النص المفهرس

صفحات 81-100

٨٥١ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي وعلي بن الجعد قالا: نا شعبة، عن
عمرو، عن أبي حمزة مولى الأنصار ، عن رجل من بني عبس ، عن حذيفة ،
أنه رأى رسولَ الله يصلّي من الليلِ فكان يقولُ: ((الله أكبر)) ثلاثًا ((ذو
المَلَكُوت والجبروتَ والكبرياء والعَظَمة ، ثم استفتح فقرأ البقرة ، ثم ركَع
فكان رُگُوعُه نحوا من قيامه ، فكان (١) يقولُ في ركوعه : سبحان ربي
العظيم ، سبحان ربي العظيم، ثم رفعَ رأسه من الركوعِ ، فَكان قيامه نحواً
من قيامه (٢) ، يقولُ: لربي الحمدُ. ثم سجدَ فكانَ سجُودُه نحواً من قَيامه،
فكان يقولُ في سجودِهِ : سبحان ربي الأعلى ، ثم رفعَ رأسه من السجود،
وكان يقعدُ فيما بين السجدتين نحواً من سجوده ، وكان يقولُ : رب اغفَرْ
لي ، رب اغفرْ لي. فصلَّى أَربعَ رَكعات فقراً فيهنَّ البقرةَ وآلَ عمرانَ
والنساءَ والمائدةَ أو الأنعامَ. شك شعبة (٣)."
ش - علي بن الجعد بن عبيد الجوهري أبو الحسن البغدادي الهاشمي
مولاهم . سمع الثوري ، ومالك بن أنس ، وشعبة ، وشريكًا وغيرهم .
روى عنه : أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبو بكر بن أبي شيبة ،
وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والبخاري ، وأبو داود ، وأبو القاسم البغوي
وغيرهم . وقال ابن معين : ما روى عن شعبة من البغداديين أثبت منه .
وقال أبو زرعة : كان صدوقًا في الحديث . وقال أبو حاتم : كان متقنا
صدوقًا لم أر من المحدثين من يحفظ ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا
يغيره سوى قبيصة ، وأبي نعيم في حديث الثوري ، ويحيى الحماني في
شريك ، وعلي بن الجعد في حديثه ، توفي في سنة ثلاثين ومائتين ببغداد،
ودفن بمقبرة باب حرب ، وله يوم توفي ستة وتسعون سنة وأشهر (٤) .
(١) في سنن أبي داود: ((وكان)).
(٢) كذا .
(٣) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود
(٢٦٢) النسائي: كتاب التطبيق، باب: ما يقول في قيامه ذلك (١٩٧/٢)،
باب: الدعاء بين السجدتين (٢/ ٢٣١) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٠٣٤/٢٠).
٦ • شرح سنن أبي داوود ٤
- ٨١-

وعمرو بن مرة الكوفي .
وأبو حمزة اسمه طلحة بن زيد كذا قال الترمذي . وقال النسائي :
أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد . وقد سقط ذكره في الكمال فلعله سها
عنه ، وهو طلحة بن زيد مولى قرظة بن كعب الأنصاري أبو حمزة
الكوفي ، احتج به البخاري ، وذكره ابن حبان في (( الثقات )) وقال طلحة
ابن يزيد الأنصاري . روى عن : زيد بن أرقم . روى عنه : عمرو بن
مرة (١) .
قوله: ((شك شعبة)) أي : شك بين المائدة والأنعام . والحديث أخرجه
الترمذي ، والنسائي .
واعلم أن كل ما جاء من مثل هذه الأدعية فهو محمول على صلاة الليل
النافلة .
١٤٤ - باب : في الدعاء في الركوع والسجود
أي : هذا باب في بيان الدعاء في الركوع والسجود .
٨٥٢ - ص - نا أحمد بن صالح، وأحمد بن عمرو بن السرح، ومحمد
ابن سلمة . قالوا : ثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة
ابن غزية ، عن سمى مولى أبي بكر (٢) ، أنه سمع أباصالح ذكوان يحدث
عن أبي هريرة ، أن رسول الله - عليه السلام - قال: ((أَقربُ ما يكونُ العبدُ
من رَبِّه عز وجل وهو سَاجدٌ، فأكْثُرُوا (٣) الدعاءَ (٤).
ش - معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله (٥) .
(١) المصدر السابق (٢٩٨٦/١٣).
(٢) سقط (( بكر)) من سنن أبي داود .
(٣) في سنن أبي داود: ((فأكثروا من الدعاء )).
(٤) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٢)، النسائي:
كتاب التطبيق، باب: أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل (٢٢٦/٢).
(٥) بل المراد منه قربا حقيقيا يليق به سبحانه ، وهو كنزوله في الثلث الأخير من=
-٨٢-

وقوله: (( أقرب ما يكون )) مبتدأ حذف خبره لسد الحال وهو قوله :
((وهو ساجد)) مسده ، فهو مثل قولهم : أخطب ما يكون الأمير قائما،
إلا أن الحال ثمة مفرد ، وهنا جملة مقرونة بالواو ، وعلم من ذلك خطأ
من زعم أن الواو في قوله: ((وهو ساجد )) زائدة ، لأنه خبر قوله :
((أقرب)) وتحقيق الكلام هاهنا أن ((ما)) في ((ما يكون)) مصدرية ،
والفعل الذي بعدها بمعنى المصدر ، وهو بمعنى الجمع هنا ، لأن أفعل
التفضيل يجب أن يكون بعض ما أضيف هو إليه فتقديره أقرب أكوان العبد
من ربه حاصل إذا كان وهو ساجد ، ثم حذف الخبر - أعني: (( حاصل))
- لأن حذف متعلقات الظروف شائع كثير ، ثم حذف الظرف - أعني :
((إذا كان)) لدلالة الحال عليه ، لأن الحال يدل على الوقت والزمان ،
فالحال يدل على الظرف ، والظرف على الخبر ، فالحال على الخبر ، لأن
الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء .
/ فإن قيل: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين [١٦/٢ - ١]
سائر أحواله ؟ قلت : لأنه حالة تدل على غاية تذلل ، واعتراف بعبودية
نفسه وربوبية ربه ، فكانت مظنة الإجابة ، فلذلك أمر - عليه السلام -
بإكثار الدعاء في السجود بقوله: (( فأكثروا الدعاء )) أي : في حالة
السجود ، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السجود أفضل من
القيام، ومذهب أبي حنيفة أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع
والسجود، قال الشافعي لقوله - عليه السلام -: (( أفضل الصلاة طول
القنوت)) رواه مسلم(١)، ومعناه القيام، وقال الشيخ محيي الدين(٢): ((وفي
٠٠٠ ،
= الليل ، وكتقربه من عباده المتقربين إليه ذراعا بشبر ، وباعا بذراع
﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ اعتقاد أهل السنة والجماعة، وانظر
الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ومجموع الفتاوى (١٢٤/٥: ١٣٤)
و(٢٢٦/٥: ٢٤٤) و (٥/٦: ٣٢).
(١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : أفضل الصلاة طول القنوت
(١٦٤/٧٥٦) من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (٣٦/٦ - ٣٧).
-٨٣-

هذه المسألة ثلاثة مذاهب ، أحدها : أن تطويل السجود ، وتكثير الركوع
والسجود أفضل، حكاه الترمذي ، والبغوي عن جماعة ، وممن قال
بتفضيل تطويل السجود ابن عمر - رضي الله عنهما - ، والمذهب الثاني:
مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل لما ذكرنا ، والمذهب
الثالث: أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ، ولم يقض فيها
بشيء ، وقال إسحاق ابن راهويه : أما في النهار فتكثير الركوع والسجود
أفضل ، وأما بالليل فتطويل القيام ، إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي
عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل)). والحديث أخرجه مسلم، والنسائي.
٨٥٣ - ص - نامسدد ، نا سفيان ، عن سليمان بن سحيم ، عن إبراهيم
ابن عبد الله بن معبد ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن النبي - عليه السلام -
كَشَفَ السِّتَارة والناسُ صُفُوفٌخلفَ أبي بكر فقال: ((يا أيها الناسُ ! إنه لم
ببقَ من مُبَشِّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلمُ أو تُرَى له ، وإنى
نُهيتُ أن أَقرأْ رَأَكعًا أَو ساجدًا، فأما الركوعُ فعظِّمُوا الربَّ فيه ، وأما
السجودُ فاجتهدوا في الدعاء، فَقمنُ أن يُستجابَ لكم)) (١) .
ش - إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب القرشي
الهاشمي . سمع أباه ، وميمونة بنت الحارث زوج النبي - عليه السلام -.
روی عنه نافع مولى ابن عمر ، وسلیمان بن سحيم ، وابن جريج . روی
له مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٢) ، وعبد الله بن معبد بن
عباس القرشي الهاشمي المدني . روى عن : عمه عبد الله بن العباس .
روى عنه : ابنه إبراهيم ، وابن أبي مليكة ، ومحمد بن عباد بن جعفر .
(١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
(٢٧٩) ، النسائي : كتاب التطبيق ، باب : تعظيم الرب في الركوع
(١٨٩/٢)، ابن ماجه : كتاب تعبير الرؤيا ، باب : الرؤيا الصالحة يراها
المسلم أو ترى له (٣٨٩٩).
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٩٨/٢).
- ٨٤-

قال أبوزرعة : مديني ثقة . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه (١) .
قوله: (( كشف الستارة)) هي بكسر السين الستر الذي يكون على باب
البيت والدار .
قوله: (( والناس صفوف)) جملة اسمية وقعت حالاً ، وكذلك قوله :
((خلف أبي بكر )) حال.
قوله: ((إنه )) أي : إن الشأن .
قوله: (( من مبشرات النبوة)) المبشرات جمع مبشرة ، وهي الأمور
المبشرة ، ثم صار بغلبة الاستعمال كالاسم واشتقاقها من البشارة ،
والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير من بشرت الرجل أبشره - بالضم -
بشرًاً وبشوراً من البشرى ، وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات ،
والاسم البشارة ، والبشارة - بالكسر والضم - والنبوة من النبأ وهو
الخبر، تقول : نبأ ونبًّاً وأنبأ ، أي : أخبر ، ومنه أصل النبي ، لأنه أنبأ عن
الله ، وهو فعيل بمعنى فاعل .
قوله: ((إلا الرؤيا الصالحة)) الرؤيا مقصورة مهموزة ، ويجوز ترك
همزها كنظائرها من رأى في منامه رؤيا على وزن فُعلى ، والمراد بالصالحة
صحتها أو حسن ظاهرها .
قوله: ((راكعًا أو ساجدًا)) حالان من الضمير الذي في ((أقرأ)).
فإن قيل : ما الحكمة من النهي عن القراءة في حالتي الركوع والسجود،
قلت : الذي يلوح لنا في هذا المقام ، هو أن النبي - عليه السلام - أخبر
الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته ، وعَزَّاهم عن مبشرات النبوة ، ثم نبههم
على جلالة قدرها ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل - وهو الكتاب
العزيز ، الذي لم يؤت نبي مثله - بقرينة مستكنة في صيغة النهي ، وذلك
(١) المصدر السابق (٣٥٨٤/١٦).
-٨٥-

أن الركوع والسجود من باب الخضوع ، وأمارات التذلل من العباد لجلال
وجه الله الكريم ، فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه ، وارتفع
محله عند هيئة موضوعة للخضوع والتذلل ، ليتبين لأولي العلم معنى
الكتاب العزيز ، وينكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم .
[١٦/٢ -ب] فإن قيل / لم تأخر هذا النهي إلى آخر الرسالة ؟ قلت: ليكون مورده
على تمام النعمة بمواقع النجوم [ واستيفاء أنصبة القرب ] (١) باطلاعه على
مطالع الوحي ومقاطعه . فإن قيل : إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه أو
سجوده هل تبطل صلاته أم لا ؟ قلت : لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقًا ،
سواء قرأ عامدًا أو ناسيًا ، ولكن في الناسي يجب سجدتا السهو .
وقال الشيخ محيي الدين (٢): ((فلو قرأ في الركوع أو السجود غير
الفاتحة كره ولم تبطل صلاته ، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا ،
أصحهما أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته ، والثاني : يحرم وتبطل
صلاته ، هذا إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره ، وسواء قرأ عمدًا أو
سهواً يسجد للسهو عند الشافعي .
وقال الخطابي (٣): ((قوله نهيت عن القراءة راكعًا أو ساجدًا)) يَشُدُّ
قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذكر في الركوع والسجود ، وذلك أنه
إنما أخلى موضعهما من القراءة ليكون محلا للذكر والدعاء)) .
قلت : لا نسلم أن إخلاءهما من القراءة ليكون محلا للذكر والدعاء ،
بل لحكمة ذكرناها الآن ، ولو قال يشد قول إسحاق الأمر بتعظيم الرب
في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود ، كان له وجه ، فافهم .
قوله : ((فأما الركوع فعظموا الرب فيه)). أي: سبحوه ونزهوه ومجدوه ،
فاستحب أصحابنا وغيرهم من العلماء أن يقول في ركوعه : سبحان ربي
(١) غير واضح في الأصل، وأثبته من (( العلم الهيب في شرح الكلم الطيب))
للمصنف (ص / ٢٨٥) ، فالنص فيه بلفظه .
(٢) شرح صحيح مسلم (١٩٧/٦).
(٣) معالم السنن (١٨٥/١).
-٨٦-

:
العظيم وبحمده )) وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى وبحمده ، ويكرر
كل واحد منهما ثلاث مرات ، ويقتصر على هذا عندنا في الفرائض سواء
كان إمامًا أو مقتديا أو منفردًا ، فإن ضم إليه ما جاء من الأدعية التي
ذكرناها في التطوع فلا بأس به .
قوله: (( فقمن أن يستجاب لكم )) بفتح القاف ، وفتح الميم وكسرها
لغتان مشهورتان ، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ، ومن
كسر فهو وصف يثنى ويجمع ، وفيه لغة ثالثة ((قمين )) بزيادة ياء ، وفتح
القاف ، وكسر الميم ، ومعناه حقيق وجدير ، وإعراب هذا الكلام أن ((أنّ))
مصدرية ، والتقدير الاستجابة لكم في محل الرفع مبتدأ . وقوله : ((قمن))
خبره أي : الاستجابة لكم في هذه الحالة حقيق وجدير ، ويجوز أن يكون
ارتفاع (( أن يستجاب)) على الفاعلية، لكونه مستنداً إلى الصفة ، وهو
(قمن )) بكسر الميم . والحديث أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه .
٨٥٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا جرير ، عن منصور ، عن
أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : كان رسولُ الله - عليه
السلام- یکثر أن یقولَ فی ر کُوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك،
اللهم اغفرْلي )» يتأولُ القرآنَ (١) .
ش - جرير بن عبد الحميد ، ومنصور بن المعتمر ، وأبو الضحى مسلم
ابن صبيح ، ومسروق بن الأجدع .
قوله: (( يتأول القرآن)) يعني : يعمل ما أمر به في قول الله تعالى :
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢) وفيه حجة لمن أجاز
الدعاء في الركوع ، إذ فيه ((اللهم اغفر لي)).
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب: الدعاء في الركوع (٧٩٤)، مسلم : كتاب
الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٤) ، النسائي : كتاب
التطبيق، باب : نوع آخر من الذكر في الركوع (٢/ ١٩٠)، ابن ماجه: كتاب
إقامة الصلاة ، باب: التسبيح في الركوع والسجود (٨٨٩).
(٢) سورة النصر: (٣) .
-٨٧-

٤
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه ، وعند
مسلم : كان رسول الله يكثر أن يقول قبل أن يموت : سبحانك اللهم
وبحمدك ، أستغفرك وأتوب إليك . قالت : قلت : يا رسول الله ما هذه
الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها ؟ قال: (( جعلت لي علامة في أمتي
إذا رأيتها قلتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ﴾ (١) إلى آخر السورة . وفي
لفظ: (( ما رأيت النبي - عليه السلام - منذ نزلت عليه: ﴿إِذَا جاءَ نَصْرٌ
الله والفَتْحُ﴾ يصلي صلاة إلا دعا أو قال: ((سبحانك ربي وبحمدك ،
اللهم اغفر لي)) وفي لفظ: (( كان يكثر من قول : سبحان الله وبحمده ،
أستغفر الله وأتوب إليه )) قالت : فقلت : يا رسول الله إنك تكثر من
قول: سبحان الله وبحمده ؟ فقال: (( إنه أخبرني ربي عز وجل أني سأرى
علامة في أمتى فإذا رأيتها أكثرت من قول : سبحان الله وبحمده ، أستغفر
الله وأتوب إليه فقد رأيتها ﴿إِذَا جاءَ نَصْرُ الله والْفَتْحُ﴾ فتح مكة وَرَأَيْتَ
النَّاسَ إليَّ أفواجًا . وفي لفظ : رأيته يقول وهو راكع أو ساجد :
[١٧/٢ - ١] سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، وفي تفسير [ ... ] (٢) عاش ◌ُ
بعد نزولها ستين يومًا . وذكر القرطبي وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق،
في حجة الوداع .
٨٥٥ - ص - نا أحمد بن صالح ، ونا ابن السرح، أنا ابن وهب قال :
أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عمارة بن غَزِيّة ، عن سُمَيِّ مولى أبي بكر، عن
أبي صالح، عن أبي هريرةٍ، أن النبيَّ - عليه السلام - كان يقولُ فِي سُجُودِهِ:
((اللهم اغفرْ لي ذَنَبِي كُلَّه، دقَّه وجلَّه، وأَوَّلَه وآخرَه)). زاد ابن السرح:
((عَلَانيَتَه وسرّهُ)) (٣) .
ش - (( دقه )) بكسر الدال . أي : قليله ، وفي الأصل هو مصدر من دَقَّ
الشَّيء إذا لَطف، و(( جله)) بكسر الجيم ، أي : كثيره . وهو أيضًا في
الأصل مصدر من جل الشيء إذا عظم .
(١) سورة النصر: (١).
(٢) كلمة غير واضحة .
(٣) مسلم : كتاب الصلاة ، باب: ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٣).
-٨٨-

وقوله: ((دقه وجله)) إلى آخره تفصيل بعد إجمال ، لأنه لما قال :
,
((اغفر لي ذنبي كله)) فقد تناول جميع ذنوبه مجملاً ، ثم فصّله بقوله:
كذا وكذا، وفائدته أن التفصيل بعد الإجمال أوقع وآكد . وانتصاب ( دقه ))
على أنه بدل من قوله ((ذنبي))، و((جله)) إلى آخره عطف عليه.
قوله: ((زاد ابن السرح)) أي : زاد أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن
السرح في روايته ((علانيته)) أي : علانية الذنب وسره .
والحديث أخرجه مسلم .
٨٥٦ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري ، نا عبدة، عن عبيد الله ، عن
محمد بن يحيى بن حبّان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ، عن
عائشة قالت : فَقَدتُ النبيَّ - عليه السلام - ذاتَ لَيلة فَلَمستُ المسجدَ فإذا
هو سَاجِدٌ وقَدَمَاه مَنصوبتان، ويَقُولُ : أَعوذُ برِضَاكٌ مِن سَخَطِكَ ، وأَعوذُ
بُمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتَكَ ، وأَعَوذُ بك منكَ، لاَ أَحْصي ثَنَاءً عليكَ أَنتَ كما
أثنيتَ على نَفْسكَ)) (١) .
:
ش - عَبْدة بن سليمان الكوفي ، وعبيد الله بن عمر العمري .
قوله: ((فقدت النبي)) وفي رواية مسلم ((افتقدت)) وفي أخرى له
((فقدت)) وهما لغتان بمعنى .
قوله: ((فإذا هو)) أي: رسول الله ((ساجد)).
قوله: ((وقدماه منصوبتان)) جملة حالية ، وفيه أن السنة نصبهما في
السجود. قوله: ((ويقول)) جملة حالية أيضًا .
قوله: ((أعوذ برضاك)) إلى آخره. قال الخطابي (٢): ((فيه معنى
(١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب: ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٦)،
النسائي: كتاب الطهارة ، باب : ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير
شهوة (١٠٣/١)، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب : ما تعوذ به رسول الله
* (٣٨٤١) .
(٢) معالم السنن (١٨٥/١).
-٨٩-

لطيف وذلك أنه استعاذ بالله ، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه ،
وبمعافاته من عقوبته ، والرضا والسخط ضدان متقابلان ، وكذلك المعافاة
والمعاقبة ، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له - وهو الله سبحانه وتعالى -
استعاذ به منه لا غير . ومعناه : الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب
في حق عبادته والثناء عليه )) .
قوله: (( لا أحصي ثناءً عليك)) أي: لا أطيقه ولا آتي عليه . وقيل : لا
أحيط به . وقال مالك : معناه لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك
بها، وإن اجتهدتُ في الثناء عليك .
قوله: (( أنت كما أثنيت على نفسك )) اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء،
وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته ، ورد ثناءه إلى الجملة دون التفصيل
والإحصاء والتعيين ، فوكل ذلك إلى الله تعالى ، المحيط بكل شيء جملةً
وتفصيلاً ، وكما أنه لا نهاية لصفاته ، لا نهاية للثناء عليه ، لأن الثناء نافعٌ
للمُثني عليه ، فكل ثناء أُثني عليه به ، وإن كثر ، وإن طال ، وبولغ فيه ،
فقدر الله أعظم ، وسلطانه أعز ، وصفاته أكبر وأكثر ، وفضله وإحسانه
أوسع وأسبغ .
وفي هذا الحديث دليلٌ لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله
تعالى، كما يضاف إليه الخير لقوله: ((أعوذ من سخطك ومن عقوبتك)).
والحديث أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والنسائي .
٠٫٠
١٤٥ - باب : الدعاء في الصلاة
أي : هذا باب في بيان الدعاء في الصلاة، وفي بعض النسخ ((باب ما
جاء في الدعاء في الصلاة )).
٨٥٧ - ص - نا عمرو بن عثمان نا بقية نا شعيب عن الزهري عن عروة
أن عائشة أخبرته أن رسول الله﴿ كان يدعو في صلاته: ((اللهم إني أعوذُ
بك مِنْ عَذَابِ القَّبْرِ ، وأَعوذُ بك من فتنةِ المسيحِ الدجالِ ، وأعوذُ بك من
- ٩٠-

فتنة المحيا والمَمَات. اللهم إني أعوذُ بك من المَأَثَمِ والْمَغْرَم )» فقال له قائل: ما
أَكَثَرَ ما تَستعيذُ / من المغرم؟ فقال: ((إن الرَّجُلَ إذا غَّرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، [١٧/٢ -ب]
وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ )) (١) .
ش - بقية بن الوليد ، وشعيب بن أبي حمزة .
قوله: ((كان يدعو في صلاته)) يعني بعد التشهد الأخير قبل السلام .
ولهذا قال البخاري: (( باب الدعاء قبل السلام)) ، ثم روى هذا الحديث
وغيره .
قوله: ((من عذاب القبر)) فيه إثبات عذاب القبر وفتنته ، وهو مذهب
أهل الحق خلافا للمعتزلة .
قوله: ((المسيح الدجال)) أما تسميته بالمسيح (((٢) فلأن الخير مُسحَ منه
فهو مسيح الضلالة وقيل سمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة ، ويقال :
رجل ممسوح الوجه ومسيح ، وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين
ولا حاجب إلا استوى . وقيل : لأنه يمسح الأرض ، أي : يقطعها ،
وقال أبو الهيثم : إن مِسِيحَ على وزن سِكِيت ، وأنه الذي مُسح خلقه ،
أي : شوه ، فكأنه هرب من الالتباس بالمسيح ابن مريم - عليهما السلام-
ولا التباس ، لأن عيسى - عليه السلام - إنما سمي مسيحاً لأنه كان لا
يمسح بيده المباركة ذا عاهة إلا برأ ، وقيل : لأنه كان أمسح الرجل لا
أخمص له ، وقيل : لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بدهن . وقيل المسيح:
الصديق ، وقيل : هو بالعبرانية : مشيحًا فعرِّب ، وأما تسميته بالدجال ،
فلأنه خداع مُلبس من الدجل وهو الخلط ، ويقال : الطلي والتغطية ،
ومنه البعير المدجَّل أي: المهنوء بالقطران ، ودجلة : نهرٌ ببغداد ، سُميت
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب: الدعاء قبل السلام (٨٣٢)، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة (٥٨٩)، النسائي:
كتاب السهو ، باب : نوع آخر (٥٧/٣).
(٢) انظر: النهاية (٣٢٦/٤ - ٣٢٧).
- ٩١-

بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها ، وهذا المعنى أيضًا في الدجال ، لأنه
يغطي الأرض بكثرة أتباعه ، أو يغطي الحق بباطله ، وقيل : لأنه مطموس
العين من قولهم ، دجل الأثر إذا عفي ودُرِسَ . وقيل من دجل ؛ أي :
كذب ، والدجال : الكذاب » .
قوله: ((من فتنة المحيا والممات)) كلاهما مصدران ميميان بمعنى الحياة
والموت ويحتمل زمان ذلك لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه
المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد ، أما فتنة الحياة ؛ فهي : التي تعرض
للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات ، وأشدها
وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت ، وأما فتنة الموت فاختلفوا
فيها ، فقيل : فتنة القبر ، وقيل : يحتمل أن يراد به الفتنة عند الاحتضار ،
أضيفت إلى الموت لقربها منه .
فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: ((وفتنة الممات)) وفتنة القبر ، يكون
هذا مكررًا، لأن قوله: ((من عذاب القبر)) يدل على هذا، قلت: لا تَكْرَار،
لأن العذاب يزيد على الفتنة، والفتنة سبب له، والسبب غير المسبب.
قوله: (( من المأثم)) أي : الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة .
قوله: ((والمغرم)) الدين، يقال: غَرِمَ الرجل - بالكسْر - إذا ادَّان،
وقيل الغُرم والمغرم : ما ينوبُ الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه ،
وكذلك ما يلزمه أداؤه ، ومنه الغرامة ، والغريم الذي عليه الدين ،
والأصل فيه الغَرام ؛ وهو الشر الدائم والعذاب .
قوله : « فقال له : قائل » أي : قال للنبي - عليه السلام - قائل ، سائلاً
عن وجه الحكمة في كثرة استعاذته من المغرم فقال - عليه السلام -: (( إن
الرجل إذا اغَرِم)) يعني: إذا لحقه دين حدَّثَ فكذب ، بأن يحتج بشيء في
وفاء ما عليه ، ولم يقم به فيصير كاذبًا ، ووعد وأخلف ، بأن قال
لصاحب الدين أوفيك دينك في يوم كذا ، أوفي شهر كذا ، أو في وقت
كذا ، ولم يوف فيه فيصير مخالفًا لوعده ، والكذب وخلف الوعد من
- ٩٢-

صفات المنافقين ، كما ورد في الحديث المشهور ، فلولا هذا الدين عليه لما
ارتكب هذا الإثم العظيم ، ولما اتصف بصفات المنافقين .
وكلمة ((ما)) في قوله: ((ما أكثر ما تستعيذُ)) للتعجب، و((ما))
الثانية : مصدرية ، يعني : ماأكثر استعاذتك من المغرم .
فإن قيل: قوله: (( فتنة المحيا والممات)) يشمل جميع ما ذكر فلأي فائدة
خصص هذه الأشياء بالذكر ؟ قلت : لعظم شأنها ، وكثرة شرها . ولا
شك / أن تخصيص معنى ما يشمله العام من باب الاعتناء بأمره لشدة [ ١٨/٢ - أ]
حكمه ، وفي هذا الكلام عطف العام على الخاص أيضًا ، وذلك لفخامة
أمر المعطوف عليه ، وعظمة شأنه ، فافهم .
فإن قيل : ما فائدة تعوذه - عليه السلام - من فتنة المسيح الدجال ، مع
علمه - عليه السلام - بأنه متأخر عن ذلك الزمان بكثير ؟ قلت : فائدته
أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل ، وجماعة إلى جماعة ، بأنه
كذاب مبطل مفترى ، ساع على وجه الأرض بالفساد ، مموه ساحرٌ ،
حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه - عليه اللعنة - ويتحققوا
أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة ، كما أخبر به رسول الله - عليه
السلام - ، ويجوز أن يكون هذا تعليمًا منه لأمته ، أو تعوذًا منه لأمته .
فإن قيل : يُعارض التعوذ بالله عن المغرم ما رواه جعفر بن محمد ، عن
أبيه ، عن عبد الله بن جعفر يرفعه : « إن الله مع الدائن حتی یقضي دينه،
مالم يكن فيما يكره الله عز وجل)) وكان ابن جعفر يقول لخادمه : ((اذهب
فخذ لي بدينٍ فإني أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي )) ، قال الطبري :
((وكلا الحديثين صحيح)). قلنا : الغرم الذي استعاذ منه ، إما أن يكون
في مباح ولكن لا وجه عنده لقضائه ، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ، أو
يستدين وله إلى القضاء سبيل غير أنه يَرى ترك القضاء . وهذا لا يصح إلا
إذا نُزِّل كلامه - عليه السلام - على التعليم لأمته ، أو يستدين من غير
حاجة طمعاً في مال أخيه ونحو ذلك ، وحديث جعفر فیمن كان محتاجاً
إليه احتياجاً شرعيا ، فيستدين ونيته القضاء . وإن لم يكن له سبيل إلى
- ٩٣-

القضاء في ذلك الوقت، لأن ((الأعمال بالنيات))، و « نية المؤمن خيرٌ
من عمله ))، ثم اختلف العلماء في الأدعية التي يدعى بها قبل السلام ،
فالجمهور على أنها مستحبة . وقال ابن حزم بفرضية التعوذ الذي في
حديث عائشة ، وذكر مسلم أن طاوسًا أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع
به فيها ، وظاهر هذا : أنه حَمل هذا على الوجوب ، فأوجب إعادة
الصلاة لفواته .
وقال الشيخ محيي الدين (١): ((ولعل طاوسًا أراد تأديب ولده،
وتأكيد هذا الدعاء عنده ، لا أنه يعتقد وجوبه )) والله أعلم.
واختلفوا أيضًا فيما يدعو به الإنسان في صلاته ، فعند أبي حنيفة ،
وأحمد لا يجوز الدعاء فيها إلا بالأدعية المأثورة ، أو الموافقة للقرآن
العظيم. وإليه ذهب إبراهيم ، وطاوس ، وابن سيرين . وقال الشافعي
ومالك ، يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوزبه الدعاء خارج الصلاة ، من
أمور الدنيا والدين ، مما يشبه كلام الناس ، ولا تبطل صلاته بشيء من
ذلك عندهما .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
٨٥٨ - ص - نا مسدد، نا عبد الله بن داود ، عن ابن أبي ليلى، عن ثابت
البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال : صَلَّيتُ إلى جَنْب
رَسولِ اللهِ فِي صَلاةٍ تَطَوَّعٍ فسمعتُه يقولُ : أَعوذُ بالله من النارِ ، ويَلٌ لأهلٍ
النار)) (٢).
ش - عبد الله بن داود الخُرَيبي البصري ، وابن أبي ليلى اسمه محمد بن
عبد الرحمن وهو : ضعيف الحديث وقد ذكرناه ، وأبو ليلى له صحبة لقبه
(((الأيسر)) واختُلف في اسمه فقيل: يسار ، وقيل : داود وقيل : أوس،
(١) شرح صحيح مسلم (٨٩/٥).
(٢) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل
(١٣٥٢) .
- ٩٤-

وقيل : بلال ، وقيل بلال أخوه . وفي الكمال : يسار ؛ أبو ليلى
الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وقال مسلم وابن نُمير : اسمه
يَسار ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : اسم أبي ليلى داود بن بلال بن
بليل بن أحيحة بن الجُلاح بن جحجبي بن كَلْفة الأنصاري ، من الأوس .
روى عنه : ابنه عبد الرحمن ، قُتل بصفين مع علي بن أبي طالب . روى
له : الترمذي ، وابن ماجه ، وأبو داود (١) .
قوله: (( ويلٌ لأهل النار )) أي : شدة عذاب ، قاله ابن عباس ، وقال
الأصمعي : تقبيح ، وقال الفضل : حزن ، وقال أبو سعيد الخدري : واد
في جهنم ، وقال ابن بريدة : جبلٌ فيها ، وقال ابن كيسان : كلمة كل
مكروب ، وقال الزجاج : كل واقع في الهلكة، ويقال / معناه: خزيٌ [ ١٨/٢ -ب]
لأهل النار ، ويقال : عويلٌ وصياح . ويقال : دعاءٌ بالثبور ، وارتفاعه
على الابتداء ، وخبره [ ((لأهل النار )) ] (٢) وأخرجه ابن ماجه.
٨٥٩ - ص - نا أحمد بن صالح ، نا عبد الله بن وهب قال : أخبرني
يونس ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة قال :
(( قَامَ رسولُ الله إلى الصلاة وقُمْنَا معه، فقال أعرابيٌّ في الصَّلاةِ ((اللهم
ارْحَمْنِي ومُحمَدًا ولا تَرْحَمْ معنا أَحدًا. فلما سَلَّمَ رسولُ الله ◌ِ قال
للأعرابيّ: ((لقد تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا)) - يُريدُ رحمةَ الله - (٣).
ش - يونس بن یزید .
قوله: ((لقد تحجرتَ واسعاً)) أي: ضيقتَ ما وسعه الله ، وخصصت
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤/ ١٧٠) ، أسد الغابة
(٢٦٩/٦)، الإصابة (١٦٩/٤).
(٢) غير واضح في الأصل .
(٣) البخاري : كتاب الوضوء ، باب الأعرابي الذي بال في المسجد ، النسائي :
كتاب الطهارة ، باب التوقيت في الماء (٤٧/١) ، وكتاب : السهو ، باب :
الكلام في الصلاة (١٤/٣) .
- ٩٥-

به نفسك دون غيرك ، وفيه أن تخصيص الرجل نفسه بالدعاء مكروه ، بل
يُعمم الدعاء فإنه أقربُ إلى القبول ، لأن رحمة الله واسعة ، والحديث
أخرجه البخاري ، والنسائي .
٨٦٠ - ص - نا زهير بن حرب، نا وكيع ، عن إسرائيل، عن
أبي إسحاق ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن
النبيّ - عليه السلام - كَانَ إذا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (١) قال:
(سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلِى)) (٢).
ش - إسرائيل بن أبي إسحاق ، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي
الكوفي ، ومسلم بن عمران ، ويقال : ابن أبي عمران ، ويقال : ابن
أبي عبد الله البطين ، أبو عبد الله الكوفي . روى عن سعيد [ بن
جبير](٣)، وإبراهيم التيمي، ومجاهد وغيرهم. روى عنه الأعمش
[ ... ] (٣) والمسعودي، وغيرهم. قال أحمد وابن معين : ثقة. روى
له [ الجماعة] (٣) إلا النسائي (٤). وإنما كان يقول - عليه السلام -
سبحان ربي الأعلى لأنه أُمر به ، حيث قال له ربه ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى﴾ والخطاب للنبي - عليه السلام . وقد روي هذا موقوفاً .
ص - قال (٥) أحمد: يعجبني في الفريضة أن يَدْعُو بما في القرآن .
ش - أي : قال أحمد بن حنبل ، وأشار به إلى أن المصلي يدعو في
الفرض بقوله: (( سبحان ربي الأعلى في السجود (٦) وسبحان ربي
العظيم في الركوع .
٠
ص - قال أبو داود : خُولفَ و کيعٌ في هذا الحديث . رواه أبو وكيع
وشعبةُ عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس موقوفًا .
(١) سورة الأعلى: (١).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) غير واضح في الإلحاق .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٩٣٦/٢٧).
(٥) هذا القول ذكر في سنن أبي داود عقب الحديث الآتي .
(٦) في الأصل: ((الركوع)).
-٩٦-

ش - أشار أبو داود بهذا إلى أن الحديث المذكور . رواه غير وكيع
موقوفًا على ابن عباس ، وهو أبو وکیع الجراح بن ملیح بن عدي بن فرس
ابن جمحة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤَاس واسمه
الحارث بن كلاب بن عامربن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن
عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار الرُّؤَاسي الكوفي ، والد
وكيع ولي بيت المال ببغداد في زمن هارون الرشيد ، وكان على دار
الضرب بالريِّ ، وأصله من قرية من قرى نيسابور ، يقال لها أُسْتُوا ، يقال
كنيته أبو وكيع . روى عن أبي إسحاق السبيعي ، والأعمش ، وعاصم
الأحول وغيرهم . روى عنه : ابنه وكيع ، وأبو الوليد الطيالسي ، ومسدد
وغيرهم . قال أبو حاتم : يُكتبُ حديثه ، ولا يحتج به . وقال ابن
معين: ضعيف ، وقال في رواية عباس : ثقة ، وفي رواية عثمان : ليس به
بأس ، وقال أبو الوليد الطيالسي : هو ثقة ، وقال أبو داود : ثقة ، وقال
الدارقطني : ليس بشيء ، لا يُعتبر به ، وقال ابن عدي : له أحاديث
صالحة، وروايات مستقيمة ، وحديثه لا بأس به . وهو صدوق ، ولم أجد
في حديثه منكراً ، وعامة ما رواه عنه ابنه وكيع ، وقد حدَّث عنه غير
وكيع. والثقات من الناس ، مات سنة ست وسبعين ومائة . روى له
مسلم، والترمذي (١) .
٨٦١ - ص - نا محمد بن المثنى قال : حدثني محمد بن جعفر ، نا شعبة،
عن مُوسى بن أبي عائشة قال : كان رجلٌ يُصلِّي فوق بيته، فكانَ إذا قَرَأَ ،
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يُحْيِىَ الْمَوْتَى﴾ (٢) . قال: سُبْحَانَكَ فَبَلَى ،
فَسَأَلُوهُ عن ذلك فقال: سمعتُه من رَسول اللهِسَاءٍ (٣).
ش - محمد بن جعفر البصري المعروف بغُندر ، وموسى بن أبي عائشة
أبو الحسن الكوفي الهمداني .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤/ ٩١٠).
(٢) سورة القيامة: (٤٠) .
(٣) تفرد به أبو داود .
٧ ٠ شرح سنن أبي داوود ٤
- ٩٧-

وبه استحب بعض العلماء أن القارئ إذا ختم سورة القيامة يقول عُقيب
قوله: ﴿أَلَيْسَ ذلكَ بَقَادِر عَلَى أَنْ يُحْبِىَ الْمَوْتَى﴾ ((سبحانك اللهم بلى))
وكذلك إذا ختم سورة التين . وفي (( تفسير السجاوندي )) في سورة القيامة
وفي الحديث (( أن رسول الله لما ختم السورة قال: (( سبحانك اللهم بلى ))
[١٩/٢ - ١] وذكر في سورة التين قال قتادة / [ ... ] (١) بسورة وأنا على ذلك من
الشاهدين )) يعني : في الصلاة ، وسیذكره أبو داود من حديث إسماعيل
ابن أمية ، عن عروة ، عن أبي هريرة (٢).
----------
١٤٦ - باب : مقدار الركوع والسجود
أي : هذا باب في بيان مقدار الركوع والسجود ، وفي بعض النسخ هذا
الباب مؤخر عن الباب الذي يتلوه ، ويقال إنه في رواية اللؤلؤي كذا .
٨٦٢ - ص - نا مُسدد، نا خالد بن عبد الله ، نا سعید الجريري ، عن
السعدي ، عن أبيه أو عمه قال: رَمَقتُ النبيَّ - عليه السلام - في صلاة
فكانَ يَتَمَكَّنُ فِي رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ قَدْرَ ما يقولُ سُبْحانَ الله وبحمده ثلاثًا (٣)."
٠٠
ش - خالد بن عبد الله الطحان الواسطي ، وسعيد بن إياس أبو مسعود
الجريري البصري، والسعدي مجهول ؛ كذا قال في ((مختصر السنن)).
وقال ابن حبان ، وابن أبي عاصم في كتابه (( الصحابة )) اسمه عبد الله .
قوله: (( فكان يتمكن في ركوعه )) إلى آخره ، المراد منه الطمأنينة في
الركوع والسجود ، وإلا فنفس الركوع يتأدى بالانحناء ، ونفس السجود
يتأدى بوضع الجبهة على الأرض . وروى أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه))
نا هشيم عن جرير، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: (( إذا أمكن
الرجل يديه من ركبتيه ، والأرض جبهته فقد أجزأه » .
(١) طمس في الأصل قدر أربع كلمات .
(٢) يأتي برقم (٨٦٤).
(٣) تفرد به أبو داود . والسعدي ، قال عنه ابن حجر في التقريب (٨٤٩٩) وذكر
الحديث : لا يعرف ولم يسم .
-٩٨-
/

ونا وكيع ، عن الأعمش ، عمن سمع محمد بن علي يقول : يجزئه
من الركوع إذا وضع يديه على ركبتيه ، ومن السجود إذا وضع جبهته على
الأرض )) .
ونا أبو معاوية ، عن أبي مالك ، عن سَعد بن عبيدة ، عن ابن عمر
قال: ((إذا وضع الرجل جبهته بالأرض أجزأه )) . ونا ابن علية ، عن ابن
عون ، عن ابن سيرين قال: (( يجزئ من الركوع إذا أمكن يديه من
ركبتيه، ومن السجود إذا أمكن جبهته الأرض )) .
فظهر بجميع ماذكرنا أن لبثه - عليه السلام - في ركوعه وسجوده قدر
ما يقول سبحان الله وبحمده ثلاثاً سنة ، وأن الفرض يتأدى بمجرد
الانحناء، ووضع الجبهة على الأرض .
٨٦٣ - ص - نا عبد الملك بن مروان الأهوازي ، نا أبو عامر وأبو داود ،
عن ابن أبي ذئب ، عن إسحاق بن یزید الهُذلي ، عن عون بن عبد الله ، عن
عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - عليه السلام -: ((إِذَا رَكَعَ أَحدُكُم
فليقلْ ثلاثَ مَرات: سُبْحانَ ربي العَظيم، وذلك أدناهُ، وإِذَا سَجَدَ فليقلْ :
سبحان ربيَ الأَعْلَىَ ثلاثا وذلك أدناهُ)) (١).
ش - عبد الملك بن مروان الأهوازي . روى عن أبي عامر عبد الملك بن
عمرو العَقدي ، وأبي داود الطيالسي . روى عنه : أبو داود (٢) ، وابن
أبي ذئب هو محمد بن أبي عبد الرحمن بن المغيرة العامري المدني ،
وإسحاق بن يزيد الهذلي المدني . روى عن عون بن عبد الله . روی له:
أبوداود ، والترمذي ، وابن ماجه (٣) .
(١) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود
(٢٦١)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب التسبيح في الركوع والسجود
(٨٩٠) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨/ ٣٥٦٠).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٩٢).
- ٩٩-

وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي أخو عبيد الله
الفقيه. سمع : عبد الله بن عمرو ، وأبا هريرة وعائشة زوج النبي - عليه
السلام -، ويوسف بن عبد الله بن سلام ؛ وغيرهم . روى عنه :
الزهري ، وأبو الزبير محمد بن مسلم ، وأبو إسحاق الشيباني ،
وغيرهم. قال ابن معين : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (١).
وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي
العظيم ، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ، كل منهما ثلاث مرات ،
وذلك أدناه، وقد فسر صاحب ((الهداية)) قوله: ((وذلك أدناه )) أي :
أدنى كمال الجمع ؛ وقال بعض أصحابنا : أي أدنى كمال السُّنَّة . ونقل
عن الشافعي أنه قال وذلك أدناه ؛ أي : أدنى الكمال . وروى الطحاوي
أحاديث في هذا الباب منها ما قال : حدثنا فهد بن سليمان قال : نا
سحيم الحراني . قال : نا حفص بن غياث ، عن مجالد عن الشعبي عن
صلة ، عن حذيفة قال : كان رسول الله يقول في ركوعه : سبحان ربي
العظيم ثلاثًا ، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثاً)) . ثم قال فهذا
أيضاً قد دل على ما ذكرنا من وقوفه على دعاء بعينه في الركوع والسجود .
والحديث أخرجه الترمذي ، وابن ماجه .
ص - قال أبو داود: هذا مرسلٌ، عونٌ لم يدركْ عبدَ اللهِ .
ش - أي : هذا الحديث مرسل ، لأن عون بن عبد الله لم يدرك
عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ، وكذا قال البخاري في (( تاريخه
الكبير)) وأحمد فيما حكاه الخلال، والطوسي في ((أحكامه)) وقال
[١٩/٢ - ب]/ الترمذي: ليس إسناده بمتصل ، عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود .
ورواه البزار في «سننه)) مرفوعاً: ((إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه
سبحان ربي العظيم ثلاثاً ، وذلك أدناه ، وإذا سجد فليقل في سجوده ؛
سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ وذلك أدناه )). ثم قال إسحاق بن يزيد عن
(١) المصدر السابق (٤٥٥٣/٢٢).
- ١٠٠-
أ
1
أ
1