النص المفهرس

صفحات 341-360

الركعتين قلنا : سبحان الله قال : سبحان الله ومضى فلما أتم صلاته وسَلّم
سجَد سجدتي السهو فلما انصرفَ قال : رأيتُ رسول الله يَصْنِعُ كما
صنَعْتُ(١).
ش - عبيد الله بن عمر : ابن ميسرة القواريري الجُشَمي ، ويزيد بن
هارون : أبو خالد الواسطي ، والمسعودي : عبد الرحمن بن عبد الله .
وزياد بن علاقة : ابن مالك الثعلبي - بالثاء المثلثة - أبو مالك الكوفي
ابن أخي قطبة بن مالك ، سمع : عمه : قطبة ، والمغيرة بن شعبة ،
وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهم ، روى عنه : أبو إسحاق السبيعي ،
والشيباني ، والأعمش ، وعاصم الأحول وغيرهم ، قال ابن معين : ثقة،
وقال أبو حاتم : صدوق . روى له : الجماعة (٢) .
قوله: (( فنهض في الركعتين )) أي : قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد ؛
وإنما لم يرجع إلى كلامهم ولم يَعُدْ لأنهم ما ذَكّروه إلا بعد أن انتصب
قائماً . وهذا الحديث - أيضا - بعَيْنه مذهب أبي حنيفة في جميع أحكامه،
وهو حجة على مُخالفيه . وأخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن
صحيح .
ص - قال أبو داود : وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي ، عن المغيرة
ابن شعبة ، ورفعه .
ش - أي : كذلك روى هذا الحديث : محمد بن عبد الرحمن بن
أبي ليلى ، عن عامر الشعبي ، عن المغيرة بن شعبة ، وقال الترمذي : نا
أحمد بن منيع : نا هشيم : أنا ابن أبي ليلى ، عن الشعبي قال : صلى بنا
المغيرة بن شعبة ، فنهض في الركعتين فسبّح به القومُ وسبّح بهم ، فلما
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسياً
(٣٦٥) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩/ ٢٠٦١).
- ٣٤١-

صلى بقيّة صلاتهم سلّم ، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ، ثم
حدثهم أن رسول الله - عليه السلام - فعل بهم مثل الذي فعل . ثم قال
الترمذي : وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه ،
قال أحمد : لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى ، وقال محمد بن إسماعيل :
ابن أبي ليلى هو صدوق ولا أروي عنه ؛ لأنه لا يدري صحيح حديثه من
سقيمه ، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً .
ص - ورواه أبو عُمَيْس عن ثابت بن عُبيد قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة
مثل حديث زياد بن علاقة .
[٦٧/٢ -١] ش - أي: وروى الحديث المذكور - أيضاً - / أبو عُمَيَس، عن ثابت
ابن عُبَيْد مَوْلى زيد بن ثابت الكوفي . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : نا
محمد بن بشر : نا معشر ، عن ثابت بن عبيد قال : صليت خلف المغيرة
ابن شعبة فقام في الركعتين فلم يجلس ، فلما فرغ سجد سجدتين .
ص - قال أبو داود : أبو عُميس أخو المَسْعودي .
ش - أبو عُميس : اسمُهُ: عُثْبة بن عبد الله، والمَسْعودي: عبد الرحمن
ابن عبد الله - كلاهما - ابنا عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مَسْعود ؛ وقد
بيّنا ترجمة كل واحد منهما . وحديث أبي عُميس أجود شيء في هذا ؛
فإنه ثقة احتج به الشيخان في ((صحيحيهما))، وثابت بن عبيد : ثقة
احتج به مسلم .
ص - وفعَل سعدُ بن أبي وقاص مثل ما فعل المُغيرة .
ش - قال أبو بكر بن أبي شيبة : نا محمد بن فضيل ، عن بيان ، عن
قيْس قال : صلى سَعْد بنُ مالك بأصحابه فقام في الركعة الثانية فسبّح به
القومُ فلَمْ يجلس ، وسبّح هو وأشار إليهم أن قوموا ، فصلّى وسجد
سجدتين .
ص ۔ وعمران بن حُصین .
ش - أي : وفَعل عمران بن حُصَين - أيضاً - مثل ما فعل المغيرة . قال
- ٣٤٢-

أبو بكر : نا يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد قال : صلى بنا
عمرانُ بن حُصَين في المسجد ، فنهض في ركعتين أو قعد في ثلاث -
وأكبر ظن هشام : أنه نهض في الركعتين - فلمًا أتم الصلاة سجد سَجدتي
السَّهْو .
ص - والضحاك بن قَیْس .
ش - قال أبو بكر : حدثنا أسباط بن محمد ، عن مطرف ، عن
الشعبيّ قال : صلى الضحاك بن قيس بالناس الظهر فلم يجلس في
الركعتين الأوليين ، فلما سلم سجد سجدتين وهو جالسٌ .
والضحاك بن قيس: ابن خالد بن ثعلبة الفهري القرشي يكنى أبا سعيد،
ولد قبل وفاة النبي - عليه السلام - بست سنين أو نحوها ، وهو أخو
فاطمة بنت قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين ، روى عنه : تميم بن طرفة ،
ومحمد بن سويد الفهري ، وميمون بن مهران ، وسماك بن حرب ، وقتل
بمرج راهط من أرض دمشق في قتاله لمروان ؛ وكان عاملا لعَبْد الله بن
الزبير ، له ذكر في كتاب مسلم، روى له : النسائي (١) .
ص - ومعاوية بن أبي سفيان ، وابنُ عباس أَنْتَى بذلك .
ش - أي : بمثل ما ذكر من الصَّلوات التي صلاها هؤلاء المذكورون.
ص - وعُمر بن عبد العزيز .
ش - أي : أفتى بمثل ذلك : عُمر بن عبد العزيز ، وكذلك أفتى
الشعبي، والحسنُ ، وعَطاء .
ص - وقال أبو داود : هذا فيمَنْ قام من ثنتين ثم سجدُوا بعد ما سلموا .
ش - أي : المذكور من الصُّوَر فيمنْ قام من ركعتين قبل التشهد ، ثم
سجدوا للسَّهْو بعد ما سلموا للصّلاة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٩٢٦/١٣).
-٣٤٣-

١٠٠٩ - ص - نا عمرو بن عثمان ، والربيع بن نافع ، وعثمان بن
أبي شيبة ، وشجاع بن مخلد بمعنى الإسْناد أن ابن عياش حدثهم عن عُبيد الله
ابن عبيد الكلاعي ، عن زهير - يعني: ابن سالم العَنْسِي - ، عن عبد الرحمن
ابن جُبير بن نُفير - قال عمرو وحده : عن أبيه - ، عن ثوبان ، عن النبي
-عليه السلام - قال: ((لكل سهو سجْدتان بعد ما يُسلّم)). لم يذكرُ: (( عن
أبيه )) غیر عَمرِو (١) .
ش - شجاع بن مخلد : البغوي أبو الفضل البغدادي ، سكن بغداد ،
روى عن : سفيان ، وهشيم بن بشير ، ووكيع وغيرهم ، روى عنه :
مسلم ، وأبو داود ، وعبد الله بن محمد البغوي ، وابن ماجه وغيرهم ،
قال ابن معين : نعم الرجل ثقة ، وقال صالح بن محمد : هو صدوق .
توفي ببغداد لعشر خلون من صفر من سنة خمس وثلاثين ومائتين (٢).
وابنُ عياش : هو إسماعيل بن عياش - بالياء آخر الحروف والشين
المعجمة - الحمصي . وعبيد الله بن عُبيد الكلاعي : أبو وهب الشامي ،
سمع : بلال بن سَعْد ، وزهير بن سالم ، ومكحولا وغيرهم ، روى
عنه: يحيى بن حمزة ، وابن عياش ، والأوزاعي وغيرهم ، قال ابن
معين: ليس به بأس . مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٣).
وزهير بن سالم العَنْسي - بالنون - أبو المخارق ، حديثه في الشاميين ،
روى عن : ابن عمرو بن العاص ، وعمير بن سَعْد الأنصاري ،
وعبدالرحمن بن جُبير بن نفير وغيرهم ، روى عنه : صفوان بن عمرو ،
وثور بن يزيد ، وفضيل بن فضالة ، وعُبيد الله بن عبيد الكلاعي . روى
[٦٧/٢ -ب] له: أبو داود / وابن ماجه (٤) .
-
(١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام
(١٢١٩) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧٠٠/١٢).
(٣) المصدر السابق (٣٦٦٣/١٩).
(٤) المصدر السابق (٢٠١١/٩).
-٣٤٤-

قوله: ((قال عمرو وحده)) أي: عمرو بن عثمان المذكور ، انفردَ من
بين هؤلاء بقوله ((عن أبيه)) أي : عبدالرحمن بن جبير بن نُفير ، عن
أبيه، عن ثوبان ، عن النبي - عليه السلام - ، ولم يذكر لفظ (( أبيه )) بين
عبد الرحمن وبين ثوبان غير عمرو بن عثمان ؛ وهو معنى كلام الشيخ في
آخر الحديث ((لم يذكر عن أبيه غير عَمرو )). واستدلّ بهذا الحديث
صاحب ((الهداية)) في قوله: ((يَسْجدُ للسهو للزيادة والنقصان سجدتين
بعد السلام، ثم يتشهّد ثم يُسلم)». والحديث : أخرجه ابن ماجه ،
وأحمد في ((مسنده))، وعبدالرزاق في ((مصنفه)) والطبراني في ((معجمه))
وذكر البيهقي حديث ثوبان هذا ، ثم قال : إسنادٌ فيه ضعف .
قلنا : سكوت أبي داود يدل على أن أقلّ أحواله أن يكون حسناً عنده
على ما عرف ، وليس في إسناده من تكلم فيه سوى ابن عياش ، وبه علّل
البيهقي الحديث في كتاب (( المعرفة)) فقال : تفرد به إسماعيل بن عياش ؛
وليس بالقويّ .
قلنا : هذه العلة ضعيفة ؛ فإن ابن عياش روى هذا الحديث عن شاميّ ،
وهو : عُبيد الله الكلاعي . وقد قال البيهقي في (( باب ترك الوضوء من
الدم)) : ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح ، فلا ندري من أين
حصل الضعف لهذا الإسْناد ؟ ثم معنى قوله: ((لكل سهو سجدتان ))
أي: سواء كان من زيادة أو نقص كقولهم : لكل ذنب توبة ، وحمله على
هذا أولى من حمله على أنه كلما تكرّر السهو ولو في صلاة واحدة لكل
سهو سجدتان - كما فهمه البيهقي - حتى لا تتضاد الأحاديث ، وأيضاً -
فقد جاء هذا التأويل مصرحاً به في حديث عائشة قالت : قال رسول الله
وَخر: ((سجدتا السهو تجزآن من كل زيادة ونقصان)) ذكره البيهقي في
(باب من كثر عليه السهو))، على أن البيهقي فهم من هذا اللفظ - أيضاً-
ما فهمه في هذا الباب ، وبهذا يظهر لك أنه لا اختلاف بين حديث ثوبان
وبين حديث أبي هريرة وعمران وغيرهما .
- ٣٤٥-

١٩٠ - بَابُ: سَجْدتي السَّهْوِ فيهما تَشْهّدٌ وَتَسْلِيمٌ
أي : هذا باب في بيان سجدتي السَّهْو فيهما تشهّد وتسليم .
١٠١٠ - ص - نا محمد بن یحیی بن فارس : نا محمد بن عبد الله بن
المثنی قال : حدثني أشعث ، عن محمد بن سیرین ، عن خالد ، عن
أبي قلابة ، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حصين أن النبي - عليه السلام -
صلى بهم فسهَى فسجَدَ سجدتين ثم تشهد ثم سلّم (١) .
ش - أشعث بن عبدالملك الحُمراني، وخالد الحذاء ، وأبو قلابة عبد الله
ابن زيد الجرمي ، وأبو المهلب عبد الرحمن بن عَمرو .
قوله: (( صلى بهم)) أي : بالناس . وفيه : أن سجدتي السهو عقيبهما :
التشهد والسلام . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وقال الترمذي : حسن
غريب ، وقال : اختلف أهل العلم في التشهد في سجدتي السهو ؛ فقال
بعضهم : يتشهد فيهما ويُسلِّم ، وقال بعضهم : ليس فيها (٢) تشهدٌ
وتسليم ، وإذا سجدهما قبل السلام لم يتشهد ؛ وهو قول أحمد وإسحاق
قالا : إذا سجد (٣) سجدتي السهو قبل السلام لم يتشهد .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة : نا معاذ بن معاذ : أنا ابن جريج ، عن
عطاء قال : ليس في سجدتي السَّهْو تشهد ولا تسليم .
نا ابن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن وأنس
أنهما سجَداهما ثم قاما ولم يُسلما .
وأخرج عن عبد الله التشهد ، وكذا أخرج عن إبراهيم : التشهد
والسلام ، وعن الحكم وحماد .
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في التشهد في سجدتي السهو
(٣٩٥)، النسائي : كتاب السهو ، باب : ما يفعل من سلَّم من ركعتين ناسياً
وتكلم (٢٦/٣) .
(٢) في جامع الترمذي ((فيهما)).
(٣) في الأصل: ((شهد))، وما أثبتناه من جامع الترمذي.
-٣٤٦-

١٩١ - بَبُ: انصرافِ النِسَاءِ قَبَلَ الرِّجالِ منَ الصَّلاةِ
أي : هذا باب في بيان انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة .
١٠١١ - ص - نا محمد بن يحيى ، ومحمد بن رافع قالا : نا
عبدالرزاق: أنا معمر ، عن الزهري ، عن هند بنت الحارث ، عن أم سلمة
قالت : كان رسول الله - عليه السلام - إذا سلّم مكث قليلا وكان يُرَوْن أن
ذلك كيْما يَنْفُذ النساءُ قبل الرجال (١) .
ش - هند بنت الحارث : الفراسيّة ، ويقال : القرشية ، روت عن
أم سلمة ، روى عنها: الزهري . قال جعفر بن ربيعة، / عن الزهري: [٦٨/٢-١]
حدثتني بنت الحارث الفراسية - وكانت من صواحباتها - ، وقال
الزبيدي: عن الزهري : أخبرتني هند القرشية ، وكانت تحت معبد المقداد،
وهو حليف ابن زهرة ، وكانت تدخل على أزواج النبي - عليه السلام -.
وقال ابن التين : وقال الداودي . كانت من فارس . وقال ابن الأثير :
ولا أعلم له وجهاً . روى لها : الجماعة إلا مُسلماً (٢).
قوله: (( كيما ينفذ النساء)) بالذال المعجمة ، أي : كيما تمضي النساء قبل
الرجال - واختلف العلماء : هل يمكث الإمام في مصلاه بعد الفراغ من
الصلاة ؟ فقال أبو حنيفة : كل صلاة يتنفل بعدها يقوم ، وما لا يتنفل
بعدها كالعصر والصَّبْح فلا . وقال أبو محمد : يتنفل بعد الصلوات كلها؛
ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره . وقال مالك :
لا يثبت الإمام بعد سلامه . وقال أشهب : له أن يتنفل في موضعه ؛ أخذا
بما روي عن القاسم بن محمد . قال ابن بطال : ولم أجده لغيره من
الفقهاء . وقال الشافعي : يستحب له أن يثبت ساعةً . وقال ابن بطال :
(١) البخاري : كتاب الآذان ، باب: التسليم (٨٣٧) ، النسائي : كتاب السهو ،
باب : جلسة الإمام بين التسليم والانصراف (٢٥/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة
الصلاة ، باب : الانصراف من الصلاة (٩٣٢) .
(٢) انظر ترجمتها في : تهذيب الكمال (٧٩٤٢/٣٥).
- ٣٤٧-

وأما مكث الإمام في مصلاه بعد السلام فكرهه أكثر الفقهاء إذا كان إماماً
راتبا ، إلا أن يكون مكثه لعلةٍ كما فعل رسولُ الله . وهو قول الشافعي ،
وأحمد . وقال مالك : يقوم ولا يقعد في الصلوات كلها إذا كان إمام
مسجد جماعة ، فإن كان في سفر : فإن شاء قام ، وإن شاء قعد . قال
ابن خربود : من غير أن يَسْتقبل القبلة . وعن عمر بن الخطاب : جلوس
الإمام بعد السلام بدْعة . وعن ابن مسعود : كان النبي - عليه السلام -
إذا قضى صلاته انفتل سريعاً : إما أن يقوم وإما أن ينحرف . وقال قتادة :
كان أبو بكر إذا سلّم كأنه على الرضْف حتى ينهض . وعن الحسن
والزهري : لا ينصرفون حتى يقوم الإمام ؛ ذكرها عبد الرزاق . وفي
كتاب ابن شاهين من حديث سفيان ، عن سماك ، عن جابر : كان النبي
- عليه السلام - إذا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتى تطلع الشمس
حسناً . وفي حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : صليت مع
النبي - عليه السلام - ، فكان ساعة يُسلم يقوم ، ثم صليت مع أبي بكر
فكان إذا سلم وثب من مكانه كأنه يقوم عن رضفة . قال ابن شاهين :
الحديث الأول عليه العمل في الصلاة التي لا يتنفل بعدها ، والثاني : في
التي بعدها تنفل . وحديث أم سلمة : أخرجه البخاري ، والنسائي ،
وابن ماجه .
١٩٢ - بَابٌ: كيفَ الانصرافُ من الصّلاة؟
أي : هذا باب في بيان كيفية الانصراف من الصلاة .
١٠١٢ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي : نا شعبة ، عن سماك بن حرب ،
عن قبيصة بن هُلْب - رجل من طيّئ - ، عن أبيه أنه صلى مع النبي - عليه
السلام - فکان ینصرفُ مع شقّیه (١) .
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الانصراف عن يمينه وعن شماله
(٣٠١)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب : الانصراف من الصلاة
(٩٢٩) .
- ٣٤٨-

ش - قبيصة بن الهلب : الكوفي الطائي ، روى عن : أبيه ، روى
عنه: سماك بن حرب ، قال علي بن المديني : هو مجهول ، لم يرو عنه
غير سماك ، وقال أحمد بن عبد الله : تابعي ثقة . روى له : أبو داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
وهُلْب : بضم الهاء وسكون اللام ، وقيل : الصواب فيه : فتح الهاء
وكسر اللام ، وذكر بعضهم فيه ضم الهاء وفتحها وكسرها ، واسمه : يزيدُ
ابن قنافة ، ويقال : يزيد بن عدي بن قنافة ، وفد على رسول الله وهو
أقرع فمسح رأسه ، فنبت شعرُهُ فسُمّي هلباً (٢).
قوله: ((مع شقيه )) أي : مع جانِبَيْه ؛ يعني : تارةً عن يمينه وتارة عن
شماله . وفي رواية ابن ماجه بسند صحيح ، عن عمرو بن شعيب ، عن
أبيه ، عن جده : رأيت رسول الله ينفتل عن يمينه ويساره في الصلاة .
وعند ابن حبان ، عن قبيصة بن هُلْب - أيضاً - ، عن أبيه قال : أمّنا
رسولُ الله - عليه السلام - فكان ينصرف عن جانبيه جميعاً .
وقال الترمذي : نا قتيبة : نا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ،
عن قبيصة بن هلب ، عن أبيه قال : كان رسول الله يؤمنا فينصرف على
جانبيه على يمينه وشماله ، وقال : حديث هلب حديث حسنٌ ، وعليه
العمل عند أهل العلم : أنه ينصرف على أيّ جانبيه / شاء، إن شاء عن [٦٨/٢ -ب]
يمينه، وإن شاء عن يساره ، وقد صحّ الأمران عن النبي - عليه السلام -،
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن
يمينه ، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره .
(١) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٨٤٦/٢٣).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦١٤/٣)، وأسد الغابة
(٤١٣/٥)، والإصابة (٩٠٦/٣).
- ٣٤٩-

١٠١٣ - ص - نا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة ، عن سُلَيْمان ، عن عمارة،
عن الأَسْود بن يزيد، عن عبد الله قال : لا يجعّلْ أحدكم نصيباً للشيطان من
صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِلّ أُكثر ما ينصرف
عن شماله قال عمارة: أتيتُ المدينةَ بعدُ فرأيت منازلَ النبيِّ - عليه السلام -
عن يساره (١) .
ش - سليمان : هو الأعمش ، وعمارة : ابن عُمَيْر .
وفي رواية مسلم: (( لا يجعلن)) بنون التأكيد . وأخرجه البخاري ،
والنسائي ، وابن ماجه ؛ وليس فيه قول عمارة . وقد أخرج مسلم في
((صحيحه)) والنسائي في ((سننه)) من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن
السُّدّي قال : سألت أنساً : كيف أنصرفُ إذا صليتُ عن يميني أو عن
يساري ؟ قال : أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه . وجه
الجمع بين الروايتين : أنه - عليه السلام - كان يفعل تارة هذا وتارة هذا ،
فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه ، فدل على جوازهما ولا
كراهة في واحد منهما . وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود
فليست بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال ؛ وإنما هي في حق
من يرى أن ذلك لا بد منه ؛ فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين
مخطىء .
وقال الشيخ محيي الدين (٢): ومذهبنا: أنه لا كراهة في واحد من
الأمرين ؛ لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته ، سواء كانت عن يمينه
أو شماله ، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل ؛ لعموم
الأحاديث المصرّحة في فضل اليمين في باب المكارم ونحوها .
وقال صاحب ((المحيط)): والمستحب : أن ينحرف إلى يمين القبلة،
(١) البخاري : كتاب الآذان ، باب: التسليم (٨٥٢)، النسائي: كتاب السهو ،
باب : الانصراف من الصلاة (٨١/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب :
الانصراف من الصلاة (٩٣٠).
(٢) شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٢٠) .
- ٣٥٠-

وكذلك إذا أراد أن يتنفل بعد المكتوبة يستحب له أن يتطوع في يمين القبلة ؛
لأن لليمين فضلاً على اليسار ؛ ويمين القبلة : ما بحذاء يَسار المستقبل .
١٩٣ - بَبُ صَلاةِ الرَّجُلِ التطوّعَ فِي بَيْتِهِ
أي : هذا باب في بيان صلاةِ الرجلِ التطوعَ في بيته ، وفي بعض
النسخ: (( باب التطوع في بَيْتُه ».
١٠١٤ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا يحيى ، عن عبيد الله قال : أخبرني
نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((اجعلوا من صلاتكم في
بيوتكم (١) ولا تتخذوها قبوراً)) (٢).
ش - يحيى القطان . وعُبيدِ الله بن عمر بن حفص العمري ، روى
عن: نافع ، وابن أبي صالح ، وأبي الزبير المكي وغيرهم ، روى عنه :
يحيى ، وأبو بَدْر ، وابن قدامة وغيرهم ، قال يحيى بن معين : ثقة .
روى له الجماعة .
قوله : ((اجعلوا منْ صلاتكم في بيوتكم)) معناه : صلوا فيها ولا تجعلوها
كالقبور مهجورة من الصلاة ؛ والمراد به : صلاة النافلة أي : صلوا النوافل
في بيوتكم . وقال القاضي عياض : قيل : هذا في الفريضة ؛ ومعناه :
اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم مَنْ لا يخرج إلي المسجد
من نسوة وعبيدٍ ومريض ونحوهم . قال : وقال الجمهور : بل هو في
(١) في سنن أبي داود: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم)).
(٢) البخاري : كتاب التهجد في الليل باب : التطوع (١١٨٧)، مسلم : كتاب
صلاة المسافرين وقصرها ، باب : صلاة النافلة في البيت (٢٠٨/ ٧٧٧) ،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت
(٤٥١) ، النسائي: كتاب قيام الليل ، باب : الحث على الصلاة في البيوت ،
والفضل في ذلك (١٩٧/٣) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها
باب: التسبيح في الركوع والسجود (٨٨٧) .
-٣٥١-

النافلة لإخفائها، وللحديث الآخر: (( أفضل الصلاة : صلاة المرء في
بيته إلا المكتوبة)).
قلت : فعلى التقدير الأول تكون ((مِنْ)) في قوله: ((اجعلوا من
صلاتكم )) زائدةً ؛ ويكون التقدير : اجعلوا صلاتكم في بيوتكم ويكون
المراد منها النوافل ، وعلى التقدير الثاني تكون ((مِن)) للتبعيض ، والمعنى:
اجعلوا بعض صلاتكم المكتوبة في بيوتكم ، والأحسنُ عندي : أن تكون
((مِن)) للتبعيض مطلقا ويكون المراد من الصلاة مطلق الصلاة ، ويكون
المعنى : اجعلوا بعض صلاتكم وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم ،
والصلاة المطلقة تشتمل النفل والفرض ، على أن الأصح منع مجىء (( مِنْ))
زائدةً في الكلام المثبت ، ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة لا كلها
[٦٩/٢-أ] ولا بعضها ، / لأن الحث على النفل في البيت ، وذلك لكونه أخفى
وأبعد من الرياء ، وأصون من المحبّطات وليتبرك البيْت بذلك ، وتنزل
الرحمة فيه والملائكة ، وينفر الشيطان منه .
وقوله: (( ولا تتخذوها قبوراً)) من التشبيه البليغ البديع بحذف حرف
التشبيه للمبالغة ، وهو تشبيه البَيْت الذي لا يُصلَّى فيه بالقبر الذي لا
يُمكَّنُ الميّت فيه من العبادة . وقد أوّل جماعةٌ هذا الحديث على منع الصلاة
في المقابر ، ونسَب السفاقسي هذا التأويل إلى البُخاريّ. وهذا تأويلٌ
بعيدٌ؛ والصحيح ما ذكرناه . وقد روي عن جماعة أنهم كانوا لا يتطوعون
في المسجد ، منهم : حذيفة ، والسائب بن يزيد ، والربيع بن خثيم ،
وسويد بن غفلة . ومن هذا أخذ علماؤنا : أن الأفضل في غير الفرائض :
المنزلُ . وقد روى الترمذي ، عن زيد بن ثابت ، عن النبي - عليه
السلام- قال: ((أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة)) . وحديث ابن
عمر : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
وروى الطبري من حديث عبد الرحمن بن سابط ، عن أبيه يَرْفعه :
(نوروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، ولا تتخذوها قبوراً
كما اتخذها اليهود والنصارى » .
-٣٥٢-

وروى ابن أبي شيبة بسند جيد ، عن زيد بن خالد الجهني يَرْفعُهُ: ((صلُوا
في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا)) . ورَوى - أيضاً - من حديث جعفر بن
إبراهيم من ولد ذي الجناحين : حدثني عليّ بنُ عمر ، عن أبيه ، عن
علي بن حُسين ، عن أبيه ، عن جده يَرفعهُ: (( لا تتخذوا قبري عيداً ،
ولا بيوتكم قبوراً ».
١٠١٥ - ص - نا أحمدُ بن صالح : نا عبدُ الله بن وهب قال : أخبرني
سُليمانُ بن بلال ، عن إبراهيم بن أبي النَضْر ، عن أبيه ، عن بُسْر بن سَعيد ،
عن زيد بن ثابت أن النبي - عليه السلام - قال: (( صلاةُ المرء في بيته أفضلُ
من صلاته في مَسْجدي هذا إلا المكتوبة)) (١).
ش - إبراهيم بن سالم بن أبي النضر أبو إسحاق التميمي القرشي ،
يُلْقّبُ بَرَدَان ، روى عن: أبيه ، وسعيد بن المسيب ، روى عنه: سليمان
ابن بلال ، وصفوان بن عيسى ، قال ابن سَعْد : كان ثقة له أحاديث .
مات سنة ثلاث وخمسين ومائة . روى له : أبو داود (٢).
وأبوه : سالم بن أبي أمية أبو النضر ، قد ذكر مَرَةً ، وبُسْر بن سعيد :
بضم الباء وسكون السين المهملة ، قد ذكرناه .
والحديث : أخرجه الترمذي ، والنسائي بنحوه ، وقال الترمذي ،
حديث حسن ، وفيه دلالة [ أن الصلاة ] (٣) في البيت أفضل ؛ لأن صلاة
المرء إذا كا [ نت ] (٣) في بيته أفضل من صلاته في مسجد [الرسول] (٣)
- عليه السلام - كانت في بيته بطريق الأولى أن تكون أفضل من صلاته
في مسجد غير الرسول - عليه السلام - .
(١) البخاري: كتاب الآذان، باب: صلاة الليل (٧٣١)، مسلم : كتاب صلاة
المسافرين ، باب : استحباب صلاة النافلة في بيته ، وجوازها في المسجد
(٢١٣/٧٨١، ٢١٤)، الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل
صلاة التطوع في البيت (٤٥٠) ، النسائي : كتاب قيام الليل ، باب : الحث
على الصلاة في البيوت (١٩٧/٣ - ١٩٨).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧٣/٢). (٣) غير واضح في الإلحاق.
٢٣ • شرح سنن أبي داوود ٤
- ٣٥٣-

١٩٤ - بَاب: مَنْ صَلَى لغيْرِ القِبْلةِ ثم عَلِمَ
أي : هذا باب في بيان من صلى لغير جهة القبلة ثم علم .
١٠١٦ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا حماد ، عن ثابت وحميد ، عن
أنس ، أن النبي - عليه السلام - وأصحابه كانوا يصلون نحو بَيْت المقدس ،
فلماً نزلت هذه الآيةُ ﴿فَولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم
فولوا وجوهكم شطره ﴾ فمرّ رجلٌ من بني سَلِمة فنادَاهم وهم ركوعٌ في
صلاة الفجر نحو بيت المقدس : ألا إن القبلة قد حُوّلَتْ إلى الكعبة -مرتین-
قال: فمالوا كما هم ركوعٌ إلى الكعبة (١).
ش - صلى رسول الله - عليه السلام - نحو بيت المقدس ستة عشر أو
سبعة عشر شهرا على ما روي في ((الصحيح)) عن البراء قال: ((كان
رسول الله يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا )
الحديث. وعند ابن ماجه بسند صحيح . (( صلينا مع رسول الله نحو بيت
المقدس ثمانية عشر شهراً ، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة
بشهرين )) الحديث .
قوله: (( شطر المسجد الحرام)) أي : جهته . السجستاني (٢) من حديث
يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عنه : كان يستقبل صخرة بيت المقدس .
وهي قبلة اليهود سبعة عشر شهر . وعن سعيد بن عبد العزيز أن النبي
-عليه السلام - صلى نحو بيت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى
الآخرة . وعند الشافعي ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد
ابن المسيّب أن رسول الله - عليه السلام - صلى في مسجده الظهر
بالمسلمين ، ثم أمر أن يوجّه إلى المسجد الحرام . قال : ويُقال : إنه زار
(١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : تحويل القبلة من القدس إلى
الكعبة (٥٢٧/١٥)، النسائي في كتاب التفسير ، باب : ﴿فول وجهك شطر
المسجد الحرام﴾ (١٩٨/١).
(٢) كذا .
-٣٥٤-

أم بشر بن البراء بن معرور في بني سَلِمة ، وصنعت له طعاماً ، وحانت
الظهر فصلى بأصحابه ركعتين ، ثم أُمِر أن يتوجه إلى الكعبة ، فاستداروا
إلى الكعْبة ، واستقبل الميزاب ، فسمي المسجد مسجد القبلتين ، وذلك يوم
الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا . قال محمد بن
عمر : هذا أثبت عندنا . وعن عمارة بن أوس الأنصاري قال : صلينا
إحدى صلاتي العشاء فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة
فنادى: إن الصلاة قد وجهت نحو الكعبة . قال : فتحرف أو تحول إمامنا
نحو الكعبة والنساء والصبيان. وفي ((المُحبّر )) لابن حبيب : حُولت
/ الظهر يوم الثلاثاء النصف من شعبان في الركعة الثالثة، وقيل: في [٦٩/٢ -ب]
صلاة العصر. وفي (( الناسخ والمنسوخ )) للنحاس، عن ابن زيد بن أسلم:
بعد بضعة عشر شهرا . قال : وروى الزهري ، عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن كعب بن مالك : صرفت في جمادى . قال أبو جعفر
النحاس: وهو أولى الأقوال بالصواب . وقال الطبري : حدثنا القاسم :
نا الحسين: نا حجاج : قال ابن جريج : صلى رسول الله - عليه السلام-
أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى المقدس فصّت الأنصار قبل
قدومه بثلاث حجج .
قوله: (( شطر المسجد الحرام )) أي : جهته .
قوله: (( فمر رجل من بني سَلِمة )) - بفتح السين وكسر اللام - بَطن من
الأنصار من الخزرج ، وزعم ابن بَشكوال والخطيب أن الذي مر عليهم :
أبو بشر عباد بن بشر الأشهلي ، وقيل : عباد بن نهيك ، فيحتمل أن
أحدهما أتى إلي مسجد قريب من المدينة العصر ، والآخر جاء إلى أهل
قباء الصبح .
قوله: (( وهم ركوع)) جملة حالية ، والركوع جمع راكع كالسجود
جمع ساجدٍ . ويُستفادُ من الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز النسخ عقلا
ووقوعه شرعا ، وهو مذهب المسلمين أجمع ؛ خلافا لليهود - عليهم
اللعنة - فعند بعضهم باطل نقلا وهو ما جاء في التوراة: ((تمسكوا
-٣٥٥-

بالسّبْت ما دَامت السمواتُ والأرض)) فادعوا نقله تواترا ، ويدّعون النقل
عن موسى - عليه السلام - أنه قال: (( لا نسخ لشريعته )) . وعند
بعضهم باطل عقلا . وقد نقل إنكارُه عن أبي مسلم الأصفهاني من
المسلمين ، قال فخر الإسلام: ((إنكار النسخ مع عقد الإسلام لا يتصورُ)).
قلنا : أما جوازه عقلا ؛ فلأنه ليس إلا بيان مدّة الحكم المطلق التي هي
غيب عنا ، ومعلوم عند الله بأنها مؤقتة إلى وقت كذا ، والأحكام شرعت
لمصالح العباد ، وتتبدلُ باختلاف الزمان . وأما وقوعه شرعا : فلا شك أن
نكاح الأخوات كان مشروعاً في شريعة آدم - عليه السلام - ، وبه حصل
التناسل ، وهذا لا ينكره أحدٌ ، ثم نسخ ذلك في شريعة غيره ، وكذلك
العمل في السبت كان مباحا قبل شريعة موسى - عليه السلام - ، ثم
نُسخ بعدها بشريعته - عليه السلام - ، وبه خرج الجواب عما ذكره اليهود
عليهم اللعنة .
الثانية : جواز نسخ الكتاب بالسنة وعكْسه ؛ وذلك لأنه - عليه السلام-
كان يتوجَّهُ إلى الكَعْبة في الصلاة حين كان بمكة ، وبعد الهجرة توجه إلى
المدينة - كما ذكرنا - وعلم بالتحقيق أن التوجه إلى بيت المقدس كان
بالسنة ؛ لأنه ليس بمتلو في القرآن ، فإن كان التوجه إلى الكعبة أولا
بالكتاب ، فقد نسخ بالسنة الموجبة إلى التوجه إلى بيت المقدس ، فدلّ
على جواز نسخ الكتاب بالسنة ، وإن كان بالسنة فلا شك أن التوجه الثابت
إلى القدْس نسخ بالكتاب وهو قوله : ﴿ فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِد
الْحَرَامِ ﴾ (١) فدل على جواز نسخ السنة بالكتاب وقال الشيخ محيي
الدين (٢): واختلف أصحابنا وغيرهم أن استقبال بيت المقدس كان ثابتا
بالقرآن أم باجتهاد النبي - عليه السلام - ؟ فحكى الماوردي في (( الحاوي ))
وجهين في ذلك لأصحابنا ، قال القاضي : الذي ذهب إليه أكثر العلماء
أنه كان بسنة لا بقرآن ، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال : إن القرآن
ينسخ السنة ، وهو قول أكثر الأصوليين ، وهو أحد قولي الشافعي ،
(١) سورة البقرة : (١٤٤).
(٢) شرح صحيح مسلم (٩/٥).
-٣٥٦-

والقول [ الثاني] (١) له وبه قالت طائفة لا يجوز ؛ لأن السنة مبينة
للكتاب فكيف يَنسخها ؟ وهؤلاء يقولون : لم يكن استقبال بيت المقدس
بسنةٍ ؛ بل كان بوحي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقَبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ
عَلَيْهًا﴾ الآية (٢) ، واختلفوا - أيضاً - في عكْسه وهو نسخ السنة
بالقرآن، فجوّزه الأكثرون ومنعه الشافعي وطائفة .
الثالثة : جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد في حال حياة النبي - عليه
السلام - ؛ لأن أهل قباء كانوا في الصلاة متوجهين إلى القدس ،
فأخبرهم مخبر بأن القبلة / قد تحوّلت إلى الكعبة، فتحولوا إلى الكعبة [٢/ ٧٠-١]
في خلال الصلاة بخبر الواحد ، ولم يُنكر عليهم رسولُ الله - عليه
السلام - بذلك . وأما بعد النبي - عليه السلام - : فلا يجوز نسخ
الكتاب بخبر الواحد ؛ بل إنما يثبت النسخ بالمتواتر مستندا إلى حال حياة
النبي - عليه السلام - ؛ لأن النصوص بعد موته - عليه السلام - بقيت
قطعيّة لارتفاع احتمال النسخ بعده ، فلا يجوز النسخ إلا بقطعي مثله
مستندا إلى حال حياته - عليه السلام - ، فظهور الناسخ يُبَيّنُ أن النسخ
كان ثابتاً في زمان جواز النسخ ، وهو حياته - عليه السلام - ؛ لا أن
النسخ ثبت في زماننا فقط .
الرابعة : فيه قبول خبر الواحد ؛ وتفصيل هذه المسألة على خمسة
أقسامٍ؛ لأنه إما أن يكون من حقوق الله أو من حقوق العباد ؛ فإن كان من
حقوق الله فهو على قسمين : عبادات وعقوبات ، وإن كان من حقوق
العباد : فهو على ثلاثة أقسام : ما فيه إلزام محض ، وما فيه إلزام من
وجه دون وجه ، وما لا إلزام فيه ؛ فهذه خمسة :
الأولُ : وهو العبادات : خبر الواحد حجّة فيه من غير اشتراط العدد ،
ولفظه الشهادة بعد وجود شرائطِ تُراعَى في المخبر وهي : الإسلام ،
والعدالة ، والعقل ، والضَبْطُ .
(١) زيادة من شرح صحيح مسلم.
(٢) سورة البقرة : (١٤٣) .
-٣٥٧-

الثاني : وهو العقوبات كالحدود والكفارات ؛ فذهب الجمهور وأكثر
أصحابنا إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز ؛ وهو المنقول عن
أبي يوسف في ((الأمالي)) وهو اختيار الجصاص ، وذهب الكرخي إلى أنه
لا يجوز إثبات العقوبات بخبر الواحد ، وإليه ذهب بعض المتأخرين من
أصحابنا .
الثالث : الذي فيه إلزام محض كالبيع والشراء وسائر أسباب الملك ؛
فإن خبر الواحد لا يكون حجة فيه ؛ بل يشترط فيه العدد ، وأقله اثنان
فيما يطلع عليه الرجال ، ولفظه الشهادة مع سائر شرائط صحة الأخبار .
الرابع : الذي فيه إلزام من وجه دون وجه ؛ وذلك مثل العبد المأذون إذا
أُخبر بالحجر ، أو الوكيل إذا أُخبر بالعزل ، أو البكر البالغة إذا أُخبرت
بتزويج الولي فسكتت ، أو الشفيع إذا أُخبر ببيع الدار المشفوعة فسكت عن
طلب الشفعة ، أو المولى أُخبر بجناية عبده فأعتقه ، أو الذي أسْلم في دار
الحرب ولم يهاجر إلى دارنا أُخبر بالشرائع ؛ فإن الإخبار بهذه الأشياء فيه
شَبَهان : إلزام من وَجه دون وجه - كما عرف في موضعه - فالمخبر إن
كان رسولا أو وكيلا فالإخبار من جهة المولى أو الموكل لا يشترط فيه العددُ
والعدالة اتفاقا ، وإن كان فضوليا فكذلك عند أبي يوسف ومحمد ،
وأبو حنيفة شرَط أحدَهما إما العدد أو العدالة ..
واختلف المشايخ في الذي أسلم في دار الحرب إذا أخبره فاسق بوجوب
الصلاة ، هل يلزمه القضاء باعتبار خبره عما فات عنه من الصلوات
والصيام ؟ فمنهم من يقول : ينبغي أن لا يجب القضاء عليه عندهم ؛ لأن
هذا من أخبار الدين ، والعدالة فيها شرط اتفاقا ، والأكثر على أنه على
الخلاف المذكور . وقال شمس الأئمة : الأصح عندي : أنه يلزمه القضاء
بخبر الفاسق عند الكل ، لأن المخبِرَ بالشرائع رسول عن رسول الله -
عليه السلام - ؛ فإنه مأمور من جهة النبي - عليه السلام - بالتبليغ .
الخامس : الذي لا إلزام فيه بوجه أصلا كالوكالات والمضاربات والهدايا
والودائع والإذن في التجارة ، فيعتبر لثبوت هذا القسم خبر كل مميّز بين
-٣٥٨-

المضار والمنافع ، وإن كان غير عدل أو صبياً أو كافراً إذا وقع في قلب
السامع صدقُه
الخامسة : فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ؛ وذلك فيمن اشتبهت
عليه القبلة ، فإنه إذا تحرى وصلى إلى جهة ثم علم أنه أخطأ وهو في
الصلاة ، استدار إلى القبلة كما في قضية أهل قباء ، وكذا إلى جهات
مختلفة فيما إذا أمّ قوماً في ليلة مظلمة ، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة ،
وتحرى مَن خلفه فصلى كل واحد منهم إلى جهةٍ وكلهم خلفه ، ولا
يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم لوجود التوجه إلى جهة التحري .
وقال الشيخ محيي الدين (١) : وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ؛
وهذا / هو الصحيح عند أصحابنا فيمر صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم [٢/ ٧٠ -ب]
تغيّر اجتهادُه في أثنائها ، فيَسْتدبرُ إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده
أربع مرات في الصلاة الواحدة ، فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت
صلاته على الأصح .
السادسة : فيه دليل على أن النسخ لا يَثبُت في حق المكلف حتى يبلغه ؛
وهذا ظاهرٌ . والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن خزيمة ؛ وزاد
في آخره: (( واعتدوا بما مضى من صلاتهم)) . وعند الطبراني في
((الأوسط)): نادى منادي النبي - عليه السلام - : إن القبلة حولت إلى
البيت الحرام - وقد صلى الإمام ركعتين - فاستداروا . وقال الطحاوي :
وفي كونهم (( استداروا )) دليل على أن من يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه
الدعوة ، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض في ذلك غير لازم
له ، وكذا الرجل يُسلمُ في دار الحرب أو دار الإسلام ، وتمرّ عليه فرائضُ
لم يعلمها ، ولم يعلم بفرضيتها ، ثم علم بفرضيتها بعدُ فللعلماء في ذلك
قولان ، أحدهما : إن كان في دار الحرب بحيث لا يجد من يُعلمه لا
يجب عليه قضاء ما مرّ ، وإن كان في دار الإسلام أو في دار الحرب وعنده
(١) شرح صحيح مسلم (٩/٥).
-٣٥٩-

من يتعلم منه يجب عليه القضاء فيما مرّ . وهذا قول أبي حنيفة . والقول
الآخر : أنه يقضي ما مرّ من الصلوات والصيام ، وهو قول أبي يوسف
رحمه الله .
١٩٥ - بَابُ: تفْريع أبواب الجُمعة
أي : هذا باب في بيان تفريع أنواع أحكام الجمعة ؛ وفي بعض النسخ
بعد قوله باب تفريع أبواب الجمعة : ((باب فضل يوم الجمعة وليلة
الجمعة))(١) .
١٠١٧ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن یزید بن عبد الله بن الهاد ، عن
محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله وَهُ: (( خيْرُ يوم طلعت فيه الشمسُ يوم الجمعة فيه خُلق آدمُ وفيه
أُهْبِطَ وفيه تيب عليه وفيه ماتَ وفيه تقومُ الساعةُ وما منْ دابة إلا وهي مُسيخةٌ
يوم الجمعة من حين تُصْبح حتى تطلع الشمسُ شَفَقاً من الساعة إلا الجنّ
والإنس وفيها (٢) ساعةٌ لا يُصادفها عبدٌ مُسلِمٌ وهو يُصلي يَسألُ اللهَ حاجةً
إلا أعطاه إياها )) . قال كعب : ذلك في كل سنة يومُ ؟ فقلت : بلى (٣) في
كل جمعة . قال : فقرأ كعب التوراةَ فقال : صدق رسول الله. قال أبو هريرة:
ثم لقيتُ عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام :
قد علمتُ أيّ(٤) ساعة هي، قال أبو هريرة: فقلتُ له: أخبرني (٥) بهاً،
فقال عبد الله بن سلام : هي آخر ساعة من يوم الجمعة ، فقلت : كيف هي
آخرُ ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله: (( لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وهو
يُصلي)) وَتلك الساعة لا يُصلى فيها ؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يَقُل
(١) كما في سنن أبي داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((وفيه)).
(٣) في سنن أبي داود: ((بل)).
(٤) في سنن أبي داود: ((أية )).
(٥) في سنن أبي داود: ((فأخبرني)).
- ٣٦٠-