النص المفهرس

صفحات 381-400

٢٠٢ - بَابُ: التخلّف عن الجماعة في الليلة البَاردة (١)
أي : هذا باب في بيان التخلف عن الحضور إلى الجماعة في الليلة
الباردة .
١٠٣١ - ص - نا محمد بن عبيد: نا حماد بن زيد : نا أيوب ، عن نافع
أن ابن عمر نَزل بضَجْنَانَ في ليلة باردة فأمر المنادي فنادى : أن الصلاة في
الرحال . قال أيوب : وحدّث نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - عليه
السلام - كان إذا كانت ليلة باردة أو مَطيرةٌ أمر المنادي فنادى : الصلاة في
الرحال (٢).
ش - ضَجْنان - بفتح الضاد المعجمة ، وبعدها جيم ساكنة ، ونون
مفتوحة ، وبعد الألف نون أيضاً - : وهو جبلٌ على بريد من مكة . وقال
ابن الأثير : هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة .
قوله: ((قال أيوب)) أي: السختياني. وأخرج ابن عدي ، عن
أبي هريرة : كان رسول الله - عليه السلام - إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة
أمر المؤذن فأذن الأذان الأول ، فإذا فرغ نادى : الصلاة في الرحال أو في
رحالكم . وفي سنده : محمد بن جابر اليمامي ، وهو ضعيف . وفي
(شرح البخاري)): الرحال : المنازل والدور والمساكن جمع رحل ، وسواء
كانت من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبرٍ وغيرها . قال
ابن سيده : والجمع : أرحلٌ .
١٠٣٢ - ص - نا مؤملُ بن هشام: نا إسماعيل ، عن أيوب ، عن نافع
قال: نادی ابن عمر بالصلاة بضجنان ثم نادَى أن صَلُوا في رحالكم . قال
فیه: ثم حدّث عن رسول الله أنه كان يأمر المُنادي فيُنادي بالصلاة ثم ينادي:
(أن صلوا في رحالكم)) في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة في السفر (٣).
(١) في سنن أبي داود: (( الليلة الباردة أو الليلة المطيرة)).
(٢) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة
(٩٣٧) .
(٣) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة (٩٣٧).
-٣٨١-

ش - إسماعيل : ابن علية .
قوله: (( قال فيه )) أي : قال نافع في الحديث المذكور : ثم حدّث ابن
عمر عن رسول الله - عليه السلام - . والحديث : أخرجه ابن ماجه .
ص - قال أبو داود : رواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، وعبيد الله قال فيه:
في السفر في الليلة القَرّةِ أو المطيرةِ .
ش - أى : روى الحديث : حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني
وعبيد الله بن عُمرَ العُمري .
قوله: ((في الليلة القَرّة )) أي: الباردة ؛ القرُّ: البردُ ، يقال : قرّ يومنا
يقَرّ قرَّةً، ويوم قَر - بالفتح - أي : بارد ، وليلة قرّةٌ .
١٠٣٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة [ نا ] أبو أسامة ، عن عُبيد الله ، عن
نافع ، عن ابن عمر أنه نادى بالصلاة بضَجْنانَ في ليلة ذاتَ بَرْدٍ وربح ، فقال
في آخر ندائه : أَلا صَلُوا في رحالكم ، ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن
رسول الله - عليه السلام - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً أو ذاتُ مطر
في سفرٍ يقولُ: ((ألا صلوا في رحالكم)) (١) .
ش - في هذه الأحاديث تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من
الأعذار ، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر ، وأنها مشروعة في السفر ، وأن
الأذان مشروع في السفر . والحديث : أخرجه مسلم ، والبخاريّ ،
والنسائي .
[٧٥/٢-١]
١٠٣٤ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن نافع / أن ابن عمر - يعني :
أذن بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وربح فقال : ألا صلُّوا في الرحال ثم قال : إن
رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةً باردةً ذات مطر يقولُ: ((ألا صَلُوا
في الرحال)) (٢) .
(١) انظر التخريج السابق.
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الأذان للمسافر إذا كان جماعة والإقامة ،
وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: ((الصلاة في الرحال)) في الليلة الباردة=
-٣٨٢-

ش - أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
١٠٣٥ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي : نا محمد بن سلمة ، عن
محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : نَادی منادي رسول الله
-عليه السلام - بذلك في المدينة في الليلة المطيرة، والغداة القَرّة (١).
ش - ((بذلك)) أي: بقوله: ((أَلا صلُوا في الرحال)).
ص - قال أبو داود : روى هذا الخبر : يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن
القاسم، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - قال فيه: (( في السفر)).
ش - أشار بهذا إلى تضعيف رواية محمد بن إسحاق ؛ لأن الثقات مثل
يحيى الأنصاري والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رويا هذا الحديث
وفيه : (( في السفرِ )) .
١٠٣٦ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا الفضل بن دکین : نا زهير ، عن
أبي الزبير ، عن جابر قال : كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر فمطرنا
فقال رسولُ الله: (( ليُصلِ مَنْ شاء منكم في رَحْلُه)) (٢).
ش - زهير : ابن معاوية ، وأبو الزبير : محمد بن مسلم ، وجابر :
ابن عبد الله .
والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي . وعند الطبراني -بسند صحيح-
عن نُعَيم بن النحام قال : أذن مؤذن رسول الله ليلة فيها برد وأنا تحت
لحافي ، فتمنيتُ أن يُلْقِي اللهُ على لسانه: ولا حرجَ ، فلما فرغ قال : ولا
حرج . وعند البيهقي : فلما قال : الصلاة خير من النوم قال : ومنْ قعد
= أو المطيرة (٦٣٢)، مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة
في الرحال في المطر (٦٩٧/٢٢)، النسائي : كتاب الأذان، باب : الأذان في
التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة (١٥/٣).
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة في الرحال في المطر
(٦٩٨/٢٥)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب : ما جاء إذا كان المطرُ فالصلاة
في الرحال (٤٠٩).
-٣٨٣-

فلا حرج . وعند أحمد : فلما بلغ حي على الفلاح قال : صلوا في
رحالكم ، ثم سألت عنها فإذا النبي - عليه السلام - قد أمره بذلك .
١٠٣٧ - ص - نا مسدد : نا إسماعيل : أخبرني عبد الحميد صاحب
الزيادي : نا عبد الله بن الحارث - ابن عم محمد بن سيرين - أن ابن عباس
قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل :
حي على الصلاة، قل : "صلوا في بيوتكم. قال : فكأن الناس استنكرُوا ذلكَ
فقال : قد فعل ذَا مَنْ هو خير مني ؛ إن الجمعة عَزْمةٌ وإني كرهتُ أن
أُحرجَكُم فتمشون في الطين والمطر (١) .
ش - إسماعيل : ابن علية .
وعبد الحميد : ابن دینار ، وهو عبد الحميد بن گُرْدید صاحب الزيادي،
سمع : أنس بن مالك ، وأبا الوليد عبد الله بن الحارث ، وثابتا البناني ،
روى عنه : شعبة ، وحماد بن زيد ، وابن علية . روى له : البخاري ،
ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٢).
قوله: ((استنكروا ذلك)) أي: ذلك القول من المؤذن، وكذلك ((ذا))
إشارة إليه .
قوله: (( عزْمة)) - بفتح العين وإسكان الزاي - أي : واجبة متحتمة ،
فلو قال المؤذن: ((حي على الصلاة)) لتكلّفتم المجيء إليها ولحقتكم
المشقةُ. ثم إنه جاء في حديث ابن عباس هذا: (( صلوا في بيوتكم )) في
وسط الأذان ، وفي حديث ابن عمر في آخر ندائه ، والأمران جائزان ،
نصّ عليها الشافعي في (( الأمّ)) في كتاب الأذان، وتابعه جمهور الشافعية
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الكلام في الأذان (٦١٦)، مسلم : كتاب
صلاة المسافرين وقصرها ، باب : الصلاة في الرحال في المطر (٢٦ / ٦٩٩)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب : الجماعة في الليلة المطيرة
(٩٣٩) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧١٢/١٦).
- ٣٨٤-

فيجوز بعدَ الأذان وفي أثنائه لثبوت السُّنَّة فيهما ؛ لكن قوله بعدَه أحسن
لَيَبقى نظمُ الأذان على وَضْعُه .
قال الشيخ محيي الدين (١) : ومن أصحابنا من قال : لا يقوله إلا بعد
الفراغ ؛ وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ، ولا منافاة بينه
وبين حديث ابن عمر ؛ لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت ؛ وكلاهما
صحيح .
قوله : (( أن أُحرجكم)) - بالحاء المهملة - أي : أشق عليكم بإلزامكم
السَّعى إلى الجماعة في الطين والمطر، وفي رواية: ((كرهتُ أن أُوثمكم ))
أي : أكون سبب اكتسابكم الإثم عند ضيق صدُوركم ، فربما يتسخط
ويتكلم به . وروي بالخاء المعجمة ، من الخروج . والحديث : أخرجه
البخاريّ ، ومسلم ، وابن ماجه .
٢٠٣ - بَابُ: الجُمعة للمَمْلُوكِ وَالمرأة
أي : هذا باب في بيان الجمعة للمملوك والمرأة .
١٠٣٨ - ص - نا عباس بن عبد العظيم : حدَّثني إسحاق بن منصور : نا
هُريم ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن
شهاب، عن / النبي - عليه السلام - قال: (( الجمعة حقّ واجب على كل [٧٥/٢ - ب]
مسلمٍ في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيّ أو مريض)) (٢).
ش - إسحاق بن منصور : السُّلمي ، روى عن : هُرَيم ، روى عنه :
عباس بن عبد العظيم ، روی له : أبو داود (٣) .
وهريم : ابن سفيان البجلي الكوفي ، روى عن : عبيد الله بن عُمر ،
ومنصور بن المعتمر ، وليث بن أبي سليم ، والأعمش ، وغيرهم . روى
(١) شرح صحيح مسلم (٢٠٧/٥).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/ ٤٨٠ هامش ٣).
٢٥ • شرح سنن أبي داوود ٤
- ٣٨٥-

عنه : الأسود بن عامر ، وعبد الحميد بن صالح ، وإسحاق بن منصور ،
وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له : الجماعة إلا النسائي (١) .
وهريم : بضم الهاء وفتح الراء .
وإبراهيم بن محمد بن المنتشر : ابن الأجدع ، ابن أخي مسروق بن
الأَجْدع الهمداني الكوفي ، يَرْوي عن : أبيه . روى عنه : شعبة وأهل
العراق، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، واحتج به الشيخان في
«صحیحیھما)) (٢) .
وقيس بن مُسلم : الجدلي العَدْواني ، أبو عمرو الكوفي . روى عن :
طارق بن شهاب ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن
أبي ليلى . روى عنه : الأعمش ، ومسعر ، والثوري، وشعبة، وغيرهم.
قال ابن معين وأبو حاتم : ثقة . مات سنة عشرين ومائة . روى له
الجماعة (٣) .
وطارق بن شهاب : ابن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن
جُشم البجلي الأَحْمسي ، أبو عبد الله ، رأى النبي - عليه السلام - ،
وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو ثلاثاً
وأربعين من غزوة إلى غُزية . روى عن : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ،
وعليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وسلمان الفارسي ، وخالد بن
الوليد ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري،
أخرج له البخاري ، عن أبي بكر الصِّدِّيق وعبد الله بن مسعود ، وأخرج
له مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، وأخرج له أبو داود ، والنسائي، عن
النبي -عليه السلام - . روى عنه: قيس بن مسلم، ومخارق بن عبد الله،
وعلقمة بن مرثد ، وغيرهم . توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (٤) .
(١) المصدر السابق (٣٠ /٦٥٦٢).
(٢) المصدر السابق (٢٣٥/٢).
(٣) المصدر السابق (٤٩٢١/٢٤).
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٣٧/٢)، وأسد الغابة
(٧٠/٣)، والإصابة (٢٢٠/٢).
-٣٨٦-

قوله: ((الجمعة حق واجب)) أى : فرض عين لا يجوز التخلف عنها.
قوله: ((في جماعة)) لأنه إذا لم تكن جماعة لا تجب الجمعة ؛ وأقلها :
ثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة . وبهذا الحديث استدل أصحابنا ، وقال
صاحب (( الهداية)) : ولا تجب - أي : الجمعة - على مسافرٍ ولا امرأةٍ
ولا مريض ولا عبد ولا أَعْمی .
وقال الخطابي (١) : أجمع الفقهاء على أن النساء لا جمعة عليهن ،
فأما العبيد : فقد اختلفوا فيهم ، فكان الحسن وقتادة يوجبان على العبد
الجمعة إذا كان مُخارجاً ، وكذلك قال الأوزاعي ، وأحسب أن مذهب
داود: إيجاب الجمعة عليه . وقد روي عن الزهري أنه قال : إذا سمع
المسافر الأذان فليحضر الجمعة . وعن إبراهيم النخعي نحو من ذلك .
ص - قال أبو داود : طارق بن شهاب قد رأى النبي - عليه السلام - ولم
يسمع منه شيئاً .
ش - هذا غير قادح في صحة الحديث ؛ فإنه يكون مرسل صحابيّ وهو
حجة ، وكذا قال النووي في (( الخلاصة))، وقال : والحديث على شرط
الشيخين. انتهى. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) عن هريم بن سفيان به،
عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى مرفوعاً ، وقال : هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد احتجا بهريم بن سفيان .
ورواه ابن عيينة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، فلم يذكر فيه
أبا موسى ، وطارق بن شهاب يُعدّ في الصحابة . وقال البيهقي في
(سننه)): هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مُرسل جيد ، وطارق من
كبار التابعين، وممن رأى النبي - عليه السلام - وإن لم يسمع منه ،
ولحديثه شواهد . وقد صرح ابن الأثير في ((جامع الأصول )) بسماعه من
النبي - عليه السلام - حيث قال : رأى النبي - عليه السلام - وليس له
سماع منه إلا شاذا ، ويؤيّدُ هذا قول الزهري في ((التهذيب)) : صحابي
(١) معالم السنن (٢١٠/١).
-٣٨٧-

أدرك الجاهلية وصحب النبي - عليه السلام - ، وعقد له المزي في
((أطرافه)) مُسنداً ، وذكر له عدة أحاديث .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : نا حميد بن عبد الرحمن الرقاشي ، عن
حسن ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن مولى لآل الزبير قال : قال
رسول الله - عليه السلام -: (( الجمعة واجبة على كل حالمٍ إلا أربعة :
الصبي ، والعبد ، والمرأة، والمريض)).
نا هشيم ، عن ليث ، عن محمد بن كعب القرظي قال : قال
رسول الله - عليه السلام -: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه
الجمعة يوم الجمعة إلا على امرأة أو صبي أو مملوك أو مريض)) . وأخرج
عن مجاهد : ليس على العبد جمعة . وكذا عن الحسن .
٢٠٤ - بَابُ: الجُمعَةِ فِي القُرَى
أى : هذا باب في بيان إقامة الجمعة في القرى جمع قريةٍ .
[٧٦/١-أ]
/ ١٠٣٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله المخرمي
لفظُه قالا : نا و کیع ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس
قال : إن أوّلَ جمعة جُمّعت في الإسلام بعد جُمعةِ جُمّعت في مسجد
رسول الله بالمدينة لجمعةٌ جمّعت بجُواثًا قرية من قُرَى الْبُحْرِين . قال عثمان :
قرية من قُرى عبد القيس (١) .
ش - أبو جَمْرة - بالجيم - نَصْر بن عمران بن عاصم بن واسع الضبعي
البصري . سمع : ابن عباس ، وابن عمر ، وجارية بن قدامة ،
وغيرهم. وروى عن : أنس بن مالك . روى عنه : أيوب ، وإبراهيم بن
طهمان ، وهشام بن حسان ، وشعبة ، وغيرهم . قال ابن معين وابن
(١) البخاري: كتاب الجمعة، باب: الجمعة فى القرى والمدن (٨٩٢).
-٣٨٨-

حنبل وأبو زرعة : ثقة . توفي سنة ثمان وعشرين ومائة . روى له
الجماعة (١) .
قوله : ((لجمعةٌ)) بلام التأكيد خبر (( إنّ )) .
قوله : (( بجواثا)) أي : في جواثا - بضم الجيم وواو مخففة ، ومنهم
مَن يَهْمزها .
قوله: ((قرية)) بالجرّ على أنها بدل من قوله: ((بجواثا)). وقال
الزمخشري : جُواثا : حِصْن بالبحرَيْن . وقال البكري : هو بضم أوله
على وزن فُعالى مَدينة بالبحرين لعَبْد القيس ؛ قال امرئ القيس :
يُعَالى النعاج بين عِدْلٍ ومُحقَّب
ورحنا كأنا في جُواثا عشية
يُريد كأنا من تُجّار جُواثا لكثرة ما معهم من الصيد ، وأراد كثرة أمتعة
تجار جُواثا. وهو معنى قوله: ((قال عثمان)) أي : عثمان بن أبي شيبة:
قرية من قرى عَبْد القيس .
وبهذا الحديث استدلت الشافعية أن الجمعة تقامُ في القرية إذا كان فيها
أربعون رجلاً أحراراً مقيمين، حتى قال البَيْهقي: (( باب العدد الذين إذا
كانوا في قرية وجبت عليهم )) ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجُواثا .
قلنا : لا نُسلم أنها قريةٌ ؛ بل هي مدينةٌ كما قال البكري ، حتى قيل :
كان يَسكنُ فيها فوق أربعة آلاف نفس ، والقرية لا تكون كذلك ، والقرية
- أيضاً - تطلق على المدينة، قال تعالى: ﴿عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْن﴾(٢)
وهما : مكة والطائف ، وتسمى مكة أم القرى ، ولئن سلمنا أنها قريةٌ
فليس في الحديث أنه - عليه السلام - اطلع على ذلك وأقرّهم عليه .
والحديث : أخرجه البخاريّ .
وقد اختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه الجمعة ؛ فقال مالك :
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٤٠٨/٢٩).
(٢) سورة الزخرف : (٣١).
-٣٨٩-

كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها ، ولا تجب على
أهل العمود وإن كثروا ؛ لأنهم في حكم المسافرين . وقال الشافعي ،
وأحمد : كل قرية فيها أربعون رجلاً أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها ، لا
يظعنون عنها صيفاً ولا شتاء إلا ظعن حاجة ، فالجمعة واجبة عليهم ،
وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها ، بشرط
أن تكون الأبنية مجتمعة ، فإن كانت متفرقة لم تصح ، وأما أهل الخيام
فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف ،
وإن كانوا دائمين فيها شتاء وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ، ففيه
قولان أصحهما : لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم ؛ وبه قال مالك،
والثاني : تجب عليهم وتصح منهم ؛ وبه قال أحمد ، وداود . ومذهب
أبي حنيفة : لا تصح الجمعة إلا في مِصرٍ جامع ، أو في مصلى المِصر ،
ولا تجوز في القرى ، وتجوز في مِنَى إذا كان الأمير أمير الحاج ، أو كان
الخليفة مسافراً . وقال محمد : لا جمعة بمِنَى ، ولا تصح بعرفات في
قولهم جميعاً . وقال أبو بكر الرازي في كتابه (( الأحكام )) : اتفق فقهاء
الأمْصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره ؛ لأنهم
مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب . وذكر ابن المنذر
عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمّعون .
ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة ؛ فعن أبي يوسف:
هو كل موضع يكون فيه كل محترف ، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس
إليه في معايشهم عادةً ، وبه قاضٍ يقيم الحدود . وقيل : إذا بلغ سكانه
عشرة آلاف ، وقيل : عشرة آلاف مقاتل ، وقيل : بحيث أن لو قصدهم
عدو لأمكنهم دفعُه ، وقيل : كل موضع فيه منبر وقاضٍ يقيم الحدود ،
وقيل : أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يَسعهم ، وقيل : أن يكون
[٧٦/٢- ب] بحال يَعيش / فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنةٍ من غير أن يشتغل
بحرفة أخرى . وعن محمد : كل موضع مَصّره الإمام فهو مصر ، حتى
إنه لو بعث إلى قرية نائباً لإقامة الحدود والقصاص يَصير مصراً ، فإذا عزله
- ٣٩٠-

ودعاه يُلحق بالقرى ، ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما
رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) : أخبرنا معمر ، عن أبي إسحاق ، عن
الحارث ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : لا جمعة ولا تشريق إلا في
مصر جامع. ورواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه )) : ثنا عباد بن العوام ،
عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ قال : لا جمعة
ولا تشريق ، ولا صلاة فطر ، ولا أضحى إلا في مصر جامع ، أو مدينة
عظيمة .
وروى - أيضاً - بسند صحيح : نا جرير ، عن منصور ، عن طلحة ،
عن سعد بن عَبيدة ، عن أبي عبد الرحمن قال : قال عليّ : لا جمعة ولا
تشريق إلا في مصر جامع .
ولا التفاتَ إلى قول النووي : حديث عليّ ضعيف متفق على ضعفه ،
وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع ، فكأنَّه عثر على حديث عليّ من
طريق حجاج بن أرطأة ، ولم يَعثر على طريق جرير ، عن منصور ؛ فإنه
سند صحيح، ولو اطلع عليه ما ادّعى هذه الدعوى. وأما قوله: (( متفق
على ضعفه )) فزيادة من عنده ، ولا يُدْرى من سلَفُه في ذلك ، على أن
أبا زَيْد زعم في ((الأَسْرار)) أن محمد بن الحسن قال : رواه مرفوعاً:
معاذٌ، وسراقةُ بن مالك . وروى أبو بكر بن أبي شيبة ، عن ابن فضيل ،
عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أنه كان يشهد
الجمعة في الطائف وهو في قرية يُقال لها : الوَهْطُ على رأس ثلاثة أميال.
وروى عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري أنهم كانوا يشهدون
الجمعة مع النبي - عليه السلام - من ذي الحليفة .
وعن وكيع ، عن أبي البُحْتري قال : رأيتُ أنساً شهدَ الجمعةَ مِنَ
الزاوية؛ وهي فرسخان من البصرة .
وعن أزهر ، عن ابن عون قال : كان أبو المليح عاملاً على الأبلة ،
فكان إذا أتت الجمعة جمّع منْها .
- ٣٩١-

وجه الدلالة من هذه الآثار : أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما
احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال .
فإن قيل : إنها لم تُقَم في قرى المدينة لينالوا فضيلة الصلاة معه - عليه
السلام - . قيل له : كان يأمر بها في القرى النائية عن المدينة ؛ لأنه يشق
عليهم الحضور ، ويتعذر عليهم إدراك الفضيلة ، فلما لم يأمر بها دلّ على
عدم الجواز ؛ إذ لو جاز لأمر بها كما أمر بإقامة الجماعة في مساجد المدينة
مع فوات فضيلة الصلاة معه ؛ وإلى هذا القول ذهب سحنون .
فإن قيل: (( في سنن سعيد بن منصور )) عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى
عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة ؟ فكتب إليهم : اجمعوا
حيث ما كنتم . وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ : جمّعوا . وفي
(المعرفة)) : أن أبا هريرة هو السائل ، وحسن سنده .
وروى الدار قطني بإسناده عن أم عبد الله الدوسيّة قالت : قال
رسول الله وَّله: ((الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم
يكونوا إلا أربعة)). زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - عليه
السلام - ثلاثةً .
وفي ((المصنّف )) عن مالك: كان أصحاب النبي - عليه السلام - في
هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون .
وفي (( صحيح ابن خزيمة )) عن ابن كعب بن مالك ، عن أبيه أنه كان
إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أَسْعد بن زرارة فسألته فقال :
أي بُنيَّ! كان أول مَنْ جمّع بنا بالمدينة في هَزْم النَّبيت من حَرّة بني بياضة
يُقال له : نَقيع الخَضِمَات ، قلتُ : وكم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعون
رجلاً. وعند البيهقي : قبل مقدم النبي - عليه السلام - .
وفي ((المعرفة)) : قال الزهري : لما بعث النبي - عليه السلام -
مُصْعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن جمّع بهم ، وهما اثنا عشر
رجلاً ، فكان مُصعب أول مَن جمّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها
-٣٩٢ -

[٧٧/٢-أ]
رسول الله - عليه السلام - . قال البيهقي : يُريدُ : الاثني عشر النقباء
الذين خرجوا به إلى المدينة / وكانوا له ظَهراً . وفي حديث كعْب : جمَّع
بهم أَسْعدُ وهم أربعون ، وهو يُريد جميع مَنْ صلى معه ممن أسلم من أهل
المدينة مع النقباء . وعن جعفر بن برقان قال : كتب عمر بن عبد العزيز
إلى عدي بن عدي : أما أهل قرية ليسوا بأهل عَمود ينتقلُون فأمِّرْ عليهم
أميراً يُجمّع بهم ؛ رواه البيهقي .
قلنا : أما الجواب عن الأوّل : فمعناه : جَمّعوا حيث ما كنتم من
الأَمْصار ، ألا ترى أنها لا تجوز في البراري .
وعن الثاني : أن رواته كلهم عن الزهري متروكون ، ولا يصح سماع
الزهري من الدوسية . وقال عبد الحق في ((أحكامه)) : لا يصح في عدد
الجمعة شيء .
وعن الثالث: إنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القُرى.
وعن الرابع : نذكره الآن ؛ لأن أبا داود رواه مثل ما روى ابن خزيمة .
وعن الخامس : أن النبي - عليه (١) السلام - لم يأمرهم بذلك ولا
أقرهم عليه .
وعن السادس : أن رأي عمر بن عبد العزيز ليس بحجة ، ولئن سلمنا
فلیْس فیه ذکر عددٍ .
وأما قول ابن حزم مستدلاً لمذهبه: (( ومن أعظم البرهان : أن النبي
-عليه السلام - أتى المدينة ، وإنما هي قرى صغار متفرقة، فبنى مسجده في
بني مالك بن النجار ، وجمّع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك ))
فغير جيد من وجوه ؛ الأول : هو قد صحح قول عليّ بن أبي طالب
-كرَّم الله وجهه (٢) - الذي هو من أعلم الناس بأمر المدينة (( لا جمعة ولا
تشريق إلا في مصر جامع )) ، الثاني : الإمام أيّ موضع حلّ جمّع ،
الثالث : التمصير هو للإمام ، فأيّ مَوضع مَصّرَه مصِّر .
(١) في الأصل: ((عليهم)). (٢) تقدم التعليق على خطأ هذه الكلمة (١/ ١٨٢).
-٣٩٣-

١٠٤٠ - ص - نا قتيبة بن سعيد : نا ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق،
عن محمد بن أبي أمامة بن سَهْل ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهَب بصرُه - ، عن أبيه كعب بن مالك (١)
أنه كان إذا سمعَ النداء يوم الجمعة ترحّم لأَسْعد بن زرارة فقلت له : إذا
سمعت النداء ترَحمتَ لأسعد بن زرارة ؟ قال : لأنه أول مَنْ جمّعْ بِنَا فِي
هَزْم النَبيت من حَرّة بني بياضة في نقيع يقال له : نقيع الخَضِمَات ، قَلتُ:
كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون (٢).
ش - ابن إدريس : عبد الله بن إدريس الكوفي .
ومحمد بن أبي أمامة : أسعد بن سَهْل بن حُنيف الأنصاري الأوسي .
روى عن : أبيه . روى عنه : محمد بن إسحاق بن يَسار . روى له :
أبو داود ، وابن ماجه (٣).
وأسعد بن سَهْل : الصحابي الأنصاري .
وعبد الرحمن بن كعب بن مالك: الأنصاري السلمي المدني أبو الخطاب .
سمع : أباه ، وجابر بن عبد الله . روى عنه : أبو عامر صالح بن رستم،
والزهري ، وإسحاق بن يسار - والد محمد . توفي في خلافة سليمان بن
عبد الملك . وقال الواقدي : في خلافة هشام(٤) . روى له الجماعة (٥).
وكعب بن مالك : ابن أبي كعب - واسمه : عمرو - ابن القين بن
كعْب ، أبو عبد الرحمن ، أو أبو محمد ، أو أبو بشير ، وهو أحد
(١) في الأصل: ((عن أبيه، عن كعب بن مالك)) خطأ.
(٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: في فرض الجمعة (١٠٨٢).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٠٨٠).
(٤) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢٥٩/٦): إنما قال ذلك الواقدي في
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب المتقدم ، وأما هذا فقال ابن سعد : توفي في
خلافة سليمان ، وكذا ذكر خليفة ويعقوب بن سفيان وغير واحد .
(٥) المصدر السابق (٣٩٤١/١٧).
- ٣٩٤-

الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَة الَّذِينَ
خُلِّفُواْ﴾ (١) ، روي له عن رسول الله ثمانون حديثاً؛ اتفقا على ثلاثة
أحاديث ، وللبخاري حديث واحد ، ولمسلم حديثان ، شهد العقبة مع
السبعين ، والأصح أنه لم يشهد بدراً . روى عنه : بنوه : عبد الله ،
وعبيد الله ، وعبد الرحمن ، ومحمد بنو كعب ، وعبد الله بن عباس ،
وأبو أمامة الباهلي ، وغيرهم . مات بالمدينة قبل الأربعين ، وقيل : سنة
خمسين . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢).
وأسعد بن زرارة : كُنيته أبو أمامة ، وكان عقبياً نقيباً ، وقيل : إنه أول
مَنْ بايع النبي - عليه السلام - ليلة العقبة ومات قبل بدر ، ودفن بالبقيع ،
وهو أول مدفون به ، وقيل : عثمان بن مظعون ، وقيل : توفي أسعد في
شوال من السنة الأولى ، وقيل : مات قبل قدوم النبي - عليه السلام -
المدينة ؛ والصحيح : الأول (٣).
قوله: ((في هَزْم النَّبِيت )) الهَزْم - بفتح الهاء ، وسكون الزاي ، وبعدها
ميم - : موضع بالمدينة ؛ والنَبِيت - بفتح النون ، وكسْرِ الباءِ الموحدة ،
وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، وبعدها تاء ثالث الحروف - : حي من
اليمن .
قوله: (( من حَرّة بني بياضة)) - بالحاء المهملة - هي قرية على ميل من
المدينة ، وبنو بياضة / بطن من الأنصار منهم: سلمة بن صَخْر البياضي، [٧٧/٢ -ب]
له صحبة .
قوله: (( في نَقيع )) النقيع - بفتح النون ، وكسر القاف ، وسكون الياء
(١) سورة التوبة: (١١٨).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٢٨٦/٣)، وأسد الغابة (٤/ ٤٨٧)، والإصابة
(٣٠٢/٣) .
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب (٨٢/١)، وأسد الغابة (٨٦/١)، والإصابة
(٣٤/١) .
-٣٩٥-

آخر الحروف ، وفي آخره عين مهملة - بَطْن من الأرض يُستنقَعُ فيه الماء
مُدةً ، فإذا نضب الماء أنبتَ الكلاَ ، ومنه حديث عمر - رضي الله عنه -
أنه حَمَى النَّقِيع لخيل الْمُسْلمين . وقد يُصحِّفُه بعض الناس فيَرْوونه بالباء ،
والبَقيعُ بالباء بالمدينة موضع القبور ، وهو بقيع الغرقد .
قوله: (( يُقال له نقيع الخضمات)) الخضمات : بفتح الخاء وكسر الضاد
المعجمتين . قال ابن الأثير : نقيع الخَضِمات موضع بنواحي المدينة .
والحديث : أخرجه ابن ماجه ، وابن خزيمة ، والبَيْهقي ، ثم العجبُ من
البيهقي صحّح هذا الحديث ، وفيه ابن إسحاق ، فقال : إذا ذكر سماعَه
وكان الراوي ثقةً استقام الإسناد ، وقال في (( باب تحريم قتل ما له روحٌ )):
الحُفاظ يتوقّون ما يَنْفردُ به ابن إسحاق، والحالُ أنه قد تفرّد به هاهنا فكيف
يكون هذا الإسناد صحيحاً ؟ فليت شعري البيهقي ينسَى تعارُضَ كلامه أو
يَتغافلُ ؟ ولو كان الحديث عليهم كان يجعل إسنادَه أضعفَ الأسانيد ،
وكان يتكلم في ابن إسحاق بأنواع الكلام .
فإن قيل : قد قال الحاكم : إنه على شرط مسلم .
قلت : هو مردود ؛ لأن مداره على ابن إسحاق ، ولم يخرج له مسلم
إلا متابعةً ، ثم إنه ليس في الحديث اشتراط الأربعين ، وأن الجمعة لا
تجوز بأقل منهم ، وإنما وقع الأربعون اتفاقاً . وقال الخطابي : حرّة بني
بياضة على ميل من المدينة فتكون من توابعها . وعند الحنفية : تجوز الجمعة
فيها . قال القدوري في ((التجريد)) : عندنا تجوز أن تقام في مصلى المدينة
وإن كان بينهما أكثر من ميل .
٢٠٥ - بَابٌ: إذَا وَفق يومُ الجُمعةِ يَوْمَ العِيدِ (١)
أي : هذا باب في بيان ما إذا وافق يوم الجمعة يوم العيد .
١٠٤١ - ص - نا محمد بن كثير: أنا إسرائيل: نا عثمان بن المغيرة، عن
(١) في سنن أبي داود: ((عيد)).
-٣٩٦-

إياس بن أبي رَمْلة الشامي قال : شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يَسألُ زَيَدَ
ابن أرقم قال : شهدت مع رسول الله عيدَيْن اجتمعاً في يَوْم؟ قال: نعَمْ قال:
فكيفَ صَنَعَ ؟ قال : صَلّى العيدَ ثم رَخّصَ في الجُمعة فقال: ((مَنْ شاء أن
يُصلي فليُصَلّ)) (١).
ش - إسرائيل : ابن يونس .
وعثمان بن المغيرة : الثقفي ، أبو المغيرة الكوفي ، مولى ابن عقيل .
روى عن : عليّ بن ربيعة الوالبي ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ،
وغيرهم. روى عنه : إسرائيل ، والثوري ، وشعبة ، وغيرهم . قال
أحمد : ثقة ، وكذا قال ابن معين . روى له الجماعة (٢).
وإياس بن أبي رَمْلة الشامي : سمع : معاوية بن أبي سفيان يسأل هذا
الحديث عن زيد (٣). روى عنه: عثمان بن المغيرة . روى له :
أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
قوله: ((شهدت)) أي: هل شهدت؟ وكذا في بعض النسخ: ((قال :
هل شهدت؟)). والحديث: رواه أحمد - أيضاً - ولفظه: ((من شاء
أن يجمّع فليجمّع)) . وبهذا الحديث استدل أصحاب أحمد أن العيد إذا
اتفق يوم الجمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ؛ فإنها
لا تسقط عنه، وقيل: فيه روايتان. وفي ((المغني)): وممن قال
بسقوطها: الشعبي ، والنخعي ، والأوزاعي ، وقيل : هذا مذهب عمر ،
وعثمان ، وعليّ ، وسعد ، وابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير .
وقالت عامة الفقهاء : تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على
(١) النسائي : كتاب صلاة العيدين ، باب : الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن
شهد العيد (١٩٤/٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء فيما
إذا اجتمع العيدان في يوم (١٣١٠) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨٦٤/١٩).
(٣) كذا، والجادة: ((يسأل زيداً عن هذا الحديث)) كما في تهذيب الكمال .
(٤) المصدر السابق (٥٨٩/٣).
-٣٩٧-

وجوبها ؛ ولأنهما صلاتان واجبتان فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر
مع العيد .
١٠٤٢ - ص - نا محمد بن طريف البجلي : نا أسباط ، عن الأعمش ،
عن عطاء بن أبي رباح قال : صلى بنا ابنُ الزُبير في يوم عيد في يوم جمعة
أول النهار، ثم رُحْنا إلى الجُمعة فلم يَخرُج إلينا، فصَلّينا وُحْداناً ، وكان ابن
عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال: أصابَ السُّنَّةَ (١) .
ش - محمد بن طريف : ابن خليفة ، أبو جعفر البجلي الكوفي .
سمع : أبا معاوية ، ووكيعاً ، والفضل بن صالح (٢) ، وغيرهم . روى
عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وغيرهم . قال
الخطيب : وكان ثقةً . مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٣).
وأسباط : ابن محمد الكوفي .
قوله: (( وحدانا )) أي : متوحدين منفردين .
وقال الخطابي (٤) : أما صنع ابن الزبير : فإنه لا يجوز عندي أن يُحملَ
[٧٨/٢-١١ / إلا على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال ، وقد روي
ذلك عن ابن مسعود ، وروي عن ابن عباس أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال:
أصاب السنةَ وقال (٥) : كل عيد حين يمتد الضحى : الجمعةُ . وحكى
إسحاق بن منصور ، عن أحمد بن حنبل أنه قيل له : الجمعة قبل الزوال
أو بعده ؟ قال : إن صُلّيت قبل الزوال فلا أعيبه ، وكذلك قال
(١) النسائى: كتاب العيدين ، باب : الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد
العيد (١٩٤/٣).
(٢) قال محقق تهذيب الكمال : جاء في حواشي النسخ من تعقبات المؤلف على
صاحب ((الكمال)) قوله: ((كان فيه الفضل بن صالح، وهو خطأ)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٣٠٩/٢٥).
(٤) معالم السنن (٢١٢/١) .
(٥) في ((المعالم)) أن القائل هو عطاء، ولفظه: ((قال عطاء: كل عيد حين يمتد
الضحى الجمعة والأضحى والفطر)) .
-٣٩٨-

إسحاق ، فعلى هذا يُشبهُ أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما
جمعة وجعل العيد في معنى التبع لها .
قلت: قول الصحابة: (( ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا
وحدانا)) يُنافي تأويل الخطابي من قوله: (( يُشبه أن يكون)) إلى آخره ؛
لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيدٌ لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها ،
ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْدانا ، وأيضاً حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلنا؛
لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي - عليه السلام - بعينها وذكر زيدٌ فيها:
((صَلّى العيدَ)) ثم رخّصَ في الجُمعة. وأيضاً قول ابن عباس: (( أصاب
السُّنَّة)) أراد بها هذه . وقال ابن العربي : اتفق العلماء عن بكرة أبيهم
على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس ، ولا تجزئ قبل الزوال ، إلا
ما روي عن أحمد أنها تجوز قبل الزوال . ونقله ابن المنذر ، عن عطاء
وإسحاق ، والماوردي عن ابن عباس ، وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة (١) ،
عن مصعب بن سعد قال : كان سَعْد يقيل بعد الجمعة . وعن سهل بن
سَعْد قال : كنا نتغدى (٢) ونقيل بعد الجمعة . وعن سعد الأنصاري : كنا
تجمّع مع عثمان بن عفان ثم نرجع فنقيل . وعن أنس : كنا نجمّع فنرجع
فنقيلُ . وعن ابن عمر قال : كنا نجمّع ثم نرجع فنقِيل . وعن امرأة
قالت: جاورت مع عمر سنةً فكانت القائلة بعد الجمعة . وعن الزبرقان
قال : كنا نجمّع مع أبي وائل ثم نرجع ونقيل . وعن سويد بن الغفلة قال:
كنا نصلي الجمعة ثم نَرْجع فنقِيل . وعن زيد بن وهب قال : كنا نصلي
مع عبد الله الجمعة ثم نرجع فنقيل . وعن عبد الله بن سيدان السُّلمي
قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصِّدِيق فكانت خطبته وصلاته قبلَ نصف
النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول : انتصف
النهار ، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : زال
النهار ، فما رأيت أحداً عَابَ ذلك ولا أنكره . وعن عطاء قال : كان مَن
(١) انظره وما بعده في المصنف (١٠٦/٢ - ١٠٩).
(٢) في الأصل: ((نتغذى)).
-٣٩٩-

قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو . وعن عبد الله بن سلمة
قال: صلى بنا عبد الله الجمعة ضُحىَ وقال : خشيت عليكم الحرّ . وعن
سعيد بن سُويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضُحَى . فالجميع أخرجه ابن
أبي شيبة في (( باب من كان يَقيلُ بعد الجمعة ويقولُ : هي أول النهار )) .
فهذه الآثار كلها تدل على أن الجمعة تصح قبل الزوال . ثم أخرج
-أيضاً - حجة من يقول: وقتها زوال الشمس وقت الظهر، فقال : نا زيد
ابن حُباب : نا فُلَيح بن سليمان : أخبرني عثمان بن عبد الرحمن أنه سمع
أنس بن مالك يقول : كنا نُصلي مع رسول الله الجمعة إذا مالت الشمس.
ونا وكيع ، عن يحيى بن الحارث ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ،
عن أبيه قال : كنا نُصلي مع النبي - عليه السلام - الجمعة إذا زالت
الشمس ، ثم نرجع نتتبّعُ الفيء .
ونا وكيع ، عن أبي العنبس عمرو بن مروان ، عن أبيه قال : كنا نجمّع
مع عليّ إذا زالت الشمس .
ويمكن أن يُجابَ عن الآثار التي فيها القيلولة : بأن القيلولة هي
الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم ، وكانوا يُجمّعون حين
زالت الشمس من غير تأخير ، ثم يقيلون بمعنى يَستريحُون . وأما حديث
عبد الله بن سيدان : فقد رواه الدارقطني وغيره - أيضاً - فهو حديث
ضعيفٌ. قال النووي في ((الخلاصة)): اتفقوا على ضَعف ابن سيدان -
بكسر السين المهملة .
وأما حديثُ عبد الله ومعاوية الذي فيه ((ضُحى)) فمعناه: صلّى قريباً
من الضحى من (( كما زالت الشمس))، فأطلق الضحى على وقت زوال
[٧٨/٢ -ب] الشمس باعتبار القرب، كما أطلق العشي على ما بعد الزوال . / وأخرج
النسائي من حديث وهب بن كيسان ، عن ابن عباس نحو حديث عطاء
مختصراً .
١٠٤٣ - ص - نا يحيى بن خلف : نا أبو عاصم، عن ابن جريج قال :
- ٤٠٠ -