النص المفهرس
صفحات 241-260
عند الطبراني في (( معجمه)) أخرجه عن إسماعيل بن عياش ، عن جريربن عثمان ، عن راشد بن سَعْد ، عن معاوية بن أبي سفيان ، أنه كان يُعلم الناسَ التشهد وهو على المنبر عن النبي - عليه السلام -: (( التحيات لله والصلوات والطيبات)) إلى آخره سواء . ومنهم : سلمان الفارسي، وحديثه عند البزار في (( مُسنده)) والطبراني في ((معجمه)) - أيضًا - أخرجاه عن سلمة بن الصَّلت، عن عُمر بن يزيد الأزدي عن أبي راشد قال : سألت سلمان الفارسي عن التشهد فقال: أعلمكم كما علّمنيهن رسول الله - عليه السلام -: (( التحيات لله والصلوات والطيبات )) إلى آخره سواء . ومنهم عائشة - رضي الله عنها - ؛ وحديثها عند البيهقي في (( سننه )) عن القاسم ، عنها قالت : هذا تشهد النبي - عليه السلام -: (( التحيات الله)) إلى آخره. قال النووي في ((الخلاصة)): سنده جيّد، وفيه: فائدة حسنة ؛ وهي أن تشهده - عليه السلام - بلفظ : تشهدنا . وقال الخطابي: / أصح الروايات وأشهرها رجالا: تشهد ابن مسعود. وقال ابن المنذر، [٤٧/٢ -ب] وأبو علي الطوسي : قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه ؛ وهو أصح حديث رُوي في التشهد عن النبي - عليه السلام - . وقال أبُو عُمر: بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم لثبوت فعله عن النبي - عليه السلام -. وقال علي بن المديني : لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود ، وأهل البصرة عن أبي موسى . وبنحوه قاله ابن طاهر . وقال النووي : أشدها صحةً باتفاق المحدثين : حديث ابن مسعود ثم حديث ابن عباس . قلت : ولأجل ذلك اختار أبو حنيفة وأصحابه تشهد ابن مسعود . وقال صاحب ((الهداية)) : والأخذ بتشهد ابن مسعود أولى ؛ لأن فيه الأمْر ، وأقلّه : الاستحباب ، والألف واللام وهما للاستغراق ، وزيادة الواو وهي لتجديد الكلام كما في القسم وتأكيد التعليم . ١٦ ٠ شرح سنن أبي داوود ٤ -٢٤١- قلت: أما الأَمْر وهو قوله (( فليقل )) وليس في تشهد ابن عباس في ألفاظهم الجميع إلا في لفظ للنسائي: (( إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا » وفي لفظ له: (( قولوا في كل جلسة)) وأما الألف واللام : فإن مسلما، وأبا داود ، وابن ماجه ، لم يذكروا تشهد ابن عباس إلا معرفا بالألف واللام . وذكره الترمذي، والنسائي مُنكّرًا: (( سلام عليك أيها النبي، سلام علينا )). وكان برهانُ الدين اعتمد على هذه الرواية . وأما الواو : فليْس في تشهد ابن عباس عند الجميع . وأما التعليم : فهو - أيضا - في تشهد ابن عباس عند الجميع : (( كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)» . هكذا لفظ مسلم ، وفي لفظ الباقين : كما يعلمنا القرآن . وفي تشهد ابن مسعود : تَراجيح أُخر ؛ منها : أن الأئمة الستة اتفقوا علیه لفظا ومعنى ؛ وذلك نادر ، وتشهد ابن عباس معدودٌ في أفراد مسلم، وأعلى درجة الصحيح عند الحُفاظ : ما اتفق عليه الشيخان ، ولو في أصله فكيف إذا اتفقا على لفظه؟. ومنها : إجماع العلماء على أنه أصحّ حديث في الباب - كما تقدم من كلام الترمذي . ومنها : أنه قال فيه : ((علَّمني التشهد كفي بين كفيه))، ولم يقل ذلك في غيره ؛ فدلّ على مزيد الاعتناء والاهتمام به . ثم اختلفت العلماء في التشهد هل هو واجب أم سُنَّة ؟ فقال الشافعي وطائفة : التشهدُ الأولُ سُنَّة، والأخير : واجبٌ . وقال جمهور المحدثين: هما واجبان . وقال أحمد: الأول واجبٌ ، والثاني : فرض . وقال أبو حنيفة ، ومالك ، وجمهور الفقهاء : هما سنتان . وعن مالك رواية بوجوب الأخير . وقال ابن بطال : أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، والليث ، وأبو ثور على أن التشهد الأول ليس بواجب ، حاشا أحمد ؛ فإنه أوجبه ، ونقل ابن الأثير وجوبهما عن أحمد وإسحاق ، ونقله ابن التين - أيضا - عن الليث وأبي ثور. وفي ((المغني)): إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية ، فهما - ٢٤٢- واجبان فيهما على إحدى الروايتين ، وهو مذهب الليث وإسحاق ؛ لأنه -عليه السلام - فعله وداوم عليه وأمَر به في حديث ابن عباس بقوله : ((فقولوا : التحيات لله)) وقال ابن قدامة : والأخرى : ليسا بواجبين . وفي شرح (( الهداية)): قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبةٌ عند أبي حنيفة ، وهو المختار والصحيح ، وقيل : سُنَّة ؛ وهو أقيس ؛ لكنه خلاف ظاهر الرواية ثم السُّنَّة في التشهد : الإخفاء ؛ لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود: ((من السُّنَّة: أن تخفي التشهد))(١)، وقال : حسن غريبٌ . وعند الحاكم عن عبد الله : من السَّنَّة : أن يخفى التشهد (٢)، وقال: صحيح على شرط مسلم . وأخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿ولا تَجْهَرْ بِصِلاَتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٣) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم(٤). ٩٤٠ - ص - نا تميم بن المنتصر: أنا إسحاق - يعني : ابن يوسف - عن شريك ، عن أبي إسحاق / عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال: كنا لا [٤٨/٢ -٦] نَدْرِي ما نقولُ إذا جَلَسْنا في الصلاة ، وكان رسول الله قد عُلِّمَ ، فذكر نحوه(٥) . ش - تميم بن المنتصر : ابن تميم بن الصلت بن تمام بن لاحق الواسطي، أبو عبد الله الهاشمي مولى ابن عباس . سمع : إسحاق بن يوسف الأزرق، ومحمد بن يزيد الكلاعي ، وأحمد بن سنان القطان . روى عنه: (١) يأتي في ((باب إخفاء التشهد)). (٢) مستدرك الحاكم (٢٦٨/١). (٣) سورة الإسراء : (١١٠). (٤) كذا ، ولم أره عند الحاكم ، فلعلها سبق قلم ، والله أعلم . (٥) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب منه أيضا (٢٩٠)، النسائي: كتاب السهو ، باب : إيجاب التشهد (٣/ ٤٠)، كتاب التطبيق ، باب : كيف التشهد الأول (٢٣٨/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في التشهد (٨٩٩) . - ٢٤٣- أبو داود ، والنسائي - وقال : ثقة - وابن ماجه . ولد سنة ست وسبعين ومائة ، ومات سنة أربع وأربعين ومائتين (١) . وشريك: ابن عبد الله النخعي، وأبو إسحاق: السبيعي، وأبو الأحوص: عَوْف بن مالك الجُشمي الكوفي ، وعبد الله : ابن مسعود . قوله: ((قد عُلم)) على صيغة المجهول مِن التَّعْليم أي : عُلم قراءة التحيات في التشهد ، ثم علِّمنا، ويُقال : قد علم - بالتخفيف على صيغة المعلوم - أي: علم ذلك منها ، ثم أمرنا أن نقول: (( التحيات لله)) إلى آخره . والحديث : أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . ص - قال شريكٌ: ونا جامعٌ ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بمثله . ش - أي : شريك بن عبد الله ، وجامع : ابن شداد ، أبو صخرة الكوفي ، وأبو وائل : شقيق بن سلمة . قوله: (( بمثله)) أي : مثل الحديث المذكور . ص - قال: وكان يُعَلِّمُنَا كَلمات ولم يكنْ يُعلِّمُنَاهُنَّ كما يُعلِّمُنا التشهد : ((اللهم أَلَّفْ بين قُلُوبِنَا وأصلَحْ ذاتَ بينِنَا واهْدِنَا سُبُلَ السلامِ، ونَجِّنَا من الظلمات إلى النور ، وجنّبْنَاَ الفَواحش ماَ ظَهرَ منها وما بَطَنَ ، وبَارِكْ لنا في أَسْمَاعِنَا وَأَبْصارنَا وَقُلوبِنَا وأَزْوَاجنًا وذُرياتنَا، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيمُ، واجعلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعمَّتَكَّ، مُثْنِينَ بَها، قَائِلِهَا (٢)، وأتمَّهَا عَلينا)). ش - أي : قال ابن مسعود : وكان النبي - عليه السلام - يُعلمنا كلمات . ٠ قوله: ((ألف بين قلوبنا)) من التأليف ، والألفة بين القلوب : الأنس والمداراة ، ورعاية بعضهم بعضًا ، وعدم الخلف ؛ لأن خلف القلوب يورث فساد الأبدان . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٠٧/٤). (٢) في سنن أبي داود: ((قابليها)). -٢٤٤- قوله: ((وأصلح ذات بَيْننا)) مراده: أصلح بيننا ، ولفظة ((ذات)) زائدة للتأكيد؛ وإصلاح البَيْن : أن يكونوا متفقين على الحقِّ ، راضين بما بينهم مما أعطاهم الله تعالى من النعم ، متحابين في الله تعالى . قوله : ((واهدنا سُبُل السلام )» السَّبُل - بضم السين والباء - جمع سَبِيلٍ، أي : طُرُق السلامة . قوله : ((ونجنا من الظلمات إلى النور )) المراد من الظلمات: الضلالات ؛ جُمعت لاختلافها ، واتحد النور ؛ لأن الإيمان واحدٌ ؛ والمعنى : اصرفنا مبتدئين من الظلمات منتهين إلى النور ، وتحقيق المعنى : ثبتنا على ما كنا عليه من الانصراف والبُعْد عن الضلالة ، والثبات على النور . قوله : ((وجنبنا الفواحش)) أي : أبعدنا من الفواحش؛ وهي جمع فاحشة ، وهي كلّ ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال. وقوله: (( ما ظهر منها وما بطن )) نوعان للفاحشة ؛ فالذي ظهر هو الذي يكون بينه وبين العباد ، والذي بطن : هو الذي يكون بينه وبين الله ، أو الذي ظهر : هو ما يكون من الجوارح ، والذي بطن : ما يكون من القلوب . قوله : (( وبارك لنا في أَسْماعنا وأبصارنا)) سأل الله تعالى أن يُبارك في سمعه وبصره إذا أدركه الكبرُ ، وضعف منه سائرُ القوى ، ليكونا وارثي سائر القُوى، والباقيين بَعْدهما ، ويُقال : أراد بالأسماع والأبصار : الأولاد والأعْقاب ، وقيل : بالأسْماع : وَعْي ما يَسْمعُ ، وبالأبصار : الاعتبار بما يرى . قوله: ((وقلوبنا )) أي : بارك لنا في قلوبنا بمعنى: أَثبتْ لها وأَدِمْ ما أعطيتها من اليقين والمعرفة والاعتقاد الصحيح . قوله: ((وأزواجنا)) أي: وبارك لنا في أزواجنا بمعنى: أثبت لهنّ وأدمْ ما أعطيتهنّ من الألفة والسكون إلى أزواجهن ، ومن حفظ حقوقهم ، -٢٤٥- وتحصين أنفسهن ، ورضاهنّ عليهم . ورأيتُ في بعض النُّسخ الصحيحة ضبطها بالحاء المهملة (١) ، يعني : وبارك لنا في أرواحنا بمعنى : أثبت وأدِمْ ما قد [ ر ] ت لها من البقاء إلى وقتها المعلوم عندك بالخير والهُدى ، والانتفاع بها بالصحة والسلامة . قوله: (( وذُرياتنا)) أي: وبارك لنا في ذرياتنا ؛ بمعنى: أثبت لهم وأدم ما قدرت لهم من البقاء في دار الدنيا بالصلاح والخيْر ؛ وهي جمع ذُرِيةٍ ، وذريّة الرجل : نَسْله ، وأصله من ذَرَأ الله الخلقَ يَذْرأهم . قوله : ((مُثْنين بها )) من أثنى يُثْني أي : قائمين بثناء نعمتك . [٤٨/٢-ب] / قوله: ((قائليها)) بمعنى: مُعترفين بها غير مُنكِريها ؛ والقول بالنعمة : عبارة عن إقامة شكرها ، والاعتراف بها بأنها فضلٌ من الله تعالى . ٩٤١ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي: نازُهَير: نا الحَسن بن الحُرّ، عن القاسم بن مُخيمرة قال : أخذَ علقمةُ بيدي فحدثني أن عبد الله بنَ مَسْعود أَخذَ بيده، وأن رسولَ الله - عليه السلام - أخذَ بيد عبد الله يعلِّمُهُ(٢) التشهّد في الصلاة. فذكرَ مثلَ دعاء حديث الأعمش: ((إذاَ قُلَت هذا أو قَضيتَ هذا فقد قَضِيتَ صلاتَكَ إن شئتَ أن تَقومَ [ فقمْ ] ، وإن شئتَ أن تَقْعُدَ فاقعُدْ)) (٣) . ش - زهير : ابن معاوية . والقاسم بن مخيمرة : أبو عروة الهمداني الكوفي ، سكن دمشق . روى عن : عبد الله بن عكيم ، وعلقمة ، وشريح بن هانئ وغيرهم . روى عنه : أبو إسحاق السَّبيعي ، والحكم بن عُتَيْبة ، والأوزاعي وغيرهم، قال ابن معين ، وأبو حاتم ، وأحمد بن عبد الله : ثقة . مات سنة مائة بالمدينة في خلاقة عمر بن عبد العزيز (٤). (١) يعني : بالراء والحاء المهملتين مفرد الروح . (٢) في سنن أبي داود: ((فعلمه)). (٣) تفرد به أبو داود . (٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٨٢٥/٢٣). -٢٤٦- وعلقمة : ابن قيس النخعي . قوله: (( مثل دعاء حديث الأعمش )) هو الحديث الذي مضى في أول الباب . قوله: ((إذا قلتَ هذا)) أي: التحيات لله إلى آخره. قوله: (( أوقضيت هذا)) أي : أوفعلت هذا أي : القعود . قوله: ((فقد قضيتَ صلاتك)) أي : أديتها وأتممتها . وقد استدل أصحابنا بهذا الحديث في مسائل ، الأولى : أن هذا يُنافي فرضية الصلاة على النبي - عليه السلام - في الصلاة ؛ لأنه - عليه السلام- علق التمام بالقعود ؛ وهو حجة على الشافعي ، - وأيضًا - أنه - عليه السلام - علم التشهد لعبد الله بن مسعود ، ثم أمر عقيبه أن يتخيّر من الدعاء ما شاء ، ولم يُعلم الصلاة عليه ، ولو كانت فرضًا لعلمه ؛ إذموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب ، - وأيضًا - لما علم الأعرابي أركان الصلاة لم يُعلمه الصلاة عليه ، ولو كانت فرضا لعلّمه ، وكذا لم يُرْو في تشهد أحد من الصحابة ، ومن أوجبها فقد خالف الآثار. وقالت جماعة من أهل العلم : إن الشافعي خالفه الإجماع في هذه المسألة؛ وليس له سلف يقتدي به ؛ منهم : ابن المنذر ، وابن جرير الطبري، والطحاوي، وهو يستدلُّ بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (١) والأمر للوجوب ، فلا يجب خارج الصلاة فتعينت الصلاة . وليس في الآية دلالة على ما قال ؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار ؛ بل يجب في العمر مرةً - كما اختاره الكرخي - أو كلما ذكر اسم النبي - عليه السلام - كما اختاره الطحاوي - ، وسنستوفي الكلام فيه في موضعه . الثانية : أن هذا يُنافي فرضية السلام في الصلاة ؛ لأنه - عليه السلام - خيّر المصلي بعد القعود ، بقوله : إن شئت أن تقوم ، وإن شئت أن تقعد؛ (١) سورة الأحزاب : (٥٦). -٢٤٧- وهو حجة على الشافعي - أيضا - حيث افترض السلام ، وسنستكمل (١) بقية الكلام في (( باب السلام)) إن شاء الله تعالى. الثالثة : استدل به أصحابنا على فرضية القعدة الأخيرة.؛ وذلك لأنه - عليه السلام - علّق تمام الصلاة بالقعود ، وما لايتم الفرض إلا به فهو فرض ؛ وهو حجة على مالك ؛ حيث لم يفترض القعدة الأخيرة . فإن قيل : أو لأحد الشيئين ، وليس فيه دلالة على ما ادعيتم . قلت : معناه : إذا قرأت التشهد وأنت قاعدٌ ؛ لأن قراءته في غير الصلاة لم تشرع ولم يُعتبر إجماعًا فصار المعنى : إذا قلت هذا يعني : قرأت هذا وأنت قاعد أو قعدت ولم تقل ، فصار التخييرُ في القول لا في الفعل ؛ إذ الفعل ثابت في الحالين . فإن قيل : كيف تثبت الفرضية بخبر الواحد ؟ قلت : ليس الثبوت به ؛ بل هو بالكتاب ؛ لأن نفس الصلاة ثابتة به ، وتمامها منها ؛ فالخبر بيان لكيفية الإتمام والبيان به يصح كما في مسح الرأس . الرابعة : استدل به أبو يوسف ، ومحمد في الاثني عشرية المشهورة أن الصلاة لا تبطل بها ؛ لأنه لم يبق عليه شيء ، فاعتراض العوارض عليه كاعتراضها بعد السلام ، وقد عرف مستوفّ في موضعه . [٤٩/٢-١] ثم بقي الكلام في صحة / هذا الحديث ورفعه إلى النبي - عليه السلام-؛ (((٢) فقد قال الخطابي (٣) : اختلفوا في هذا الكلام هل هو من قول النبي - عليه السلام - أو من قول ابن مسعود ؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبي - عليه السلام - ففيه دلالة على أن الصلاة على النبي - عليه السلام- في التشهد غير واجبة . وقال البيهقي (٤) : وقد بينه شبابة بن (١) في الأصل: ((وسنتكلم)). (٢) انظر: نصب الراية (٤٢٤/١ - ٤٢٥). (٣) معالم السنن (١٩٨/١). (٤) السنن الكبرى (١٧٤/٢). -٢٤٨- سوار في روايته عن زهير بن معاوية وفصَل كلام ابن مَسعود من كلام النبي - عليه السلام - ، وكذلك (١) رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن الحسن بن الحرّ مُفصلا مُبينًا . وقال ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث في ((صحيحه)) في النوع الحادي والعشرين من القسم الأول بلفظ السنن : وقد أوهم هذا الحديث مَنْ لم يُحكِم الصناعة أن الصلاة على النبي ليست بفرض؛ فإن قوله: ((إذا قلت هذا)) زيادة أدرجها زهير بن معاوية في الخبر عن الحسن بن الحرّ . ثم قال : ذكر بيان أن هذه الزيادة من قول ابن مسعود ، لا من قول النبي - عليه السلام - وأن زهيرا أدرجه في الحديث، ثم أخرجه عن ابن ثوبان ، عن الحسن بن الحرّ ، عن القاسم بن مُخيمرة به سندًا ومتنًا ، وفي آخره : قال ابن مسعود : فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك ، فإن شئت فاثبت وإن شئت فانصرف . ثم أخرجه عن حسين بن علي الجُعْفي، عن الحسن بن الحُرّ به، وفي آخره : قال الحسن : وزادني محمد بن أبان بهذا الإسناد قال : فإذا قلت هذا فإن شئت فقم ، قال : ومحمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب («الضعفاء)). وقال الدارقطني في ((سنته)) (٢) بعد أن أخرج الحديث: هكذا أدرجه بعضهم في الحديث عن زهير ، ووصله بكلام النبي - عليه السلام - وفَصَله شبابة بن سوار ، عن زهير فجعله من كلام ابن مسعود ؛ وهو أشبه بالصواب ؛ فإن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك ، وجعل آخره من قول ابن مسعود ؛ ولاتفاق حُسين الجُعْفي ، وابن عجلان ، ومحمد ابن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحرّ على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره ، عن ابن مسعود على ذلك، ثم ساق جميع ذلك بالأسانيد ، وفي آخره : قال ابن مسعود : إذا فرغت من هذا إلى آخره (٣) . (١) السنن الكبرى (١٧٥/٢) منفصلا عن القول الأول. (٢) (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣) . (٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . - ٢٤٩- والجواب عن جميع ما ذكروه من وجوه ؛ الأول : أن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه ، ولو كان فيه ما ذكروه لنّه عليه ؛ لأن عادته في كتابه أن يُلوّح على مثل هذه الأشياء . الثاني : زعم أبو زيد الدبوسي وغيره أن هذه الزيادة رواها أبو داود الطيالسي ، وموسى بن داود الضبيّ ، وهاشم بن القاسم ، ويحيى بن أبي کثیر ، ویحیی بن یحیی النيسابوري في آخرين متصلا ؛ فرواية من رواه مفصولا لا يقطع بكونه مُدرجًا ، لاحتمال أن يكون نسيه ثم ذكره ، فسمعه هؤلاء متصلاً وهذا مُنفصلا، أو قاله ابن مسعود فُتيا كعادته، وقد وجدنا في كتاب النسائي من حديث الأفريقي ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -عليه السلام -: ((إنه إذا حَدّث الرجلُ في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته)) ولفظ أبي داود: ((فقد تمت صلاته)). الثالث : أن عبد الرحمن بن ثابت الذي ذكره البيهقي قد ضعفه ابن معين، هو بنَفْسه ذكره في (( باب التكبير أربعًا)) وكذلك غسان بن الربيع الذي روى عن عبد الرحمن بن ثابت ضعفه الدارقطني وغيره ، وبمثل هذا لا تُعلّلُ رواية الجماعة الذين جعلوا هذا الكلام متصلا بالحديث، وعلى تقدير صحة السند الذي روي فيه موقوفا ، فرواية من وقف لاتعلل بها رواية من رفع ؛ لأن الرفع زيادة مقبولة على ما عرف من [٤٩/٢-ب] مذاهب أهل الفقه والأصول ، فتُحمل على أن ابن مسعود / رضي الله عنه سمعه من النبي - عليه السلام - فرواه كذلك مرةً ، وأفتى به مرةً أخرى ، وهذا أولى من جعله من كلامه إذ فيه تخطئة الجماعة الذين وصلوه ، ثم لو سلّمنا حصول الوهم في رواية من أدرجه لا يتعين أن يكون الوهم مِن زُهير ؛ بل ممن رواه عنه ؛ لأن شبابة رواه عنه موقوفا . ٩٤٢ - ص - نا نَصْرِ بن علي قال : حدثني أبي : نا شعبة ، عن أبي بشر قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدّث عن عبد الله بن عمرَ، عن رسولِ الله وَلاّ فِي التشهد : ((التحيات لله ، الصلواتُ الطيباتُ ، السلامُ عليكَ أيَّها النبيَّ ورحمةُ الله وبر كاتُهُ )) قالَ: قال ابنُ عمرَ : زدتُ فيها: وبركاته (( السلامُ علینا - ٢٥٠- وعلى عباد الله الصالحينَ ، أشهدُ أن لا إله إلا الله )) . قال ابنُ عمرَ : زدتُ فيها: وحَدَهَ ((لَا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه)) (١). ش - نصر بن علي : أبو عمرو الصغير البصري ، وأبوه : علي بن نصر ابن علي البصري . وأبوبشْر : جعفر بن أبي وحشيّة . قوله: ((الصّلوات)) بدون واو العطف وكذلك ((الطيبات)) وهذا السند صحيح. وروى مالك في ((الموطأ)) (٢) عن نافع، عنه موقوفا بلفظ: بسم الله ، التحيات لله، الصلوات لله ، الزكيات الله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، شهدت أن لا إله إلا الله ، شهدت أن محمدا(٣) رسول الله، فإذا أراد أن يُسلم قال : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . السلام عليكم . زاد رزين في كتابه : وقال : إن رسول الله أمره بذلك . وقال البيهقي : أما التسمية في هذا عن ابن عمر - وإن كانت صحيحة- فيحتمل أن تكون زيادةً من جهته هو ، روينا عنه ، عن النبي - عليه السلام - حديث التشهد ليس فيه التسمية . قال : روى ثابت بن زهير ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وهشام ، عن أبيه ، عن عائشة - كلاهما - عن النبي - عليه السلام - في التسمية قبل التحية ، وثابت : منكر الحديث ، والصحيح : عن ابن عمر موقوف - كما رويناه . قال : روينا عن ابن عباس أنه سمع رجلا يقولُ : بسم الله التحيات لله ، فانتهره . ٩٤٣ - ص - نا عَمرو بن عون : أنا أبو عوانة ، عن قتادة ح ونا أحمد بن حنبل : نا يحيى بن سعيد : نا هشامٍ ، عن قتادة ، عن يونسٍ بن جبير ، عن حطّانَ بن عبد الله الرَّقَاشي قال: صَلَّى بنا أبو موسى الأشعريّ فلما جلس في آخر صَلاته قال رجلٌ من القوم : أُقَرَّت الصلاةُ بالبرِّ والزكاة ، فلما انفتلَ أبو موسىَ أَقبلَ على القوم فقالَ: أَيَّكُمَ القائل كَلِمةَ كذا وكذا؟ قال: فأَرَمَّ (١) تفرد به أبو داود . (٢) كتاب الصلاة ، باب : التشهد (٥٧) . (٣) في الأصل: ((محمد)). - ٢٥١- القومُ، قال: أَيُّكُم القائلُ كَلمةَ كذا وكذا . قال : فَارَمَّ القومُ، قال : فلعلك با حطّانُ أنتَ قلْتَها . قال : ماقلتُها ، ولقد رَهبتُ أن تَبْكعَني بها . قال: فقالَ رجلٌ من القوم : أنا قُلتُها ومَا أردتُ بها إلا الخيرَ ، فقال أبو موسَى: أما تَعلمُون كيفَ تَقَولون في صلاتكُم؟ إن رسولَ الله خَطَبَنَا فِعَلَّمنا وبَيَّنَ لنا سنَّتَنَا وعلَّمنا صلاَتَنَا فقال: ((إذا صلّيتُم فأقيمُوا صفُوفَكُم ، ثم ليؤمَّكُم أحدُكم، فإِذا كَبَّر فكبّروا ، وإذاقَرأْ ﴿غيرِ المغضوبِ عَلَيهم ولا الضَّالينَ﴾ فقولوا: آمين يُحِبُكُمْ الله تعالى، وإذاكَّر وركَعَ فَكَبِّرُواَ وارْكَعوا، فإن الإِمامَ يركعُ قَبْلَكُمْ، ويَّرْفَعُ قَبْلَكُم )). قال رسولُ الله: ((فتلكَ بتلك، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمن حَمْدَهُ فقولُوا : اللهم ربَّنا لك الحمدُ يَسْمِعُ اللهُ لكم ، فإن الله قال على لسانِ نبيِّهُ: سَمِعَ الله لمنْ حَمْدَهُ ، وإذا كَبَّرَ وسَجَدَ فكبِّروا واسجدُوا فإن الإمام يَسْجِدُ قَلَّكُمْ ويرفعُ قَبَلَّكُمْ )) قال رسولُ الله: (( فتلكَ بتلكَ ، فإذا كان عندَ القَعْدة فليكنْ مِنْ أول قول أحدكُم : أن يقولَ : التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله ، السلامُ عليكَ أيَّها النبيُّ ورحمة الله وبر كاته ، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله » - لم [٢/ ٥٠-١] يَقُلْ أحمدُ: وبركاتُه، ولا قال: وأشهدُ، قال : - / وأن محمدًا (١) . ش - أبو عوانة : الوَضّاح ، ويحيى بن سعيد : الأنصاري ، وهشام : الدستوائي . ويُونُس بن جبير : الباهلي أبو غلّب البصري . سمع : عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله، وحطان الرقاشي وغيرهم . روى عنه: محمد ابن سيرين ، وعبد الله بن عون ، وقتادة ، قال ابن معين : كان ثقة ، قال ابن سَعْد: مات قبل أنس وأوصى أن يصلي عليه أنس. روى له الجماعة (٢). (١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب: التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٤) ، النسائي: كتاب التطبيق، باب: قوله: ((ربنا ولك الحمد)) (١٩٦/٢)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٧) ، وباب : ما جاء في التشهد ، رقم (٩٠١) . (٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧١٧٢/٣٢) . - ٢٥٢- وحطان بن عبد الله الرقاشي: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: بصري . يروي عن : عليّ ، وأبي موسى . روى عنه : الحسن ، ویونس ابن جبير . مات في ولاية عبدالملك وولاية بشر بن مروان على العراق . انتهى. وقال العجلي: هو بصري تابعي ثقة وكان رجلا صالحًا (١). قوله: ((أُقَرّت الصلاة بالبرّ)) قيل: قُرِنت أي : إنها تُوجب لصاحبها البرّ ؛ وهو الصدق وجماع الخير ، والزكاة : التطهير ، ويحتمل أن يكون من القرار أي: أُثبت معها ، وتكون الباء بمعنى ((مع)) . قوله: ((فلما انفتل)) أي : انصرف من الصلاة. قوله: ((أيكم القائل كلمةً كذا)) بنصب ((كلمة)) أطلق الكلمة وأراد بها الكلام . قوله : ((فأرَمَّ القومُ)) - بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم - يعني : سكتوا مُطرقين ولم يُجيبوا ، يُقال : أرمّ فلان حتى ما به نُطق ؛ ومنه قول الشاعر . كأنهم أطبقوا شفاههم يَرِدْن والليلُ مُرِمٌّ طائرة والمَرَمّة - بكسرالميم وفتحها - شفة البقرة وكل ذات ظلف ؛ لأنها بها تأكل فاستُغيرَت للناسِ. وروي: (( فأزَم القوم)) - بزايٍ مفتوحة وميم مخففة - أي : أمسكوا عن الكلام ؛ ومعناه مثل الأول . قوله: ((ولقد رَهبتُ)) - بكسر الهاء - أي خِفْتُ . قوله : (( أن تَبَكَعني بها)) أي تجبهني بها أو تُبكِّتني بها ، أو نحو ذلك من الكلام . قال الأصمعيّ : يُقال: بَكَعتُ الرجلَ بَكْعًا إذ استَقْبلته بما يكره، وهو من باب فتح يفتح ، وعن سليمان بن معبد : قلتُ للأصمعيّ : ما قولُ الناس: ((الحقُّ مُغْضَبَةٌ)) ؟ فقال: يا بُنِىّ! وهَلْ يَسألُ عن مثل هذا إلا رَازِمٌ ، قلَّما بُكِعَ أحدٌ بالحقِّ إِلاَّ إِعْزَيْزَمَ له؟ !. (١) المصدر السابق (١٣٨٤/٦). -٢٥٣- قلت : الرازم : الضعيفُ الذي لا يقدرُ أن يقوم من الهزال ، والإعزيزام: الاجتماع . قوله: (( يجبكم الله)) - بالجيم - من إجابة الدعاء ، وبعضهم يقرأه بالحاء من المحبّة ، وليس موضعه . قوله: (( فتلك بتلك)) معناه : تلك الدعوة مُعلّقة بتلك الكلمة أو مضمنة بها أعني بالدعوة: قراءة الإمام ((اهدنا الصراط المستقيم)) السورة وأعني بالكلمة: قوله ((آمين))، فقوله: ((فتلك)) مبتدأٌ في محل الرفع ، وخبره : (( تلك)) الثاني ، ومتعلقه محذوف - كما قدرنا - ويجوز أن يكون المراد من ((تلك)) الأول: الصلاة، ومن ((تلك)) الثاني : قوله ((إذاكبر فكبروا، وإذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا))، ونحو ذلك من الأفعال والأقوال ، ويكون المعنى : صلاتكم متعلّقة بصلاة إمامكم ، فاتبعوه ولا تخالفوه ، فتلك إنما تصح وتثبت بتلك ، وكذلك الكلام في (( فتلك بتلك )) الثاني على الوجهين . قوله : (( يَسْمع الله لكم)) أي: يَستجيبُه، ومعنى («سمع الله لمن حمده)): أجاب دعاء من حمده ، وقيل : أراد به الحثّ على التحميد . قوله: ((ربنا لك الحمد)) وفي رواية: ((ولك الحمد))؛ وكلاهما صحيح . قوله: (( فليكن من أوّل قول أحدكم : التحيات )) استدل جماعة بهذا على أنه يقول في أول جلوسه ولا يقول: باسم الله . وقال الشيخ محيي الدين: وليس هذا الاستدلال بواضح؛ لأنه قال: (( فليكن من أول ))، ولم يقل: فليكن أوّل . والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ٩٤٤ - ص - نا عاصم بن النضر : نا المعتمر قال : سمعت أبي قال : نا قتادة ، عن أبي غَلّب يحدّثه عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث -٢٥٤- زادَ: ((فإذا قَرَأَ فَأَنصتُوا)) وقال في التشهد بعد أن قال: لا إله إلا الله)) (١) زادَ: (( وحدَه لا شريك له)) (٢) . ش - المعتمر : ابن سُلَيْمان ، وأبو غلاّب : يونس بن جُبير . قوله: ((بهذا الحديث )) أي : الحديث المذكور ؛ زاد فيه : فإذا قرأ -أي الإمام - ((فأنْصتوا))، وفيه حجة للحنفيّة في أن الواجب على المقتدي / أَنْ يسكت ويَنْصت ولا يقرأ شيئًا؛ لأنّ القراءة تَخل بالإنْصات. [٢/ ٥٠ -ب] وكذا زاد بعد قوله: (( لا إله إلا الله)): ((وَحْدَه لا شريكَ له )). ص - قال أبو داود: قولُه: ((وأنصِتُوا)) ليْس بمحفوظ ، لم يجئ به إلا سليمانُ التَّيْمي في هذا الحديث . ش - قد تقدّم الكلام على قوله ((فإذا قرأ فأنصتوا في (( باب الإمام يُصلي من قُعود)) في حَديث أبي هريرة . وأما هذه الزيادة من سُليمان التيمي - وهو سليمان بن طرخان أبو المعتمر - فهي صحيحةٌ ، صحّحها مُسلم، وذكرَها مسلمٌ في « صحيحه )) وكفى به قدْوةً ، ويُقُدّمُ كلامه على كلام أبي داود ، ولما طعَن أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث قال له مسلم : أحفظ من سليمان ؟! معناه : أنه كامل الحفظ والضبط ، فلا تضره مخالفة غيره . وإذا كان الأمرُ كذلك فلا يُلتفت إلى قول مَنْ يُضعّفُ هذه الزيادة . ٩٤٥ - ص - نا قتيبة بن سعيد : نا الليث ، عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير وطاوس ، عن ابن عباس أنه قال : كان رسولُ الله - عليه السلام - يُعلِّمُنَا التشهدَ كما يُعلِّمُنا القرآنَ، فكان يَقولُ: ((الَتحياتُ المُبَاركاتُ (١) في سنن أبي داود: ((وقال في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله)). (٢) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : التشهد في الصلاة (٤٠٤/٦٢)، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : مبادرة الإمام (٩٦/٢)، كتاب: الافتتاح ، باب : نوع آخر من التشهد (٢/ ٢٤٢) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٧) ، وباب: ما جاء في التشهد (٩٠١) . -٢٥٥- الصلواتُ الطيباتُ له ، السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ ، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحينَ ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًاً رسول الله))(٢) . ش - أبو الزبير : محمد بن مسلم بن تدرس . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وبه أخذ الشافعي. وقال الشيخ محيي الدين: تقديره: (( التحيات والمباركات والصلوات والطيبات )) كما في حديث ابن مسعود وغيره ؛ ولكن حذفت الواو اختصارًاً . قلت : واو العطف لا يجوز حذفه عند الجمهور ، وبعضهم ما جَوّزه إلا في الضرورة ؛ ولا ضرورة هاهنا ولافائدة في اختصارها . ويقال: في حديث ابن عباس اضطراب ؛ فمن اضطرابه : أن الشافعي رواه بتنكير (٢) ((السلام))، وأحمد بتعريفه، وقال الشافعي وأحمد: ((وأن محمدا)) وفي رواية مسلم وغيره ((وأشهد أن محمدا)) وفي رواية لمسلم: ((وأن محمدًا)) والسلام معرّف. فإن قالوا: رجحناه لزيادة ((المباركات)) لموافقتها الآية الكريمة ﴿ تَحيَّةٌ مِّنْ عند الله مُبَارَكَةٌ﴾ (٣) فيُقال: قال الطحاوي: لم يشرع في السلام ((حياكم الله)) وإن وافق ذلك لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّتُمْ بِتَحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (٤) وفي حديث جابر زيادات كان ينبغي أن تعمدً وكذًا في حديث علي - رضي الله عنه - . أما حديث جابر: فرواه الحاكم في ((المستدرك)) بإسناده إلى جابر بن عبد الله : كان رسول الله يُعلّمنا التشهد كما يُعلمنا السورة من القرآن : (١) مسلم: كتاب الصلاة، باب التشهد (٤٠٣/٦٠)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: منه أيضا (٢٩٠)، النسائي : كتاب التطبيق ، باب : نوع آخر من التشهد (٢٤٢/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : ماجاء في التشهد (٩٠٠) . (٢) في الأصل: ((بتكثير)). (٤) سورة النساء : (٨٦) . (٣) سورة النور: (٦١). -٢٥٦- (( بسم الله وبالله ، التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أسأل الله الجنةَ وأعوذ به من النار )) ثم قال : هذاحديث صحيح على شرطهما . وقال الترمذي في (( العلل)) : سألت محمدا عن هذا الحديث فقال : هو غير محفوظ وهوخطأ ؛ والصحيح : ما رواه الليث ، عن أبي الزبير ، عن سعيد ، وطاوس ، عن ابن عباس . وقال النووي : لا نقبل من الحاكم تصحيحه حديث جابر ؛ فإن الذين ضعفوه أجلّ من الحاكم وأتقن . وأما حديث عليّ - رضي الله عنه -: فما رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١) من حديث عبد الله بن عطاء ، عن البهزي قال : سألت الحسين عن تشهد عليّ، فقال: هو تشهد النبي - عليه السلام -: (( التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات والراكبات ، والناعمات السابغات الطاهرات لله )) الحديث . وقال : لم يروه عن ابن عطاء إلا عمرو بن هاشم . ٩٤٦ - ص - نا محمد بن داود بن سفيان : نا یحیی بن حسان : نا سليمان بن موسى أبو داود : نا جَعْفر بن سَعْد بن سمرة بن جندب قال : حدثني خُبَيْب بن سليمان ، عن أبيه : سليمان بن سَمُرَةَ ، عن سمرةً بن جندب : أما بعدُ، أمَرنَا رسولُ الله - عليه السلام - إذا كُنا (٢) في وسَطَ الصلاةَ / أو حينَ انقضائها («فابدأُوا قبل التسليم فقولُوا: التحيات الطيباتُ [٥١/٢ - أ] والصلَوَاتُ والمُلكُ لّه، ثم سَلِّمُوا عن النبيِّ (٣) ، ثم سَلِّمُوا على قارِئِكُم وعلى أنفسِكُم )) (٤) . ش - يحيى بن حسان : بن حيان التِّنيسي، وسليمان بن موسى أبو داود: (١) (٢٩١٧/٣) . (٢) في سنن أبي داود: (( كان)). (٣) في سنن أبي داود: ( علی الیمین )) . (٤) تفرد به أبو داود . ١٧ ٠ شرح سنن أبي داوود ٤ -٢٥٧- الزهري الخراساني ، وخُبيب هذا بضم الخاء المعجمة ، وفتح الباء الموحدة، وقد ذكرناه . وهذا الحديث : إسناده صحيح على شرط ابن حبّان . قوله: (( ثم سلموا عن النبي)) بأن يقولوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . قوله: ((ثم سلِّموا على قارئكم)) المراد منه: الإمام، ((وعلى أنفسكم)» بأن تقولوا : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . ص - قال أبو داودَ : سلیمانُ بن مُوسی کوفي الأصل كان بدمشق . قال أبو داودَ : ودلَّت هذه الصحيفةُ على أن الحسَنَ سمِعَ من سَمُرةَ . ش - قد ذكرنا أن سليمان بن موسى أبا داود كان خراساني الأصل ، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق ، وقول أبي داود : (( كوفي الأصل )) باعتبار سكناه العامّ في الكوفة ؛ ولكن أصله من خراسان . قوله: (( ودلت هذه الصحيفة)) أراد بالصحيفة : الجزء الذي (١) كان فيه هذا الحديث ... (٢) . ١٧٤ - بَابُ: الصَّلاةِ عَلَى النَِّي - عليه السلامُ - بَعْدِ النَّشَهُّد ٠ أي : هذا باب في بيان الصلاة على النبي - عليه السلام - بعد الفراغ من التشهد . ٩٤٧ - ص - نا حفص بن عمر : نا شعبة ، عن الحکم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة قال: قلنا: يا رسولَ الله! أَمَرْتَنَا أن نُصلِّي عَليكَ ، وأن نُسلِّمَ عليكَ، فأما السلامُ فقد عرَفْنا، فكيفَ نُصلِّي؟ قال: (( قُولُوا : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليتَ على إبراهيمَ ، وبارك على محمد وآل محمد كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ ، إنك حميدٌ مجيدٌ)) (٣) .. (١) في الأصل: ((الذ)). (٢) بيض له المصنف قدر سطر وثلث . (٣) البخاري: كتاب الأنبياء، باب: حدثنا موسى بن إسماعيل (٣٣٧٠) ، = -٢٥٨- ش - ((اللهم)) يعني: يا ألله؛ وقد مرّ البحث فيه مستوفّى، ومعنى ((صلِّ على محمدٍ)): عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره ، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته وفي الآخرة : بِتشفيعه في أمته ، وتضعيف أجره ومثوبته . قوله: ((وآل محمد)) آل الرجل : أهله . واختلف في آله - عليه السلام - ؛ فقيل : أهله : الأدنون ، وعشيرته الأقربون ، وقيل : الحسن والحسين ، وقيل : آله : كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة . واختار الشافعي أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، والآل أصله: الأوَلُ ؛ كذا في ((الصحاح)). وقال غيره : أصله : أهلٌ ؛ ولهذا يقال في تصغيره : أهيل ، والفرق بينهما : أن الآل قد خصّ بالأشراف ؛ فلا يُقال: آل الحائك ولا آل الحجام . فإن قيل : قيل : آل فرعون . قلت : لتصوره بصورة الأشراف . وقد ذكرتُ في شرحي ((المستجمع في شرح المجمع)) أن آل الرسول من جهة النسب : أولاد عليّ، وعباسٍ ، وجعفر ، وعقيلٍ ، ومن جهة السبب : كل مؤمن تقي إلى يَوْم القيامة . قوله : ((كما صليت على إبراهيم » هذا تَشْبيهٌ بأداة الكاف . فإن قيل : المشبه دون المشبه به فكيف وجه هذا التشبيه ؟ قلت : التشبيه الأصل الصلاة بأصل الصلاة ؛ لا القدر بالقدر ، كما في قوله تعالى ﴿كُتُبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (١) فإن المراد: أصل الصيام ، لا عَيْنه ووقته . ويقال : التشبيه في الصلاة على الآل ، لا على النبي ، فكان قوله: (( اللهم صل على محمد )) منقطع عن التشبيه . = مسلم: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي وَّه بعد التشهد (٤٠٦)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في صفة الصلاة على النبي وَلـ (٤٨٣)، النسائي: كتاب السهو، باب: نوع آخر (٤٥/٣)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة، باب: الصلاة على النبي وَلو (٩٠٤). (١) سورة البقرة : (١٨٣). -٢٥٩- وقوله: ((وعلى آل محمد)) متصل بقوله: ((كما صليتَ على إبراهيم وآل إبراهيم )) ويقال : إنه تشبيه المجموع بالمجموع بمعنى: تشبّه الصلاة على النبي وآله بالصلاة على إبراهيم وآله ؛ ومُعظم الأنبياء - عليهم السلام- هم آل إبراهيم - عليه السلام - فإذا تقابلت الجملة بالجملة وتعذّر أن يكون لآل الرسول ما لآل إبراهيم الذين هم الأنبياء ، كان ما توفر من ذلك حاصلا للرسول - عليه السلام - ، فيكون زائدا على الحاصل لإبراهيم - عليه السلام - ، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان ، ومن كان في حقه أكثر كان أفضل . ويقال : كان ذلك قبل أن [٥١/٢-ب] يعلم أنه أفضل من (١) / إبراهيم - عليه السلام - . فإن قيل : لم خص إبراهيم - عليه السلام - من بين سائر الأنبياء -عليهم السلام - بذكرنا [ إياه ] في الصلاة ؟ قلت : لأن النبي - عليه السلام- رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء والمرسلين ، وسلم على كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم - عليه السلام - ، فأمرنا النبي - عليه السلام - أن نصلي عليه في آخر كل صلاةٍ إلى يوم القيامة مجازاة على إحسانه . ويقال : إن إبراهيم - عليه السلام - لما فرغ من بناء الكعبة دعى لأمة محمد - عليه السلام - وقال : اللهم من حج هذا البيت من أمة محمدٍ فهَبْه مني السلام ، وكذلك دعى أهله وأولاده بهذه الدعوة ؛ فأمرنا بذكرهم في الصلاة مُجازاة على حُسْن صنيعهم . فإن قيل : الله تعالى أمرنا أن نصلي على النبي- عليه السلام - بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٢) ثم نحن نقول : اللهم صل على محمد إلى آخرهَ ، فنسأل الله أن يُصلي عليه ولا نُصلي نحنُ عليه بأنفسنا . قلت : لأن النبي - عليه السلام - طاهر لا عيب فيه، ونحنُ فينا العيوبُ والنقائصُ ، فكيف يُثْنِي مَن فيه عيبٌ على طاهر ؟! فنسألُ الله أن يُصلي عليه لتكون الصلوات من رَبِّ طاهر على نَبِيِّ طاهرٍ . (١) مكررة في الأصل . (٢) سورة الأحزاب : (٥٦). - ٢٦٠-