النص المفهرس

صفحات 301-320

إذا سلّم ساهياً على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ،
ولم يتكلم ، يَعُود إلى قضاء ما عليه ، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه ،
أما إذا صرف وجهه عن القبلة : فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك ؛
لأن المسجد كله في حكم مكان واحد ؛ لأنه مكان الصلاة ، وإن كان خرج
من المسجد ثم تذكر لا يعودُ وتفسد صلاته ، وأما إذا كان في الصحراء :
فإن تذكر قبل أن يُجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار ،
عاد إلى قضاء ما عليه وإلا فلا ، وإن مَشى أمامه : لم يذكره في الكتاب ،
وقيل : إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلا فلا ؛ وهو مَرْوي عن
أبي يوسف اعتبار لأحد الجانبين بالآخر . وقيل : إذا جاوز موضع سجوده
لا يعود ؛ وهو الأصح ، وهذا إذا لم يكن بين يديْه سُتْرة ، فإن كان يعود
ما لم يجاوزها ؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد ، والله أعلم .
والجواب عن الحديث : أنه منسوخ - كما استوفينا الكلام فيه في: (( باب
ردّ السلام في الصلاة)).
ومنها : فيه حجة لأصحابنا أن سَجدتي السهو بعد السلام ؛ لقوله :
((وصلى الركعتين الباقيتَيْن ثم سلّم))، وقال الشافعي : قبل السلام.
ومنها : فيه دليلٌ على أن سجود السَهْو سَجْدتان .
ومنها : فيه دليل على أنه في آخر الصلاة .
ومنها : فیه دلیل علی أن سجود السهو يتداخل؛ وهو مذهب الجمهور،
وقيل : يتعدّدُ بتعَدُّدِ السَّهْو .
الثالث : أن هذا الحديث أخرجه الأئمة الستّة ، ورواه ابن حبان في
((صحيحه)) في النوع السابع عشر من القسم الخامس ولفظه: قال: صلى
رسول الله الظهر أو العَصْر فسلم في الركعتين فقال ذو الشمالين بن
عبد عمرو حَليف لبني زهرة : أخُفّفت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله ؟
فقال - عليه السلام -: (( ما يقول ذو اليدين ؟)) قالوا : يا نبي الله
صدق، قال : فأتم بهم الركعتين اللتين نقصهما ثم سلم .
- ٣٠،١-

ورواه مالك في ((الموطأ)) (١): مالك (٢) ، عن ابن شهاب
الزهري(٣)، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة (٤) قال : بلغني أن
رسول الله ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار الظهر أو العصر فسلّم
من اثنتين فقال له ذو الشمالين رجل من بني زهرة بن كلاب : أقصرت
الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله: (( ما قصرت الصلاة
وما نسيتُ)) فقال له ذو الشمالين : قد كان بعض ذلك يا رسول الله ،
فأقبل رسول الله على الناس فقال: ((أصدق ذو اليدين ؟ )) قالوا : نعم ،
وأتم رسول الله ما بقي من الصلاة ثم سلّم . انتهى .
وقال ابن عبد البر في ((التقصِّي)): هذا مُرسل ، إلا أنه يَتّصلُ من
وجوه صحاح .
فإن قيل : ما تقول فيما رواه ابن عدي في (( الكامل )) (٥) : أخبرنا
أبو يعلى : حدثنا ابن معين : حدثنا سعيد بن أبي مريم : حدثنا ليث وابن
[٥٩/٢ - ب] وهب ، / عن عبد الله العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله
- عليه السلام - لم يَسْجد يوم ذي اليدين سجدتي السَّهْو، قال أبو عمر:
وكان ابن شهاب يقول : إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها ليس
عليه سجدتا السهو لهذا الحديث .
قلنا: قال مسلم في (( التمييز)) : قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يوم
ذي اليدين خطأ وغلط ؛ وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو في روايات
الثقات .
الرابع : فيما تكلم فيه العلماء ، وأجاب أصحابنا عما قالوه ، وقد
ذكرناه كما ينبغي فلا حاجة إلى إعادته .
(١) كتاب الصلاة ، باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيا (٦٤).
(٢) كذا .
(٣) في الأصل: ((عن ابن شهاب عن الزهري)) خطأ .
(٤) في الأصل: (( خيثمة)) خطأ .
(٥) (٢٣٥/٥) ترجمة عبد الله بن عمر .
-٣٠٢-

٩٨٠ - ص - نا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أيوب ، عن محمد
بإسناده، وحديث حماد أَثمّ قال: ثم صلى رسولُ الله لم يَقُل بنا ولم يَقُل :
«فاًومئوا ))، قال: فقال الناس : نعم، قال : ثم رفع ولم يَقُل: ( وکبّر » ثم
كبّر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع ، وتم حديثُه لم يذكر ما بعده ،
ولم يذكر ((فَأَوْمئوا)) إلا حماد بن زيد (١) (٢).
ش - حديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة
أتم من حديث مالك بن أنس ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة
قال : ثم صلى رسول الله ركعتين ، ولم يَقُل: صلى بنا رسول الله ركعتين
- كما هو في رواية حمّاد - ، وكذا لم يَقُل مالك في روايته: ((فَأَوْمئوا ))
کما قال حماد: « فأومئوا أي نعم » وکذا في رواية حماد ( ثم رفع وكبّر،
ثم كبر وسجد )) ولم يَقُل مالك إلا (( ثم رفع ثم كبّر وسجَد)).
قوله: ((ولم يذكر ((فأومئوا )) إلا حماد بن زيد)) يعني : غيره لم يذكر
إلا القول باللسان كما ذكر مالك في روايته (( فقال الناسُ : نعم )) وفي
رواية أخرى: ((قالوا: صَدق)) وفي رواية: (( قالوا : يا نبي الله،
صدق)) ولذا قال الدارقطني في ((العلل)): وفي رواية حماد بن زيد
وحده، عن أيوب: ((فأومئوا أي نعم)).
٩٨١ - ص - نا مُسدّد : نا بشر - يعني: ابن المفضل - : نا سلمة - يعني:
ابن علقمة - ، عن محمد ، عن أبي هريرة قال : صلى بنا رسولُ الله ، بمَعْنى
حماد كُلُه إلى آخر قوله : نُبْتُ أَن عمران بن حصين قال : ثم سَلّم ، قال :
قلتُ : فالتَشهدُ؟ قال : لم أَسمَعْ في التشهد ، وأحب إليّ أن يَتشهدَ ، ولم
يذكر ((كان يُسمّيه ذا اليدين)) ولا ذكر «فأوْمُوا)) ولا ذكر الغضبَ (٣).
(١) جاء في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: ((قال أبو داود : وكل من روى هذا
الحديث لم يقل (( فكبر )) ولا ذكر (( رجع)) .
(٢) انظر : التخريج المتقدم .
(٣) انظر : تخريج الحديث قبل السابق.
-٣٠٣-

ش - سلمة : ابن علقمة أبو بشر التميمي البصري ، من ولد عامر بن
عُبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، سمع:
نافعا مولى ابن عمر ، ومحمد بن سيرين ، روى عنه : الحمادان ، وبشر
ابن المفضل ، وابن علية وغيرهم ، قال أحمد حين سئل عنه : بخ ثقة ،
وقال ابن معين : ثبت ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ثقة . روى له :
الجماعة إلا الترمذي (١) .
قوله: (( بمعنى حماد )) أي : بمعنى حديث حماد بن زيد المذكور أولا ؛
ولكن زاد فيه السؤال عن التشهد ، ونقص ذكر ثلاثة أشياء : تَسمية
ذي اليدين، وذكر ((فأومئوا)) وذكر « يُعرفُ في وجهه الغَضبُ ».
ص - وحديثُ أيوبَ أتم (٢) .
ش - أي : من حديث سلمة بن علقمة ، وفي بعض النسخ : ((وحديث
حماد أتم)) أي : حديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد أتم من
حديث سلمة بن علقمة ، عن محمد .
٩٨٢ - ص - نا علي بن نصر : نا سلیمان بن حرب : نا حماد بن زيد ،
عن أيوب ، وهشام ، ويحيى بن عتيق ، وابن عون ، عن محمد ، عن
أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - في قصة ذي اليدين أنه كبّر وسجد ،
وقال هشام - يعني : ابن حَسان -: كبّر ثم كبِّ وسجَد (٣).
ش - هشام : ابن حسان البصري .
ويحيى بن عتيق : البصري ، سمع : الحسن البصري ، ومحمد بن
سيرين ، روى عنه : ابن علية ، وحماد بن زيد ، وهمام بن يحيى ، قال
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤٦١/١١).
(٢) في سنن أبي داود: ((وحديث حماد عن أيوب أتم))، وذكر المصنف أنها
نسخة .
(٣) انظر الحديث السابق.
-٣٠٤-

أحمد وأبو حاتم وابن سعد : هو ثقة . روى له : البخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، والنسائي (١) .
وابن عون : عبد الله بن عون البصري .
والحاصل : أن أيّوب ويحيى وابن عون - كلهم - رووا عن محمد بن
سیرین في حدیث ذي الیدین أنه کبر وسجد ، وأن هشام بن حسان روی
عنه (( كبّر ثم كبر وسجَد)) والمعنى : أنه رفع رأسه وكبّر ثم كبر وسجَد.
ص - قال أبو داود : روی هذا الحدیث - أيضاً - عن محمد (٢) : حبيب
ابن الشهيد، وحُميدٌ، ويونس، وعاصم الأحول / عن محمد، عن [٢/ ٦٠ -أ]
أبي هريرة ، لم یذکر أحدٌ منهم ما ذکر حماد بن زيد ، عن هشام أنه کبر ثم
كبّر (٣) . وروى حمادُ بن سلمة ، وأبو بكر بن العياش هذا الحديث عن
هشام؛ لم یذکرا عنه هذا الذي ذکر حماد بن زيد أنه کبر ثم كبّر .
ش - أي : روى الحديث المذكور - أيضاً - حبيب بن شهيد البصري ،
عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وكذا رواه حُميد الطويلُ ،
ويونس بن عُبَيد البصري ، وعاصم الأحولُ ؛ ولكن لم يذكر أحد من
هؤلاء ما ذكر حماد بن زيد، عن هشام بن حسان من قوله: (( إنه كبر ثم
كبّر وسجَد )) وكذلك روى حماد بن سلمة ، وأبو بكر بن العياش هذا
الحديث عن هشام بن حسان ، لم يذكر واحد منهما هذا الذي ذكر حماد
ابن زید أنہ کېّر ثم کبر وسجد .
وأبو بكر بن العياش : ابن سالم الأسدي الحناط - بالحاء المهملة
والنون- مولى واصل بن حيان ، وجدته : مولاة لسمرة بن جندب
الصحابي ، قيل : اسمه : محمد ، وقيل : عبد الله ، وقيل : سالم ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٨١/٣١).
(٢) قوله: (( عن محمد)) غير موجود في سنن أبي داود .
(٣) في سنن أبي داود: (( ثم كبر، ثم سجد)).
٢٠ • شرح سنن أبي داوود ٤
-٣٠٥-

وقيل : شعبة ، وقيل : رؤية ، وقيل : مُسلم ، وقيل : خداش ، وقيل :
مُطرف ، وقيل : حماد ، وقيل : حبيب ، وقيل : اسمه كنيته ، سمع :
أبا إسحاق السبيعي ، والأعمش ، وأبا إسحاق الشيباني وغيرهم ، روى
عنه : الثوري ، وابن المبارك ، وأبو داود الطيالسي وغيرهم ، وقال ابن
معين : ثقة . مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . روى له الجماعة (١) .
٩٨٣ - ص - نا محمد بن یحیی بن فارس : نا محمد بن کثیر ، عن
الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيّب ، وأبي سلمة ، وعُبيد الله بن
عَبْد الله ، عن أبي هريرة بهذه القصة قال : ولم يَسْجد سجدتي السهو حتى
يقنه الله ذلك (٢) .
ش - وفي بعض النسخ: ((حتى لَقّنه الله ذلك)) وفي بعضها: (( حِين
يَقْنَهُ الله ذلك )» ... (٣).
٩٨٤ - ص - ثنا حجاج بن أبي يعقوب : نا يعقوب- يعني: ابن إبراهيم -:
نا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة
أخبره أنه بلغه أن رسولَ الله بهذا الخبر ، قال : ولم يَسْجد السَجْدتين اللتين
تُسْجدان إذا شكّ حينَ لقّاه الناسُ (٤) .
ش - حجاج بن أبي يعقوب : روى عن : حجين بن المثنى ، ويَعْقوب
ابن إبراهيم بن سَعْد ، روى عنه : أبو داود ، والترمذي . وإبراهيم : ابن
سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني ، وصالح : ابن كَيْسان.
وأبو بكر بن سُلَيْمان بن أبي حَثْمة ، واسم أبي حثمة : عبد الله بن
حذيفة ، وقيل : عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عَوِيج
ابن عدي بن كعب القرشي العدوي ، روى عن : سعيد بن زيد بن
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٢٥٢/٣٣).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) بياض في الأصل قدر سطرين .
(٤) النسائي : كتاب السهو ، باب : ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين .
-٣٠٦-

عمرو، وسمع : عبد الله بن عمر ، وأبا هريرة ، روى عنه : الزهري ،
وإسماعيل بن محمد بن سَعْد ، وصالح بن كيْسان . روى له : الجماعة
إلا ابن ماجه (١) . وحثمة : بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة .
قوله: (( بهذا الخبر)) أي : الخبر المذكور .
قوله: (( قال)) أي : قال أبو بكر بن سليمان .
قوله: ((حين لقّاه الناسُ)) بتشديد القاف ... (٢) والحديث مُرسل.
وأخرجه النسائيّ .
ص - قال ابن شهاب : وأخبرني هذا الخبر سعيدُ بن المُسيّب ، عن
أبي هريرة . قال : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو بكر بن الحارث
ابن هشام، وعُبيد الله بن عبد الله (٣).
ش - أي : قال الزهري : وأخبرني هذا الخبر المذكور : سعيد بن
المسيّب ، وأبو بكر : هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ؛ وقد
ذكر مرةً . وعُبَيْد الله بن عبد الله الأول مُصَغر والثاني مكبّر؛ وهو عبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُدُلي .
ص - قال أبو داود : رواه الزَّبَيْدي ، عَن الزَّهري ، عن أبي بكر بن
سليمان بن أبي حَئمة ، عن النبي - عليه السلام - قال فيه : ولم يَسْجد
سجدتي السهو .
ش - أي : رواه محمد بن الوليد الزَّبيدي؛ وهذا - أيضاً - مُرسلٌ .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٢٣٤/٣٣).
(٢) بياض في الأصل قدر سطر ونصف .
(٣) جاء في سنن أبي داود عقب هذا النص: (( قال أبو داود : رواه يحيى بن
أبي كثير وعمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [ والعلاء بن
عبد الرحمن ، عن أبيه - جميعا - ] عن أبي هريرة بهذه القصة ، ولم يذكر
أنه سجد السجدتين ا هـ . وقد ذكره المصنف عقب الحديث الآتي بدون ما بين
المعقوفتين .
-٣٠٧-

٩٨٥ - ص - نا ابن معاذ: نا أبي : نا شعبة، عن سَعْد سمع أبا سلمةَ بن
عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - أنه صلّى الظهر -
[٦٠/٢- ب) يعني : النبي - عليه السلام - فسلّم في الركعتين / فقيل له : نقصت
الصلاةَ، فَصلَّى ركعتين ثم سجَدَ سَجْدتين (١).
ش - سَعْد : هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف .
فيه دليل على وجوب سجدتي السَّهْو ، وأن السلام سهوا لا يخرجه
عن الصلاة . والحديث : أخرجه البخاري ، والنسائي ، وقال النسائي :
لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث (( ثم سجَد سَجدتين)) غيرُ سَعْدٍ .
ص - قال أبو داود : رواه يحيى بن أبي كثير ، وعمران بن أبي أنس ، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة هذه القصة ؛ لم يذكر أنه سجد
السجدتين .
ش - أي : روى هذا الحديث : يحيى بن أبي كثير ، وعمران بن
أبي أنس المِصْري العامري .
ص - قال (٢) أبو داود: ورواه داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى
أبي أحمد ، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - بهذه القصة قال : ثم
سجد سجدتين وهو جالسٌ بعد التسليم .
ش - داود بن الحصين : المدني أبو سليمان الأموي مولى عمرو بن
عثمان بن عفان ، روى عن : عبد الرحمن الأعرج ، وعكرمة مولى ابن
عباس ، وأبي سفيان مولى أبي أحمد ، روى عنه : مالك بن أنس ،
ومحمد بن إسحاق ، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة (٣) وغيرهم ،
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟
(٧١٥) ، النسائي : كتاب السهو ، باب : ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيا
وتكلم (٢٠/٣) .
(٢) هذا النص ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث بعد التالي .
(٣) كذا، وفي تهذيب الكمال ((إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة)) وقال محققه:
جاء في حواشي النسخ من قول المؤلف وهو يتعقب صاحب ((الكمال)): ((كان
فيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة ، وهو وهم )) .
-٣٠٨-

قال ابن المديني : ما روى داود عن عكرمة منكر ، وقال ابن عيينة : كنا
نتقي حديث داود بن الحصين ، وقال ابن معين : ثقة ، وقال أبو حاتم :
ليس بالقوي ، ولولا أن مالكا روی حديثه لترك حديثه . مات سنة خمس
وثلاثين ومائة وهو ابن ست وسبعين سنةً . روى له الجماعة (١) .
وأبو سفيان : اسمُهُ : قُزْمان ، وقيل : وهب ، وقيل : عطاء ، ويقال
فيه : مولى أبي أحمد ، ومولى ابن أبي أحمد ، واحتج البخاري ومسلم
بحديثه . وقال في (( الكمال )) : مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش
الأسدي ، وقال ابن سَعْد : هو مولى لبني عبد الأشهل ، وكان له انقطاع
إلى أبي أحمد بن جحش فنُسب إلى ولائه ، روى عن : أبي سعيد
الخدري ، روى عنه : داود بن الحصين ، كان يَؤْم بني عبد الأشهل وفيهم
ناس من أصحاب النبي - عليه السلام - ، منهم : محمد بن مسلمة ،
وسلمة بن سلامة بن وقش ، ويُصلي بهم وهو مُكاتب . قال ابن سَعْد :
وكان ثقة قليل الحديث . روى له : البخاري ، ومسلم ، وابن ماجه (٢).
ثم هذا الحديث الذي علّقه أبو داود أخرجه مسلم ، والنسائي ، عن
قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس ، عن داود بن الحصين .
٩٨٦ - ص - نا(٣) هارون بن عبد الله: نا هاشم بن القاسم : نا عكرمة
ابن عمار ، عن ضمضم بن جَوْسِ الهِفّانِ قال : حدثني أبو هريرة بهذا
الخبر، قال : ثم سجد سجدتي السهو بَعْدما سلّم (٤).
ش - ضمضم : بضادين معجمتين ، وجوس : بفتح الجيم وسكون
الواو وبالسين المهملة ، قد ذكرناه ، والهفَّاني: نسبةٌ إلى هِفَّان - بكسر
الهاء ، وتشديد الفاء ، وبعد الألف نون - وهو في حنيفة . والحديث :
أخرجه النسائيّ .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٧٥٣/٨).
(٢) المصدر السابق (٧٤٠٣/٣٣) .
(٣) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي .
(٤) النسائي : كتاب السهو ، باب : السلام بعد سجدتي السهو (٦٦/٣).
-٣٠٩-

٩٨٧ - ص - نا إسماعيل بن أسد : نا شبابة : نا ابن أبي ذئب ، عن سعيد
ابن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - انصرف من
الركعتين من صلاة مكتوبة فقال له رجل: أَقْصُرت الصلاةُ یا رسول الله أو (١)
نسيتَ؟ قال: ((كلَّ ذلك لمّ أفعل)) فقالَ الناسُ: قد فعلتَ ذلك يا رسول الله،
فركع ركعتّيْن أخرابَيْن (٢) ثم انصرف ولم يَسْجد سَجْدتي السَّهْو(٣).
ش - إسماعيل بن أسَد : هو ابن أبي الحارث بن شاهين البغدادي
أبو إسحاق ، روى عن : شبابة بن سوار ، والحسن بن موسى الأشيب ،
وكثير بن هشام وغيرهم ، روى عنه : أبو داود ، وابن ماجه ، وأبو بكر
ابن أبي الدنيا وغيرهم . قال الدارقطني : بغدادي ثقة صدوق ، ورع
فاضل . مات يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين
ومائتين(٤).
وابن أبي ذئب : محمد بن عبد الرحمن .
قوله : ((كلَّ ذلك لم أَفْعل)) بنَصْب ((كلَّ)) على إضمار عامله بشرط
التفسير ، تقديره : لم أفعل كلّ ذلك ، ويجوز رفعُه على الابتداء ،
وخبره: ((لم أفعل )) أي: كل واحد من الأَمْرين لم أَفْعَلْهُ .
قوله: (( ولم يسجد سجدتي السهو )) وهذا - كما ترى - اختلفت الرُّواة
في سجدة النبي - عليه السلام - للسَّهْو . وهذا الحديث يدلّ على أن
الكلام حينئذ كان مُباحا ، حيث لم يسجد - عليه السلام - سجدتي
السهو ثم نسخ ؛ وقد قررنا الكلام فيه مرةً .
٩٨٨ - ص - نا أحمد بن محمد بن ثابت : / نا أبو أسامة ح ونا محمد
ابن العلاء : أنا أبو أسامة قال : أخبرني عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر
[٢/ ٦١-أ]
(١) في سنن أبي داود: ((أم)).
(٢) كذا، وفي سنن أبي داود: ((أخريين)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٢٥/٣).
- ٣١٠-

قال: صلی رسول الله - علیه السلام - فسلّم في ر کعتین، فذکر نحو حديث
ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: ثم سلّم ثم سجد سَجدتي السهو (١) .
ش - أحمد المذكور هو ابن شَبُّويَه ، وأبو أسامة : حماد بن أُسامة ،
وعبيد الله : ابن عُمر العُمري . وهذا الحديث فيه إثبات سجدتي السَّهْو ،
وأخرجه ابن ماجه - أيضاً .
٩٨٩ - ص - نا مُسدّد: نا مسلمة بن مُحمد [ح وحدثنا مسدد : حدثنا
يزيد بن زريع ] (٢) قالا : نا خالد الحذاء : نا أبو قلابة ، عن أبي المهلّب، عن
عمران بن الحُصَيْن قال : سلّم رسولُ الله - عليه السلام - في ثلاث ركعات
من العصر ثم دخل - قال عن مسلمة - الحُجَر ، فقام إليه رجلٌ يُقال له
الخرْباقُ - وكان طويل اليدَيْن - فقال : أَقصرت الصلاةُ يا رسول الله ؟
فخرج مُغضباً يَجرَّ رداءه فقال: ((أصدَق؟ )) قالوا: نعم ، فصلّى تلك
الركعة ثم سلّم ثم سجد سجدتيها ثم سَلّم (٣) .
ش - مسلمة بن محمد : الثقفي ، فيه مقال ، وقد ذكرناه ، وأبو قلابة:
عبد الله بن زيد الجرمي ، وأبو المهلّب : اسمُهُ : عبد الرحمن بن عمرو ،
وقيل : معاوية بن عمرو ، وقيل : عمرو بن معاوية ، ذكر هذه الأقوال
الثلاثة في اسمه البخاريّ في ((تاريخه)) وقيل : اسمه : النضر بن عمرو
الجرمي الأزدي البصري التابعي الكبير ، روى عن : عمر بن الخطاب ،
وعثمان بن عفان ، وأبي بن كعب ، وعمران بن حصين ، وهو عم
أبي قلابة الراوي عنه هنا .
(١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث ساهياً
. (١٢١٣) .
(٢) ساقط من الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
(٣) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : السهو في الصلاة والسجود له
(٥٧٤/١٠٢)، النسائي : كتاب السهو ، باب: ذكر الاختلاف على أبي هريرة
في السجدتين (٢٦/٣) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : فيمن سلم
من اثنتين أو ثلاث ساهياً (١٢١٥).
- ٣١١-

قوله: ((الحجر)) مفعول قوله: (( ثم دخل)).
وقوله: (( قال عن مسلمة )) مُعترض بينهما .
قوله: ((فخرج مغضبا يَجرَّ رداءه)) يعني: لكثرة استعجاله لبناء الصلاة
خرج يجرّ رداءه ، ولم يتمهل ليلبسَه .
قوله : (( ثم سجد سجدتيها )) أي : سجدتي الصلاة . وفي بعض
النسخ: ((ثم سجد سجدتّيْن)). والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي،
وابن ماجه .
١٨٤ - بَابٌ: إِذَا صَلّى خمساً
أي : هذا باب في بيان ما إذا صلى المصلي خمس ركعات وزاد ركعةً
سهواً ؛ ولما بین حکم الذي نقص شرع في بیان حكم الذي يزيد .
٩٩٠ - ص - نا حفص بن عمر ، ومسلم بن إبراهيم المعنى ، قال حفص :
نا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : صلّى
رسولُ الله - عليه السلام - الظهر خَمساً، فقيل له : أَزِيدَ في الصّلاة ؟ قال :
(( وما ذاك؟)) قال: صلَيتَ خمساً، فَسَجَدَ سَجْدتين بَعْدَ مَا سَلّم)) (١).
ش - عبد الله : ابن مسعود .
وهذا الحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه أن سجدتي السهو بعد السلام
وإن كانت للزيادة .
-
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في القبلة (٤٠٤)، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ، باب : السهو في الصلاة والسجود له ٨٩١ (٥٧٢)،
الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام
والكلام (٣٩٢) ، النسائي : كتاب السهو ، باب : ما يفعل من صلى خمساً
(٣١/٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب: من صلى الظهر خمساً
وهو ساه (١٢٠٥) .
-٣١٢-

وقال الشيخ محيي الدين (١) : قال الإمام أبو عبد الله المازري :
أحاديث الباب خمسة ؛ حديث أبي هريرة فيمن شك فلم يدركم صلّى
وفيه ((أنه يَسْجد سجدتين))، ولم يذكر موضعهما ، وحديث أبي سعيد
فيمن شك وفيه (( أنه يسجد سجدتين قبل أن يُسلم )) ، وحديث ابن مسعود
وفيه القيام إلى خامسة ، وأنه يسجد بعد السلام ، وحديث ذي اليدين وفيه
السلام من اثنتين والمشي والكلام ، وأنه سجد بعد السلام ، وحديث ابن
بُحَينة وفيه القيام عن اثنتين والسجود قبل السلام . واختلف العلماء في
كيفية الأخذ بهذه الأحاديث فقال داود : لا يُقاسُ عليها ؛ بل تستعمل في
مَواضعها على ما جاءت به ، وقال أحمد كقول داود في هذه الصلوات
خاصةً وخالفه في غيرها ، وقال : يسجد فيما سواها قبل السلام لكل
سهو ، وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا فقال بعضهم : هو مخيّر في كل
سهو : إن شاء سجد بعد السلام ، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص .
وقال أبو حنيفة : الأصل هو السجود بعد السلام ، وتأول باقي الأحاديث
عليه . وقال مالك : إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام ، وإن كان
نقصا فقبله . فأما الشافعي فيقول في حديث أبي سعيد : فإن كانت خامسةً
شفعها ، ونصّ على السجود قبل السلام مع تجويز الزيادة ، والمجوز
كالموجود ، ويتأولُ حديث ابن مسعود في القيام إلى خامسة ، والسجود
بعد السلام على أنه - عليه السلام - ما علم السهو إلا بعد السلام ، ولو
علمه قبله لسجد قبله ، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاة جرى
فيها سهو فينهى / عن السجود قبل السلام فتداركه بعده . وقال الشيخ [٦١/٢ -ب]
محيي الدين : أقوى المذاهب هنا : مذهب مالك ، ثم مذهب الشافعي ،
وللشافعي قول كمذهب مالك وقول بالتخيير ، وعلى القول بمذهب مالك
لو اجتمع في صلاته سهوان : سهو بزيادة وسهو بنقص سجد قبل السلام.
قال القاضي : لا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء ، أنه لو
--
(١) شرح صحيح مسلم (٥٦/٥ - ٥٧).
بـ
-٣١٣-

سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص ، أنه يُجزئه ولا تفسد صلاته ؛
وإنما اختلافهم في الأفضل .
وقال الحازمي في كتابه (( الناسخ والمنسوخ)) : اختلف الناسُ في هذه
المسألة على أربعة أقوال ، فطائفة رأوا السجود بعد السلام عملا بحديث
ذي اليدين ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وقال به من الصحابة : علي بن
أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن
ياسرٍ ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، ومن التابعين :
الحسن، وإبراهيم النخعي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والثوري ،
والحسن بن صالح ، وأهل الكوفة . وذهبت طائفة إلى أن السجود قبل
السلام أخذا بحديث ابن بُحينة ، وزعموا أن حديث ذي اليدين منسوخ ،
وحديث ابن بحينة رواه البخاري ومسلم ، وأخذا بحديث الخدري رواه
مسلم ، وبحديث معاوية . المذهبُ الثالث : أن السهو إذا كان في الزيادة
كان السجود بعد السلام أخذا بحديث ابن مسعود ، وإذا كان في النقصان
كان قبل السلام أخذا بحديث ابن بُحينة . والمذهب الرابع مثل قول داود ؛
وقد ذكرناه .
قلت: مذهب أبي حنيفة أقوى المذاهب كلها؛ لأن قوله -عليه السلام -:
(( فإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ، فليتمّ عليه ، ثم ليُسلّم
ثم لَيَسْجد سجدتين)) -رواه البيهقي وعَزَاهُ إلى البخاري(١) - عام يَشْملُ
الزيادة والنقصان ؛ والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب على ماهو
المشهور عند أهل الأصول ، وإن كان الشافعي خالف في ذلك فهو خلاف
ضعيفٌ . وحديث عبد الله رواه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه .
٩٩١ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير، عن منصور، عن إبراهيم،
عن علقمة قال : قال عبد الله: صلّى رسولُ الله - عليه السلام - قال إبراهيم :
(١) انظر الحديث الآتي .
-٣١٤-

فلا أَدْري زاد أم نقَص - فلمّا سلّم قيل له : يا رسول الله ! أَحَدَث في
الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك ؟ )) قالوا : صليتَ كذا وكذا، قال: فَثَنَى
رجلیه واستقبل القبلة فسجد بهم سجدتین ثم سَلّم فلما انفتَل أقبل علينا
بوَجْهه فقال: (( إنه لو حَدَث في الصلاة شيء أَنْبأتُكُم به ؛ ولكن إنما أنا بَشرٌ
أَنْسی کما تنسون فإذا نسيتُ فذكروني ، وإذا شك أحدکم في صلاته فلیتحر
الصواب فليتم عليه ثم ليُسلم ثم لَيَسْجُد سجدتين)) (١).
ش - جرير : ابن عبد الحميد ، ومنصور ابن المعتمر ، وإبراهيم
النخعي، وعلقمة بن قيس .
قوله: ((أحدث)) الهمزة فيه للاستفهام، و((حدث)) بفتح الدال.
قوله: ((فثَنَى )) بتخفيف النون أي : عطف .
قوله: (( فسجد بهم سجدتين ثم سلّم )) فيه دليل لأصحابنا في أن سجدة
السهو بعد السلام .
قوله : (( لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به )) أي : أخبرتكم به ، فيه
دليل أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة .
قوله: (( أنا بشر أنْسى)) (٢) فيه دليل على جواز النسيان عليه - عليه
السلام - في أحكام الشرع ؛ وهو مذهب جمهور العلماء ؛ وهو ظاهر
القرآن والأحاديث ، واتفقوا على أنه - عليه السلام - لا يُقُرّ عليه ؛ بل
يُعلمه الله تعالى به . ثم قال الأكثرون : شرطه : تنبيهه - عليه السلام -
علَى الفَوْر متصلا بالحادثة ، ولا يقع فيه تأخير ، وجوزت طائفة تأخيره
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان (٤٠١)،
مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : السهو في الصلاة والسجود له
(٨٩/ ٥٧٢)، النسائي: كتاب السهو ، باب: التحري (٢٨/٣)، ابن ماجه:
كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء فيمن شك في صلاته فتحرى الصواب
(١٢١١) .
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٦١/٥ - ٦٢).
-٣١٥-

مدة حياته - عليه السلام - ، واختاره إمام الحرمين ، ومنعت طائفة من
العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات ، كما أجمعوا على مَنْعه
واستحالته عليه (١) - عليه السلام - في الأقوال البلاغية ، وأجابوا عن
الظواهر الواردة في ذلك بأن السهو لا يناقض النبوة ، وإذا لم يقر عليه لم
تحصل منه مفسدة ؛ بل يحصل فيه فائدة ، وهو بيان أحكام الناسي وتقرير
[٦٢/٢- ١] الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني / والصحيح: الأول. وقال
القاضي : واختلفوا في جواز السهو عليه - عليه السلام - في الأمور التي
لا تتعلّق بالبلاغ ، وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته ، وأذكار قلبه ،
فجوزه الجمهور . وأما السهو في الأقوال البلاغية : فأجمعوا على منعه
كما أجمعوا على امتناع تعمده ، وأما السهو في الأقوال الدنياوية وفيما
ليس سبيله البلاغ من الكلام ، الذي لا يتعلّق بالأحكام ولا أخبار القيامة
وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي ، فجوزه قوم ؛ إذ لا مفسدة فيه . قال
القاضي : والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول مَنْ منع ذلك على الأنبياء
في كل خبر من الأخبار ، كما لا يجوز عليهم خُلْف في خبر لا عمدا ولا
سهوا ، لا في صحة ولا في مرض ، ولا رضا ولا غضب . وأما جواز
السّهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع (٢).
قوله: ((فإذا نسيتُ فذكروني )) فيه أمر التابع بتذكير المتبوع لِما يَنْساه .
قوله: ((فليتحر الصواب)) (٣) وفي رواية: ((فلينظر أحرى ذلك
للصواب)) وفي رواية: ((فليتحر أقربَ ذلك إلى الصواب )) وفي رواية :
((فليتحر الذي يرى أنه صوابٌ))، التحرّي : طلب أحرى الأمرين
وأولاهما بالصواب . وفيه دليل لأبي حنيفة على أن مَنْ شك في صلاته في
عدد ركعاته تحرى وبنى على غالب ظنه ، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل
والإتيان بالزيادة ، وبه قال مالك ؛ ولكن هذا فيمن يعرض له الشك
كثيراً، وإذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة على ما عرف في
(١) كتب فوقها: ((صح)). (٢) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم.
(٣) المصدر السابق (٦٢/٥ - ٦٣).
-٣١٦-

مَوْضعه، وقال الشافعي : لزمه البناء على اليقين ؛ وهو الأقل ، فيأتي بما
بقي ويسجد للسَّهْو ؛ واحتج بقوله - عليه السلام - في حديث أبي سعيد:
(( فليطرح الشك ، وليّبْن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن
يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته ، وإن كان صلّى إتماما لأربع
كانتا ترغيماً للشيطان)) (١) . وهذا صريح في وجوب البناء على اليقين ،
وحَمْلُ التحرّي (٢) في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ؛ لأن
التحري هو القَصْد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدَأَ﴾ (٣) فمعنى
الحديث : فليقصد الصواب فيعملُ به ، وقصدُ الصواب : هو ما بَيّنه في
حديث أبي سعيد وغيره .
قلنا : حديث أبي سعيد محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحرّيه على
شيءْ ، وعندنا : إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء يَبْني على الأقلّ ؛
ولأن حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا ، لأنه ورد في الشك وهو ما
استوى طرفاه ، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يَبْني على الأقل
بالإجماع . وقول الشيخ محيى الدين في دفع هذا (٤) ((أن تفسير الشك
بُمُستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصُوليين ، وأما في اللغة :
فالتردّدُ بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا سوى المستوي والراجح
والمرجوح . والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو
عرفيّة ، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح )) غير
مُجْدٍ ولا دافعٍ ؛ لأن المراد الحقيقة العرفيّة ؛ وهي أن الشك : ما استوى
طرفاه ؛ ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي ، فليس معنى الشك في
اللغة ما ذكره ؛ لأن صاحب (( الصحاح )) فسّر الشك في باب الكاف
فقال: الشك خلاف اليقين ، ثم فسر اليقين في باب النون فقال : اليقين :
العلم ، فيكون الشك ضد العلم ، وضدّ العلم : الجهل ، ولا يُسَمّى
(١) يأتي بعد ثلاثة أحاديث .
(٣) سورة الجن : (١٤).
(٢) في شرح صحيح مسلم: ((وحملوا)).
(٤) شرح صحيح مسلم (٦٣/٥ - ٦٤).
-٣١٧-

المتردّد (١) بين وجود الشيء وعدمه جاهلاً؛ بل يُسمّى شاكا ، فعلم أن
قوله: ((وأما في اللغة: ((فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمّى
شكا)) هو الحقيقة العرفية لا اللغويّة ، فافهم .
ثم معنى كيفية البناء على الأقل : أنه إذا وقع الشك في الركعة
والركعتين يجعلها ركعةً واحدةً ، وإن وقع الشك في الثلاث والركعتين
يجعلها ركعتين ، وإن وقع في الثلاث والأربع يجعلها ثلاثا وأتم صلاته
على ذلك ، وعليه أن يتشهد لا محالة في كل موضع يتوهم أنه آخر
صلاته؛ لأن القعدة الأخيرة فرض - والحديث : أخرجه البخاري ،
ومسلم، والنسائي ، وابن ماجه .
٩٩٢ - ص - نا محمد بن عبد الله بن نُمَير: نا أبي : نا الأعمش ، عن
[٢/ ٦٢ -ب] إبراهيم /، عن علقمة، عن عبد الله بهذا قال: (( فإذا نسي أحدكم فليَسْجد
سجدتين » ثم تحوّلَ فسجد سجدتین (٢) ..
ش - عبد الله بن نُمير : أبو هشام الكوفي .
قوله: (( بهذا)) أي : بهذا الحديث .
قوله : ((فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين)) عَامّ يتناول الزيادة والنقصان،
وأن السجدة فيهما بعد السلام .
قوله : (( ثم تحوّل)) أي : رسولُ الله .
ص - قال أبو داود: رواه حُصَين نحو الأعمش (٣).
ش - أي : روى الحديث المذكور : حُصَين بن قبيصة الكوفي نحو
حديث سليمان الأعمش .
(١) في الأصل: ((للمتردد)).
(٢) انظر الحديث السابق .
(٣) في سنن أبي داود: ((نحو حديث الأعمش)).
-٣١٨-

٩٩٣ - ص - نا نصرُ بن علي . ونا يوسف بن موسى: نا جرير - وهذا
حديث يوسف - ، عن الحسَن بن عُبيد الله ، عن إبراهيم بن سويد ، عن
علقمة قال: قال عبد الله : صلى بنا رسول الله خمساً فلما انفتل توَسْوسَ (١)
القومُ بينهم فقال: (( ما شأنكم ؟ )) قالوا : يا رسولَ الله هل زيد في الصلاة ؟
قال: ((لا))، قالوا: (( فإنك قد صليت خمساً)) فانفتل فسجد سجدتين ثم
سلّم ثم قال: ((إنما أنا بشرٌ أَنْسى كما تنسون)) (٢).
ش - يوسف بن موسى : القطان الكوفي ، وجرير بن عبد الحميد ،
والحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي الكوفي، وإبراهيم النخعي، وعبد الله
ابن مسعود .
قوله: ((فلما انفتل )) أي : انصرف .
قوله: ((توَسْوسَ القوم)) قال الشيخ محيي الدين في ((شرح مسلم)) (٣):
ضبطناه بالشين المعجمة ، وقال القاضي : رُوي بالمعجمة وبالمهملة ؛
وكلاهما صحيح ، ومعناه تحركوا ، ومنه : وسواس الحلي بالمهملة وهو
تحركه ، ووسوسة الشيطان . قال أهل اللغة : الوشوشة بالمعجمة :
صَوْت في اختلاط ، قال الأصمعي : ويُقال : رجل وشواش أي خفيف .
قوله: ((هل (٤) زيد في الصلاة؟ قال: لا)) إلى آخره. قال الشيخ
محيى الدين : فيه دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور من
السلف والخلف : أن من زاد في صلاته ركعة ناسياً لم تبطل صلاته ؛ بل
إن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحةً ، ويَسْجد للسهو إن ذكر
بعد السلام بقريب ، وإن طال فالأصح عندنا أنه لا يسجد ، وإن ذكر قبل
السلام عاد إلى القعود سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها ،
(١) في سنن أبي داود: ((توشوش))، وانظر الشرح .
(٢) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : السهو في الصلاة والسجود له
٩٢ - (٥٧٢) .
(٣) (٦٥/٥ - ٦٦) .
(٤) مكررة في الأصل .
-٣١٩-

ويتشهدُ ويسجد للسهو ويُسلم . وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة . إذا زاد
ركعة ساهياً بطلت صلاته ولزمه إعادتها ، وقال أبو حنيفة : إن كان تشهد
في الرابعة ثم زاد خامسةً ، أضاف إليها سادسةً تشفعها وكانت نفلا ؛ بناء
على أصله : أن السلام ليس بواجب ، ويخرج من الصلاة بكل ما يُنافيها
وأن الركعة الفَرْدة لا تكون صلاةً ، قال : وإن لم يكن تشهّد بَطلَتْ
صلاته؛ لأن الجلوس بقدر التشهد واجب ، ولم يأت به حتى أتى
بالخامسة. وهذا الحديث يَرُد كل ما قالوه ؛ لأن النبي - عليه السلام - لم
يرجع من الخامسة ولم يَشْفَعْها ؛ وإنما تذكّر بعدَ السلام ، ففيه رد عليهم
وحجةٌ للجمهور .
قلنا : قوله .: ((وهذا الحديث يَردُّ كلَّ ما قالوه)) غير مُسلَّمٍ ؛ لأنه لم
يُبيّن في الحديث أنه لم يَقعُدْ على الرابعة ؛ بل الظاهرُ : أنه قعَد على
الرابعة ؛ لأن حمل فعله - عليه السلام - على الصواب أحسَنُ من حمله
على غَيْره وهو اللائق بحاله ؛ على أنه روي في رواية أخرى أنه صلى
الظهر خمساً ، والظهرُ اسمٌ لجميع أركانها. وقوله: (( لأن النبي - عليه
السلام - لم يرجع من الخامسة ولم يشفعها )) لا يَضّرنا هذا ؛ لأنا لا نُلزِم
المُصلي بضم (٢) الركعة السادسة على طريق الوجوب ، حتى قال صاحب
((الهداية)) : ولو لم يضم لا شيء عليه ؛ لأنه مظنون . وقال صاحب
((البدائع)): والأولى : أن يضيف إليها ركعةً أخرى لتصير الركعتان له نفلا
إلا في العصر . وإنما قال أصحابنا : يضم إليه ركعة سادسةً على طريق
الاستحباب ليصير نفله شفعا ؛ لأنه ورد النهي عن التنفل بركعة واحدة ؛
وهو ما روي عن ابن مسعود : والله ما أجزتُ ركعةً .
وقال الشيخ محيي الدين (٣) : ثم مذهب الشافعي ومن وافقه : أن
(١) شرح صحيح مسلم (٦٤/٥).
(٣) المصدر السابق .
(٢) في الأصل: ((يضم)).
- ٣٢٠-