الملائكة .
١٤٢٦ - ص - نا سليمان بن داود المهري : أنا ابن وهب : نا موسى بن
عُلَي بن رباح ، عن أبيه، عن عُقْبة بن عامر الجهني قال : خَرَجَ علينا
رسولُ الله - عليه السلام - ونحنُ في الصُّفَّةِ فقال: ((أيُّكُمْ يُحبُّ أن يَغْدو
إلى بُطْحانَ أو العقيق، فيأخذُ ناقتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْراوَيْنِ بِغَيْرِ إثم باللهِ ولا قطعِ
رَحم؟)) قالوا: كلُّنَا يا رسولَ الله، قال: ((فلأَنْ يَغدُوَ أحدُكُمْ كلّ يَوْمٍ إلى
المسْجَد فيتعلَّمَ آيَتَيْن من كتاب الله خيرٌ له من ناقتَيْنِ ، وإنْ ثلاثٌ فثلاثٌ،
مثلُ أعدادهن مِن الإبل)) (٢).
ش - عبد الله: ابن وهب ، ومُوسى بن عُلي - بضم العين ، وقيل :
بفتحها - ابن رباح - بالباء الموحدة - بن نَصر بن قشيب بن بَيْنَع - بياءين
آخر الحروف ، ونون - بن أردة بن حجر بن جَدِيلة بن لخم اللخمي
المصري ، أبو عبد الرحمن أمير مصر لأبي جعفر المنصور ست سنين
(١) جزء من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الأدب (٤٩٤٦) ، ومسلم : كتاب
الذكر والدعاء ، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
(٣٨/٢٦٩٩)، ابن ماجه: المقدمة، باب: فضل العلماء (٢٢٥).
(٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب: فضل قراءة القرآن (٨٠٢)
بنحوه .
-٣٦٨-

وشهرين . روى عن : أبيه ، والزهري ، ويزيد بن أبي حبيب . روى
عنه: الليث بن سعد ، وأسامة بن زيد - وهو أقدم وفاةً منه وأكبر - ،
وابن لهيعة ، وابن وهب ، وابن المبارك ، وغيرهم ، قال أحمد ، وابن
معين : ثقة . مات سنة ثلاث وستين ومائة . روى له : الجماعة .
وأبوه : عُلَيُّ بن رباح . سمع عمرو بن العاص ، وابنه عبد الله ،
وعقبة بن عامر ، وأبا هريرة ، وأبا قتادة الأنصاري، وغيرهم . روى عنه:
ابنه مُوسى ، ويزيد بن أبي حبيب ، ومعروف بن سُوَيَد وغيرهم ، قال
أحمد : ما علمت إلا خيرًا ، وقال أحمد بن عبد الله وابن سَعْد : هو
ثقة. توفي بإفريقية سنة أربع عشرة ومائة . روى له : مسلم ، وأبو داود .
قوله: ((ونحنُ في الصّفة )) الصفة - بضم الصاد وتشديد الفاء - مَوضع
مُظلَّلٌ كان في مَسْجد المدينة يَسْكنونه .
قوله: ((إلى بُطحان)) - بضم الباء الموحدة ، وسكون الطاء - واد
بالمدينة ؛ هكذا قيده أهل الحديث ، وحكى فيه أهلُ العربية فتح الباء ،
وكسر الطاء . والعقيقُ : وادٍ من أودية المدينة ؛ وهو الذي وردَ فيه أنه واد
مبارك ، وفي المدينة عقيق آخرُ على مقربة منه ، وقال الأزهري : والعرب
يقولُ لكل ما شَقَّه السَّيْلُ في الأرض فأنهَرَه ووسَّعَه عقيقٌ ، وذكر أربعة
أعقّةٍ ، وذكر غيرهُ عشرة أَعقّة .
قوله: (( كوْماوَيْن)) تثنية كَوْماء - بفتح الكاف - العظيمة السنام .
قوله: ((زَهْراوَيْن)) صفة بعد صفةٍ من الزهرة ؛ وهي الحُسن والبهجةُ .
قوله: ((بغير إثم بالله)) متعلقٌ بقوله ((فيأخذ)) في محل الحال أي :
فيأخذُ حال كونه غير مُلتبس بخطيةٍ وإثمٍ في أخذه ذلك ، بأن كان في غير
ملك أحد ، ليتعلّق الإثم بأخذه من غير رضاه وإذنه .
قوله: (( ولا قطع رحم)) عطف عليه ؛ والمعنى : فيأخذُ بغير قطع رحمٍ
يعني : حال كونه غير ملتبس بقطع رحم في أخذه بأن لم يكن لأحد من
ذوي أرحامه حتى إذا أخذه من ملك أحد منهم بغير رضاه يؤدي ذلك إلى
٢٤ • شرح سنن أبي داوود ٥
-٣٦٩-

الضّراب ، المُنتج للانقطاع ، الذي هو قطع الرحم . وفي بعض الرواية :
(( ولا قطيعة رحم)) .
قوله: ((خيرٌّ له)) مرفوع على أنه خبر قوله: ((فلأن يغدو )) واللامُ فيه
للتأكيد ، و((أن )) مصدريةٌ .
قوله: (( وإن ثلاث فثلاث)) أي : وإن كان الذي يتعلمه هو ثلاث آيات؛
فالنوقُ ثلاثٌ ، بمعنى : فخيرٌ له من ثلاث نياقٍ ، وكذا إن أربعٌ فأربعٌ ،
وإن خمسٌ فخمسٌ ، وهلم جرًا مثل أعدادهن من الإبل . والحديث :
أخرجه مسلم بنحوه .
/ ص - قال أبو عُبيد: الكَوماءُ : الناقةُ العظيمة السَّنَامِ .
[١٦٧/٢ -ب]
ش - كأنهم شبَّهُوا سنامها لِعِظَمه بالكوْم ؛ وهو الموضعُ الُشرفُ ؛
وليس هذا بثابت في بعض النسخ .
وأبو عُبيد : هو القاسِمُ بن سَلَّم - بتشديد اللام - كان أبوه عبداً
رومياً لرجل من أهل هراة ، واشتغل أبو عُبيد بالحديث والأدب والفقه .
وروى عن : أبي زيد الأنصاري ، والأصمعي ، وأبي عبيدة ، وابن
الأعرابي ، والكسائي ، والفراء وغيرهم . وروى الناس من كتبه المُصنفة
بضعةً وعشرين كتابًا في القرآن الكريم ، والحديث وغريبه ، والفقه ، وله
الغريب المصنف ، والأمثال ، ومعاني الشعر ، وغير ذلك من الكتب
النافعة ، ويقال : إنه أول من صنّفَ في غريب الحديث . وقال محمد بن
وَهْبِ المِسْعَري : سمعتُ أبا عُبيد يَقولُ : كنتُ في تصنيف هذا الكتاب
أربعين سنةً، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعُها في
مَوْضعها من الكتاب فأَبِيتُ ساهراً فرحًا مني بتلك الفائدة ، وأحدكم
يجيئني فيُقيم أربعة [ أو ] خمسة أشهر فيقول : قد أقمت كثيرًا ، وولي
القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة ، وقدم بغداد فسمع الناسُ منه
كُتُبَه ، ثم حج فتوفى بمكة سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين ، وكان
مولده بهراة سنة خمسين ومائة (١) ، والله أعلم .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٧٩٢/٢٣).
- ٣٧٠-

٣٣٦ - بَابٌ: فِي فَائِحَةِ الكِتَابِ
أي : هذا باب في بيان فاتحة الكتاب .
١٤٢٧ - ص - نا أحمد بن أبي شعیب الحراني : نا عیسی بن یونس : نا
ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قالَ رسولُ الله -عليه
السلام -: ((الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ: أُمَّ القرآنِ، وأُمَّ الكتابِ ، والسّبْعُ
الَّثَاني)) (١) .
ش - ابن أبي ذئب : محمد بن عبد الرحمن المدني ، والمقبري : سعيد
ابن أبي سعيد .
قوله : ((أم القرآن )) أي: أصلُه وأوّله ؛ ومنه سُمِّيت مكة أم القرى ؛
لأنها أول الأرض وأصلها ، ومنها دحيت . وقال الزمخشري : وتسمى
أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو
أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي ، ومن الوعد والوعيد . انتهى .
ويقال : لأن الأم في اللغة الأصلُ ، سمّت به لأنه لا يحتمل شيء مما
فيه النَّسْخ والتبديل ؛ بل آياتها كلها محكمة ، فصارت أصلاً . وقيل :
سمّيت [ أم ] القرآن ؛ لأنها تؤمُّ غيرها من القراءة كالرجل يؤمّ غيره فيُقَدّم
عليه .
قوله: ((والسَّبْع المثاني)) لأنها سبعُ آيات بالاتفاق؛ إلا أن منهم من عدّ
((أنعمت عليهم)) دون التسمية ، ومنهم مَن مَذْهبه على العكس ، وسبع
وعشرون كلمةً ومائة واثنان وأربعون حرفا ؛ وسمّيت المثاني لأنها تثنى في
الصلاة أو ثُني نزولها ؛ نزلت بمكة مرةً وبالمدينة أخرى ، أو هي قسمان :
ثناء ودعاء ، وقيل : المثاني من الثناء كالمحامد من الحمد ، أو من
الاستثناء، لأنها استثنيت لهذه الأمة ، وقيل : لأن أكثر كلماتها مثنى إلى
(١) البخاري: كتاب التفسير، باب: تفسير ((ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن
العظيم)) من سورة الحجر (٤٧٠٤) ، الترمذي : كتاب التفسير ، باب : سورة
الحجر (٣١٢٤) .
- ٣٧١-

﴿وغير (١) الضالين﴾ في قراءة عمر وعلي - رضي الله عنهما - ، وقيل:
السَّبع : الفاتحة ، والمثاني : القرآن ، وقيل : السبع : الطُّوَل من البقرة
إلى الأنفال مع التوبة ، وقيل غير ذلك ، وقد صح عن رسول الله - عليه
السلام - أن السبع المثاني هي الفاتحة ، فلا يعرج على ما سواه ، ولعل
من قال غيره لم يطلع على ما صحّ عن رسول الله - عليه السلام - واعلم
أن لسورة الفاتحة ثلاثة عشر اسماً : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والكنز،
والواقية ، وسورة الحمد ، والمثاني ، وسورة الصلاة ، والشفاء ،
والشافية، والكافية ، والأساس ، والسَّؤال ، والشكر ، وسورة الدعاء .
والحديث أخرجه : البخاري ، والترمذي .
١٤٢٨ - ص - نا عبيد الله بن معاذ: نا خالد : نا شعبة ، عن خُبَيْب بن
عبد الرحمن قال : سمعتُ حفص بن عاصم يُحدِّث عن أبي سعيد بن
المُعلى، أن النبيَّ - عليه السلام - مَرَّ بِهِ وهو يُصلِّي فدعَاهُ فقال (٢):
فصلَّيتُ ثم أتيتُه قال: فقال: (( ما مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَني؟ )) قال: كنتُ أُصلِّي،
قال: ((ألم يَقُل اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وللرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)؟ لأُعَلِّمِنَّكَ سورةً أَعظمَ سُورةٍ (٤) مِّن - أَوَّ فَي)) - شَكَّ
خالدٌ ((القرآن (٥) قبلَ أن أخْرُجَ من / المسجد)). قال: قلتُ: يا رسولَ الله
قولَك؟ قال: ((الحمدُ للهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، هيَ (٦) السَّيْعُ المَثَانِي الَّتِي أُوتِيتُ،
والقُرآنُ العظيمُ)) (٧) .
[١٦٨/٢- أ]
(١) كتب فوقها ((صح)).
(٢) في سنن أبي داود: ((قال)).
(٣) سورة الأنفال: (٢٤) .
(٤) كلمة ((سورة)) الأولى غير موجودة في سنن أبي داود .
(٥) في سنن أبي داود: (( أو في القرآن - شك خالد -)).
(٦) في سنن أبي داود: ((وهي)).
(٧) البخاري : كتاب التفسير ، باب : ما جاء في فاتحة الكتاب (٤٤٧٤) ،
النسائي: كتاب الافتتاح ، باب : تأويل قوله تعالى ﴿ ولقد آتيناك سبعا من
المثاني والقرآن العظيم﴾ (١٣٩/٢)، ابن ماجه : كتاب الأدب ، باب : ثواب
القرآن (٣٧٨٥) .
-٣٧٢-

ش - خالد : ابن الحارث التميمي الهُجَيمي البصري ، وخُبَيْب - بضم
الخاء المعجمة - ابن عبد الرحمن : الأنصاري المدني ، وحفص بن
عاصم: ابن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .
وأبو سعيد بن المُعلى : ابن لُوذان بن حَبيب بن عبد حارثة بن مالك بن
غَضب بن جُشَم بن الخزرج ، قيل : لا يُعرف اسمه ، وقيل : اسمه :
رافع ، وقيل : الحارث بن نُفيع بن المُعلى بن لوذان الأنصاري . روى
عنه: حفص بن عاصم ، وعبيد بن حنين . روى له : البخاري ،
وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . توفي سنة أربع وسبعين . وفي
((مختصر السنن)): وهو من الصحابة الذين انفرد البخاري بإخراج
حدیثهم؛ وليس له في كتابه سوى هذا الحديث .
قوله: ((ما منعك أن تُجيبني)) من الإجابة، وفي رواية: ((أن تجيئني ))
من المجيء .
قوله: (( شكّ خالد)) أي : خالد بن الحارث المذكور ؛ وهذه الجملة
معترضة بين الجار والمجرور .
قوله: ((أُوتيتُ)) أي : أُعطِيتُ .
قوله: ((والقرآن العظيم)) بالرفع عطفا على السبع المثاني. والحديث
أخرجه : البخاري ، والنسائي ، وابن ماجه .
٣٣٧ - بَابٌ: مَنْ قالَ : هِيَ مِنَ الُّوَلِ
أي : هذا باب في بيان قول من قال: إن الفاتحة من العُّوَل؛ والطُّوَل
- بضم الطاء ، وفتح الواو - جمع الطُّلَى ، كالكُبَرَ جمع الكُبْرى ؛
وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة . والسّبْع الطول : هي البقرة ،
وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والتوبة .
١٤٢٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن الأعمش ، عن
مسلم البَطِين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: (( أُوتِي رسولُ الله
-٣٧٣-

سَبْعًا من المَثَانِي الطَّول ، وأُوتِيَ مُوسى - عليه السلام - ستا ، فلما أَلْقَى
الألواحَ رُفعت ثنتان وبَقِينَ (١) أَرْبِعٌ )) (٢) .
ش - جَرِيرُ : ابن عبد الحميد ، ومُسلم : ابن عمران البَطين الكوفي .
قوله: ((أُوتِي رسول الله)) أي: أُعْطِي (( سَبْعًا من المثاني الطُّول))، وقد
فسّرنا الطُّولَ آنفًا ؛ وإنما سُميت بالمثاني لتثنِي الأحكام والعِبَر ، أو لأنها
جاوزت المائة الأولى إلى الثانية .
قوله: (( وأوتي موسى - عليه السلام - )) أي : أعطي موسى - عليه
السلام - (( ستا من المثاني)) فلما ألقى الألواح غضبًا على قومه - وكانت
سبعةً من زمردة خضراء ؛ قاله مجاهد ، وقال سعيد بن جبير : من ياقوتة
حمراء - رفعت ثنتان - أي : سورتان - ، وبقيت أربع سُوَرٍ . وروى
عن : ابن عباس : لما ألقى الألواح فتكسرت فرُفعت إلا سُدْسُها ، وفيما
رُفْع تفصيلٌ لكل شيء ، وما بقي هُدًى ورحمة ، وقال قتادة : ألقاها تحيرا
من كثرة فضائل هذه الأمة .
قوله : ((وبقين أربعٌ)) والقياس: بقيت أربعٌ ؛ لأن الفعل إذا أسند إلى
الظاهر لا يُثنى ولا يجمع إلا على لغة أكلوني البراغيث . والحديث
أخرجه: النسائي .
٣٣٨ - بَابٌ: مَا جَاء في آية الكرسيِّ
أي : هذا باب في بيان ما جاء من الفضائل في آية الكرسيِّ .
١٤٣٠ - ص - نا محمد بن المثنى : نا عبد الأعلى : نا سعيد بن إياس ،
عن أبي السِّيلِ ، عن عبد الله بن رِبَاح الأنصاري ، عن أَبيِّ بن كعب قال :
قال رسولُ اللهَ: ((أبا الُنذرِ ! أيُّ آيَةٍ مَعَكَ مِن كتابِ اللهِ أعظمُ ؟)) قال:
(١) في سنن أبي داود: ((وبقي)).
(٢) النسائي: كتاب الافتتاح ، باب: فاتحة الكتاب (١٣٩/٢).
-٣٧٤-

قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: (( أبا المنذر ! أيُّ آية معكَ من كتاب الله
٠
أعظمُ؟ )) قال: قلتُ: ﴿اللهُ لا إِلَه إلاَّ هُوَ الْحَيَّ القَيَّومُ﴾ قال : فضَربَ في
صَدْرِي فقال: ((لَيَهْنِ لك أبا المنذَر (١) العِلمُ)) (٢).
ش - عبد الأعلى : ابن عبد الأعلى السَّامي ، وسعيد بن إياس الجُريري
البصري .
وأبو السَّلِيل - بفتح السين المهملة ، وكسر اللام - اسمُهُ : ضُريب
-بالضاد المعجمة المضمومة - ابن نُقير - بالنون والقاف - ابن سَمَير
-بالسين المهملة - القيسي الجُريري البصري ، ويُقال : ابن نفير - بالفاء-،
ويُقال : ابن نقيل - باللام وبالقاف ؛ والراء أصح . روى عن : عبد الله
ابن رباح ، وزهدم بن مضرب الجرمي، ومعاذة العدوية . روى عنه :
سليمان التيمي ، وكهمس بن الحسن ، والجُريري ، قال ابن معين : ثقة .
روى له : الجماعة إلا البخاريّ .
قوله: ((أبا المنذر)) أي: يا أبا المنذر ؛ وحرف النداء محذوف ،
وأبو المنذر : كنية أبي بن كعب - رضي الله عنه - .
قوله: ((أعظم)) (((٣) قال القاضي: / فيه حجّة للقول بجواز تفضيل [١٦٨/٢ -ب]
بعض القرآن على بعض ، وتفضيله على سائر كتُب الله تعالى . قال :
وفيه خلاف للعلماء ؛ فمنع منه : أبو الحسن الأشعري ، وأبو بكر
الباقلاني ، وجماعة من الفقهاء والعلماء ؛ لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص
المفضول ، وليس في كلام الله نقصٌ ، وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق
أعظم وأفضل في بعض الآيات والسَّوَر بمعنى عظيم وفاضل . وأجاز ذلك
إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين ، قالوا : وهو راجع إلى
عظم أجر قارئ ذلك ، وجزيل ثوابه . والمختار : جواز قول هذه الآية أو
(١) في سنن أبي داود: ((يا أبا المنذر)).
(٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : فضل سورة الكهف وآية
الكرسي ٢٥٨ - (٨١٠) .
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٦/ ٩٣ - ٩٤).
-٣٧٥-

السورة أعظم أو أفضل بمعنى : أن الثواب المتعلق بها أكثر ؛ وهو معنى
الحديث . وإنما تميّزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول
الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم [ والملك ] (١)
والقدرة والإرادة ؛ وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات)).
قوله : ((لَيَهْن لك أبا المنذر العلمُ)) فيه منقبةٌ عظيمة لأبيٌّ ، ودليل على
كثرة علمه ، وفيه تبجيل العالم وجواز مَدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه
مصلحة ، ولم يُخَفْ عليه إعجابٌ ونحوُهُ لكمال نفسه ، ورسُوخه في
التقوى ، وفيه تنشيط العالم إذا رآه قد أصاب ، وتنويهه به ، وسرُوره بما
أدركه من ذلك ، وفيه إلقاء العالم المسائل على أصحابه ليَخْتبر معرفتهم ،
وليعلمهم ما لعلهم لم يَتَنبّهوا للسؤال عنه، ويُحْتمل جواب أُبيِّ بما قد
سمعه منه - عليه السلام - قبل . وقوله (( العلم )) مرفوع لأنه فاعل لقوله
((لَيَهْن)) ((وأبا المنذر)): جملة ندائية معترضة بَيْنهما. و((لَيَهْنِ)): مِن
هَنُؤْ الطعام يَهنؤِ هَناءةً ، أي : صَار هنيئًا، وكذلك : هَنِى الطَعَامُ يَهنَأَ ؛
والحاصل : أنه يجيء من البابَيْن من باب فعُل يفعُلُ - بالضم فيهما - ،
ومن باب فعِل يَفْعَل بالكسر في الماضي ، والفتح في المستقبل . والحديث
أخرجه : مسلم .
م
٣٣٩ - بَابٌ: في سورة الصمد
أي : هذا باب في بيان فَضِيلة سورة الصمد ؛ ومعنى الصمد : المصمود
إليه في الحوائج ؛ لا مَن تدعونه من ساداتكم ، وقيل : هو الذي يُطْعِم
ولا يُطعَم ، قال الشعبي : الذي لا يأكل ولا يشربُ ، وقال قتادة : الباقي
بعد فناء خلقه ، وقال الحسن : الدائم الذي لا يزال ولم يزل ، وقال
القرطبي : الذي انتهى إليه السّؤدد ، وقال الكلبي : لا عيب فيه ، وقال
السّدي : مقصود للرغائب مُستجابٌ للنوائب ، وقال أبو هريرة : مستغني
(١) سقط من الأصل وأثبتناه من شرح صحيح مسلم .
-٣٧٦-

عن الكل ، وقال علي : ليس فوقه أحدٌ ، وقال كيسان : لا يُوجدُ بصفاته
أحد ، وقال يمان: لا ينامُ ، وقال الربيع : لا تُغيّره الآفات ، وقال
الصادق : غالب لا يُغلَبُ ، وقال الترمذي : لا تدركه الأبصار ، ولا
تحويه الأفكار ، ولا تحيط به الأقطار ، وكل شيء عنده بمقدار ، وعنه :
الأول بعد عدد ، والباقي بلا مدد ، والقائم بلا عمد ، وقال عطاء :
المتعالي عن الكون والفساد ، وقال جنيد : لم يجعل لأعدائه إلى معرفته
سبيلا . وقال الواسطي : لا تعترض عليه القواطع والعلل ، وقال علي بن
موسى الرضا : الذي أَيست العُقولُ عن الاطلاع إلى كيفيته .
ولهذه السورة عشرون اسمًا ، ذكرها أبو حنيفة عبد الوهاب بن محمد
الفانتي في كتابه ((الفصول)) ، وهي : سورة التوحيد ، والتفريد ،
والتجريد ، والإخلاص ، والنجاة ، والولاية ، ونسبة الرب ، والمعرفة ،
والجمال ، والمقشقشة (١) ، والمعوذة ، والصمدُ ، والأساسُ ، والمانعة ،
والمُحضّرة، والُنفّرة، والبراءة، والنُّور، والُذكرة، و[الأمان] (٢)،
و﴿ قل هو الله أحدٌ﴾، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمةً ، وسبعة
وأربعون حرفًا .
١٤٣١ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سَمِعَ رَجلاً يقرأُ
((قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )) يُرَدِّدُهَا، فلما أَصْبِحَ جَاءَ إلىٍ رسولِ اللهِ - عليه السلام -
فذكر ذلك له ، وكأنَّ الرجلَ يَتَقالُّها، فقال النبيَّ - عليه السلام -: (( والذي
نفسي بيده إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن)) (٣) .
ش - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن : ابن أبي صَعْصعة
الأنصاري المازني المدني . روى عن : أبيه ، وعطاء بن يسار . روى عنه:
مالك / بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، ويَزيد بن خُصيفة ، قال أبو حاتم :
[١٦٩/٢- أ]
(١) في الأصل: ((المتشقشة)) خطأ.
(٢) انظر معاني هذه الأسماء في تفسير الفخر الرازي .
(٣) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: فضل ((قل هو الله أحد)) (٥٠١٣)،
النسائي : كتاب الافتتاح ، باب : الفضل في قراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾
(٢/ ١٧١) وفي عمل اليوم والليلة برقم (٦٩٨).
-٣٧٧-

ثقة . روى له : البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . توفي
سنة تسع وثلاثين ومائة .
وأبوه : عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري . سمع :
أبا سعيد الخدري . روى عنه : ابناه : محمد ، وعبد الرحمن . روی له:
البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .
قوله : ((يَتَقالُّها)) - بتشديد اللام - أي: يراهَا قليلةً؛ يُقال: تقلّلَ
الشيءَ واستقلّه وتقالّه وَقَالّه إذا رآه قليلاً .
قوله: ((إنها)) أي: سورة ﴿قل هو الله أحد﴾ ((لتعدل ثلث القرآن))
أي : لتُماثِلُ ؛ وفيه أقوال ؛ أحدها : أن القرآن العزيز لا يتجاوزُ ثلاثة
أقسام ، وهي الإرشادُ إلى معرفة ذات الله وتقديسه ، ومَعْرفة أسمائه
وصفاته ، أو معرفة أفعاله وسُنته في عباده ، فلما اشتملت سورة الإخلاص
على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس ، وازنَها رسولُ الله بثلث
القرآن ، والثاني : أن القرآن الكريم أنزل أثلاثا ؛ فثلث أحكام وتُلث وعد
ووعيد ، وثُلث أسماء وصفات ؛ وقد جمع في ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد
الأثلاث وهي الصفات ، والثالث : أن من عمل بما تضمنّه من الإقرار
بالتوحيد والإذعان للخالق ، كان كمن قرأ ثلث القرآن ، والرّابع : قال
ذلك لشخص بعينه قصدهُ رسولُ الله ؛ وهذا يقدح فيه أن رسول الله حَشَدَ
الناسَ، وقال: ((سأقرأ عليكم ثلث القرآن)) فقرأ ﴿قل هو الله أحدٌ﴾،
والخامس : أن الله تعالى يتفضلُ بتضعيف الثواب لقارئها ويكون مُنتهى
التضعيف ثلث ما يَستحقُّ من الأجر على قراءة القرآن من دون تضعيف
أجرٍ، والسادسُ : أنه إنما قال هذا للذي رَدّدها ، فحصل له من تردادها
وتكرارها قدر تلاوته ثلث القرآن .
٣٤٠ - بَابٌ: في الُعَوِّذَتَيْن
أي : هذا باب في بيان فضائل المعوذتين ؛ وهما سورة ﴿ قل أعوذ بربّ
-٣٧٨-

الفلق﴾، و﴿وقل أعوذ بربِّ الناس﴾ و﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ مدنية،
وهي خمس آيات ، وثلاث وعشرون كلمة (١) ، وثلاث وسبعون حرفًا،
و﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ مكيّة في قول قتادة وعكرمة ، وفي قول ابن
عباس : مدنية ، وهي ست آياتٍ ، وعشرون كلمةً ، وتسعة وسبعون
حرفًا .
١٤٣٢ - ص - نا أحمد بن عمرو بن السَّرْح : أنا ابن وهب : أخبرني
معاوية ، عن العلاء بن الحارث ، عن القاسم مولى معاوية ، عن عُقبة بن
عامر قال : كُنْتُ أَقُودُ لرسول الله ناقتَه في السَّفْرِ فقال لي : يا عُقْبةُ! أَلا
أُعلِّمُكَ خيرَ سُورتَيْن قُرْتَتَا)) فعلَّمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ و﴿ قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾. قال: فلم يَرَّنِي سَرُرْتُ بهماَ جدا ، فلمَا نَزل لصلاة
الصبحِ صَلَّى بهما صَلاةَ الصبحِ للناسِ ، فلما فَرِغَ رسولُ الله من الصلاة
التفتَ إلىَّ فقال: (( يا عُقْبة! كيفَ رأيتَ؟)) (٢) .
ش - عبد الله : ابن وهب ، ومعاوية : ابن صالح قاضي الأندلس .
والقاسم : ابن عبد الرحمن القُرشي الأموي مولاهم الشامي ، مولى
معاوية بن أبي سفيان ، وكذا قاله الطبراني ، ويقال : مولى خالد بن يزيد
ابن معاوية ، وقد ذكرناه مستوفَّى . وعقبة بن عامر : الجُهني .
قوله: ((أَلاَ أُعلمك)) كلمة ((ألا)) للتحضيض والتنبيه ؛ وقد ذكر غير
مرة.
قوله: (( فلم يرني سَرُرْتُ بهما )) بضم الراء الأولى ؛ لأنه من باب فعل
يفعلُ بالضم فيهما .
قوله: (( كيف رأيت؟)) إنما قال] له ذلك ترغيبا له ، وتنبيها على فَضْل
السُّورتَيْن وتأكيدا لما قاله أوّلا .
(١) قوله ((وثلاث وعشرون كلمة )) مكرر في الأصل.
(٢) النسائي : كتاب قيام الليل ، باب : الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من
الصلاة (٦٨/٣).
-٣٧٩-

١٤٣٣ - ص - نا عبد الله بن محمد النَّفيلي : نا محمد بن سلمة ، عن
محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عقبة بن
عامر قال: بَيْنا أنا أسيرُ معَ رسولِ الله - عليه السلام - بينَ الْجُحْفة والأَبْواء ،
إذ غشيتْنا رِيحٌ وظُلمةٌ شَديدةٌ ، فجعل رسولُ الله - عليه السلام - يتعوَّذُ
بـ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَيقول: (( يا عُقْبَةُ! تعوذٌ
بهما، فمَا تعوَّذْ مُتُعوذٌ بمثلهمَا)). قال: وسمعْتُهُ يَؤُمّنَا بهما في الصلاة (١).
ش - (( بَيْنا)) أصله (( بَيْن)) زيدت فيه الألف للإشباع؛ وقد مر الكلام
فيه غير مرة وجوابه: قوله: ((إذ غشيتنا)) أي : أحاطتنا؛ والجُحفة
[١٦٩/٢ -ب] - بضم الجيم - قرية جامعة بها منبر (٢) بين مكة والمدينة؛ وسُمّيت/
الجُحفة ؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها ، وهي على ثمان مراحل من
المدينة، وهي على ستة أميال من البَحْر، وكان اسمها (( مهيعة)) فلما
أجحف السَّلُ أهلها سُمِيت الجُحفة . ومَهيعة - بفتح الميم ، وسكون الهاء
، وفتح الياء آخر الحروف ، وبعدها عين مهملة مفتوحة ، وتاء تأنيث - ،
وقيدها بعضهم بكسر الهاء ؛ والأول أكثر ، وقيل : إن مهيعة قريبة من
الجُحفة ، وفي الحديث أنها الجُحفة. والأَبْواء - بفتح الهمزة ، وسكون
الباء الموحدة ممدودة - قريةٌ من عمل الفُرْع من ناحية المدينة ؛ سُمّيت بذلك
للوباء الذي بها ؛ وهذا لا يصح إلا على القلب ، كان يجب أن يُقال :
أوباء ؛ وقيل: سمّيت بذلك لأن السيول تتبوّها أي : تَحلّ بها .
قلت : الأبواء في الشمال عن الجُحفة على ثمان مراحل .
قوله: (( وسمعتُه يؤمنا بهما )) أي : سمعْتُ النبي - عليه السلام - يؤمنا
بهاتين السورتين في الصلاة ؛ وهذا نصّ صريح أنهما من القرآن ؛ إذ لو
لم يكونا منه لما جازت الصلاة بهما . وقد رُوي عن ابن مسعود أنهما لَيْستا
من القرآن ؛ والصحيح : أنهما من القرآن ؛ وإنما لم يثبتا في مصحف ابن
مسعود للأَمْن عن نسيانهما ؛ لأنهما تجريان على لسان كل إنسان ؛ وإلا
فهما من القرآن
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((قرية جامعة بمنبر)).
- ٣٨٠-