النص المفهرس

صفحات 181-200

صلاته، ولو حرك تفسدُ. وفي (( المحيط )) : رجل عطس فقال المصلي :
يرحمك الله، / أو يرحمك ربك ، تفسد صلاته ؛ لأنه من كلام الناس [٣٥/٢ -ب]
منزلة قوله : أطال اللهُ بقاءك ، وعافاك اللهُ ، ولو قال له : الحمدُ لله لم
تفسد وإن أراد به الجواب ، لأن التحميد لا يستعمل لجواب العاطس ؛ فإذاً
فَحَمْدُ العاطس في الصلاة إذا خاطب نفسه فقال : يرحمك الله لم يضره ؛
لأنه لم يكلم غيْرُه وإنما يَدْعو لنفسه .
وقال الشيخ محيي الدين (١) : وقال أصحابنا : إن قال: يرحمك اللهُ،
أو يرحمكم اللهُ بكاف الخطاب بطلت صلاته ، وإن قال : يَرْحمه اللهُ ،
أو: اللهم ارحمه ، أو : رحم الله فلاناً لم تبطل صلاته ؛ لأنه ليس
بخطاب ، وأما العاطس في الصلاة فيُستحبُّ له أن يحمد الله تعالى سرّاً
هذا مذهبنا ، وبه قال مالك ، وغيره . وعن ابن عمر ، والنخعي ،
وأحمد : أنه يجهرُ به . والأول أظهر .
وفي ((المصنف)) : ثنا إسماعيل ابن علية ، عن سعيد بن أبي صدقة
قال: قلتُ لابن سيرين : إذا عطستُ في الصلاة ما أقول ؟ قال : قل :
الحمد لله رب العالمين .
نا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم في الرجل يَعطسُ
في الصّلاة قال : يحمد الله في المكتوبة وغيرها .
نا عبدة ، عن سفيان ، عن غالب بن الهذيل قال : سئل إبراهيم عن
رجل عطس في الصلاة فقال له آخرُ : وهو في الصلاة : يرحمك اللهُ .
فقال إبراهيم : إنما قال معروفاً ، وليس عليه إعادة .
قوله: (( إنا قوم حديثُ عهد بالجاهلية )) الجاهليةُ : ما قبل ورود الشرع ؛
سموا جاهليةً لكثرة جهالاتهم وفحشها .
قوله: (( يأتون الكُهّان )) - بضم الكاف وتشديد الهاء - جمع كاهنٍ ؛
وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل ، ويَدعي معرفة
(١) شرح صحيح مسلم (٢١/٥).
- ١٨١-

الأَسْرار ، والعراف : الذي يتعاطى بمعرفة الشيء المسروق ومكان الضالة
ونحوهما ؛ وبهذا حصل الفرق بينهما .
(((١) وإنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات ، قد
يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك ، ولأنهم
يلبّسون على الناس كثيراً من أمر الشرائع ، وقد تظاهرت الأحاديث
الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهان وتصديقهم فيما يقولون ، وتحريم ما
يعطون من الحُلْوان ؛ وهو حرام بإجماع المسلمين ، وقد نقل الإجماع في
تحريمه جماعة منهم : أبو محمد البغوي .
وقال الخطابيّ" (٢) : كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيراً من
الأمور ، فمنهم من يزعم أن له ربيباً من الجنّ يلقي إليه الأخبارَ ، ومنهم
مَنْ يدعي استدراك ذلك بفهم أُعطِيَه ، ومنهم من يُسمّى عرافً ؛ وهو الذي
يَزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدلُّ بها ، كمعرفة من سرق الشيء
الفلاني ، ومعرفة من يُتهم به المرأة (٣) ونحو ذلك، ومنهم مَن يُسمي
المنجّمَ كاهناً ؛ ذكر ذلك في قوله - عليه السلام -: (( مَنْ أتى كاهناً
فصدقه )) الحديث ، ثم قال : فالحديث يشمل النهي عن إتيان هؤلاء
كلهم، والرجوع إلى قولهم ، وتصديقهم فيما يدعونه)) (٤).
قوله: ((يتطيرون)) من التطيّر ؛ وهو التشاؤمُ بالشيء ، وكذلك الطّرة
وهي مصدر تطيّر - أيضاً - يقال : تطيّ طيرةً كتخيّر خيرةً ، ولم يجئ من
المصادر هكذا غيرهما ؛ وأصله فيما يقال : التَّطِيُّر بالسوانح والبَوارح من
الطير والظباء وغيرهما ، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع
وأبطله ، ونهى عنه .
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٢٢/٥).
(٢) معالم السنن (٢٠٩/٤ - ٢١٠).
(٣) في الأصل: (( المعرفة)) خطأ.
(٤) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
- ١٨٢-

قوله: ((ذاك شيءٌ يجدونه في صدورهم)) معناه: (((١) أن الطيرة شيء
يجدونه في نفوسهم ضرورة ، ولا عتب عليهم في ذلك ؛ فإنه غير
مكتَسَب لهم فلا تكليف به ؛ ولكن لا يمتنعوا بسببه من التصرف في
أمورهم ، فهذا هو الذي يقدرون عليه وهو مكتسب لهم ، فيقع به
التكليف ، فنهاهم النبي - عليه السلام - عن العلم بالطيرة ، والامتناع من
تصرفاتهم بسببها ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن
التطير، والطيرة هنا محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس
من غير عمل على مقتضاه عندهم .
قوله: (( فلا يَصدّهم)) أى: لا يصدهم ذلك عن التصرفات ، كما
ذكرناه .
قوله: (( يخطون )) من الخط ؛ وهو الضربُ في الرمْل على ما ذكر في
كيفيته . (((٢) وقال / ابن الأعرابي في تفسير الخط : كان الرجل يأتي
العَرَفَ وبين يدَيَه غلامٌ ، فيأمره بأن يَخُط في الرمل خطوطاً كثيرةً وهو
يقول : ابنَيْ عيَانْ أَسْرعا البَيَانْ، ثم يأمره أن يَمْحو منها اثنين اثنين ، ثم
ينظر إلى آخر ما يبقي من تلك الخطوط ، فإن كان الباقي منها زوجاً فهو
دليل الفَلْج والظفر ، وإن بقي فرداً فهو دليل الخيبة واليأس .
[٣٦/٢-١]
قوله : ((فمَنْ وافقَ خطَّ فذاك )) أي : من وافقَ خط هذا النبيّ فذاك ،
يعني: فهو مُباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا تُباحُ.
وقال الشيخ محيي الدين (٣): والمقصود : أنه حرامٌ ؛ لأنه لا يباح إلا
بيقين الموافقة ، وليس لنا يقين بها؛ وإنما قال - عليه السلام -: ((فمَنْ
وافق خطه فذاك)) ، ولم يقل : هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا
يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخلُ فيه ذلك النبي الذي كان يَخُط ، فحافظ
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٢٣/٥). (٢) انظر: معالم السنن (١/ ١٩٢).
(٣) شرح صحيح مسلم (٢٣/٥).
- ١٨٣-

النبي - عليه السلام - على حرمة ذاك النبي - عليه السلام - مع بيان
الحكمة في حقنا ؛ فالمعنى : أن ذاك النبي - عليه السلام - لا منع في
حقه، وكذا لو علمتم موافقته ؛ ولكن لا علم لكم بها .
قلت : هذا الكلام كله خارج عما دل عليه اللفظ النبوي ، ولا يدل
اللفظ صريحاً على الحرمة ولو بَيَّنَ النبي - عليه السلام - حرمته من غير
تعليقٍ ما كان يحصل التوهُم المذكور ؛ لأن كثيراً من الأمور كانت مباحةً
في شريعة من قبلنا ، وهي حرام عندنا ، ولا يلزم من ذلك ما ذكره من
التوهم ؛ لأن غايته يكون منسوخاً في شرعنا .
وقال الخطابي (١) : يشبه أن يكون أراد به الزجْر عنه ، وترك التعاطي
له؛ إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبيّ ؛ لأن خطه كان عَلَما
لنبوته، وقد انقطعت نبوته وذهبَتْ معالمها .
(((٢) وقال القاضي عياض: المختار : أن معناه: من وافق خطّه فذاك
تجدون إصابته فيما يقول ؛ لا أنه أباح ذلك لفاعله ، قال : ويحتمل أن هذا
نسخ في شرعنا .
وذكر المازري في كتاب ((المُعلم)) قوله: ((فمَنْ وافق خطَّه فذاك)) أى:
من أصاب ذلك فقد أصابَ ، وقيل : إنما قال ذلك على وجه الإِبْعاد لِمن
يَسْلك هذا ، فكأنه يقول : وكيف لكم موافقة خطه ؟ ! . وقال ابن عباس
في تفسير هذا الحديث : هو الخط الذي يَخطه الحازي ؛ وهو علمٌ قد
ترکه الناسُ .
قلت : الحازي - بالحاء المهملة - والزاي - من حَزَى الشيءَ تَحْزِية
وتحزُوة إذا قدّره . وقال الجوهري : الحازي : الذي ينظر في الأعضاء
وخیلان الوجه یتکھّن .
قوله : ((غُنَيمات)) جمع غُنَيْمَةٍ ؛ وهي تصْغيرُ غنمٍ ؛ والغنم يقع على
الذكر والأنثى .
(١) معالم السنن (١/ ١٩٢).
(٢) شرح صحيح مسلم (٢٣/٥).
-١٨٤-

قوله: ((قبَلَ أُحد )) - بكسر القاف وفتح الباء - أي : في جهة أُحُد ،
والأُحُد : الجبل المعروف بالمدينة ، سمي بذلك لتوحّده وانقطاعه عن جبال
أُخَر هناك. و((الجَوَّانِية)) - بفتح الجيم ، وتشديد الواو المفتوحة ، وبعد
الألف نون مكسورة ، وياء آخر الحروف مشددة ، وحُكي في الياء
التخفيف - وهي أرض من عمل المدينة من جهة الفُرْع ، كأنها نُسبت إلى
جَوان ؛ قاله القاضي عياض. وقال الشيخ محيي الدين (١) : الجوانية
موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي: ((إنها من عمل
الفرع)) فليس بمقبول ؛ لأن الفُرْع بين مكة والمدينة ، والمدينة بعيد من
الفرع، وأحد في شام المدينة، وقد قال في الحديث: ((قبلَ أُحد
والجَوَّانية))، فكيف يكون عند الفرع »؟.
قلت : الصواب مع الشيخ محيي الدين ؛ لأن الفرع - بضم الفاء ،
وسكون الراء وبالعين المهملتين - من المدينة على أربعة أيام في جنوبِيُّها ،
وهي عدة قرى آهلة ، والطريق القريبة من المدينة إلى مكة إنما هي على
الفُرع ؛ ولكن لا يكاد يَسْلم المارُّ بها من قطاع الطريق ، وكذا ذكرته في
تاريخي في كتاب ((البلدان)) في فصل (( إقليم الحجاز )). وفيه : دليل
على استخدام السيّد جاريته في الرَّعْي وإن كانت تنفردُ في المَرْعى .
قوله : « آسفُ)) أي : أغضبُ کما یغضبون ، من أسف یأسفُ من باب
علم يعلم ؛ والأسف بفتحتين : أشد الحزن .
قوله: ((لكني صككتها)) فيه حذف حتى يصح الاستدراك؛ / والتقدير: [٣٦/٢-ب]
فلم أَصْير على ذلك ، فما اكتفيت بشَتْمها ؛ لكني صككتُها ؛ الصكّ :
الضَّرْبُ ، ويُقالُ : اللطمُ .
قوله : ((فعظّم ذلك عَليّ)» وفاعِلُ ((عَظْم)): رسولُ الله -عليه السلام-
(١) شرح صحيح مسلم (٢٣/٥ - ٢٤) .
- ١٨٥-

وهو من التعظيم بمعنى : جعل هذا الفـ [ ـعل عظيماً) (١) وذلك إشارة
إلى ما أخبره من فعله بالجارية شفقةً منه عليها .
قوله : ((فقالَ : أين اللهُ)) أي: فقال النبي - عليه السلام - سائلاً عنها:
أين الله ؟ إنما أراد - عليه السلام - أن يتطلّبَ دليلاً على أنها مُوحدة ،
فخاطبَها بما يفهم قصدها ؛ إذ من علامات الموحدين : التوجهُ إلى السماء
عند الدعاء وطلب الحوائج ؛ لأن العرب التي تعبدُ الأصنامَ تطلب
حوائجها من الأصنام ، والعجم من النيران ، فأرادَ - عليه السلام -
الكشفَ عن مُعتقدها هل هي من جملة من آمن ؟ فأشارت إلى السماء ،
وهي الجهة المقصودة عند الموحّدين. وقيل: إنما وَجْهُ السؤالِ بـ (( أين )
هاهنا سُؤالٌ عما يَعتقدُه من جلال الباري ، وإشارتها إلى السماء إخبارٌ
عن جلالته تعالى في نفسها ، والسماء قبلة الداعين كما أَنّ الكعبة قبلة
المصلين ، فكما لم يَدلّ استقبالُ الكعبة على أن الله جلّت قدرته فيها ، لم
يدلّ التوجه إلى السماء والإشارة على أن الله عَزَّ وجَلَّ فيها (٢).
قوله: ((أعتقها )) إنما أمر بعتقها لأنه ضربها من غير ذنب ، وكان عتقها
كفارةً لذلك الذنب ، وفيه : دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق
الكافر .
قوله : ((فإنها مؤمنة )) الفاء فيه للتعليل ؛ فكان إيمانها بالله وبرسوله هو
الّذي حَبّب عتقها ، ثم إن النبي - عليه السلام - حكم بإيمانها بالإقرار
بالله وبرسالته ، وهكذا هو الحكم في كل كافر لا يَعتقدُ ديناً باطلاً ، ولا
يَعْرف إلا الله تعالى ، فإنه متى أقر بالله وبرسالة نبيّه - عليه السلام -
جزماً يَصيرُ مؤمناً ، ويكون من أهل القبلة والجنّة ، ولا يكلّف على إقامة
الدليل والبرهان ، وأما الكافر الذي يَعْتقدُ ديناً من الأديان الباطلة ، أو
(١) غير واضح في الإلحاق .
(٢) بل إن اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة أن الله في السماء، مستو على عرشه ،
محيط بكل شيء وفوقه ، ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ، وانظر:
(( مختصر العلو)) .
-١٨٦-

كتاباً من الكتب السماويّة ، فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله وبرسوله
حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل . والحديث : أخرجه مسلم ،
والنسائي، والبيهقي؛ ولفظه: (( إنما هو التسبيح والتكبير)) موضع قوله :
((إنما هُو)). وفي لفظ للطبراني: ((إن صلاتنا لا يحل فيها شيء من
كلام الناس)). وأخرج ابن أبي شيبة أكثره في ((مصنفه)).
وقال الخطابي (١) : في هذا الحديث من الفقه أن الكلام ناسياً في
الصلاة لا يُفسد الصلاة ؛ وذلك أن النبي - عليه السلام - علّمه أحكام
الصلاة وتحريم الكلام فيها ، ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه ،
وقد كان تكلم بما تكلّم به ، ولا فرق بين مَنْ تكلم جاهلاً بتحريم الكلام
عليه وبين من تكلم ناسياً لصلاة في أن كل واحد منهما قد تكلم ،
والكلام مباح له عند نفسه .
والجواب عن هذا : أنا لا نُسلم أن كلام معاوية بن الحكم كان على
وجه السهو والنسيان ؛ بل كان عامداً ؛ ولكن كان جاهلاً بتحريم الكلام ،
وأما قوله: (( ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه)) ، فيحتمل أن
يكون أقره بها ولم ينقل إلينا، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمرَه بالإعادة،
كان الرجوع إلى عموم قوله: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من
كلام الناس )) في دلالة بطلان الصلاة بكلام الناسِي أَوْلى ؛ فالحديث لا
يدلّ على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة ، وربما دلّ على عكسه .
٩٠٧ - ص - نا محمد بن يونس النسائي : نا عبد الملك بن عمرو : نا
فُلَيْح، عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السُّلَمي
قال : لما قَدمْتُ عَلَى رسول الله عُلِّمتُ أموراً من أُمورِ الإسلام ، فكان فيما
عُلِّمتُ أن قيل (٢) لي: ((إذا عَطَستَ فاحْمد الله ، وإذا عَطِسَ العاطسُ
(١) معالم السنن (١٩١/١ - ١٩٣).
(٢) في سنن أبي داود: ((قال)).
-١٨٧-

فحمدَ اللهَ فَقَلْ: يَرْحَمُكَ اللهُ)) قال: فَبينما أنا قائمٌ مع رسولِ الله في الصلاةِ
إذ عَّطْسَ رجُلٌ فحمدَ اللهَ فقلتُ : يَرِحَمُكَ اللهُ - رافعاً بها صَّوتِي - فَرَمَانِي
الناسُ بأبصارهم حتى احتمَلَني ذلك ، فقلتُ: ما لكم تنظرونَ؟ ( فقلت :
ما لكم تنظرونَ ) (١) إِليَّ بأعينِ شَزْرِ؟ قال: فَسَبَّحُوا، فلما قَضِى النبيّ
-عليه السلام - الصلاةً قال: (( مَن المتكلمُ؟ )) قيل: هذا الأعرابيّ فدعاني
[٣٧/٢-١] رسولُ الله / فقال: ((إنّمَا الصلاةُ لَقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنتَ فيها
فليكنْ ذلك شأنَكَ )) ، فما رأيتُ مُعلِّمَاً قطُّ أَرفقَ من رسول الله - عليه
السلام (٢) .
ش - محمد بن يونس النسائي : روى عن : أبي عامر العقدي ،
وعبد الله بن يزيد المقرئ . روى عنه: أبو داود، وفُلَيْح بن سُليمان المدني.
وهلال بن عليّ : هو هلال بن أبي ميمونة القرشي المديني .
قوله: ((رافعاً)) نصبٌ على الحال من الضمير الذي في ((فعلتُ)).
قوله: (( حتى احتملني ذلك )) أي: حتى أَغْضِبَنِي فعلُهم ذلك .
قوله: ((بأعين شَزْر)) الشَّزْر : النظر عن اليمين والشمال ، وقيل : هو
النظر بمؤخر العين ، وأكثر ما يكون النظر الشَّزْر في حال الغضب وإلى
الأَعْداء .
قوله: ((إنما الصّلاة لقراءة القرآن وذكر الله)) إنما اقتصر على هَذّيْن
النَوْعين مطابقة لما صدر من معاوية من الكلام ؛ وهذا من بلاغة الكلام ،
وفصاحة البيان .
قوله: ((فليكن ذلك شأنك)) أي: فليكن ما ذكر من قراءة القرآن وذكر
الله ، فعلك وقولك في الصلاة .
قوله : ((فما رأيتُ مُعَلِّما)) إلى آخره؛ لأنه - عليه السلام - لم
(١) غير موجود في سنن أبي داود ، والظاهر أنها مكررة .
(٢) تفرد به أبو داود .
-١٨٨-

يَنْهره، ولم يغضب عليه على ما فَعل من الفعل المحرّم في الصلاة ، وهذا
من كمال خلقه الحسن، ولطافة ذاته الكريمة وَله .
١٦٣ - بَابُ: التَّأمين وَرَاء الإمام
أي : هذا باب في بيان حكم التأمين وراء الإمام .
٩٠٨ - ص - نا محمد بن كثير : أنا سفيان ، عن سلمة بن كهَيل ، عن
حُجر أَبِي العَنْبَس الحضرمي ، عن وائل بن حُجر قال : كان رَسولُ الله - عليه
السلام - إذا قَرَأَ ﴿ولا الضَّالِينَ﴾ قال: «آمين))، ورفعَ بها صَوَتَه (١).
ش - حُجر - بضم الحاء المهملة ، وسكون الجيم - : ابن العنبس
الحضرمي ، أبو العنبس الكوفي ، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي - عليه
السلام - . سمع : عليّ بن أبي طالب ، ووائل بن حُجر . روى عنه :
سلمة بن كهيل ، وموسى بن قيس الحضرمي ، والمغيرة بن أبي الحر
الكندي . قال ابن معين : شيخ کوفي ثقة ومشهور . روی له : أبو داود،
والترمذي (٢) .
الكلام في « آمين » من وجوه : الأول في لفظه ومعناه ، فلفظه صوتٌ
سُمي به الفعل ، الذي هو استجب ، كما أن رويد وحيّهل وهلمّ أصوات
سُمّت بها الأفعال التي هي : أَمْهل ، وأسرِعْ ، وأقبل .
فإن قيل : الصوت : لفظ حكي به صوت ، أو صُوّت به للبهائم وهو
ليس من القسمين . قلت : إن الصوت ربما يطلق على اللفظ لأنه صَوْت
يعتمدُ على مخرج الحَرف ، وهو المراد هاهنا ، وفيه لغتان مدّ الهمزة
وقصرها ، وفي حركاته أوجهٌ أصحها : فتح النون ؛ وهي القراءة الظاهرة؛
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في التأمين (٢٤٨)، ابن ماجه:
كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: الجهر بآمين (٨٥٥) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١١٣٥/٥).
-١٨٩-

لأن أصله : يا أميناه ، فحذفت الهاء والألف تخفيفاً ، فبقيت النون على
الفتحة ، ويكون محله الرفع لأنه نداء ندبة ، ويقال : إنه مبني على الفتح
ككيف ، وأين ، وقد تكسر - أيضاً - ؛ لأن الأصل في البناء : السكون،
فإذا حُرُكَ حُركَ بالكسْر ، وقد يُرفع ظاهره - أيضاً - على تأويل من جعله
اسماً الله تَعالى فكأنه قال : يا أمينُ ، وبالإمالة لغة وقراءة - أيضاً - ولو
قرأها بالتشديد فهو خطأ قيل : تفسد به الصلاة . وذكر شمس الأئمة
الحلواني أنه لا تفسد تصحيحاً لصلاة العامّة ؛ لأن له نظيراً ، وهو قوله
تعالى: ﴿وَلَا آمِّنَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (١) ومعناه: ندعو قاصدين، وأما
معناه: فذكر ابن بُزَيزة في (( شرح الأحكام )) أن ابن عباس سأل رسول الله
عن معنى آمين، فقال: (( كذلك يكون )» . وعن هلال بن يَساف ومجاهد
وحكيم بن جابر : هي اسم من أسماء الله . وقال عطية العَوْفي : هي
كلمة عبرانيّة أو سريانية . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي كنز
من كنوز العرش لا يعلمه إلا الله تعالى . وقيل : هي خاتم رب العالمين
على عباده المؤمنين. وفي ((بسيط )) الواحدي ، عن جعفر بن محمد :
معناه : قصدي إليك، وأنت أكرم من أن تخيّب قاصداً. وفي (( الزاهر ))
لابن الأنباري : اللهم استجب . وقال ابن قتيبة : معناها : يا أمين أي :
يا ألله ، وأضمر في نفسك استجب لي . وقال ابن عباس : معناه : اللهم
[٣٧/٢ - ب] افعل / . وقال الضحاك : هي حروف من أسماء الله عَزَّ وجَلَّ ، تختم
به قراءة أهل الجنة والنار . وقال وهب : يخلق بكل حرف منه ملك يقول:
اللهم اغفر لمن (٢) قال: آمين. وقال أبو علي: وزنه: فعيل ، والمدّ
للإشباع ؛ لأنه ليس في الكلام أفعيل ولا فاعيل ولا فيعيل . وقال
الأخفش : مثلها في العجميّة شاهين .
الثاني : هي من القرآن أم لا ؟ قال الزمخشري : وليس من القرآن ؛
بدليل أنه لم تثبت في المصاحف . وقال ابن الأثير : لا خلاف بين أهل
الإسلام أنها ليست من القرآن العظيم ، ولم يكتبها أحد في المصحف .
(١) سورة المائدة : (٢).
(٢) في الأصل: ((اللهم اغفر لي لمن)).
- ١٩٠-

الثالث : مَن يَقُولها في الصلاة وكيف يقولها ؟ قال أصحابنا : وإذا قال
الإمام: ((ولا الضالين)) قال: ((آمين)) ويَقولُها المؤتم. وروى الحسن
عن أبي حنيفة : لا يقولها الإمام ؛ لأنه داع والمستمع المأموم ، وإنما يؤمن
المستمع دون الداعي كما في سائر الأدعية خارج الصلاة .
فإن قيل: ما يقولُ في قوله - عليه السلام -: ((إذا أمّن الإمام
فأمنوا))؟ قلنا: سُمِّي الإمامُ مُؤْمناً باعتبار التَّسبيب، والْمُسَبِّبُ يجوز أن
يسمّى باسم المُباشِر كما يُقال: بَنَى الأميرُ داره ، ويمثل هذه الرواية في
(المدونة)) عن مالك، وفي ((العارضة)) عنه: لا يؤمن الإمام في صلاة
الجهر . وقال ابن حبيب : يُؤْمِّن . وقال يحيى بن بكير : هو بالخيار .
وقال السفاقسي : وزعمت طائفة من المبتدعة أن لا فضيلة فيها ، وعن
بعضهم : أنها تفسد الصلاة . وقال ابن حزم : يقولها الإمام سُنَّةً والمأموم
فرضاً .
وأما كيفية قولها : فقال أصحابنا : الإمام والجماعة يخفونها . وقال
الشافعي : يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة ، والمأموم
يخافت ؛ هكذا ذكر المزني في ((مختصره)). وفي ((الخلاصة)) للغزالي:
ومن سنن الصلاة: أن يجهر بالتأمين في الجهريّة. وقال في (( شرح
البخاري)) : ويجهر بها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود . وقال جماعة:
يخفيها ؛ وهو قول أبي حنيفة والكوفيين ، وأحد قولي مالك والشافعي في
((الجديد))، وفي ((القديم)): يجهر. وعن القاضي حسين عكسُهُ. قال
النووي : وهو غلط ؛ ولعله من الناسخ . وقال ابن الأثير : لو قال :
(آمين رب العالمين))، وغير ذلك من ذكر الله كان حسناً ، ثم الشافعي ومن
معه تمسكوا في الجهر بالتأمين بهذا الحديث وأمثاله . واحتج أصحابنا بأخبار
وآثار؛ منها: (((١) ما روى أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو يعلى
الموصلي في ((مسانيدهم))، والطبراني في ((معجمه))، والدارقطني في
(١) انظر: نصب الراية (٣٦٩/١).
-١٩١-

((سننه))، والحاكم في ((المستدرك)) من حديث شعبة، عن سلمة بن
كهيل ، عن حجر أبي العنبس ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه أنه صلى
خلف النبي - عليه السلام - ، فلما بلغ (( غير المغضوب عليهم ولا
الضالين)) قال: ((آمين))، وأخفى بها صوته . أخرجه الحاكم في كتاب
((القراءة)) ولفظه: وخفض بها صوته . وقال : حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه. وقال الدارقطني: هكذا قال شعبة: ((وأخفى بها صوته ))
ويُقالُ : إنه وهم فيه شعبة ؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن کھیل
وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ((ورفع بها صوته ))؛ وهو الصواب .
وطعن صاحب ( التنقیح )) في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه ؛
كما أخرجه البيهقي في (( سننه )) عن أبي الوليد الطيالسي : ثنا شعبة ،
عن سلمة بن كهيل : سمعت حُجراً أبا عنبس يُحدثُ عن وائل الحضرمي
أنه صلى خلف النبي - عليه السلام - فلما قال: ((ولا الضالين)) قال:
((آمين)) رافعاً بها صوته . قال : فهذه الرواية توافق رواية سفيان . وقال
البيهقي في ((المعرفة)) : إسناد هذه الرواية صحيح ، وكان شعبة يقول :
سفيان أحفظ . وقال يحيى القطان ويحيى بن معين : إذا خالف شعبةُ
سفيانَ (١) ، فالقولُ : قول سفيان - قال : وقد أجمع الحفاظ - البخاري
وغيره - أن شعبة أخطأ ، وقد روي من أوجه : فجهر بها . انتهى .
قلنا : يكفي لصحة الحديث تصحيح الحاكم وقول الدارقطني ، ويقال :
[٣٨/٢-١] إنه وَهم فيه شعبة يدلُ على قلة اعتنائه بكلام / هذا القائل - وأيضاً -
قولهم في مثل شعبة: (( إنه وهم )) لكونه غير معصوم موجود في سفيان ،
فربما يكون هو وهم ، ويمكن أن يكون كلا الإسْنادين صحيحاً ، وقد قال
بعض العلماء : والصوابُ أن الخبرين بالجهر بها والمخافتة صحيحان ،
وعمل بكل منهما جماعة من العلماء ، وإن كنتُ مختاراً خفضَ الصوت
بها ؛ إذ كانت الصحابةُ والتابعون على ذلك .
(١) في الأصل: ((إذا خالف شعبة يقول سفيان)) كذا، وما أثبتناه من نصب
الراية .
-١٩٢-

فإن قيل: (((١) قال ابن القطان في كتابه : هذا الحديث فيه أربعة
أمور؛ أحدها: اختلاف سفيان وشعبة؛ فشُعبةُ يقولُ: ((خَفضَ))،
وسفيانُ يقول: ((رَفعَ))؛ الثاني: اختلافهما في حُجْرِ ؛ فَشعبةُ يقولُ :
حُجر أبو العَنْبس، والثوريُّ يقولُ : حُجر بن عَنْبَسْ، وصَوّب البخاريُّ
وأبو زرعة قولَ الثوري ، ولا أَدْري لِمَ لم يُصَوَبْ قولُهما جميعاً حتى
يكون حُجرُ بن عنبس أبا العَنْبس ، اللهم إلا أن يكونا قد علما أنه له كنيةً
أخرى، الثالث : أن حُجراً لا يُعرفُ حالُه ، والرابع : اختلافُهما
-أيضاً-؛ فجعَلَه الثوري من رواية حُجْر ، عن وائل ، وجعَله شعبةُ من
رواية حُجر، عن علقمة بن وائل ، عن وائل .
قلنا : أما الجوابُ عن الأول : فيُقال : لا يَضرُّ اختلاف سفيان وشعبة ؛
لأن كلا منهما إمامٌ عظيمٌ في هذا الباب ، فلا يُسقطُ رواية أحدهما برواية
الآخر ، فكل ما يُقالُ في أحدهما من الوَهْم ونحوه يَصدُقُ على الآخر ،
فلا تحصل بهذا فائدة - كما قررنا آنفاً .
والجواب عن الثاني : أن هذا ليس باختلاف ؛ لأن حُجراً يجوز أن
تكون كنيته : أبا العنبس ، ويكونَ هو ابن العَنْبس ، فذكره شعبة بكُنْيته
والثوريُّ بنَسَبَه. وقوله: ((اللهم إلا أن يكونا قد عَلما أن له كنيةً أخرى »
لا يَضرّنا هذا ؛ لأن الشخصَ يجوز أن يكون له كنيتان أو أكثر ، وكذلك
قال الترمذي في ((العلل الكبير)): سمعتُ محمد بن إسماعيل يَقولُ :
حَديثُ الثوري ، عن سلمة في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة ، وشعبةُ
أَخطأ في هذا الحديث في مواضع قال : عن سلمة بن حُجر أبي العَنْس ؛
وإنما هو ابن عنبس وكنيتُه : أبو السَّكن . وهذا - أيضاً - بَعيدٌ من
البخاري، فكيف يُخطّئَ مثلَ شعبة بمثل هذا الكلام ؟ لأنه لِمَ لا يجوز أن
يكون حُجرٌ مُكنى بكُنيتَين بأبي العنبس وبأبي السَّكن ، فذكره شعبةُ بكنيته
التي عَرفه بها ، وغيرهُ ذكره بكُنْيته الأُخرى ، فهذا ليس بمستحيل ولا
مُستَبْعْدٍ حتى يُخطَّأ شُعْبةُ بمثل هذا .
(١) انظر: نصب الراية (٣٦٩/١ - ٣٧٠).
١٣ • شرح سنن أبي داوود ٤
٠ - ١٩٣-
14

والجواب عن الثالث: أن قوله: ((إن حجراً لا يُعرفُ حاله )) ممنوع ؛
وكيف لا يُعرفُ حاله ؟ وقد ذكره أبو القاسم البغويَّ وأبو الفرج البغداديّ
وابنُ الأثير وغيرهم في جملة الصحابة ، ولئن نزّلناه عن رُتْبَة الصحابة إلى
التابعين فقد وجَدْنا جماعةٌ أَثْنَوْا عليه ووثقوه ؛ منهم : الخطيبُ أبو بكر
البغدادي ، قال : صار مَعَ عليّ إلى النَهْروان ، وورَد المدائنَ في صحبته
وهو ثقة ، احتج بحديثه غيرُ واحد من الأئمة ، وذكره ابن حبان في
(الثقات)). وقال ابن معين: كوفي ثقة مشهورٌ .
والجواب عن الرابع : أن دخول علقمة في الوسط ليس بعَيْب ؛ لأنه
سمعه من علقمة أولاً بتُزُولِ ثم رواه عن وائل بعلُوٌّ ؛ بَيّنَ ذلكَ الكجّي في
((سُنَنه الكبير)».
ومنها: ما روى محمدُ بن الحسن في كتاب ((الآثار)»: حدَّثْنا
أبو حنيفة : ثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي قال : أربع
يُخفِيهن الإمامُ : التَّعوذُ ، وبسم الله الرحمن الرحيم ، وسبحانك اللهم ،
وآمين. ورواه عبد الرزاق في (( مُصنفه)) : أخبرنا معمر ، عن حماد به ،
فذكره إلا أنه قال عوض قوله: ((سبحانك اللهم)): ((اللهم ربنا لك
الحمد))، ثم قال : أخبرنا الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم قال :
خمسٌ يخفيهن الإمامُ ، فذكرها ، وزاد : سبحانك اللهم وبحمدك .
ومنها : ما روى الطبري في ((تهذيب الآثار )) : ثنا أبو بكر بن عياش،
عن أبي سعيد ، عن أبي وائل قال : لم يكن عمرُ وعلي يجهران ببسم الله
الرحمن الرحيم ولا بآمين .
وحديثُ وائل : أخرجه الترمذي - أيضاً - ، وابن ماجه ؛ ولفظ
[٣٨/٢-ب) الترمذي: ((ومَدَّ بها صوتَه)) / وقال: وفي الباب عن عليّ وأبي هريرة .
قال أبو عيسى : حديث وائل بن حجر حديث حسنٌ ، وبه يقول غير
واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ومَن
بعدهم ، يَرَوْن أَن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها ، وبه يقول
الشافعي وأحمد وإسحاق .
-١٩٤-

٩٠٩ - ص - نا مخلد (١) بن خالد الشَّعيري: نا ابنُ نمير : نا علي بن
صالح ، عن سلمة بن كُهيل ، عن حُجر بن عَنْبَس ، عن وائل بن حُجر أنه
صَلَّي خلفَ النبيِّ - عليه السلام - فجهَر بآمينَ وسَلَّم عن يمِينِهِ وعن شِمَالِهِ
حتى رأيتُ بياضَّ خَدِّه (٢).
ش - مخلد (٣) بن خالد ... (٤) ، والشعيري: بفتح الشين المعجمة
وكسر العين المهملة ، وابن نُمير : هو عبد الله بن نُمير .
وعليّ بن صالح : ابن حي الهمداني أبو محمد ، ويقال : أبو الحسن
الكوفي أخو الحَسن ؛ وهما توأمان . روى عن : أبيه ، وإبراهيم بن
مهاجر ، وسلمة بن كُهيل وغيرهم . روى عنه : أخوه : الحسن ،
ووكيع، وأبو الزبير ، وغيرهم . قال أحمد وابن معين : ثقة . روى له :
الجماعة إلا البخاريّ (٥) .
واستدلّ أشرف الدين بن مجيب الكاساني صاحب ((البدائع))
لأبي حنيفة في إخفاء آمين بقوله - عليه السلام -: (( إذا قال الإمام : ولا
الضالين فقولوا : آمين )) ، فإن الإمام يَقولُها ، ولو كان مسموعاً لكانوا
علموا بقولها ؛ ولأنه من باب الدعاء ؛ لأن معناه : اللهم أجبْ أو ليكن
كذلك قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ (٦) ومُوسى كان يدعو
وهارون كان يؤمن ، والسُّنَّة في الدعاء : الإِخفاء . وحديث وائل طعن
فيه إبراهيم النخعي وقال : أَشهِد وائلٌ وغابَ عبدُ الله ؟ على أنه - عليه
السلام - جهر مرةً للتعليم .
(١) في الأصل: ((محمد)) خطأ.
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في التأمين (٢٤٩).
(٣) في الأصل: ((محمد)).
(٤) بيض له المصنف قدر ثلاثة أرباع السطر ، وهو مترجم في تهذيب الكمال
(٥٨٣٤/٢٧)، وكأن المصنف - رحمه الله - لما ذكره بمحمد لم يجد له ترجمة
فبيض له لذلك .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٠٨٤).
(٦) سورة يونس: (٨٩) .
- ١٩٥-

٩١٠ - ص - نا نصر بن عليّ : أنا صفوان بن عيسى ، عن بشْر بن رافع،
عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ قال: كان رسولُ الله إذا
تَلا: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوب عليهم ولا الضَّالِّينَ﴾)) قال: آمين حتى يُسْمِعَ مَنْ
يليه من الصفَِّ الأوَّل (١).
ش - نَصْر بن علي : الجهضمي البصري ، وصفوان بن عيسى :
القرشي البصري .
وبشْر بن رافع : النجراني - بالنون والجيم - أبو الأَسْباط الحارثي إمام
أهل نجران ومفتيهم . سمع : أبا عبد الله ابن عم أبي هريرة ، وعبد الله
ابن سلیمان بن جنادة ، ویحیی بن أبي کثیر . روی عنه : یحیی بن
أبي كثير ، وعبد الرزاق بن همام ، وصفوان بن عيسى . وقال البخاري :
لا يتابع في حديثه . وقال النسائي : هو ضعيف . وقال الحاكم أبو أحمد:
ليس بالقوي عندهم . وقال أبو حاتم : ضعيف منكر الحديث . وقال ابن
عدي : هو مقارب الحديث ، لا بأس بأخباره ، ولم أجد له حديثاً منكراً.
وعند البخاري : إن بشر بن رافع هذا أبو الأسباط الحارثي . وعند يحيى
ابن معين : إن أبا الأَسْباط شيخ كوفي ثقة . ولكن ذكر يوسف بن
سلمان، عن حاتم ، عن أبي أَسْباط الحارثي اليمامي (٢) . وعند النسائي:
أن بشر بن رافع غير أبي الأَسْباط . وما قاله كل واحد منهم محتمل ،
والله أعلم ، وإن كانا اثنين فكأن أحاديث بشر بن رافع أنكر من أحاديث
أبي الأسباط . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٣) ..
وأبو عبد الله الدوسي ابن عم أبي هريرة : قال ابن أبي حاتم في كتاب
((الكنى )) : اسمُهُ: عبد الرحمن بن هضاض ، ويقال : هضهاض ،
والصحيح : هضاض . روى عن : أبي هريرة . روى له : أبو داود ،
وابن ماجه (٤) .
(١) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب: الجهر بآمين (٨٥٣).
(٢) في تهذيب الكمال: ((اليماني)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤/ ٦٨٧).
(٤) المصدر السابق (٣٤/ ٧٤٧٣).
-١٩٦-

قوله : ((حتى يُسمع)) منْ أسمع يُسمع إسْماعاً . والحديث : أخرجه ابن
ماجه - أيضاً - بسند ضعيفٍ .
٩١١ - ص - نا القعنبي، عن مالك، عن سُمَيَّ مولى أبي بكر ، عن
أبي صالح السمّان، عن أبي هريرةَ، أن النبيّ - عليه السلام - قال: ((إذا قال
الإمامُ: ﴿غَيرِ المغضُوبِ عَلَيهم ولا الضَّالِّينَ ﴾ فقولوا : آمين ؛ فإنه مَن
وافَق قولُهُ قَولَ الملائكةِ غُفِرَ له ماتقدَّمَ من ذَنَّبِهِ)) (١) .
ش - أي : من الصغائر وما لا يكادُ ينفكُّ عنه في الغالب من اللَّمَم .
والحديث : أخرجه البخاري ، والنسائي، وعبد الرزاق في (( مصنفه ))
وابْنُ حبان في ((صحيحه))، (((٢) وزاد فيه البخاري في كتاب
((الدعوات)): ((فإن الملائكة تؤمن، فمَنْ وافق تأمينه )) الحديث . وقال
ابن حبان في «صحيحه »: ((فإن الملائكة تقولُ: آمين » ثم قال: يُريدُ
أنه إذا أَمّن كتأمين الملائكة / من غير إعجاب ولا سُمْعة ولا رياء ، خالصاً
الله تعالی ؛ فإنه حينئذ یغفر له .
[٣٩/٢-١]
قلت: هذا التفسيرُ يندفع بما في «الصحيحين )» عن مالك، عن
أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - :
((إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: [ آمين ] ، ووافقت
إحداهما الأخرى غفر له ما تقدّم من ذنبه )) . انتهى . وزاد فيه مسلم :
((إذا قال أحدكم في الصلاة)) ولم يقلها البخاريّ وغيره ؛ وهي زيادة
حسنةٌ، نبّه عليها عبد الحق في (( الجمع بين الصحيحين))، وفي هذا اللفظ
فائدة أخرى وهي : اندراج المنفرد فيه ، وغير هذا اللفظ إنما هو في الإمام
وفي المأموم أو فيهما ، والله أعلم .
٩١٢ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن
(١) البخاري : كتاب الدعوات، باب: التأمين (٦٤٠٢)، النسائي: كتاب
الافتتاح ، باب : جهر الإمام بآمين (١٤٤/٢).
(٢) انظر: نصب الراية (٣٦٨/١).
-١٩٧-

المسيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرةَ ، أن
رسول الله - عليه السلام - قال: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا ، فإنه مَنْ وَاَفقَ تأمِينُهُ
تَأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنِهِ)) (١) .
ش - الأمر فيه للاستحباب بإجماع العلماء ، خلافاً لابن حَزْم ، فإنه
فرض التأمين على المأموم ، كما ذكرناه .
والحديث : أخرجه الستةُ في كتبهم ؛ ولفظ النسائي ، وابن ماجه : ((إذا
أمّن القارئ)). ورواه البيهقي؛ ولفظه: ((إذا قال القارئ: غير المغضوب
عليهم ولا الضالين ، فقال من خلفه : آمين ، ووافق ذلك قول أهل
السماء : آمين ، غفر له ما تقدّم من ذنبه)). ورواه أبو محمد الدارمي في
(( مسنده)).
ص - قال ابن شهاب : وكان رسولُ الله يقولُ : آمين .
ش - أي : قال محمد بن مسلم الزهري : كان رسول الله - أيضاً -
يقولُ : آمين . وقال البخاريّ - أيضاً : قال ابن شهاب .. إلى آخره .
قال السَّفاقُسي : هذا مُرسلٌ ولم يُسْنده ، ولو أسنده لم یکن فيه دليل
للمتعلّق ، لأنه لم يَقل أنه كان يَقولُه في صلاة الجهر ، ولعله قاله فيما
صلّى سرا .
٩١٣ - ص - نا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه : أنا وكيع ، عن سفيان ،
عن عاصم، عن أبي عثمان ، عن بلال أنه قال : يا رسولَ اللهِ ، لا تسبقْنِي
بآمين (٢).
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب: جهر الإمام بالتأمين (٧٨٠) ، مسلم : كتاب
الصلاة ، باب : التسميع والتحميد والتأمين (٤١٠) ، الترمذي : كتاب
الصلاة، باب : ما جاء في فضل التأمين (٢٥٠) ، النسائي : كتاب الافتتاح ،
باب: جهر الإمام بآمين (١٤٣/٢، ١٤٤)، وله عنده ألفاظ أحدها مثل لفظ
الباب، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : الجهر بآمين (٨٥٢) .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١٩٨-

ش - إسحاق بن إبراهيم : ابن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر
أبو يَعْقوب المروزيّ المعروف بابن رَاهويه ، سكن نيسابور ، وسمع : عبدة
ابن سليمان ، وأبا عامر العَقدي ، وإسماعيل ابن عليّة ، ووكيعاً ، وابن
المبارك ، وجماعة آخرين كثيرةً . روى عنه : البخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وأحمد بن حنبل ، وابن معين ،
وجماعة آخرون كثيرةٌ . وقال أحمد : إسحاق عندنا إمام من أئمة
المسلمين. وقال أبو داود الخفاف : أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر
ألف حديث من حفظه ، ثم قرأها عليه ، فما زاد حرفاً ولا نقص حرفاً .
وعن محمد بن يحيى بن خالد : سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول :
أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها ، وأحفظ سبعين ألف حديث
عن ظهر قلبي ، وأحفظ أربعة آلاف حديث مُزُوّرة ، فقيل له : ما معنى
المزورة ؟ قال : إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة قلبتُه منها
قلباً . وقال أحمد بن سلمة : سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول : قال لي
عبد الله بن طاهر : لم قيل لك ابن راهَوَيْه ؟ وما معنى هذا ؟ وهل تكره
أن يُقال لك هذا ؟ قال : اعلم أيها الأميرُ : أن أبي ولد في طريق مكة ،
فقال المراوزة : راهوَيْ ؛ لأنه وُد في الطريق ، وكان أبي يكره هذا ، وأما
أنا فلستُ أكرَهُه . وتوفي إسحاق بن راهويه ليلة النصف من شعبان ، سنة
سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين ، وهو ابن سبع وسبعين سنةً (١).
وعاصم : الأحول ، وأبو عثمان : عبد الرحمن بن مَل النهدي ،
وبلال : ابن رباح (٢) - رضي الله عنه - .
قوله: ((لا تسبقني بآمين)) أَوَّلُوه على وجهين ؛ الأول : أن بلالاً كان
يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى من سكتتي الإمام ، فربما يبقى عليه شيء
منها ورسول الله - عليه السلام - قد فرغ من قراءتها ، فاستمهله بلال في
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣٢/٢).
(٢) في الأصل: ((ابن أبي رباح)).
-١٩٩-

التأمين بقدر ما يتم فيه قراءة بقية السورة ، حتى ينال بركة على بركة موافقته
في التأمين له ، الثاني : أن بلالاً كان يقيم في الموضع الذي يؤذن فيه من
وراء الصفوف فإذا قال : قد قامت الصلاة كبّر النبي - عليه السلام - ،
[٣٩/٢-ب] فربّما سبقه ببعض ما يقرأه ، فاستمهله بلال قدر ما يلحق / القراءة
والتأمينَ .
قلت: هذا الحديث مُرسلٌ ، وقال الحاكم في ((الأحكام )): قيل : إن
أبا عثمان لم يُدْرك بلالاً . وقال أبو حاتم الرازي : رفعه خطأ ، ورواية
الثقات عن عاصم ، عن أبي عثمان مُرسلاً . وقال البيهقي : وقيل : عن
أبي عثمان ، عن سلمان قال : قال بلال ؛ وهو ضعيف ليس بشيءٍ .
٩١٤ - ص - نا الوليد بن عتبة الدمشقي ، ومحمودُ بن خالد قالا : نا
الفِريابي ، عن صَبِيح بن مُحْرزِ الحِمْصي قال: حدَّثني أبو مُصِّح المُقْرائي
قالَ: كنا نجلسُ إلى أبي زُهَيْرِ النُّمَيْري - وكان من الصحابة - فنَتحدّثُ (١)
أحسنَ الحديث ، فإذا دَعَى الرجلُ منا بدُعاء قال : اختمْهُ بَآمين ؛ فإن آمينَ
مثلَ الطَّابَعِ علَى الصَّحيفة. قال أبو زهير: أُخبرُكُم عَنَ ذلكَ؟ خَرِجْنَا مع
رسولث الله ذاتَ ليلةٍ فَأَتَيْناَ على رجلٍ قد أَلَّحّ في المسألةِ ، فوقفَ النبيّ - عليه
السلام - يَسْتمعُ منهَ، فقال النبيُّ - عليه السلام -: ((أَوْجَبَ إن خَتَم )) فقال
رجلٌ من القومِ : بأيِّ شيءٍ يختمُ؟ قال: (( بآمين ؛ فإنه إن ختم بآمِينَ فقد
أوْجبَ)) فانْصرَفَ الرجلُ الَّذِي سألَ النبيَّ - عليه السلام - فأتَى الرجلَ فقال
له (٢): اختم يا فلانُ بآمين وأبشِرْ (٣).
ش - الوليد بن عتبة : أبو العباس الدمشقي الأشجعي . روى عن :
الوليد بن مسلم ، وبقية بن الوليد ، والفريابي ، وغيرهم . روى عنه :
أبو زرعة الدمشقي ، والرازي ، وأبو داود ، وجماعة آخرون . وقال
(١) في سنن أبي داود: ((فيتحدث)).
(٢) كلمة ((له )) غير موجودة في سنن أبي داود.
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٢٠٠ -