النص المفهرس
صفحات 161-180
أن ذلك كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ (١) لله قَانتِينَ ﴾ مُوافقاً لحديث زيد بن أرقم ؛ فظهر بهذا كله أن قصة التسليم كانت بعد الهجرة بخلاف ما ذكره البيهقي ، ثم إنه استدل على ما ذكره بحديث أخرجه عن ابن مسعود قال : بعثنا رسول الله - عليه السلام - إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً ؛ وفي آخره قال : فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدراً . والجواب : ليس فيه أنه جاء إلى مكة كما زعمه ؛ بل ظاهره أنه جاء من الحبشة إلي المدينة ؛ لأنه جعل مجيئه وشهوده بدراً قريب هجرته إلى الحبشة بلا تراخٍ . ثم خرّج عن موسى بن عقبة أنه قال : وممن يذكر أنه قدم على النبي -عليه السلام - بمكة من مهاجرة أرض الحبشة الأولى ، ثم هاجر إلى المدينة ، فذكرهم وذكر فيهم ابن مَسْعود قال : وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله ، وهكذا ذكره سائر أهل المغازي بلا خلافٍ . والجواب : أما قول ابن عقبة: (( قدم على النبي - عليه السلام - بمكة من مهاجرة الحبشة )) أراد به الهجرة الأولى ؛ فإنه - عليه السلام - كان بمكة حينئذ ، ولم يُرد هجرة ابن مسعود الثانية ؛ فإنه - عليه السلام - لم يكن بمكة حينئذ ؛ بل بالمدينة فلم يُرد ابن عقبة بقوله: (( ثم هاجر إلى المدينة)) أنه هاجر إليها من مكة ؛ بل من الحبشة في المرة الثانية . وأما قول البيهقي : (( وهكذا ذكره سائر أهل المغازي » إن أراد به شهود ابن مسعود بدراً فهو مسلم ؛ ولكن لا يثبت به ما ادعاه أولاً ، وإن أراد به ما فهمه من كلام ابن عقبة أن رجوعه في المرة الثانية كان إلى مكة ، وأنه هاجر منها إلى المدينة ، ليستدلّ بذلك على أن تحريم الكلام كان بمكة ، يُقال له : كلام ابن عقبة يدل على خلاف ذلك - كما قررناه - ولئن أراد ابن عقبة ذلك فليس هو مما اتفق عليه أهل المغازي كما تقدّم عن ابن الجوزي وغيره . (١) في الأصل: ((فقوموا)). ١١ • شرح سنن أبي داوود ٤ - ١٦١- فإن قيل : فقد ذكر في كتاب (( المعرفة )) عن الشافعي أن في حديث ابن مسعود ، أنه مرّ على النبي - عليه السلام - بمكة ، قال : فوجدته يُصلي في فناء الكعبة ، الحديث . قلنا : لم يذكر ذلك أحدٌ من أهل الحديث غير الشافعي ، ولم يذكر سنده ليُنظر فيه ، ولم يجد له البيهقي سنداً مع كثرة تتبّعه وانتصاره لمذهب الشافعي . وذكر الطحاوي في (( أحكام القرآن)) أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلا إلى المدينة ، وأنكر رجوعهم إلى دار قد هاجروا منها ؛ لأنهم منعوا من ذلك، واستدل على ذلك بقوله - عليه السلام - في حديث سَعْد: (( ولا تردّهم على أعقابهم)) . ثم ذكر البيهقي عن الحميدي أنه حَمَل حديث ابن مسعود على العَمْد وإن كان ظاهره يَتناولُ العمد والنسيان ، واستدل على ذلك فقال : كان إتيان ابن مسعود من أرض الحبشة قبل بدرٍ ثم شهد بدراً بعد هذا القول ، فلما وجدنا إسلام أبي هريرة والنبي - عليه السلام - بخيبر قبل وفاته بثلاث سنين ، وقد حضر صلاة رسول الله ، وقول ذي الیدین ، ووجدنا عمران بن حصين شهد صلاة رسول الله مَرةً أخرى ، وقولَ الخرباق ، وكان إسلام عمران بعد بدرٍ ، ووجدنا معاوية بن حُدَيج حضَر صلاةَ رسول الله ، وقولَ طلحة بن عبيد الله ، وكان إسلام معاوية قبل وفاة النبي - عليه السلام - بشهرين ، ووجدنا ابن عباس يُصَوّبُ ابن الزبير في ذلك ، ويذكر أنها سُنَّة رسول الله ، وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين [٣١/٢ -ب] قبض النبي - عليه السلام - ، / ووجدنا ابن عمر روى ذلك ، وكان أجازه (١) النبيُّ - عليه السلام - ابنَ عمر يوم الخندق بعد بدر ، علمنا أن حديث ابن مسعود خُصَّ به العمدُ دون النسيان ، ولو كان ذاك الحديث في النسيان والعمد يومئذ لكانت صلاة رسول الله هذه ناسخةً له لا بعده . والجواب : أنه ليس للحميدي دليل على أن ابن مسعود شهد بدراً بعد i (١) كذا . -١٦٢- هذا القول ، وعلى تقدير صحة ذلك نَقول : هذا القول كان بالمدينة قبل بدر ، وقضية ذي الیدین - أيضاً - كانت قبل بدر ؛ لکن قضية ذي الیدین كانت متقدمةً على حديث ابن مسعود وابن أرقم ، فنسخت بهما ؛ يدلّ على ذلك : ما رواه البيهقي في آخر (( باب من قال : يسجدهما قبل السلام في الزيادة والنقصان )) بسند جيد من حديث معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان ، عن أبي هريرة ، فذكر صلاة النبي -عليه السلام - وسَهْوَه ، ثم قال الزهري : وكان ذلك قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعدُ ، فهذا يدلّ على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة لتأخر إسلامه عن هذا الوقت ، وأيضاً - فإن ذا اليدين قُتِل ببدرٍ . وروى الطحاوي عن ابن عمر قال : كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو الیدین . وذكر ذلك ابن عبد البر ، وابن بطال ، وذكر عن ابن وهب أنه قال : إنما كان حديث ذي اليدين في بَدْء الإسلام ، ولا أرى لأحد أن يَفْعله اليوم، وقولُ أبي هريرة : صلى بنا رسول الله - يعني : بالمسلمين - وهذا جائز في اللغة . روى عن النزال بن سَبْرَةَ قال: قال لنا رسول الله: (( أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف)) الحديث . والنَّزالُ لم يرَ رسول الله ، وإنما أراد بذلك : قال لقومنا . وروى طاوس قال : قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئاً ، وإنما أراد : قدم بلدنا ؛ لأن معاذاً إنما قدم في عهد رسول الله قبل أن يُولد طاوسٌ ، ذكر ذلك الطحاويّ ، ومثله هذا ذكره البيهقي في (( باب البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة)) (١) عن مجاهد قال: جاءنا أبو ذر إلى آخره، ثم قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر ؛ وقوله: (( جاءنا )) يعني : جاء بلدنا . قال الطحاوي : ومما يدلّ على أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة : (١) السنن الكبرى: كتاب الصلاة (٤٦١/٢). - ١٦٣- أن أبا سعيد الخدريّ روي عنه أنه قال : كنا نردّ السلامَ في الصلاة حتى نُهينا عن ذلك ، فأخبر أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة ؛ وهو في السنّ دون ابن أرقم بدهر طويل . فإن قيل : قد ورد في بعض روايات مسلم في قصّة ذي اليدين أن أبا هريرة قال: ((بينما أنا أصلي مع النبي - عليه السلام - ))، وهذا تصريح منه أنه حضر تلك الصلاة ، فانتفى بذلك تأويل الطحاوي . قلنا : يحتملُ أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة: (( صلى بنا )) أنه كان حاضراً، فروى الحديث بالمعنى على زعمه قال: (( بينما أنا أصلي)) هذا وإن كان فيه بعد إلا أنه يُقرّبه ما ذكرنا من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر، ويدل عليه - أيضاً - أن في حديث أبي هريرة: (( ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها)) ، وفي حديث عمران بن حصين : (ثم دخل منزله))، ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القِبلة ويمشي، وقد بَقي عليه شيء من صلاته ، فلا يخرجه ذلك عنها . فإن قيل : فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة . قلنا : فيلزمُ على هذا: أنه لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة ، أنه لا يخرجه ذلك منها ، وأيضاً فقد أخبر النبيّ - عليه السلام - ذو اليدين ، وخبر الواحد يجب العمل به ، ومع ذلك تكلّم - عليه السلام - وتكلم الناسُ معه مع إمكان الإيماء ، فدل على أن ذلك كان والكلام في الصلاة مُباح ثم نسخ كما تقدّم . فإن قيل : قد جاء في رواية حماد بن زيد: ((أنهم أومَأوا )). قلنا : قد اختلف على حماد في هذه اللفظة؛ قال البيهقي في كتاب ((المعرفة)): هذه اللفظة ليست في رواية مسلم ، عن أبي الربيع ، عن حماد ؛ وإنما [٣٢/٢-١] هي في رواية أبي داود، عن محمد بن عُبيد. وروى / الطحاوي أن عمر - رضي الله عنه - كان مع النبي - عليه السلام - يوم ذي اليدين ، ثم حدثت به تلك الحادثة بعد النبي - عليه السلام - ، فعمل فيها بخلاف ما عمل - عليه السلام - يومئذ ، ولم ينكر عليه أحد ممن حضر فعله من -١٦٤- الصحابة ، وذلك لا يصح أن يكون منه ومنهم إلا بعد وقوفهم على نسخ ما كان منه - عليه السلام - يوم ذي اليدين ، ويدل على ذلك - أيضاً - أن الأمة أجمعت على أن السُّنَّة من الإمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به ، ولم يُسبّح ذو اليدين برسول الله ، ولا أنكره - عليه السلام - عليه ، فدلّ على أن ما أمر به - عليه السلام - من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان في حديث ذي اليدين . فإن قيل : قد سجد النبي - عليه السلام - سجدتي السهو في حديث ذي اليدين ، ولو كان الكلام حينئذ مباحاً كما قلتم لما سجدهما . قلنا : لم تتفق الرُّواةُ على أنه - عليه السلام - سجدهما ؛ بل اختلفوا في ذلك. قال البيهقي : لم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة ، ولا عن جماعة حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة . وخرّج الطحاوي ، عن الزهري قال: سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحد منهم أنه صلاها - يعني : سجدتي السهو - یوم ذي الیدین ؛ فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجدهما نقول : الكلام في الصلاة - وإن كان مباحاً حينئذ - لكن الخروج منها بالتسليم قبل تمامها لم يكن مباحاً ، فلما فعل - عليه السلام - ذلك ساهياً كان عليه السجود لذلك . وقال الشيخ علاء الدين المارديني في (( الجوهر النقي في الرد على البيهقي )) : ثم إني نظرتُ فيما بأيدينا من كتب الحديث ، فلم أجد في شيء منها أن عمران بن الحصين حضر تلك الصلاة ، ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سَوْقه للطّرق ؛ بل في كتاب النسائي ، عن عمران أنه - عليه السلام - صلّى بهم وسهى ، فسجد ثم سلم، وكذا في (( صحيح مسلم)) وغيره بمعناه ؛ والأظهر : أن ذلك مختصر من حديث ذي الیدین ؛ فظاهر قوله: (( صلى بهم)) أنه لم يحضر تلك الصلاة، وإذا حُمل حديث أبي هريرة على الإرْسال بما ذكرنا من الأدلة ، فَحمْلُ حديث عمران على ذلك أَوْلى ، وحديث معاوية بن حُدَيْج رواه عنه سُويدُ بن قَيْس المِصْري التُّجِيبي. قال الذهبي في كتابه ((الميزان)) و((الضعفاء)): مجهول - ١٦٥- تفرد عنه : يزيد بن أبي حبيب . وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه ، وفيه : أنه - عليه السلام - أمر بلالاً فأقام الصلاة ، ثم أتم تلك الركعة ، وأجمعوا على العمل بخلاف ذلك ، وقالوا : إنّ فِعلَ الإقامة ونحوها يقطع الصلاة ، وتَصويبُ ابن عباس لابن الزَّبَير في ذلك ذكره البيهقي من طريقين ، في أحدهما : حماد ابن سلمة ، عن عسل بن سفيان ، وقال في (( باب من مرّ بحائط إنسان)): ليس بالقوي ، وعِسْل : ضعّفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم . وفي الطريق الثاني : الحارث بن عُبيد أبو قدامة . قال النسائى : ليس بالقوي . وقال أحمد : مضطرب الحديث ، وعنه قال : لا أَعْرفه . وقال البيهقي في (( باب سجود القرآن إحدى عشرة )) : ضعّفه ابن معين . وأما قوله : ((وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي - عليه السلام - )) فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول : إن قضّية ذي اليدين كانت قبل بدر ؛ لأن ظاهر قول ابن عباس : ما أماط عن سُنَّة نبيّه - عليه السلام - يدلُ على أنه شهد تلك القضية ، وقبل بدر لم یکن ابن عباس من أهل التمييز ، وتحمل الرواية لصغره جدا ، ونحنُ بعد تسليم دلالته على أنه شهد القضية نمنع كون سنّه كذلك ؛ بل قد رُوِي عنه أنه قال : توفي - عليه السلام - وأنا ابن خمس عشرة . وصوّب أحمد بن حنبل هذا القول ، ويدل عليه ما روي في ((الصحيح)) (١) عن ابن عباس أنه قال في حجة الوداع : وكنتُ يومئذ قد ناهزتُ الحُلم ، ولا يلزمُ من رواية [٣٢/٢ -ب] ابن عمر ذلك ، وإجازته - عليه السلام - بعد بدر أن لا تكون / القضية قبل بدر ؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمّل . 1 - -- وقوله : (( علمنا أن حديث ابن مسعود خص به العمد دون النسيان)). قلنا : لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهواً ، وكذا من النبي -عليه السلام - وأصحابه ؛ لأن ذا اليدين لما قال: (( بلى قد كان بعض (١) البخاري: كتاب العلم، باب: متى يصح سماع الصغير؟ (٧٦). -١٦٦- ذلك))، علم - عليه السلام - أن النسيان قد وقع ، فابتدأ عامداً فسأل الناس فأجابوه - أيضاً - عامدين ؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر ، وأن النسيان قد وقع . ثم خرّج البيهقي ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي قال : كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر ، ثم قال : فلم يأمره النبي - عليه السلام - بإعادة الصلاة ، فمن تكلم في صلاته ساهياً أو جاهلاً مضت صلاته . والجواب : أن الوليد بن مسلم مُدلس ولم يصرح هاهنا بالسماع من الأوزاعي ، وكان معاوية جاهلاً بتحريم الكلام . ثم قال البيهقي : الذي قُتل ببدرِ هو ذو الشمالين ابن عبد عمر[و] بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة ، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبيَّ - عليه السلام - بسَهوه فإنه بقي بعد النبي - عليه السلام - ؛ كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ ، ثم خرَّج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال : حدَّثني شعيب بن مطير ، عن أبيه - ومطير حاضر وصدّقه - قال شعيب : ((يَا أَبتاه ، أخبرتَي أن ذا اليدين لَقِيك بذي حُسْبٍ فأخبرك أن رسول الله » الحديث . ثم قال البيهقي : وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة : ((فقال ذو الشمالين : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة ؟ )) . وكان شيخنا أبو عبد الله يقولُ : كل من قال ذلك فقد أخطأ ؛ فإن ذا الشمالين تقدّم موتُه ولم يُعْقِب ، وليس له راوٍ . والجواب في ((الموطأ)): مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن سليمان بن (١) أبي حثمة : بلغني أن رسول الله - عليه السلام - ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار : الظهر أو العَصْر ، فسلم من اثنتَيْن ، فقال له ذو الشمالين - رجل من بني زهرة بن كلاب - : أقصرت الصلاة؟ الحديث ؛ وفي آخره : مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك ، فقد صرّح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين وأنه من بني زهرة . (١) في الأصل: ((عن )) خطأ. -١٦٧- . فإن قيل : إنه مُرسل. قلنا: ذكر أبو عمر في ((التمهيد )) أنه متصل من وجوه صحاح، وقد قال النسائي في ((سننه)) (١) : أنا محمد بن رافع : ثنا عبد الرزاق : أنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، عن أبي هريرة قال : صلى النبي - عليه السلام - الظهر أو العصرَ فسلّم من ركعتين فانصرف ، فقال له ذو الشمالين بن عَمْرو : أنقصَ الصلاة أم نسيت ؟ الحديث . وهذا سند صحيح متصل ، صرّح فيه بأنه ذو الشمالين . وقال النسائي (٢) - أيضاً - : أنا هارون بن موسى الفروي : حدَّثني أبو ضمرة ، عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : نسي رسول الله فسلّم في سجدتين فقال له ذو الشمالين : أقصرت الصلاة ؟ الحديث . وهذا - أيضاً - سند صحيح صرح فيه - أيضاً - أنه ذو الشمالين . فإن قيل: فقد ذكر أبو عمر في ((التمهيد)) و((الاستيعاب)) أن هذا وهم من الزهري عند أكثر العلماء . قلنا : قد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس . قال النسائي (٣) : أنا عيسى بن حماد : أنا الليث ، عن يزيد بن (٤) أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - عليه السلام - صلى يوماً فسلم في ركعتين ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين فقال : يا رسول الله ، أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ الحديث . وهذا سند صحيح على شرط مسلم يثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك ، وأن المخاطِب للنبي - عليه السلام - ذو الشمالين ، ويؤيد ذلك ما في كتاب النسائي من قوله : ذو الشمالين بن عَمرو ، وكأنه ابن عبد عمرو، فَأَسْقط الكاتب لفظة ((عبد ))، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في (( الصحيحين )) عدم صحته على ما عرف ، وثبت - أيضاً - أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وقد ورد اللقبان جميعاً (١) كتاب السهو، باب: ما يفعل من سلم ركعتين ناسياً وتكلم (٢٤/٣). (٤) في الأصل: (( عن )) خطأ. (٣) (٢٣/٣) . (٢) (٢٤/٣) . -١٦٨- [٢ / ٣٣-أ] / في كتاب النسائى من الوجهين المتقدمين . وقال السَّمْعاني في ((الأنساب)): ذو اليدين ، ويقال له : ذو الشمالين ؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعاً . وفي ((الفاصل)) للرامهُرمزي : ذو اليدين وذو الشمالين ، قد قيل : إنهما واحد. وقال ابن حبان في ((الثقات)): ذو اليدين ، ويقال له - أيضاً -: ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي ، وقال - أيضاً - : ذو الشمالين عمرو بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي حليف بني زهرة . وهذا أَوْلى من جعله رجلين لأنه خلاف الأصل. والحديث الذي استدلّ به البَيْهقي وغيره على بقاء ذي اليدين بعد النبي - عليه السلام - سندُه ضعيف ؛ لأن مَعدي بن سليمان متكلم فيه . قال أبو زرعة : واهي الحديث . وقال النسائي : ضعيف الحديث . وقال أبو حاتم : يُحدّث عن ابن عجلان بمناكير . وقال ابن حبان : يروي المقلوبات عن الثقات ، والُلزقات عن الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد . وشعيب ما عرفنا حاله ووالده : مَطير قال فيه ابن الجارود : سمع ذا اليدين ، روى عنه: ابنه: شعيب، لم نكتب حديثه . وفي ((الضعفاء)) للذهبي: لم يصح حديثه ، وفي (( الكاشف )) : مطير بن سليم عن ذي الزوائد ، وعنه : ابناه : شعيب وسليم ، لم يصح حديثه . ولضَعْف هذا السند قال البيهقي في كتاب ((المعرفة)) : ذو اليدين بقي بعد النبي - عليه السلام - فيما يُقال ، ولقد أحسن وأنصف في هذه العبارة ، وقول الحاكم عن ذي الشمالين: ((لم يُعقِب)) يفهم من ظاهره : أن ذا اليدين أعقب ، ولا أصل لذلك . ثم ذكر البيهقي حديث أبي سعيد بن المعلى وقوله -عليه السلام -: (( ما منعك أن تُجيبني حين دعوتك ؟ أما سمعت الله يَقولُ: استجيبوا لله وللرسول ؟ )) الحديث ، ثم قال : وفي هذا دلالة على أن جواب أصحاب النبي - عليه السلام - حين سألهم عما يقول ذو اليدين لم تبطل صلاتهم مع ما روينا عن حماد بن زيد في تلك القصة أنهم أومأوا. والجواب: ((قوله: مع ما روينا عن حماد)) إلى آخره لا يلائم كلامَه -١٦٩- المتقدِّم ؛ لأنه استدل أولاً على أن كلامهم لم يُبطل الصلاة ، وفي رواية حماد بن زيد أنهم لم يتكلموا ؛ بل أومأوا ، على أن حماداً اختلف عليه في هذه اللفظة ، والله أعلم . فإذا تأملت جميع ما ذكرنا في هذا الموضع حصل لك جوابٌ عما قاله الخطابيّ في ((معالم السنن))، وما قاله البيهقي في ((سننه))، وكتابه ((المعرفة))، وما قاله الشيخ محيي الدين في ((شرح مُسلم))، وما قاله غيرهم ، ويَظهر لك ضعف كلامهم ، ويَحصل لك الريَّ ؛ وليْس الريّ من التشاف . ٩٠١ - ص - ثنا يَزيدُ بن خالد بن مَوْهب ، وقتيبة بن سعيد أن الليث حَدّئهم عن بُكَير ، عن نَابلِ صاحب العبَاءِ ، عن ابن عُمر ، عن صُهَيب أنه قال: مَرَرْتُ برسول الله وَّةٌ وهو يُصلِّي فَسَلَّمتُ عليه فرَدَّ إشارةً ، قال : ولا أعلَمُهُ إلا قال: إشارَةً بِإِصْبْعِهِ (١). ش - نابل : بالنون في أوله ، وبالباء الموحدة المكسورة صاحب العَبَاء، ويقال : صاحب الشِّمال ، وهي [ جمع ] شملة . سمع : عبد الله بن عمر ، وأبا هريرة . روى عنه : بكير بن عبد الله بن الأشج ، وصالح بن عُبَيَد . قال البرقاني : قلت للدارقطني : نابل صاحب العباء ثقة ؟ فأشار بيده أن لا . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٢). وصهيب : ابن سنان بن مالك التيمي ، أبو يحيى ، كان أبوه عاملاً لكسرى على الأبلة ، وكانت ديارهم بأرض الموصل ، ويقال : كانوا في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيباً وهو غلام صغير ، فنشأ صهيب بالروم فصار أَلْكَن ، فابتاعه كلب منهم فقدمت به مكة ، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التيمي (١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة (٣٦٧)، النسائي : كتاب السهو ، باب : رد السلام بالإشارة في الصلاة (٥/٣). (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٣٤٩/٢٩). - ١٧٠- منهم فأعتقه ، وقيل غير ذلك ، شهد صهيب بدراً مع رسول الله وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول في النصف منه ، وأدرك رسول الله بقباء قبل أن يدخل المدينة . روى عنه : عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله، وبنوه : عثمان، وصيفي، وسَعْد / ، وعباد، وحبيب، ومحمد، [٣٣/٢ -ب] وصهيب ، وسعيد بن المسيّب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكعب الأَحْبار . مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وثلاثين ، وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً ودفن بالبقيع . روى له : الجماعة إلا البخاري (١) . قوله: ((فردّ إشارةً)) أي: فردّ السلام عليَّ من حيث الإشارة بإصْبعه . وبهذا استدل الشافعي ومالك أن المصلي إذا سُلِّم عليه يَرَد إشارةً . وقال الخطابي (٢): والإشارة حَسنةٌ، ثم روى هذا الحديث ؛ فكأنه استدل به على ما قالٍ . وقال أصحابنا : لا يردّ لا نطقاً ولا إشارةً - كما ذكرناه - ؛ لأن قول عبد الله: ((فلم يَرُدَّ عليّ السلامَ)) يَتناولُ جميع أنواع الردِّ ، على أن الحديث فيه مقال ؛ حيث رواه النسائي ، ثم قال : نابل ليس بالمشهور . وأخرجه الترمذي وقال : حديث صهيب حديث حسن ، لا نعرفه إلا من حديث الليث ، عن بكير . وفي ((المصنف)): حدَّثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج ، عن بشر بن سعيد قال : سلّم على النبي - عليه السلام - رجلٌ وهو يُصلّي فأشَار إليه بيده كأنه يَنْهَاهُ . ص - وهذا لفظُ حديث قُتِيّةً . ش - أي : الحديث المذكور لفظ حديث قتيبة بن سعيد ، أحد شيوخ أبي داود . ٩٠٢ - ص - نا عبد الله بن محمد النُّفيلي: نا زهير : نا أبو الزبير ، عن (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (١٧٤/٢)، وأسد الغابة (٣٦/٣)، والإصابة (١٩٥/٢). (٢) معالم السنن (١٨٩/١). -١٧١- جابر قال : أَرْسَلَنِي نِيَّ الله - عليه السلام - إلى بَنِي الْمُصْطَلَقِ فأتيتُه وهو يُصلِّي على بَعِيرِهَ فَكلَّمْتُه فقَالَ لي بيدِه هكذا، ثم كَلَّمتُه فقال لي بيده هكذا وأنا أَسمَعُهُ يَقرَأَ ويُومئُ برأسه قال: فلما فَرِغ قال: (( ما فَعلتَ في الذي أرسلتُك؛ فإنه لم يَمْنعَنِي أن أُكَّلِّمَكَ إِلا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي)) (١). ش - زُهَيْر : ابن معاوية ، وأبو الزبير : محمد بن مسلم بن تدرس المكى . قوله: (( إلى بني المصطلق)) هو مُفُتعل من الصَّلْق، وهو رفع الصَوْت ؛ وبنو المصطلق هم بنو جذيمة بن سَعْد بن عمرو بن ربيعة بن جابر بن عَمرو ابن عامر ، بطن من خزاعة . قوله: ((أَن أكلمك)) في محل النَّصْب، و((أَنْ)) مَصْدرية؛ والمعنى : لم يَمْنعني كلامَك، وفاعل ((لم يَمْنَعْني)) قوله: ((أني كنت أُصلي)»، والتقدير : إلا كَوْني في الصَلاة . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . ٩٠٣ - ص - نا حُسَيْن بن عيسى الخُراسَاني الدامغاني : نا جَعْفر بن عون: نا هشام بن سَعْد : نا نافعٌ قال: سمعت عبد الله بن عُمرَ يَقولُ : خرج رسولُ الله - عليه السلام - إلى قُبَاءَ يُصلِّي فيه ، قال : فجاءته الأَنْصارُ فَسلَّمُوا عَلَيْه وهو يُصلِّي ، قال : فقلتُ لبلال : كيف رأيتَ رسولَ الله يَردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو يُصلِّي ؟ قَال: يقولُ هكذا وبَسَطَ كَفَّه ، وبَسَطَ جَعْفِرُ بنُّ عون كَفَّه، وجَعَلَ بَطْنَه أسفلَ وظهرَه إلى فوقَ (٢). (١) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : تحريم الكلام في الصلاة ، ونسخ ما كان من إباحة (٥٣٩) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به (٣٥١) ، النسائي : كتاب السهو ، باب : رد السلام بالإشارة في الصلاة (٦/٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب : المصلي يسلم عليه كيف يرد (١٠١٧) . (٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة (٣٦٨). - ١٧٢- ش - حسين بن عيسى المذكور ، أحد شيوخ أبي داود . روى عن : جعفر بن عَوْن بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي أبو عون ، وجَعْفُر ابن عون : ثقة ، قاله ابن معين . وقال أبو حاتم : صدوق . مات بالكوفة سنة ست ومائتين . روى له الجماعة . ونافع : مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - . قوله : ((إلى قُّبَاء )) قد مر تفسير قُباء غير مرة . ٩٠٤ - ص - نا أحمد بن حنبل : نا عبد الرحمن بن مَهْدي ، عن سفيان ، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - عليه السلام - قال: ((لا غِرَارَ في صلاةٍ ولا تسليمَ)) (١) . ش - سفيان : الثوري ، وأبو مالك : سَعْد بن طارق ، الكوفي الأشجعي . وأَبُو حازم : اسمُهُ: سَلْمان الأشجعي الكوفي، مولى عزةَ الأشجعية. روى عن : الحسن بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وأبي هريرة وأكثر عنه ، وقال : قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين . روى عنه: الأعمش ، ومنصور بن المعتمر ، وعدي بن ثابت ، وغيرهم . قال أحمد ويحيى : ثقة . توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز . روى له الجماعة (٢) . وقال الطبراني : أبو حازم أربعة ، كل منهم يروي عن أبي هريرة ، أحدهم : هذا ، والثاني : أبو حازم التمار ، اسمه : دينار مولى بني رهم، والثالث : أبو حازم : سلمة بن دينار الزاهد ، والرابع : أبو حازم نّبْتل الكوفي . قوله : (( لا غرارَ )) الغرار - بكسر الغين المعجمة - : النقصان ، وغرار (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤٤٠/١١). -١٧٣- النوم . قلته : ويُريد بغرار الصلاة : نقصان هيئاتها وأركانها ، وغرارُ التسليم : أن يقول المُجيبُ : وعليك، ولا يقول : السلامُ ، وقيل : أراد بالغرار النوم أي : ليس في الصلاة نومٌ . قوله : (( ولا تسليمَ )) يُروى بفتح الميم، ويروى بالجرّ ، فمَنْ فتحها كان [٣٤/٢- ١] معطوفاً على (١) / الغرار، ويكون المعنى: لا نَقْص ولا تسليمَ في الصلاة ؛ لأن الكلام في الصّلاة بغير كلامها لا يجوز ، ومَنْ جَرّها يكون معطوفاً على الصلاة ويكون المعنى : لا نقص في صلاة ولا في تسليمٍ . واعلم أن (( لا)) هاهنا لنفي الجنْس، واسمها مبني على الفتح ، نحو : لا رجلَ في الدار ؛ وإنما عملت في الاسم لاختصاصها بالاسم ، إذ هو الذي له أفراد يقصد نفي جميعها بها ، وإنما بني اسمها لتضمنه معنى الحرف ؛ لأن معنى (( لا رجل)): لا من رجل، وعلى الفتح لأنه أخف الحركات ، فيكون المعنى في الحديث نفي جنس الغرار ، ونفي جنس التسليم على عطفه على اسم ((لا)) كما قررناه، وإذا نُفي جنس التسليم يُنْفى - أيضاً - جنس الجواب، وهو يَشملُ أنواعه من اللسان والإشارة ونحوهما ، فافهم . ص - قال أحمدُ: يعني فيما أُرَى : أن لا تُسلِّم ويُسَلَّم عليكَ ويُغررُ الرجل بصلاته فينصرفُ وهو شاكٌ (٢) . ش - أي : قال أحمد بن حنبل : فيما أُرَى أي : فيما أظن أن لا تسلم أَنْت في الصلاة، ولا يُسلِّم غيرُك عليك؛ وهذا تفسيرُ ((ولا تسليمَ)). وقوله: ((ويُغررُ الرجل)) إلى آخره تفسير قوله: ((لا غرارَ )) وهو أن يغرر الرجل بصلاته فيسلم ويخرج منها وهو شاك ، هل صلى ثلاثاً أو أربعاً ؟ فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين ، ويَنْصرف وهو شاك . وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في ((جامع المسانيد))، فقال : ثنا أحمد قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن (١) مكررة في الأصل . - (٢) في سنن أبي داود: ((وهو فيها شاك)). - ١٧٤- أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - عليه السلام - : (( لا إغرار في صلاة ولا تسليمَ )) . قال أحمد : سألت أبا عمرو الشيباني عنه فقال: إنما هو ((لا غِرارَ)) قال أحمد : ومعناه : لا يخرج من الصلاة وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال . ٩٠٥ - ص - نا محمد بن العلاء : أنا معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن أبي مالك، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: أُرَاهُ رفَعه قال: (( لا غِرارَ في تسليمٍ ولا صلاة)) (١) . ش - ((أُراه )) - بضم الهمزة - أي: أَظنه رَفَعَ الحديثَ وقال : ((لا غرارَ في تسليمٍ ولا صلاةٍ))، وهذه الرواية تؤيدُ قول من جر: (( ولا تسليم)) في الرواية الأولى عطفاً على قوله: ((في صلاةٍ)). وأخرج البيهقي الطريقين ثم قال : هذا اللفظ - أعني : الطريق الثاني - وهي طريق معاوية بن هشام يقتضي نفي الغرار عن الصلاة والتسليم جميعاً ، والأخبار التي مضت تُبيح التسليم على المصلي والردّ بالإشارة ، وهي أَوْلى بالاتباع ، وأراد بالأخبار التي مَضَتْ : خبر صُهَيْب ونحوه . قلنا : لا يلزم من نفي الغرار عن الصلاة والتسليم تحريم التسليم حتى يكون ذلك مُعارضاً للأخبار المُبيحة للتسليم والردّ بالإشارة حتى يحتاج إلى الترجيح ، نعم الرواية الأولى تقتضي منع التسليم مطلقاً ، وهي التي تقتضي المعارضة للأخبار المبيحة ، وكان يتعين عليه أن يُذكر هكذا ، ثم نقولُ: لا نُسلّم أن الُبِيح والمحرّم إذا اجتمعا أَنْ يكون المُبيح أَوْلى؛ بل المحرّم أَوْلى كما هي القاعدة عند المحققين من العلماء ، فالأخبارُ التي مضت تشيرُ بإباحته السلام على المصلي وإباحة رد المصلي إشارةً ، وهذا الخبرُ يُحَرِّمُ السلامَ بالكليّة ، فلا يَستحق المُسلِّم بالسلام الحرام جواباً ، لا نطقاً ولا إشارةً ، وهذا أَوْلى بالاتباع عكْس ما قاله البيهقي ، عملاً بالقاعدة المذكورة ، فافهم . (١) تفرد به أبو داود . - ١٧٥- ص - قال أبو داودَ : ورواه ابنُ فضيلٍ على لفظِ ابن مَهْدي ، ولم يَرفَعُهُ . ش - أي : وروى هذا الحديث محمد بن فضيل على لفظ عبد الرحمن ابن مَهْدي ، فأوقفه على أبي هريرة ولم يَرْفعه . ١٦٢ - باب: تشميت العاطس في الصلاة أى : هذا باب في بيان تشميت العاطس في الصلاة . والتشميت -بالشين المعجمة والسين المهملة - : الدعاء بالخير والبركة ، والمعجمة أعلاهما يقال: شمّت فلاناً (١) ، وشمت عليه تشميتاً فهو مشمّت ، واشتقاقه من الشوامت ، وهي القوائم ، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله ، وقيل : معناه : أبعدك الله عن الشماتَة وجَّبك ما يُشمَتُ به [٣٤/٢ - ب] عليك، والشماتة: فرح / العَدَوّ ببليةٍ تَنْزِلُ بما يُعاديه ، يُقال : شمت به يَشْمَتُ فهو شامتٌ ، وأَشْمته غَيْره . ٩٠٦ - ص - نا مسدد : نا یحیی ح، ونا عثمان بن أبي شيبة : نا إسماعيل - يعني : ابن إبراهيم - المعنی ، عن حجاج الصواف قال : حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاويةَ بن الحكم السُّلمي قال: صَلَّيتُ مع رسولِ اللهِ - عليه السلام - فَعَطْسَ رجلٌ من القوم فقُلتُ: يرحَمُكَ اللهُ، فرمَانِي القَومُ بَأبْصارِهِم فقُلتُ: وَأَتَكْلَ أُمَّيَّاهُ، ما شأنُكُم تنظرونَ إليَّ ؟ قال: فَجَعَلُوا يَضْرِبونَ بأيديهم على أَنْخَاذِهِم ، فِعَرَفْتُ أنهم يُصَمَُّونَنِي . قال عثمانُ: فلما رأيتُهم يُسْكُتُونَنِي (٢) لَكِنِي سكتُ، فلما صلَّى رسولُ الله بأَبِيٍ وأُمِّي ما ضَرَبَتِي ولا كَهَرَنَي ولا سبّني، ثم قال : ((إن هذه الصلاةَ لا يَحِلَّ فيها شيءٌ من كلام الناسِ هذا، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن )) أو كما قال رسولُ الله . قلتُ: يا رسولَ الله، (١) في الأصل: ((فلاً)) كذا، وما أثبتناه من النهاية (٤٩٩/٢ - ٥٠٠)، فالنص فيه بلفظه . (٢) في سنن أبي داود: ((يسكتوني)). -١٧٦- إنا قومٌ حديثُ عهد بالجاهليّة (١) وقد جَاءَنَا اللهُ بالإسلام ومنَّا رجالٌ يأتُون اَلَكُھَّانَ، قال: ((فلا تأتهمْ)) قَالَ: قلتُ: ومنا رجال يتطيّرُونَ، قال: (( ذاك شيءٌ يَجِدُونه في صُدُوَرَهم فلا يَصُدَّهُمْ)). [ قال: قلت: ] وَمَنّا رجال يخُطّون، قال: ((كان نبيٌّ من الأنبياءِ يَخُطُّ فِمَنْ وَاَفَقَ خَطَّه فذاك )) ، قال : قلتُ: جاريةٌ لي كانت تُرْعَى غُنَيماتَ قبلَ أُحُد والجَوَّانيّة إذ اطّلَعتُ عليها اطلاعةً فإذا الذئبُ قد ذهَبِ بشاة منها، وَأنا منْ بَنِي آدم أَسَّفُ كما يأسَفُونَ، لكني صككْتُها صَكَّةً، فَعَظَّمَ ذلكٌ (٢) عَلَيَّ رَسولُ الله . فقلتُ: أَفلا أُعْقُهَا؟ قال: ((ائتني بها)) قال: فجئتُ بها، فقال: ((أينَ اللهُ؟ )) قالَتْ: في السماءِ، قال: (( مَنْ أَنَا؟ )) قالَتْ: أَنْتَ رسولُ الله، قال: ((أَعتقْها؛ فإنها مُؤْمنةٌ) (٣). ش - إسماعيل : ابن إبراهيم المعروف بابن عُلِيّة . وهلال بن أبي ميمونة : ويقال : ابن أبي هلال، وهو هلال بن عليّ ابن أسامة الفهري العامري مولاهم القرشي المديني . سمع : أنس بن مالك ، وأبا سلمة ، وعطاء بن يسار ، وغيرهم . روى عنه : يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد (٤) ، ومالك بن أنس، وغيرهم. قال أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ . مات في آخر خلافة هشام . روى له : البخاري، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٥). ومعاوية بن الحكم السُّلمي : وقيل : عمر بن الحكم ؛ وعُمر وهم والصحيح : معاوية ، رُوي له عن رسول الله - عليه السلام - ثلاثة عشر حديثاً ، روى له مسلم حديثاً واحداً ، روى له : أبو داود ، والنسائي(٦). (١) في سنن أبي داود: ((بجاهلية)). (٢) في سنن أبي داود: (( ذاك)). (٣) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة فيها، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (٥٣٧) ، النسائي: كتاب السهو ، باب: الكلام في الصلاة. (٤) في الأصل: (( سعيد )) خطأ. (٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٦٢٦/٣٠). (٦) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٠٣/٣)، وأسد الغابة (٢٠٧/٥)، والإصابة (٤٣٢/٣). ١٢ • شرح سنن أبي داوود ٤ -١٧٧- قوله: ((واثكل أمياه )) الثُّكْلُ - بضم الثاء المثلثة، وإسكان الكاف ويفتحهما - جميعاً - لغتان كالبُخل والبَخَل حكاهما الجوهري وغيره ، وهو فقدان المرأة ولدها ، وامرأة ثكلى وثاكلٌ ، وكلته أُمُّه بكسر الكاف ، وأثكله اللهُ أمّه ، وثكلت المرأة وأنكلت فقدَتْ ولدها ؛ والواو في قوله : ((واثكل) يُسمَّى واوَ النَّدبة نحو: وازيداه ، والندبة ، والندب مأخوذ (١) من ندبت الميت إذا بکیت علیه وعددت محاسنه ؛ وأصله من ندبه إذا حثّه؛ كأن الحزنُ يَحُث النادبَ على مَدّ الصَوْت باسم الميّت ، ودعاء الناس إلى التضجر معه ؛ والأولى بالندبة : النساء ؛ لضعفهن عن تحمل المصيبة ، فيبنَى المفرد على ما يرفع ، نحو : وازيد ، وازيدان ، ويُنصب المضاف وشبهه نحو : واعبد الله ، ثم يلحقونه حرف مَدَّ ليطول الصوت به فیکون أظهر للغرض وهو التفجع ، وإظهار اسم المندوب ، فيقال : وازيداه ، واختير الألف ؛ لأنه أقعد في المدّ من أختيْها ، أو لأنها أخفّ ، وزيادتها أكثر ، ولا تلحق الألف المضاف عند الإضافة ، لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه ، بل يلحق المضاف إليه نحو : واعَبْد الملكاه ، وإن كان المضاف إليه منوناً فسيبويه يحذف تَنْوينه نحو : وَاَغُلام زيداه ، ثم هاهنا قوله: ((واثكل أمياه)) مضافٌ ومضاف إليه ، فدخل الألف في المضاف إليه وهو ((أُمِياه))، و((أُمِّياه)) بكسر الميم ، وأصله : ثَكلُ أمي، فزيدت في أوله واو الندبة ، وفي آخره الألف - لما ذكرناه - وأما الهاء : فهي هاء السكْت ، دخلت ليتبيّن بها الألف ؛ لأنها حرف خفي ، فالوقف [٣٥/٢-١] / عليه يَزِيدُها خفاء. قوله: ((فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم )) يعني: فعلوا هذا ليُسكتوه ؛ وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته ، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة ، وأنه لا تبطل به الصلاة ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة . (١) غير واضحة في الأصل . -١٧٨- قوله: ((فلما رأيتهم)) جواب (( لما)) محذوف تقديره : ما خالفتهم بَلْ سكتُّ . قوله: (( بأبي وأمّي )) في محل الرفع تقديره : هو مُفْدَّى بأبي وأمي ، وقد مر مثله غير مرة . قوله: ((ولا كهرني )) معناه : ما انتهرني ولا أغلظ لي، وقيل: الكَهْرُ: استقبالك الإنسان بالعُبوس ، وقرأ بعض الصحابة: (( فأما اليتيم فلا تكهر)) وقيل : كهره وقهره بمعنىّ . قوله : (( لا يحلّ فيها شيء من كلام الناس )) نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة ، سواء كان عامداً لحاجة أو لغيرها ، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها ، فإن احتاج إلى تنبيه إمام ونحوه سبّح إن كان رجلاً ، وصفقت إن كانت امرأة ، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف . وقالت طائفة - منهم الأوزاعي - : يجوز الكلام لمصلحة الصلاة ؛ لحديث ذي اليدين . وقال الشيخ محيي الدين (١) : هذا في كلام العامد العالم ، أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام عندنا ، وبه قال مالك وأحمد . وقال أبو حنيفة والکوفیون : تبطل ؛ دليلنا : حديث ذي الیدین . وقد بيّنا دلائلنا والجواب عن حديث ذي اليدين مستوفَّى مُطولاً . قوله: ((هذا)) إنما هو إشارة إلى الصلاة باعتبار المذكور ، أو باعتبار نفس الفعل ، والمعنى : لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم ؛ وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ، ذكر بعض الأركان وبعض الشروط وبعض السنن ، واقتصر بها عن غيرها لعلم المخاطبين بذلك ؛ فقوله: ((التسبيحُ)) يتناولُ كل ذكر في الصلاة من الثناء ، وتسبيحات الركوع والسجود ، والأدعية التي يدعى بها فيها ، وكذلك قوله : ((والتكبير)) يتناول تكبيرة الافتتاح وغيره من تكبيرات الانتقالات . وقال (١) شرح صحيح مسلم (٢١/٥). -١٧٩- النوويُّ (١): وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم فسبّح أو كبّر أو قرأ القرآن لا يحنث ؛ وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا ، وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها . وقال أبو حنيفة : ليست منها ؛ بل هو شرط خارج عنها ، متقدّم عليها . قلت : عدم الحنث في المسألة المذكورة مَبنيّ على العُرْف فلا يحتاج إلى الاستدلال بهذا، وقوله: (( وفيه دلالة لمذهب الشافعي)) إلى آخره غير مسلم؛ لأن قوله: (( والتكبير )) يتناولُ سائر التكبيرات - كما ذكرناه - ولا يفهم منه فرضية تكبيرة بعينها ، ولا سُنّة تكبيرة بعينها ؛ بل يتناول ذا وذا ، ومن أن الدليل الواضح على مُدّعاه ، ليت شعري ! کیف یذکرون أشیاء غير جليةٍ ويجعلونها حجةً لإمامهم على غيره ، ويتركون الشيء الواضح الجليّ الذي هو حجة عليهم ؟ فإن قوله - عليه السلام -: ((وقراءة القرآن)) نص صريح على أن الفرض في الصلاة مطلق القراءة ، وهو يُنافي فرضية فاتحة الكتاب ؛ إذ لو كانت فرضاً لقال : وقراءة الفاتحة ، وليس لهم أن يقولوا : المراد به : فاتحة الكتاب ؛ لأنه تخصيص بلا مخصص ؛ وهو باطل ؛ وليْس فيه إجمال حتى يكون قوله - عليه السلام - : (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) بياناً له . ثم في هذا الحديث : النهي عن تشميت العاطس في الصلاة ، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتَفْسد به. وقال صاحب ((الهداية )): ومن عطسَ فقال له آخرُ : يرحمك الله وهو في الصلاة فسدت صلاته ؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس ، فكان من كلامهم ، بخلاف ما إذا قال العاطسُ أو السامعُ : الحمد لله - على ما قالوا - ؛ لأنه لم يُتعارف جواباً . قلت: قوله: ((على ما قالوا)) إشارة إلى خلاف فيه رُوي عن أبي حنيفة أن العاطس إذا حمد الله في نفسه ، ولم يحرك لسانه لا تَفسد (١) شرح صحيح مسلم (٢١/٥). - ١٨٠-