النص المفهرس

صفحات 401-420

قال عطاء : اجتمع يومُ الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزُبير فقال : عيدان
اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بُكرةً لم يَزدْ
عليهما حتى صلّى العَصّْر (١) .
ش - أبو عاصم : الضحاك بن مخلد ، وابن جريج : عبدُ الملك ،
وعطاء : ابن أبي رباح .
ومقتضى هذا : الاكتفاءُ بالعيد في هذا اليوم وسقوط فَرضيّة الجمعة ؛
وهو مذهب عطاء ، ولم يقُلْ به أحدٌ من الجمهور ؛ لأن الفَرضَ لا يَسْقط
بالسُّنَّة ، وأطلق العيدين على العيد والجمعة بطريق أن أحدهما عيد
حقيقة، والجمعة - أيضاً - في معنى العيد ؛ لاجتماع الناس فيه ، أو لأنها
تعود كل شهرٍ مراتٍ ، وقال محمد في (( الجامع الصغير)) : عيدان اجتمعا
في يوم واحد ، فالأول سُنَّة ، والثاني فريضة ، ولا يُتركُ واحد منهما .
١٠٤٤ - ص - نا محمد بن المُصفّى ، وعُمر بن حَفْص الوَصَّابِي المعنى
قالا : نابقية : نا شعبة ، عن المغيرة الضبيّ ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ ير أنه قال: ((قد اجتمع في
يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مُجمّعُون)) (٢).
ش - محمد بن المصفى : ابن بهلول الحمصي .
وعُمر بن حَقْص : ابن عمر بن سَعْد بن مالك الحميري الوَصَّابي ، روى
عن : بقية بن الوليد ، ومحمد بن حمير ، والیمان بن عدي . روى عنه:
أبو حاتم ، وأبو داود (٣) . والوَصَّبي: نسبة إلى وَصَاب - بفتح الواو
والصاد المهملة المشددة ، وفي آخره باء موحدة - وهي قبيلة من حمير .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم
(١٣١٢) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٢١٦/٢١).
٢٦ • شرح سنن أبي داوود ٤
- ٤٠١-

والمغيرة : ابن مِقْسم أبو هشام الضبيّ الكوفي .
وعبد العزيز بن رفيع : الأسدي أبو عبد الله المكي . سمع : عبد الله
ابن عباس ، وابن الزبير ، وأنس بن مالك ، وعامر بن واثلة ، وغيرهم .
روى عنه : عمرو بن دينار ، ومغيرة بن مقسم الضبي ، والأعمش ،
وغيرهم . قال ابن معين وأحمد : ثقة . مات سنة ثلاثين ومائة ، وقد أتى
عليه نيف وتسعون سنةً . روى له : الجماعة (١) .
وأبو صالح : ذكوان الزيات . وقال الخطابي (٢) : في إسناد أبي هريرة
مقال ، ويُشْبه أن يكون معناه - لو صح - أن يكون المراد بقوله: (( فمن
شاء أجزأه من الجمعة )) أي : عن حضور الجمعة ولا يَسْقط عنه الظهرُ .
قلت : كأن قوله: (( فيه مقال )) من جهة بقية ؛ لأن فيه مقالاً .
والحديث : أخرجه ابن ماجه .
ص - قال عُمر : عن شعبة .
ش - أي : قال عُمر بن حفص في روايته : عن شعبة بن الحجاج ،
وأسقط بقية بن الوليد (٣) ؛ فعلى روايته الحديث صحيح ، ولا يكون في
إسناده ما زعمه الخطابي .
ومعنى قوله : (( فمن شاء أجزأه )) أي : كفاه عن حضور الجمعة . وهذا
كانت رخصةٌ في حق أهل العوالي في أوّل الأمْر ، ثم تقرر الأمرُ : أن
إقامة صلاة العيد لا تجزئ عن صلاة الجمعة ، حتى إذا صلى العيدَ ولم
يحضر الجمعة مع الإمام صلى الظهر أربعاً .
(١) المصدر السابق (٣٤٤٦/١٨).
(٢) معالم السنن (٢١٢/١).
(٣) في ((عون المعبود)) (٢٢٣/٦): ((أي: قال عمر بن حفص أحد شيخي
المصنف في روايته : عن شعبة بالعنعنة ، بخلاف محمد بن المصفى ، فإنه قال
في روايته : حدّثنا شعبة )).
- ٤٠٢ -

٢٠٦ - بَابُ مَا يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ
أي : هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة .
١٠٤٥ - ص - نا مسدّد : نا أبو عوانة، عن مُخوَّل بن راشد ، عن مُسلم
البطين، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن رسول الله كان يَقْرأُ في صلاة
الفجر يوم الجمعة بـ: ﴿تنزيلَ﴾ (١) السجدة، و﴿ هل أتى على الإنسان
حين من الدهر ﴾ (٢) .
ش - أبو عوانة : وَضَاح .
ومخول - بالخاء المعجمة المفتوحة والواو المشددة ، وضبطه بعضهم
بكسر الميم وإسكان الخاء ؛ والأول أصح - ابن راشد النهدي أبو راشد
الكوفي ، أخو مجاهد ، وهو ابن أبي المجالد . روى عن : مُسْلم بن
عمران البَطين ، ومحمد بن عليّ بن الحسين ، روى عنهُ : الثوري ،
وشعبة ، وقال ابن معين : ثقة . روى له الجماعة (٣).
قوله: (( (تنزيل﴾ السجدة)) أي: بسُورة تنزيل السجدة، وفي بعض
النسخ: (( تنزيل السجدة )) بالنصب بدون باء الجر .
وقال الشيخ محيي الدين (٤) : فيه دليل لمذهبنا ومذهب موافقينا في
استحبابهما في صبح الجمعة ، وأنه لا يكره قراءة آية السجدة في الصلاة
ولا السجود ، وكره مالك وآخرون ذلك ؛ وهم محجوجون بهذه
الأحاديث الصحيحة المروية من طرق عن أبي هريرة وابن عباس .
(١) في سنن أبي داود: ((تنزيل))، وأشار المصنف إلى أنها نسخة.
(٢) مسلم : كتاب الجمعة ، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة (٨٧٩/٦٤)، الترمذي:
كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في ما يقرأ به في صلاة الصبح يوم الجمعة
(٥٢٠)، النسائي : كتاب الافتتاح ، باب : القراءة في الصباح يوم الجمعة
(٩٥٥) .
(٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٨٤٦/٢٧).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٦٨/٦).
- ٤٠٣-

قلت : أما عندنا - أيضاً - إذا قرأهما على وجه اتباع السَّنَّة فمستحب
[٧٩/٢-١] ذلك، وأما إذا قرأ شيئاً من القرآن على وجه التعيين ، فمكروه / ، لما فيه
من هجران الباقي . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي .
١٠٤٦ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن شعبة ، عن مخول بإسناده
ومعناه، وزاد: في صلاة (١) الجمعة بسورة الجمعة و﴿ إذا جاءك
المنافقون﴾(٢) .
ش - أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه، وزاد فيه: (( وفي صلاة
الجمعة)) إلى آخره ((الجمعة))، وفي بعض النسخ: ((وفي صلاة الجمعة
الجمعة)) بنصب الجمعة أي: سورة الجمعة. وفي رواية مسلم: ((قرأ في
الركعة الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة ، وفي الثانية : المنافقين)).
وقال الشيخ محيي الدين (٣) : وفيه استحباب قراءتهما بكمالهما فيهما؛
وهو مذهبنا ومذهب آخرين .
قلت : ومذهبنا - أيضاً - إذا لم يقصد التعيين ؛ وليس في هذه المسألة
خلاف بيننا وبَيْن الشافعي ؛ فالذي يُثبت الخلافَ هو من قصور فهمه ؛ لأن
أبا حنيفة إنما كره الملازمة إذا لم يَعْتقد الجواز بغيره ، والشافعي - أيضاً -
يكره مثل هذا ، وأما إذا اعتقد الجواز بغيره ولازمَ على سورة مُعيّنة إما
لأنها أيسرُ عليه ، أو اقتداء بفعله - عليه السلام - فلا يكره ، فلم يكن في
الحقيقة خلافٌ . وأما الحكمة في ذلك : فلاشتمال سورة الجمعة على
وجُوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها ، وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ
(١) في سنن أبي داود: ((صلاته )).
(٢) مسلم : كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة (٨٧٩/٦٤)، النسائي :
كتاب الجمعة ، باب : القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين
(١٤٢١) .
(٣) شرح صحيح مسلم (١٦٦/٦).
-٤٠٤-

حاضريها منهم ، وتنبيههم على التوبة وغيرها مما فيها من القواعد ؛ لأنهم
ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها . والحديث : أخرجه
مسلم، والنسائي ، والبيهقي .
٢٠٧ - بَابُ: اللُُّس يَوْمَ الجُمعَةِ (١)
أي : هذا باب في بيان اللُّبْس يوم الجمعة.
١٠٤٧ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى حُلةً سيَرَاءَ - يعني : تُباعُ - عند
باب المسجد فقال : يا رسولَ الله ، لو اشتريت هذه فلبستَها يوم الجمعة
وللوَقْد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله: (( إنما يلبسُ هذَه مَن لا خلاقَ له
في الآخرة )) ، ثم جاءت رسولَ الله منها حُلَلٌ فأعْطى عمر بن الخطاب منها
حلةً ، فقال عمر : يا رسول الله ، كسَوْتنيها (٢) وقد قلتَ في حُلة عطارد ما
قلتَ؟ فقالَ رسولُ الله: ((إني لم أكسُكها لتَلْبَسَها)) فكسَاهَا عمرُ أخاً له
مُشْركاً بمكة(٣).
ش - الحلةُ : ثوبان غير لفقين : رداء وإزار ؛ سمّيًا بذلك ؛ لأن كل
واحد منهما يحُل عن الآخر ؛ والجمعُ: حُلَل وحِلالٌ . وقال ابن التين :
لا يُقال : حلة حتى تكون جديدة ؛ سميت بذلك لحلّها عن طيّها .
قوله: (( سيراء)) - بكسر السين المهملة ، وفتح الياء آخر الحروف ،
وبعدها راء مهملة ممدودة - وهو الحرير الصافي ؛ فمعناه : رأى حلة
(١) في سنن أبي داود: ((باب اللبس للجمعة)).
(٢) في سنن أبي داود: (( كسوتنيها يا رسول الله)).
(٣) البخاري: كتاب الجمعة ، باب: يلبس أحسن ما يجد (٨٨٦)، مسلم :
كتاب اللباس والزينة ، باب : تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال
(٢٠٦٨)، النسائي: كتاب الجمعة، باب: الهيئة للجمعة (١٣٨٢)، ابن
ماجه : كتاب اللباس ، باب : كراهية لبس الحرير (٣٥٩١) .
-٤٠٥-

حريراً . وقال ابن قرقول : ضبطناه على الإضافة عن ابن سراج ومتقني
شيوخنا .
قلت : فحينئذ ينبغي أن يُسقط التنوينُ من (( حلة)). ورواه بعضهم
بالتنوين على الصفة ، وزعم بعضهم أنه بدل لا صفة .
وقال الخطابي (١): ((حلة سِيَراء)) كناقة عُشَراء .
قال ابن قرقول : وأنكره أبو مَرْوان ؛ لأن سيبويه قال : لم يأت فعلاء
صفة ؛ لكن اسماً .
وقال الخطابي (١) : الحلّة السِّيراء: هي المضلعة بالحرير التي فيها
خطوط، وهو الذي يسمّونه المُسيّر ؛ وإنما سموه مُسيّراً للخطوط التي فيه
كالسيور .
ويقال : السيراء وَشْي من حرير . وعن ابن الأنباري : السيراء :
الذهبُ ، وقيل : نبتٌ ذو ألوان وخطوط ممتدّة كأنها السيور شُبِّه به بعضُ
الثياب، وقيل: السيراء: الُضلّع بالقز. وفي ((الصحاح)): هي برود
فيها خطوط صُفْر. وقال صاحب ((المغيث )) : برود يخالطها حرير
كالسيور ، فهو فِعلاء من السَّيْر الذي هو القِدُّ - بكسر القاف - ؛ لأن
عليها أمثال السيور. وقال الخليل: ليس في الكلام ((فعلاء)) - بالكسر
ممدوداً - إلا حولاء وعِنباء وسيرَاء . وقال غيرُهُ : الحِوَلاء : الماء الذي
[٧٩/٢ - ب] يخرج على رأس الولد / إذا وُلُد، والعنباء لغة في العنب ، وقد قيل :
الحُولاء - بالضم .
قوله: ((لو اشتريت هذه)) جوابُ ((لو)) محذوف ، والتقدير : لو
اشتريت هذه الحلّة فلبستها يوم الجمعة أو للوفد لكان حسّناً ، ونحو ذلك .
والوَفْدُ : جمعُ وافد ؛ وهم القوم يجتمعون ويَرِدون البلادَ ويقصدون
الأمراء لزيارة أو استرفادٍ أو غير ذلك .
(١) معالم السنن (٢١٣/١).
-
-٤٠٦-

قوله: (( من لا خلاق له)) الخلاق : الحظ والنصيب من الخير والصلاح ،
ورجل لا خلاق له : لا رغبة له في الخير .
قوله: (( في حلة عُطارد )) بالإضافة ؛ وهو عطارد بن حاجب بن زرارة
ابن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن
زيد مناة بن تميم ، وفد على النبي - عليه السلام - سنة تسع ؛ وعليه
الأكثرون ، وقيل : سنة عشر ، وهو صاحب الثوب الديباج الذي أهداه
للنبي - عليه السلام - ، وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة فقال
- عليه السلام -: ((لمناديل سَعْد بن معاذ في الجنة خير من هذا)) (١).
قوله : (( أخا له مشركاً بمكة )» أخوه هذا: هو عثمان بن حكيم ، وکان
أخاه لأمّه ، فأما زيد بن الخطاب أخو عُمر فإنه أسلم قبل عُمر . وفي
((صحيح أبي عوانة)): فكساها عمر أخاً له من أمّه من أهل مكة مشركاً .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي . والحديث لا يُطابق
الترجمة ؛ لأن أكثر ما فيه أن عُمر أشارَ مشورة رُدّت عليه ، والذي يناسبُ
الباب: ما رواه ابن ماجه عن عائشة: قال وَّيه: ((ما على أحدكم إن
وجد سعةً أن يتخذ ثوبین جمعته سوی ثوبي مهنته )) .
وعند ابن أبي شيبة - بسند صحيح على شرط مسلم - : نا عبدة : نا
عثمان بن حكيم ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن أبي سعيد مرفوعاً :
((إن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة : السواك، وأن يلبس من
صالح ثيابه ، وأن يتطيب بطيب إن كان )) .
وأخرج عن أبي جعفر أن رسول الله كان يلبس بُرْدَه الأحمرَ يوم
الجمعة، ويعتم يوم العيدين . وعن ابن أبي ليلى قال : أدركت أصحاب
محمد - عليه السلام - من أصحاب بدر ، وأصحاب الشجرة إذا كان يوم
(١) انظر: ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (١٦٥/٣)، وأسد الغابة
(٤/ ٤٢)، والإصابة (٤٨٣/٢).
-٤٠٧-

الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم ، وإن كان عندهم طيب مَسّوا منه ، ثم راحوا
إلى الجمعة .
ويُستفاد من حديث الباب فوائد ؛ الأولى : جواز بيع الحرير وإن كان
حراماً على الرجال .
الثانية : حرمة الحرير على الرجال .
الثالثة : جواز تملك الإنسان ما لا يجوز له لبسه .
الرابعة : جواز قبول الهدية من الكافر .
الخامسة : جواز الهدية للكافر .
وقال القرطبي : وفيه دلالة على أن عمر من مذهبه : أن الكفار ليسوا
مخاطبين بفروع الشريعة ، إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها ، ولقائل أن
يقول: لم يهدها إليه ليلبسها؛ بل لينتفع بها كما فعل بَ ثله مع عمر وغيره.
١٠٤٨ - ص - نا أحمد بن صالح : نا ابن وهب : أخبرني يونُس ،
وعمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب، عن سالم ، عن أبيه قال : وَجدَ عمر
ابن الخطاب حلة إستبرق تُباع بالسُوق فأخذها فأتى بها رسول الله - عليه
السلام - فقال: (( ابتَعْ هذه تجملْ بها للعيد وللوفود)) ثم ساق الحديث ،
' (١)
والأولُ أَتُمُّ (١) .
ش - الإستبرق : ما غلظ من الحرير والإبريسم ؛ وهي لفظة أعجميّة
معرّبة أصلها : إستبره ، وقد ذكرها الجوهري في الباء من القاف على أن
الهمزة والسين والتاء زوائدُ وأعاد ذكرها في السين من الراء . وذكرها
الأزهري في خماسي القاف على أن همزتها وحدها زائدة ، وقال : أصلها
بالفارسية : استَفَرَه ، وقال - أيضاً - : إنها وأمثالها من الألفاظ حروف
(١) انظر الحديث السابق .
-٤٠٨-

عربيّة وقع فيها وفاق بين العجمية والعربيّة ، وقال : هذا عندي هو
الصوابُ. وفي لفظ: ((من ديباج أو خز))، وفي رواية : ((من سُنْدس)).
قوله: ((ابْتع هذه )) أي : اشِتِرِ .
قوله: ((تجمل )) بجزم اللام على أنه أمر.
قوله: ((ثم ساق الحديث )) أي : الحديث المذكور .
قوله: (( والأول أتم)) أي : الحديث الأول ؛ وهو رواية القعنبي أتم ؛
لأنه أكثر فوائد .
١٠٤٩ - ص - نا أحمد بن صالح: نا ابن وهب: أخبرني عمرٌو (١)،
/ أن يحيى بن سعيد الأنصاري حدَّه، أن مُحمد بن يحيى بن حبّان حَدّثه، [٢/ ٨٠-٢]
أَن رسولَ الله - عليه السلام - قالَ: (( ما على أحدكم إن وجَد أو ما على
أحدكم إن وجدتُم أن يَتَخذَ ثوبَيْن لَيَوْم الجمعة سوى ثوبي مَهْنته )) . قال
عمرو : وأخبرني ابن أبي حبيب ، عن موسى بن سعد ، عن ابن حبان ، عن
ابن سلام أنه سمع رَسُولَ الله يقولُ ذلك على المنبر (٢) .
ش - حَبان - بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة - وقد ذكرناه .
قوله : (( ثوبي مهنته )) - بفتح الميم وكسرها - أي : ثوبي بذلته وخدمته؛
والرواية بفتح الميم . قال الأصمعي : المهنة - بفتح الميم - : الخدمة ، ولا
يقال : مهنة - بالكسْر - وكان القياس أن يقال مثل جلسة وخدمة ؛ إلا أنه
جاء على فَعلة ، وحكى غيرُه الكسر - كما تقدّم .
قوله: ((قال عمرو)) أي: عمرو بن الحارث المصري . وابنُ أبي حبيب:
هو يزيدُ بن أبي حبيب - سُويد - المصري .
وموسى بن سَعْد : ابن زيد بن ثابت الأنصاري ، وقال عبد الرزاق :
موسى بن سعيد . روى عن : حفص بن عبيد الله بن أنس ، وربيعة بن
(١) في سنن أبي داود: ((أخبرني يونس وعمرو)).
(٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة (١٠٩٥).
-٤٠٩-

أبي عبد الرحمن . روى عنه : يزيد بن أبي حبيب ، وعُمر بن محمد
العمري ، وعطاف بن خالد . روى له : مسلم ، وابن ماجه (١) .
وابن سلام : هو عبد الله بن سلام الصحابيّ .
قوله: ((يقول ذلك)) إشارة إلى قوله: ((ما على أحدكم إن وجد ))
الحديث .
ص - قال أبو داود : رواه وهب بن جرير ، عن أبيه ، عن يحيى بن أيوب،
عن يزيد بن أبي حبيب ، عن موسى بن سَعْد ، عن يوسف بن عبد الله بن
سلام، عن النبي - عليه السلام.
ش - أي : روى هذا الحديث : وهب بن جرير البَصْري ، وأبوه :
جرير بن حازم بن يزيد البَصْري ، ويحيى بن أيوب : الغافقي المصري .
ويوسف بن عبد الله بن سلام : أبو يعقوب ، أجلسه رسولُ الله في
حجره ووضع يده على رأسه وسمّاه يوسف ، له حديث في الأطعمة .
قال ابن أبي حاتم : ليست له صحبة . وقال البخاري : له صحبة .
وروى عن: عثمان ، وعليّ ، وأبيه ، وأبي الدرداء ، وخولة بنت مالك،
وجدته : أم معقل . روى عنه : يزيد بن أبي أمية الأعور ، والنضير بن
قيس ، وعمر بن عبد العزيز ، ويحيى بن سَعيد الأنصاري ، ومحمد بن
يحيى بن حبان ، وغيرهم . روى له : أبو داود ، والنسائي ، والترمذي
في ((الشمائل)) (٢).
٢٠٨ - بَابُ: التَحُّقِ يَوْمَ الجُمعَةِ قبل الصَّلاة
أي : هذا باب في بيان التحلّق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة .
والتحلق : اتخاذ الحلقة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٥٧/٢٩).
(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٧٩/٣)، وأسد الغابة
(٥٢٩/٥)، والإصابة (٦٧١/٣).
- ٤١٠-

١٠٥٠ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَّ﴿ فَهَى عن الشراء والبيع في
المَسْجِد وأن تُنشَد فيه ضالّة وأن يُنشدَ فيه شعرٌ ، ونهى عن التحلّق قبل
الصلاة يومَ الجمعة (١) .
ش - النهيُ عن الشِّرى والبيع في المسجد نهي تنزيه ، حتى لو باع في
المسجد أو عقد انعقد البيع والشراء ؛ ولكنه يكره ؛ لأن المساجد بنيت لأداء
الفرائض والأذكار .
قوله: ((وأن تُنشدَ فيه)) أي: ونهى أن تنشد في المسجد ضَالة ، يُقال:
نَشدتُ الدابةَ إذا طلبتها، وأَنشدتُها إذا عرّفتها، وقد ثبت: ((من سمع
ينشد ضالةً في المسجد فليقل : لا ردّها الله عليك ؛ فإن المساجد لم تبن
لهذا )).
٠٠٠
وقال الشيخ محيي الدين : ويلحق به ما في معناه من البيع والشِّرى
والإجارة ونحوها من العقود ، وكراهة رفع الصوت في المسجد . قال
القاضي : قال مالك وجماعة من العلماء : يكره رفع الصوت في المسجد
بالعلم وغيره . وأجاز أبو حنيفة ، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك
رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاجُ إليه الناسُ ، لأنه
مجمعهم ولا بد لهم منه .
قوله: ((وأن يُنْشد فيه شعر)) أي: ونهى أن يُنْشد في المسجد شِعْرٌ،
وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (( المساجد )) : نهى عن تناشد أشعار
الجاهلية والمبطلين فيه، فأما أشعار الإسلام والمُحقّين فواسع غير محظورٍ / [٢/ ٨٠ -ب]
-
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في كراهية البيع والشراء (٣٢٢)،
النسائي : كتاب المساجد ، باب : النهي عن البيع والشراء في المسجد (٧١٣)،
ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : ما يكره في المساجد (٧٤٩) ،
وباب : النهي عن إنشاد الضوال في المسجد (٧٦٦) ، وكتاب إقامة الصلاة ،
باب : ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (١١٣٣) .
- ٤١١-

وقال ابن حبيب : رأيت ابن الماجشون ، ومحمد بن مسلمة ينشدان فيه
الشعر ، ويذكران أيام العرب ، وقد كان ينشد بين يدي مالك فيُصغي إليه.
قال أبو عبد الملك : كان حسّان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام ،
وكذا لعب الحبش فيه ، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه ، فلما كمل
الإسلام زال ذلك كله. وقال البخاري: ((باب إنشاد الشعر في
المسجد))(١)، ثم قال: حدَّثنا أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، عن الزهري:
أخبرني أبو سلمة أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله
هل سمعتَ النبيَّ - عليه السلام - يقولُ: (( يا حسان ، أَجِبْ عن
رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس)) ؟ قال أبو هريرة: نعم)) ، فدلّ
الحديث على أن الشعر حق ، يتأهل صاحبه لأن يكون مؤيداً في النطق
بنصر الملائكة ، وما كان هذا شأنه فلا يتخيّل أنه يحرم في المسجد ؛ لأن
الذي يحرمُ في المسجد من الكلام إنما هو السفه وما هو باطل . وقد روى
الترمذي من حديث عائشة : كان رسول الله ينصبُ لحسان منبراً في
المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار .
فإن قيل : روى ابن خزيمة في (( صحيحه )) عن عبد الله بن سعيد : نا
أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ،
عن جده : نهى رسول الله عن تناشد الأشعار في المساجد . وحسّنه
الحافظان : الطوسي ، والترمذي . وروى أبو داود من حديث صدقة بن
خالد ، عن محمد بن عبد الله الشعيني ، عن زفر بن وثيمة ، عن حكيم
ابن حزام مرفوعاً : نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تُنشد فيه الأشعار(٢).
قلنا : قال ابن حزم : حديث عَمرو لا يصح ؛ لأنه صحيفة ، وحديث
حكيم بن حزام زعم أبو محمد الإشبيلي أنه حديث ضعيف . وقال ابن
القطّان : لم يُبين أبو محمد من أمره شيئاً وعلته : الجهل بحال زفر فلا
يُعرف .
(١) كتاب الصلاة (٤٥٣).
(٢) أبو داود: كتاب الحدود، باب: في إقامة الحد في المسجد (٤٤٩٠).
-٤١٢ -

قلت : ليس كما قال ؛ بل حاله معروف ، قال عثمان بن سعيد
الدارمي : سألتُ يحيى عنه فقال : ثقة ، وذكره ابنُ حبان في كتاب
(الثقات))، وصحح له الحاكم حديثاً عن المغيرة بن شعبة؛ ولكن
تصحيح الحاكم فيه نظر ؛ لأن ابن حبان لما ذكره في الثقات قال : روى
عن حكيم - إن كان سمع منه - وصرّح دُحيم لما ذكره ووثَّقه بقوله : لم
یلق حكيم بن حزام .
فإن قيل : روى عبد الرزاق في (( مصنفه )) من حديث أسيد بن
عبد الرحمن أن شاعراً جاء إلى النبي - عليه السلام - وهو في المسجد
قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: ((لا)) قال: بلى ، فقال له النبي
-عليه السلام -: (( فاخرج من المسجد)) فخرج فأنشد ، فأعطاه - عليه
السلام - ثوباً وقال : هذا بدل ما مَدحت به ربّك . قلنا : ذكره
عبد الرزاق من حديث ابن أبي یحیی شیخ الشافعي - وفيه كلام شدید -،
عن ابن المنكدر ، عنه .
فإن قيل: روى أبو نعيم من حديث جبير بن مطعم: (( لا تُسلّ
السيوفُ، ولا تُنتر النبلُ في المساجد، ولا تنشد فيها الأشعار)) . قلنا :
سَنْدُهُ ضعيفٌ .
فإن قيل : روى أبو أحمد الجرجاني في ((كامله )) من حديث ابن
عباس: (( نَزِّهو المساجدَ ولا تتخذُوها طرُقاً ، ولا تمر فيه حائضٌ ، ولا
يقعدُ فيه جنبٌ إلا عابر سبيل ، ولا ينتر فيه نبل ، ولا يُسل فيه سيف ،
ولا يضربُ فيه حد ، ولا ينشدُ فيه شعرٌ ، فإن أنشد فقل : فضّ الله فاك)).
قلنا : رواه جويبر بن سعيد ، وهو ضعيف عن الضحاك ، ولم يَسْمع من
ابن عباسٍ .
فإن قيل: روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: نَهِى وَِّ أن ينشدَ
الشعرُ في المَسْجد . قلنا : رَدَّ أبو أحمد بالفرات بن السائب .
قوله: (( ونهى عن التحلق قبل الصلاة )) أي : عن اتخاذ الحلقة، وفي
- ٤١٣-

رواية: ((نهى عن الحَلَقِ)) - بفتح الحاء وفتح اللام - جمع الحلقة -
بسكون اللام - مثل هَضْبة وهَضَبٍ. وفي (( المحكم)) : الحلقة : كل
شيء استدار كحلقة الحديد والفضة والذهب ، وكذلك هو في الناس ،
والجمع: ((حلاق)) على الغالب، و((حلَق)) على النادر، و((الحلَق))
عند سيبويه : اسم للجمع ؛ وليس يجمعُ؛ لأن (( فَعْلة )) ليست مما يكسر
[٨١/٢-١] على فَعَلِ. وقد حكى سيبويه / في الحلقة فتح اللام . وأنكرها ابن
السكيت وغيره . وقال اللحياني : حلقة الباب وحلَقته بإسكان
اللام وفتحها . وقال كراع : حَلْقة القوم وحَلَقتهم . وحكى يونس عن
أبي عمرو: ((حَلَقة)) في الواحد بالتحريك، والجمع ((حلقات)). وقال
الجوهري: الجمع ((حَق)) على غير قياس. وقال كراع: الجمع ((حَلَق))
و ((حِلَق)) و((حلاق)).
وقال الخطابي (١) : وكان بعض مشايخنا يرويه أنه نهى عن الحَلْق
-بسكون اللام - وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة ،
فقلت له : إنما هو الحلق جمع الحلقة . فقال : قد فرجت عني وجزاني
خيراً ، وكان من الصالحين . وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم
والمذاكرة ، وأمر أن يشتغل بالصلاة ، وينصت للخطبة والذكر ، فإذا فرغ
منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك)) . والحديث : أخرجه الترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه .
٢٠٩ - باب : اتخاذ المنبر
أي : هذا باب في بيان اتخاذ المنبر للخطبة .
١٠٥١ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد
ابن عبد الله بن عبد القاري القرشي قال : حدثني أبو حازمٍ بن دينار ، أن
رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امْثَرُوا في المنبرِ مِمَّ عُودُهُ، فسأَلُوهُ
(١) معالم السنن (٢١٣/١).
- ٤١٤-

عن ذلك ، فقال: والله إني لأعرفُ مما هو ، ولقد رَأَيْتُهُ أولَ يومٍ وُضِعَ، وأَوَّلـ
يَومٍ جَلَسَ عليه رسولُ الله ، أَرسلَ رسولُ الله إلى فُلانة - امرأة قد سمَّاهَا
سهّلٌ - أَنْ مُرِي غُلامَكِ النَجَّارِ أَن يَعمِلَ لِي أَعَواداً أَجْلِسَُ عليهنّ إذا كَلَّمْتُ
الناسَ ، فأمرتْهُ ، فَعَمَلَها من طَرفاءَ الغابةِ ، ثم جَاء بَها ، فَأَرْسَلَتْهُ إلى
رسول الله - عليه السلام - فأَمَر بها فوُضعَتْ هاهنا، فرأَيْتُ رسولَ الله صَلَّى
عليها، وكَبَّرَ عليها ، ثم رَكَعَ وهو عليها ، ثم نَزَلَ القَهْقَرِيَّ فسجَدَ في أَصل
المنبرِ ، ثم عَادَ، فلما فَرِغَ أَقبلَ على الناسِ فقال: (( أَيُّهَا الناسُ ، إنما صَنَعْتُ
هذا لتأْتَمَّوا بِي، ولِتَعْلَمُوا صَلاتِي)) (١) .
ش - عَبْد - بالتنوين - والقاريّ - بالتشديد - وقد ذكرنا ترجمته ،
وأبو حازم : سلمة بن دينار .
قوله: ((وقد امتروا)) جملة حالية من الضمير الذي في ((أتوا)) أي :
وقد شكوا في المنبر مم عوده ؟ أي: من أيّ شيء كان عوده؟ و((المنبر))
من نبرت الشيء أنبره نبراً ، رفعته ، ومنه سمي المنبر .
وقوله: ((مم)) أصله: ((من ما))، ومنه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) فلما
أدغمت الميم في الميم حذفت الألف للتخفيف .
قوله: ((أرسل رسول الله إلى فلانة امرأة)) وفي رواية جابر في ((صحيح
البخاري)) وغيره: أن المرأة قالت: (( يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئاً
تقعد عليه ؟ فإن لي غلاماً نجاراً))، وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة
الرواية سهل ، والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولاً على رسول الله ،
ثم بعث إليها النبي - عليه السلام - يطلب تنجيز ذلك .
قوله: ((أن مري)) ((أن)) تفسيرية مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا (٣) إِلَيْه
(١) البخاري : كتاب الجمعة، باب : الخطبة على المنبر (٩١٧)، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (٥٤٤)،
النسائي : كتاب المساجد ، باب : الصلاة على المنبر (٧٣٩).
(٢) سورة النبأ : (١).
(٣) فى الأصل: ((وأوحينا)).
- ٤١٥-

أَن اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (١) و((مُرِي)) أصله اءمري ، وقد عرف في موضعه ،
ووزن (( مُرِي)) عُلِي ، واختلف في اسم النجار ، فقيل : باقول . قال ابن
الأثير : كان رومياً غلاماً لسعيد بن العاص ، مات في حياة النبي - عليه
السلام - ويقال: باقوم ، وذكر أبو إسحاق الطليطلي في كتاب ((الصحابة))
أن اسمه قبيصة المخزومي ، قال : ويقال : ميمون . قال : وقيل : صُبَاح
غلام العباس بن عبد المطلب . زاد ابن بشكوال ، وقيل : ميناء ، وقيل :
إبراهيم .
قوله: (( من طرفاء الغابة)) ((الطرفاء)) - بفتح الطاء ، وسكون الراء
المهملتين - وهي ممدودة : شجر من شجر البادية ، واحدها طرفة - بفتح
الراء - مثل قصبة وقصباء . وقال سيبويه : الطرفاء واحد وجمع . وفي
رواية: (( من أثل الغابة)). وقال أبو زياد : من العضاه أثل ، وهو طوال
في السماء سلب ، ليس له ورق ينبت ، مستقيم الخشب ، وخشبه جيد ،
يحمل إلى القرى فتبنى عليه بيوت المدر ، وورقه هدب دقاق ، وليس له
شوك ، ومنه تصنع القصاع والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب
[٨١/٢ - ب] وهو النضار، وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب / للآنية ، وأجود
النضار الورسي لصفرته، ومنبر رسول الله نضار، وفي ((الواعي)) :
الأثلة خمصة مثل الأشنان ولها حب مثل حب التنوم ، ولا ورق لها ،
وإنما هي أشنانة يغسل بها القصارون ، غير أنها ألين من الأشنان . وقال
القزاز : هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء وليس به ، وهو أجود منه
عوداً ، ومنه تصنع قداح الميسر .
وقال الخطابي : هو شجر الطرفاء .
وقال ابن سيده : يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه ، و((الغابة )) - بغين
معجمة وباء موحدة - : أرض على تسعة أميال من المدينة ، كانت إبل
النبي - عليه السلام - مقيمة بها للمرعى ، وبها وقعت قصة
(١) سورة المؤمنون : (٢٧) .
-٤١٦-

العرنيين الذين أغاروا على سرحه . وقال ياقوت : بينها وبين المدينة أربعة
أميال .
وقال البكري في (( معجم ما استعجم)) : هما غابتان عليا وسفلى .
وزعم محمد بن سهل الأحول أن الغابة من (١) أعراض البحرين ، وهي
غير المذكورتين . وقال الزمخشري : الغابة بريد من المدينة من طريق
الشام. قال الواقدي : ومنها صنع المنبر . وقال محمد بن الضحاك ، عن
أبيه قال : كان عباس بن عبد المطلب يقف على سلع فينادي غلمانه وهم
بالغابة فيُسمِعُهم ، وذلك من آخر الليل ، وبين الغابة وبين سلع ثمانية
أميال، وفي ((الجامع)): كل شجر ملتف فهو غابة، وفي (( المحكم)):
الغابة : الأَجَمةُ التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة . وقال أبو حنيفة :
هي أَجَمةُ القصب ، قال : وقد جعلت جماعة الشجر غاباً مأخوذ من
الغيابة ، والجمع غابات وغاب .
قوله : (( ثم نزل القهقري)) وهو الرجوع إلى خلف ، وذلك لئلا يولي
ظهره إلى القِبلة . قال العلماء : كان المنبر ثلاث درجات كما صرح به
مسلم في روايته: (( فنزل النبي - عليه السلام - بخطوتين إلى أصل المنبر،
ثم سجد في جنبه)) ، وفيه دليل على أن الصلاة لا تبطل بالخطوتين ولا
بالخطوة ؛ ولكن الأولى تركه إلا لحاجة ، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه
كما فعل النبي - عليه السلام - ، وفيه دليل أيضاً أن الفعل الكثير
بالخطوات وغيرها إذا تفرق لا تبطل ؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر
وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل، وفي ((الإكليل ))
للحاكم عن يزيد بن رومان : كان المنبر ثلاث درجات ، فزاد فيه معاوية
لعلة ، قال : جعله ست درجات ، وحوله عن مكانه ، فكسفت الشمس
يومئذ . قال الحاكم : وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية ، ورد منبر النبي
- عليه السلام - إلى المكان الذي وضعه فيه. وفي ((الطبقات)): كان
(١) مكررة في الأصل .
٢٧ • شرح سنن أبي داوود ٤
-٤١٧ -

بينه وبين الحائط ممر الشاة . وقال ابن التين : وهو أول منبر عمل في
الإسلام . وذكر ابن سعد وغيره : أن المنبر عمل سنة سبع . ويقال : سنة
ثمان . ولما قام النبي - عليه السلام - عليه حنّ الجذع الذي كان يخطب
عليه كالعُشارِ ؛ لأنه - عليه السلام - كان يخطب إليه قائماً قبل أن يتخذ
المنبر . وعن عائشة - رضي الله عنها - : لما وضع النبي - عليه السلام -
يده على الجذع وسكّنه ، غار الجذع فذهب . وعن الطفيل بن أُبَّيِّ بن
كعب ، عن أبيه قال : كان النبي - عليه السلام - يصلي إلى الجذع إذ كان
المسجد عريشاً ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه : یا
رسول الله ، هل لك أن نجعل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة ، وتسمع
الناس يوم الجمعة خطبتك ؟ قال: (( نعم)) ، فصنع له ثلاث درجات هي
على المنبر ، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ،
وبدأ الرسول أن يقوم (١) فيخطب عليه ، فمر إليه فلما جاز الجذع الذي
كان يخطب إليه غار حتى تصدع وانشق ، فنزل النبي - عليه السلام - لما
سمع صوت الجذع فمسحه بيده ، ثم رجع إلى المنبر ، فلما هدم المسجد
أخذ ذلك أُبيُّ بن كعب ، فكان عنده إلى أن بَلِيَ وأكلته الأرضة ، فعادَ
رُفَاتاً ، رواه الشافعي ، وأحمد ، وابن ماجه .
قوله: ((ولتعلموا صلاتي)) بفتح العين ، واللام المشددة ، أي :
ولتتعلموا ، فحذفت إحدى التائين للتخفيف ، فبين - عليه السلام - أن
[٨٢/٢-١] صعوده / المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم، ليرى جميعُهم أفعاله - عليه
السلام - ، بخلاف ما إذا كان على الأرض ، فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن
قرب منه - عليه السلام - . وقال ابن حزم : وبكيفية هذه الصلاة قال
أحمد ، والشافعي ، والليث ، وأهل الظاهر . ومالك ، وأبو حنيفة : لا
يجيزانه .
قلت: ذكر صاحب ((المحيط)) أن المشي في الصلاة خطوة لا يبطلها ،
(١) كذا، ولعلها: ((وبدا للرسول أن يقوم)).
-٤١٨-

وخطوتين وأكثر تبطلها ، فعلى هذا ينبغي أن تفسد الصلاة على هذه
الكيفية ، ولكنا نقول : إذا كان ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ،
ولا تكره أيضاً عند أبي حنيفة كما هو مذهب الشافعي ، كما في مسألة من
انفرد خلف الصف وحده ، فإن له أن يجذب واحداً من الصف إليه
ويصطفان ، فإن المجذوب لا تبطل صلاته ، ولو مشى خطوة أو خطوتين،
وبه صرح أصحابنا في الفقه .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه .
فالبخاري أخرجه في باب الصلاة على المنبر ، ومسلم في باب جواز
الخطوة والخطوتين في الصلاة .
١٠٥٢ - ص - نا الحسن بن على ، نا أبو عاصم ، عن ابن أبي رواد، عن
نافع ، عن ابن عمر : أن النبي - عليه السلام - لما بدَّنَ قال له تميمٌ الداريّ:
أَلا أَنَّخذُ لك منبراً يا رسولَ الله يَجْمَعُ - أو يَحمِلُ - عظَامَكَ ؟ قال :
(بلى.)) فاتَّخَذَ لَهَ مِنبراً مِرْقَاتَينِ (١).
ش- أبو عاصم الضحاك بن مخلد البصري، وابن أبي رواد عبد العزيز،
واسم أبي رواد : ميمون المكي .
قوله: (( لما بدَّن )) بتشديد الدال أي : كبر وأسن .
قوله: ((مرقاتين)) المرقاة: الدرجة ، أي : اتخذ له منبراً درجتين،
ونصبها على أنها بدل من المنبر ، وهي من رَقيتُ في السلم - بالكسر -
رقياً ورقياً إذا صعدت ، وارتقيت مثله . قال الجوهري : والمرقاة
-بالفتح -: الدرجة ، فمن كسرها شبهها بالآلة يعمل بها ، ومن فتح قال:
هذا موضع يفعل فيه ، فيجعله بفتح الميم مخالفاً .
فإن قيل : ما التوفيق بين الحدیثین ؟ فإن في حديث مسلم كما ذكرنا
(١) تفرد به أبو داود .
-٤١٩-

ثلاث درجات ، وفي هذا الحديث مرقاتان وهما درجتان ؟ قلنا : الذي
قال: ((مرقاتين)) كأنه لم يعتبر الدرجة التي يجلس عليها ، والذي روى
ثلاثاً اعتبرها. وفي (( طبقات ابن سعد )) من حديث أبي هريرة وغيره
قالوا: كان النبي - عليه السلام - يخطب يوم الجمعة إلى جذع قائماً
فقال: ((إن القيام قد شق عليَّ)) فقال له تميم الداريُّ: ألا أعمل لك منبراً
كما رأيتُه بالشام ؟ فشاور النبيّ - عليه السلام - المسلمين في ذلك ، فرأوا
أن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاماً يقال له كلاب
أعملُ الناس، فقال النبي - عليه السلام -: ((مره أن يعمله)) ، فعمله
درجتين ومقعداً ، ثم جاء به فوضعه في موضعه .
وفي كتاب ابن التين: عمله غلام لسعد بن عبادة. وفي (( دلائل النبوة))
لأبي نعيم: (( صُنع للنبي - عليه السلام - كرسي أو منبر)) الحديث .
:
٢١٠ - باب : موضع المنبر
أي : هذا باب في بيان موضع المنبر .
١٠٥٣ - ص - نا مخلد بن خالد، نا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد،
عن سلمة قال: كان بين منبرِ رسول الله وَلغه وبينَ الحائط كَقَدْر مَمَرِّ الشَّةِ (١).
ش - يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع .
والحديث : أخرجه مسلم بنحوه أتم منه ، وابن سعد في ((الطبقات ))،
وفيه من السُّنَّة أن لا يلزق المنبر بالحائط حتى لا يكون متخللاً بين الصف
في الصلاة .
٠٠
(١) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة
(٤٩٧)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب: دنو المصلي من السترة
(٥٠٩/٢٦٣).
- ٤٢٠ -