النص المفهرس
صفحات 481-500
وأصبغ المخزومي القرشي مولى عمرو بن الحارث ، روى عنه : إسماعيل المذكور . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : شيخ . روى له : أبو داود . قوله: ((﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾)) أراد به أنه كان يقرأ سورة: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وهي مكية ، وتسع وعشرون آية . زاد أبو جعفر : ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ ومائة وأربعون كلمة ، وخمسمائة وثلاث وثلاثون حرفاً، والخنس : النجوم التي تخنس بالنهار فلا ترى ، وتكنس بالليل إلى مجاريها ، أي : تستتر ، كما تكنس الظباء في المغار ، وهي الكنائس ، ويقال : سميت خنساً لتأخرها ؛ لأنها الكواكب المتحيزة التي ترجع ، وتستقيم . وقال الفراء : إنها النجوم الخمسة : زحل ، والمشترى ، والمريخ، والزهرة ، وعطارد. وفي (( تفسير السجاوندي)) : وقيل : هي الأنجم الخمسة : بهرام ، وزحل ، وزهرة ، وبرجيس ، وعطارد ، وهو مثل قول الفراء ، ولكن الأسماء تختلف لفظاً . والحديث أخرجه : ابن ماجه ، وأخرجه مسلم من حديث الوليد بن سَرِيع ، مولى عمرو بن حريث ، عن عمرو بن حريث ، بنحوه أتم منه ، وعند مسلم (١) أيضاً عن قطبة بن مالكٍّ، سمع النبي - عليه السلام - يقرأ في الصبح : ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتِ لَّهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. وعند ابن حبان: ((قرأ النبي - عليه السلام - في صلاة الصبح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾))، وصحَّحه أبو زرعة في ((تاريخه الكبير)). وقال الحاكم (٢): صحيح على شرط الشيخين، وفي ((الأوسط)) (٣): ((كان يقرأ في الصبح بياسين))، وفيه أيضاً (٤): ((كان يقرأ بالواقعة ونحوها من السور)) (١) كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (١٦٦/٤٥٧). (٢) المستدرك (١/ ٢٤٠) من حديث عقبة بن عمرو . (٣) (٣٩٠٣/٤) من حديث جابر بن سمرة. (٤) (٤٠٣٦/٤) من حديث جابر بن سمرة بلفظ: ((كان رسول الله وَله يقرأ في الصبح بالواقعة ... )) . ٣١ + شرح سنن أبي داوود ٣ - ٤٨١ - وفي ((علل ابن أبي حاتم)) بسند ضعيف: ((صلى النبي - عليه السلام - بالناس في سفر، فقرأ: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن، وربعه ))، وفي (( مسند السراج )) بسند صحيح ، عن البراء: (( صلى بنا النبي - عليه السلام - صلاة الصبح ، [٢٧٧/١-١] فقرأ بأقصر / سورتين في القرآن)). وعن ابن سابط: (( قرأ النبي - عليه السلام - في الفجر في أول ركعة بستين آية ، فلما قام ، سمع صوت صبي ، فقرأ ثلاث آيات )) رواه عن سفيان ، عن أبي السوداء النهدي ، عنه. وفي ((الأوسط)) (١) بسند صحيح، عن أنس، قال: (( صلى بنا رسول الله الفجر بأخصر سورتين من القرآن ، وقال : إنما أسرعت لتفرغ الأم إلى صبيها، وسمع صوت صبي)). وفي ((سنن البيهقي)) (٢): ((صلى أبو بكر في صلاة الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما)). وقال الفُرافصة بن عمير: (( ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها)) (٣). وفي ((الموطأ)) (٤) : قال عامر بن ربيعة: (( قرأ عمر في الصبح بسورة الحج ، وسورة يوسف قراءة بطيئة)). وقال أبو هريرة: (( لما قدمت المدينة مهاجراً صليت خلف سباع بن عرفطة الصبح ، فقرأ في الأولى سورة مريم ، وفي الأخرى سورة ﴿ ويل للمطففين﴾ ذكره ابن حبان في ((صحيحه))، ولم يسم سباعاً . وعن عمرو بن ميمون: (( لما طُعن عمرُ - رضي الله عنه - صلى بهم ابنُ عوف الفجر، فقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله﴾ و((الكوثر)). وقال ابن بطال: ذكر أن عمر قرأ في الصبح بيونس ، وبهود ، وقرأ عثمان بيوسف ، والكهف، وقرأ علي بالأنبياء ، وقرأ عبد الله بسورتين ، إحديهما بنو إسرائيل ، وقرأ معاذ بالنساء ، وقرأ عبيدة بالرحمن ، وقرأ إبراهيم بياسين، (١) (٨٨٨٩/٨). (٢) السنن الكبرى (٣٨٩/٢) بسنده إلى مالك في ((الموطأ)»: كتاب الصلاة، باب: القراءة في الصبح (٣٥) عن هشام بن عروة ، عن أبيه به . (٣) الموطأ رقم (٣٧) . (٤) رقم (٣٦) . - ٤٨٢ - وقرأ عمر بن عبد العزيز بسورتين من طوال المفصل ، وفي ((كتاب الصلاة)) لأبي نعيم ، عن الحارث بن فضيل، قال: ((أقمت عند ابن شهاب عشراً، فكان يقرأ في صلاة الفجر: ﴿تبارك﴾ و﴿ قل هو الله أحد))). وقال أبو داود الأودي: (( كنت أصلي وراء عليّ الغداة، فكان يقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾، ونحو ذلك من السور)). ١٢٨ - باب : الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين أي : هذا باب في بيان شأن الرجل الذي يقرأ في صلاته في الركعة الأولى سورة ، ثم يقرأها بعينها في الركعة الثانية ، وفي غالب النسخ الحديث الذي في هذا الباب بحذاء الحديث الذي في الباب الماضي من غير ذكر باب ، ولا فصل، ولكني وجدته في (( مختصر السنن )) لعبد العظيم، فلذلك ذکرته اتباعاً له . ٧٩٤ - ص - نا أحمد بن صالح ، أنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو ، عن ابن أبي هلال ، عن معاذ بن عبد الله الجهني ، أن رجلاً من جهينة أخبره: ((أنه سَمعَ النبيَّ - عليه السلام - يَقرأُ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَت ﴾ في الركْعتينِ كِلْتَيِّهِمَا، فلا أَدرِي، أنسيَ رسولُ اللهِوَِّ أُمَ قَرَأَ ذَلَك عَمْداً؟))(١). ش - ابن وهب : عبد الله بن وهب ، وعمرو بن الحارث ، وابن أبي هلال هو سعيد بن أبي هلال الليثي المصري . وبهذا الحديث قال بعض مشايخنا : إنه إذا كرر سورة في ركعتين لا يكره، وقيل: يكره، وفي ((الأصل)): إذا قرأ سورة واحدة في ركعتين اختلف المشايخ فيه ، والأصح أنه لا يكره ، ولكن ينبغي أن لا يفعل ، ولو فعل لا بأس به ، وكذا لو قرأ وسط السورة ، أو آخر سورة أخرى ، والأفضل أن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ، وسورة كاملة في المكتوبة ، (١) تفرد به أبو داود . - ٤٨٣ - وإن جمع بين السورتين في ركعة واحدة لا ينبغي أن يفعل ، ولو فعل لا بأس به . وذكر في ((الخلاصة)): وإن قرأ في ركعة سورة ، وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة ، أو فعل ذلك في ركعة مكروه ، وهذه كلها في الفرائض ، أما في النوافل لا يكره شيء . ١٢٩ - باب: من ترك القراءة في صلاته (١) أي : هذا باب في بيان من ترك القراءة في صلاته ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء فيمن ترك القراءة في صلاته))، وفي بعضها: ((باب القراءة بفاتحة الكتاب)) . [٢٧٧/١ - ب] ٧٩٥ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي، نا همام، عن قتادة، / عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ، وما تَيَسَّرَ )) (٢). ش - أبو الوليد : هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وهمام : ابن يحيى، وأبو نضرة : المنذر بن مالك البصري . (((٢) والحديث رواه ابن حبان في «صحيحه )) في النوع السادس والأربعين من القسم الأول، ولفظه: (( أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة الكتاب ، وما تيسر))، ورواه أحمد ، وأبو يعلى الموصلي في ((مسنديهما)) وراه البزار في «سننه))، وقال : لا نعلم رواه عن قتادة ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا همام في الصلاة. وقال الدارقطني في ((علله)): هذا يرويه قتادة ، وأبو سفيان السعدي ، عن أبي نضرة مرفوعاً ، ووقفه أبو مسلمة ، عن أبي نضرة ، هكذا قال أصحاب شعبة عنه ، ورواه ربيعة، عن عثمان ، عن عمر ، عن شعبة ، عن أبي سلمة مرفوعاً ، ولا يصح رفعه عن شعبة)) . (١) في سنن أبي داود: ((باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب)). (٣) انظر: نصب الراية (٣٦٤/١). (٢) تفرد به أبو داود . - ٤٨٤ - ويستفاد من هذا الحديث مسألتان ، الأولى : وجوب قراءة الفاتحة ؛ لأن مطلق الأمر للوجوب ، ومن أثبت الفرضية فقد زاد على مطلق النص ، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ منَ الْقُرْآن﴾ (١) بخبر الواحد ، وذا لا يجوز ؛ لأنه نسخ . الثانية : وجوب ضم شيء من القرآن إلى الفاتحة ، لقوله: (( وما تيسر)) وهو يطلق على سورة ، أي سورة كانت ، وعلى آية ، أي آية كانت طويلة ، أو قصيرة . ٧٩٦ - ص - نا إبراهيم بن موسى ، أنا عيسى ، عن جعفر بن ميمون البصري ، نا أبو عثمان النهدي ، قال : حدَّثني أبو هريرة، قال: قال (٢) رسول الله - عليه السلام -: ((اخْرُج فنادٍ في المدينة: إنه لا صَلاةَ إلا بقرآن ولو بفاتحَةِ الكِتَاب ، فما زَادَ)) (٣). ش - عیسی بن یونس . وجعفر بن ميمون الأنماطي ، بياع الأنماط أبو علي ، ويقال : أبو العوام البصري . سمع : أبا عثمان النهدي ، وأبا تميمة الهجيمي ، وخليفة بن کعب . روى عنه : الثوري ، ویحیی بن سعيد ، وعیسی بن يونس ، وغيرهم . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سئل أبي عنه ؟ فقال : ليس بالقوي في الحديث . وقال ابن معين : ليس بذاك . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، ويكتب حديثه في الضعفاء . وقال النسائي : ليس بثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٤) . وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي . (((٥) والحديث رواه الطبراني في «معجمه الوسط)) (٦) من حديث (١) سورة المزمل: (٢٠). (٢) في سنن أبي داود: ((قال لي)). (٣) تفرد به أبو داود . (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩٥٩/٥). (٥) انظر: نصب الراية (٣٦٧/١). (٦) (٩٤١٥/٩). - ٤٨٥ - إبراهيم بن طهمان ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عبد الكريم ، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة ، قال: (( أمرني رسول الله أن أنادي في أهل المدينة : أن لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب)) . انتهى . وقال : لم يروه عن الحجاج بن أرطاة إلا ابن طهمان . طريق آخر أخرجه أبو محمد الحارثي في (( مسنده )) ، وابن عدي ، عن أحمد بن عبد الله بن محمد الكوفي ، المعروف باللجلاج ، ثنا نعيم بن حماد ، ثنا ابن المبارك ، أنا أبو حنيفة ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة، قال: ((نادى منادي رسول الله وَله: لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب )) . وحديث آخر أخرجه أيضاً عن اللجلاج : ثنا إبراهيم بن الجراح الكوفي، ثنا أبو يوسف ، عن أبي حنيفة ، عن أبي سفيان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو غيرها)). انتهى . وكلاهما ضعيف باللجلاج . قال ابن عدي : حدث بمناكير لأبي حنيفة ، وهي بواطيل . وذكر النووي في ((الخلاصة)) هذين الحديثين، وضعفهما. وعند أبي محمد ابن الجارود في ((المنتقى))، عن أبي هريرة، قال: (( أمرني رسول الله أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ، فما زاد)). وقال البزار في كتاب ((السنن)): هذا إسناد مستقيم، ولفظه: ((أمر منادياً فنادى))، وفي كتاب ((الصلاة )) لأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف: ((لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب ، فما زاد)). وفي ((الصلاة)) للفريابي: ((أنادي بالمدينة : أن لا صلاة إلا بقراءة أو بفاتحة الكتاب، فما زاد))، وفي لفظ: (( فناديت أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب))، وعند البيهقي (١): ((إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد))، (١) السنن الكبرى (٣٧/٢). - ٤٨٦ - وفي ((الأوسط)) (١): ((في كل صلاة قراءة، ولو بفاتحة الكتاب)). / وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة بل غالبها ينفى [٢٧٨/١-أ] الفرضية ، فافهم . ٧٩٧ - ص - نا ابن بشار، نا يحيى ، نا جعفر ، عن أبي عثمان ، عن أبي هريرة قال: ((أُمرني النبيَّ - عليه السلام - أن أُنَادي: إنه لا صَلاةَ إلا بقراءَةِ فَاتحةِ الكِتابِ ، فما زادَ )) (٢). ش - ابن بشار هو : محمد بن بشار ، ويحيى القطان ، وجعفر بن ميمون ، وأبو عثمان : عبد الرحمن النهدي . قوله: ((إنه)) أي: الشأن، وقد ذكرنا أن هذا الحديث قد روي: ((لا صلاة إلا بقراءة، أو بفاتحة الكتاب ، فما زاد))، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بالفاتحة ، دلت الأخرى على جوازها بلا فاتحة ، فنعمل بالحديثين ، ولا نهمل أحدهما ، بأن نقول بفرضية مطلق القراءة ، وبوجوب قراءة الفاتحة ، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار، وأيضاً في هذا الحديث أمران ، أحدهما : أن جعفراً هذا هو ابن ميمون فيه كلام - كما ذكرناه - حتى صرح النسائي أنه ليس بثقة . والثاني : أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة ؛ لأن معنى قوله : فما زاد)) الذي زاد على الفاتحة ، أو بقراءة الزيادة على الفاتحة ، وليس ذاك مذهب الشافعي . ٧٩٨ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، أنه سمع أبا السائب مولىٍ هشام بن زهرة ، يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله: ((مَن صَلَّىِ صَلاةٌ لم يَقرأ فيها بأمِّ القُرآنِ فهي خِدَاجٌ ، فهي خِدَاجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمامٍ ، قال: فقلتُ: يا أبا هريرَةَ، إني أَكونُ أحياناً وَرَاءَ الإِمامِ ؟ قال: فَغَمَزَ ذِراعِي، وقال: اقرأ بها في نفسِكَ يا فارسيّ (٣) ، (١) (١٣٠٦/٢) من حديث أبي سعيد، و(٨/ ٨٠٦٦) من حديث أبي هريرة. (٢) انظر التخريج المتقدم. (٣) في سنن أبي داود: (( يا فارسي في نفسك)). - ٤٨٧ - فإني سمعتُ رسولَ الله يقولُ : قال اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - : قَسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفين ، فنصفُها لي ، ونصفُها لعبدي ، ولعبدي ما سأَلَ ، قال رسولُ الله: اقرءُواَ، يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمَينَ﴾ يقولُ اللهُ: حَمِدَنِي عَبدِي، يقولُ: ﴿الرَّحمنِ الرَّحِيمِ ﴾ يَقولُ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عبدِي ، يقول العبدُ: ﴿مَالِكِ يومِ الدِّينِ ﴾ يقولُ اللهُ: مَجَّدَفِي عبدِي ، فهذه الآيةُ بيني (١) وبين عبدي، ولعبدي ما سألَ، يقولُ العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاءَ (٢) لعبدِي، ولعبدي ما سَأَلَ)) (٣). ش - أبو السائب لا يعرف اسمه ، وهو مدني فارسي ، كان جليساً لأبي هريرة، وفي (( الكمال )) : أبو السائب الأنصاري المدني مولى هشام ابن زهرة ، ويقال : مولى عبد الله بن هشام بن زهرة ، ويقال : مولى بني زهرة . روى عن : أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، والمغيرة بن شعبة . روى عنه : صيفي مولى أفلح ، وشريك بن عبد الله ، والعلاء ابن عبد الرحمن ، وبكير بن عبد الله بن الأشج ، وغيرهم . روی له الجماعة إلا البخاري . وقال الشيخ محيي الدين في ((شرح مسلم)) (٤): وهو ثقة (٥) . قوله: (( بأم القرآن)) أم القرآن اسم للفاتحة، سميت به لأنها فاتحته ، (١) في سنن أبي داود: ((هذه بيني ... )). (٢) في سنن أبي داود: ((يقول الله: فهؤلاء)). (٣) مسلم : كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٥) ، الترمذي : كتاب تفسير القرآن ، باب : ومن سورة فاتحة الكتاب (٢٩٥٣) ، النسائى : كتاب الافتتاح ، باب : ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (١٣٥/٢) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: القراءة خلف الإمام (٨٣٨). (٤) (١٠٢/٤). (٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣/ ٧٣٨٠). - ٤٨٨ - كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها ، أو سميت به لأنها علامته ، قال الشاعر : جماعُ أمور لا تعاصي له أمراً علی رأسه أم لنا يقتدى بها وقيل : لأنها مقدمه ، والأم العمر الماضي لتقدمه ، قال الشاعر : لدائك إلا أن تموت طبيب إذا کانت الخمسون أمك لم یکن وقيل : لتمامها في الفصل ، ومن أسمائها : السبع المثاني ، والوافية ، والكافية ، والأساس ، والشافية ، والكنز ، والصلاة ، وسورة تعليم المسألة ، وسورة الواقية ، وسورة الحمد ، والشكر ، والدعاء ، والفاتحة، وأول القرآن ، وهي مكية ، وقيل : مكية ومدنية ؛ لأنها نزلت بمكة مرة ، وبالمدينة أخرى ، وهي سبع آيات بالاتفاق ، إلا أن منهم من عد ﴿ أَنعمتَ عَليهم ﴾ دون التسمية ، ومنهم من مذهبه على العكس ، وسبع وعشرون كلمة ، ومائة واثنان وأربعون حرفاً . قوله: ((فهي خداج)) بكسر الخاء : النقصان ، يقال : خدجت الناقة ، إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج ، وإن كان تام الخلق ، وأخدجته إذا ولدته ناقصاً ، وإن كان لتمام الولادة ، ومنه قيل لذي الثَّدَيَّةِ : مخدج اليد أي : ناقصها ، ومعنى قوله: (( فهي خداج )) أي : ذات خداج ، أو يكون وصفها بالمصدر مبالغة . قوله: ((غير تمام)) تفسير لقوله: ((خداج)). / قوله: ((اقرأ بها في نفسك)) قال محيي الدين: ((ومما يؤيد وجوب [٢٧٨/١ -ب] قراءة الفاتحة على المأموم قول أبي هريرة هذا ، ومعناه : اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك )) . قلت : هذا لا يدل على الوجوب ؛ لأن المأموم مأمور بالإنصات ، لقوله تعالى: ﴿وَأَنصتُواْ﴾ والإنصات : الإصغاء ، والقراءة سرا بحيث (١). شرح صحيح مسلم (١٠٣/٤). ٠٣٢ شرح سنن أبي داوود ٣ - ٤٨٩ - يسمع (١) نفسه يخل بالإنصات فح (٢) يحمل هذا على أن المراد تدبر ذلك وتذكره ، ولئن سلمنا القراءة حقيقة ، فلا يدل ذلك على الوجوب ، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية ، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإمام لحاناً . قوله: (( يا فارسي)» خطاب لأبي السائب . قوله: ((قسمت الصلاة)) المراد بها الفاتحة ، وقد ذكرنا أن من جملة أسماء الفاتحة الصلاة ، سميت بها ؛ لأنها تقرأ دائماً في سائر الصلوات . وقال الشيخ محيي الدين (٣): ((ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، سميت بذلك لأنها لا تصح الصلاة إلا بها ، كقوله - عليه السلام -: ((الحج عرفة)). قلت : لا نسلم أن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها ؛ لأن تسميتها بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات ، لا باعتبار أنها فرض بعينها ، ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها ، كالتسميع والتحميد ، ونحوهما، فإن صلاة لا تخ (٤) عن شيء من ذلك ، وليس ذاك بفرض، وقياسه على قوله: (( الحج عرفة)) ليس بصحيح ؛ لأن معنى هذا الكلام معظم أركان الحج الوقوف بعرفة ، وليست العرفة بعينها عبارة عن الحج ؛ لأن العرفة لا تخ (٤) إما أن تكون اسماً لليوم المعهود ، أو للموضع المعهود ، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج فافهم ، ثم معنى قوله: ((قسمت )) قسمتها من جهة المعنى ؛ لأن نصفها الأول : تحميد الله تعالى وتمجيده ، وثناء عليه ، وتفويض إليه ، والنصف الثاني : سؤال ، وتضرع ، وافتقار ، وهذا من جملة ما احتج به أصحابنا على أن البسملة ليست من الفاتحة ؛ لأنها سبع آيات بالإجماع ، فثلاث في أولها (١) في الأصل: ((تسمع)). (٢) أي: ((فحينئذ)). (٣) شرح صحيح مسلم (١٠٣/٤). (٤) كذا، ولعلها بمعنى: ((لا تخرج)). - ٤٩٠ - ثناء ، أولها : ﴿ الحمد﴾ وثلاث دعاء، أولها: ﴿اهدنا الصراط﴾، والسابعة متوسطة، وهي: ﴿ إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينٌ﴾ ولأنه قال: يقول: ﴿ الحمد لله رب العالمين﴾ فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها لذكرها ، وقد مر الكلام في هذا الباب مستوفى . قوله : (( مجدني عبدي )) أي : عظمني . قوله: (( فهؤلاء لعبدي )) فيه دليل على أن ﴿ اهدنا﴾ وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات، لا آيتان؛ لأن لفظة ((هؤلاء)) إشارة إلى الجمع ، فإذا كان هذا ثلاث آيات فلا خلاف أن من قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ إلى ﴿نستعين﴾ أربع آيات ، فصارت الجملة سبع آيات، ولا خلاف في ذلك، فلم تكن البسملة منها ، وفي رواية مسلم : (( فهذا لعبدي » ، وهو إشارة إلى المذكور في ﴿اهدنا﴾ إلى آخره . ذكّر الضمير باعتبار المذكور، والمذكور ثلاث آيات . والحديث أخرجه : مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه . وذكر ابن عدي بسند ضعيف: (( كل صلاة لا يقرأ [ فيها ] بفاتحة الكتاب وآيتين فهي خداج )) (١) . وفي سنن (٢) الطبراني: (( كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي مخدجة مخدجة مخدجة )) . وعند الدارقطني مضعفاً من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن عمرو : (( من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً فليقرأ فيها بأم الكتاب وسورة معها ، فإن انتهى إلى أم الكتاب فقد أجزأه ، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته ، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام )) (٣) . (١) الكامل (٥٠/٥، ترجمة شبيب بن شيبة) من حديث عائشة. (٢) كذا . (٣) سنن الدارقطني (٣٢١/١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، وقال الدارقطني: (( محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ضعيف)). - ٤٩١ - وروى ابن عدي (١) بإسناده إلى ابن عمر قال : قال رسول الله - عليه السلام -: (( لا تجزئ المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعداً )) وقال : هذا حديث غير محفوظ . وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية الفاتحة ؛ لأنه فسر في الحديث بقوله: ((غير تمام))، وهذا يدل على أن الصلاة بدونها صحيحة ، ولكنها ناقصة ؛ لأن معنى قوله: (( غير تمام)) ناقصة ، ونحن نقول أيضاً : إذا ترك الفاتحة تكون صلاته ناقصة . [٢٧٩/١-١] / ٧٩٩ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، وابن السرح، قالا : نا سفيان ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت ، يبلغ به النبيّ -عليه السلام - قال: ((لا صَلاةَ لمن لمْ يَقْرَأ بفاتحَة الكتَاب فَصَاعداً » (٢). قال سفيان : لمن يُصِّي وحده . ش - محمود بن الربيع بن سراقة بن [ عمرو بن ] زيد بن عبدة بن عامر ابن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الخزرجي الأنصاري، يُكنى : أبا نعيم ، ويقال : أبو محمد ، عقل عن النبي - عليه السلام - مَجَّةٌ مَجَّهَا في وجههِ من دلوٍ ، من بئر في دارِهم ، وهو ابن خمس سنين ، وهو ختن عبادة بن الصامت ، نزل بيت المقدس . روى عن : النبي - عليه السلام - ، وعن عتبان بن مالك ، وعبادة بن الصامت، وغيرهم . روى عنه : أنس بن مالك ، وابنه أبو بكر بن أنس، (١) الكامل (٥٥/٦، ترجمة عمر بن يزيد) . (٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت (٧٥٦) ، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها (٣٩٤/٣٤)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢٤٧) ، النسائى : كتاب الافتتاح ، باب : إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة (١٣٥/٢، ١٣٦) ، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام (٨٣٧). - ٤٩٢ - ورجاء بن حيوة ، والزهري ، ومكحول ، مات سنة تسع وتسعين ، وهو ابن ثلاث وتسعين . روى له الجماعة (١) . والحديث أخرجه : الأئمة الستة ، وليس في حديث بعضهم : ((فصاعداً)). (((٢) ورواه الدَّارقطني (٣) بلفظ: ((لا تُجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، وقال: إسناده صحيح . وصحَّحه ابن القطان أيضاً. وقال صاحب ((التنقيح)): انفرد زياد بن أيوب بلفظ: ((لا تجزئ)) ورواه جماعة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ)) وهو الصحيح ، قال : وكأنَّ زياداً رواه بالمعنى. انتهى. والحديث في ((صحيح ابن حبَّان)» بهذا اللفظ، بغير هذا الإسناد ، قال ابن حِبَّان : أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، ثنا محمد بن يحيى الذهلي ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا شعبة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ◌َي: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنتُ خلف الإمام قال : فأخذني بيدي ، وقال : اقرأ في نفسك )) . قال ابن حبان: لم يقل في خبر العلاء هذا: (( لا تجزئ صلاة)) إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير . انتهى . ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه )) كما تراه)) (٤) . واستدل الشافعي ، ومن تبعه بهذا الحديث على فرضية الفاتحة في الصلاة ، ولأنه - عليه السلام - واظب عليها في كل صلاة ، فيدل على الفرضية، ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُ وأْ مَا تَيَسَّرَ منَ الْقُرْآن ﴾ (٥) أمر بمطلق القراءة من غير تعيينٍ ، فتعيين الفاتحة فرضاً نَسْخُ الإطلاق ، والنسخ بالخبر المتواتر لا يجوز عند الشافعي ، فكيف يجوز بخبر الواحد ؟! فقلنا: الحديث في حق الوجوب عملاً حتى تكون الصلاة ناقصة بتركها ، (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٢١/٣)، وأسد الغابة (١١٦/٥)، والإصابة (٣٨٦/٣). (٢) انظر: نصب الراية (٣٦٥/١ - ٣٦٦). (٣) سنن الدارقطني (٣١٨/١). (٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . (٥) سورة المزمل: (٢٠) . - ٤٩٣ - ومواظبته - عليه السلام - لا تدل على الفرضية ، فإنه كان يواظب على سائر الواجبات . وقال الشيخ محيي الدين (١) : ودليل الجمهور قوله - عليه السلام -: ((لا صلاة إلا بأُمِّ القرآن))، فإن قالوا : المراد : لا صلاة كاملة ، قلنا : هذا خلاف ظاهر اللفظ . ومما يؤيده حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) رواه أبو بكر بن خزيمة في ((صحيحه )) بإسناد صحيح ، وأما حديث: ((اقرأ ما تيسر ... )) محمول على الفاتحة فإنها مُتَيَسُرة، أو على ما زاد على الفاتحة بعدها ، أو على من عجز عن الفاتحة . قلت: كل هذا فيه نظر، فقوله: (( هذا خلاف ظاهر اللفظ))، يعارضه قوله: ((وأما حديث: ((اقرأ ما تيسر)) فمحمول على الفاتحة))؛ لأن هذا أيضاً خلاف ظاهر اللفظ؛ لأن (( ما تيسر )) وقع مفعولاً لقوله : ((اقرأ))، وهو عام يتناول قراءة الفاتحة، وغيرها، فقوله: ((محمول على الفاتحة )) تخصيص بلا مخصص ، وهو باطل ، فليت شعري ، كيف جوزوا الحمل هاهنا على خلاف ظاهر اللفظ ، ولم يُجَوِّزُوا في قوله : ((لا صلاة إلا بأم القرآن))؟. وقوله: ((أو على ما زاد على الفاتحة)) بعدها غير صحيح أيضاً ؛ لأنه لا يمشي على مقتضى مذهبهم ؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة ، غير فرض عندهم . وأما دعواه التأييد بحديث ابن خزيمة لا تُفيدهم ؛ لأن هذا ليس له من القوة ما يُعارض ما أخرجه الأئمة الستة ، على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل في خبر العلاء: ((لا تجزئ صلاة ... )) إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب كما ذكرناه، وأيضاً فلفظ: ((فصاعداً)) في حديث عبادة يشير بفرضية قراءة ما زاد على الفاتحة ، على مقتضى دعواهم ، والحال أن هذا [٢٧٩/١ -ب] ليس مذهبهم ، فظهر من هذا التقرير أن الذي يفهم من / الأحاديث - - (١) شرح صحيح مسلم (١٠٢/٤). - - ٤٩٤ - الواردة في هذا الباب وجوب الفاتحة ليس إلا ، والفرضية لا تثبت بمثل هذا ، على أنه قد رُوي عن جماعة من الصحابة وغيرهم سُنِّيَةُ مطلق القراءة في الصلوات ، لما ذكرنا من حديث عمر وغيره في (( باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر )). قوله: ((فصاعداً )) نصبٌ على الحال، والمعنى: لا صلاة كاملةً لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، فزاد القراءة صاعداً على الفاتحة ، كما نقول : أخذت هذا بدرهم فصاعداً ، أي : فزاد الثمنَ صاعداً على الدرهم ، ولكن تذكير (( صاعداً )) باعتبار المذكور ، وإلا فالقياس يقتضي أن يقال : فصاعدةً أو نقول : فصاعداً في مثل هذا الموضع مثل الاسم الجامد ، فاستوى فيه التذكير والتأنيث ، والفاء فيه زائدة لازمة . وقال البخاري في كتاب ((القراءة خلف الإمام)): وقال معمرٌ عن الزهري: ((فصاعداً))، وعامَّة الثقات لم يتابع معمراً في قوله: (( فصاعداً )). قلت : هذا سفيان قد تابع معمراً في هذه اللفظة ، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي ، وعبد الرحمن بن إسحاق ، وغيرهم ، كلهم عن الزهري . قوله: ((قال سفيان: لمن يُصَلِّ وحده)) المراد به سفيان بن عيينة ، يعني : عدم جواز الصلاة لعدم قراءة فاتحة الكتاب في حق من يصلي وحده ، وأمَّا المقتدي فإن قراءة إمامه قراءة له ، وكذا قال الإسماعيلي إذا كان وحده . فعلى هذا يكون الحديث مخصوصاً في حق المنفرد ، فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم . ٨٠٠ - ص - نا عبد الله بن محمد النفيلي ، نا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة بن الصامت قال: كُنَّا خَلْفَ النبيِّ - عليه السلام - في صَلاة الفَجْر، فَقرأً رسولُ اللهِ فَتَقُلَتْ عليه القِراءةُ ، فلما فَرِغَ قال: ((لَّعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَّ خَلْفَ - ٤٩٥ - إِمَامِكُمْ))؟! قلنا: نعم، هَذا يا رسولَ الله، قال: ((لا تَفْعَلُوا إلا بفَاتحة الكِتَابِ ؛ فإنه لا صَلاةَ من لم يَقْرَابِهَا )) (١) . ش - محمد بن سلمة الباهِليَّ الحرّاني ، ومحمد بن إسحاق بن يَسَار ، ومكحول بن زبر الشامي . والحديث أخرجه الترمذي عن هَنَّاد ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، إلى آخره، وقال: حديث حسنٌ. وفي كتاب الدارقطني (٢): ((لا تقرأ بشيءٍ من القرآن إذا جهر إلا بأم القرآن ))، وفي المصنَّف (٣) : نا ابن نمير) نا محمد بن إسحاق ، عن مكحول ، عن محمود بن الربيع ، عن عبادة ابن الصامت ، قال : صَلَّى بنا رسول الله - عليه السلام - صلاة العشاء، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: (( لعلكم تقرءون خلف إمامكم ؟ قال : قلنا : أجل يا رسول الله إنّا لنفعل ، قال : فلا تفعلوا إلا بأُم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها )). قوله : ((هَذا)) الهَذُّ: السرعة، أراد : نَهُذُّ القرآن هَذا، فنُسْرِعُ فيه من غير تَفَكُّرٍ ، ولا ترتيلٍ ، كما في قراءة الشعر ، ونصبه على المصدر ، وقيل : أراد بالهذِّ الجهرَ بالقراءة ، وكانوا يُلَبِسُون عليه - عليه السلام - قراءته بالجهر . قوله: (( لا تفعلوا)) يحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على الفاتحة، ويحتمل أن يكون نهاهم عن الْهَذّ، كذا قاله الخطَّابي، بناءً على مذهبه ، وسنجيب عنه إن شاء الله تعالى ، ولنا أحاديث تدل على أن (١) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢٤٧) . (٢) (٣١٩/١) وفيه: ((فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن ». (٣) (٣٧٣/١ - ٣٧٤) . - ٤٩٦ - المقتدي لا يقرأ خلف الإمام، ((١) منها ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه))(٢) عن جابر الجُعْفِي ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله: (( من كان له إمام، فإن قراءة الإمام له قراءةٌ ». والحديث ، وإن كان معلولاً بجابر الجُعْفي ، ولكن له طرق أخرى وهي وإن كانت مدخولة ، ولكن يَشُدُّ بعضها بعضاً ، منها ما رواه محمد بن الحسن في ((موطئه)) (٣) : أخبرنا الإمام أبو حنيفة ، ثنا أبو الحسن موسى ابن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شَدَّاد ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام -، قال: ((من صَلَّى خلف الإمام، فإن قراءة الإمام له قراءة)). ورواه الدارقُطْني في ((سننه)) (٤)، وأخرجه هو ، ثم البيهقي (٥) ، عن أبي حنيفة مقروناً بالحسن بن عمارة ، وعن الحسن بن عمارة وحده بالإسناد المذكور . قال الدارقطني : وهذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبد الله، غيرُ أبي حنيفة ، والحسنُ بن عمارة ، وهما ضعيفان ، وقد رواه سفيان الثوري ، وأبو الأحوص ، وشعبة ، وإسرائيل ، وشريك ، وأبو خالد الدالاني ، وسفيان بن عيينة، / [ وجرير ] بن عبد الحميد، وغيرهم، [١/ ٢٨٠-أ] عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن شداد ، عن النبي مرسلاً ، وهو الصواب )» (٦). قلتُ : قد ظهر لك تحامل الدارقطني على أبي حنيفة ، وتعصُّبُهُ الفاسد، فمن أين للدارقطني تضعيف مثل أبي حنيفة ؟ والحال أنه بهذا يستحق التضعيف ، ثم هو يُضعِّف حديث أبي حنيفة ، وقد روى هو في (سننه)) أحاديث سقيمة معلولةً، وأحاديث غريبة منكرةً، وأحاديث موضوعةً، وكيف يُضَعِّفُهُ، وقد قال يحيى بن معين حين سئل عنه : ثقةٌ، (١) انظر: نصب الراية (٢/ ٧ - ٩). (٢) كتاب إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٥٠)، ووقع في سنده اختلاف انظره في ((الإرواء)) (٢٦٨/٢). (٣) كتاب الصلاة ، باب: القراءة في الصلاة خلف الإمام (رقم ١١٧) . (٥) السنن الكبرى (١٥٩/٢). (٤) (٣٢٣/١ : ٣٢٥) . (٦) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . - ٤٩٧ - ما سمعت أحداً ضَعَّفَهُ . هذا شعبة بن الحجَّاج يكتب إليه أن يُحَدِّث ، ويأمرُهُ، وشعبةُ شعبةُ (١) ذكره الحافظ أحمد بن الحسن ، عن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي. وقال ابن كثير في (( تاريخه )) : قال يحيى بن معين : كان أبو حنيفة ثقةً ، وكان من أهل الصدق ، ولم يتهم بالكذب ، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً ، وسئل يحيى بن معين : هل حدَّث سفيان عن أبي حنيفة ؟ قال : نعم ، كان أبو حنيفة ثقة صدوقاً في الحديث والفقه ، مأموناً على دين الله تعالى ، وأثنى عليه ابن المبارك ، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله ، وسفيان بن عيينة ، وحمَّادُ ابن أبي سليمان ، ومِسعر بن كدام ، وأيوب السختياني ، والأعمش ، ويقال: إنه خرج إلى الحج ، فلما صار بالحيرة ، قال لعليِّ بن مسهر : اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك ، وأثنى عليه شعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، والحسن بن صالح ، وعبد الرزاق ، وسعيدُ ابن أبي عروبة ، وحمَّاد بن زيد ، وابن جريج ، وشريك القاضي ، وابن شُبْرُمَة ، ووكيع ، وكان يفتي برأي أبي حنيفة ، ويحيى بن سعيد القطان ، والإمام الشافعي ، والإمام مالك ، والإمام أحمد ، وخالد الواسطي ، وعيسى بن يونس ، وأبو عاصم النبيل ، وعبد الله بن داود ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وعبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، وعبد العزيز الماجشون ، وأبو معاوية ، وابن أبي ليلى ، وياسين بن الزيات ، وابن السماك ، ويحيى بن اليمان ، وقيس بن الربيع ، وخلف بن أيوب ، ویحیی بن آدم، ويوسف بن خالد السَّمْتي ، والنضر بن شميل ، ويحيى بن أكثم ، ومقاتل ابن حَيَّان، ومقاتل بن سليمان ، ومكي بن إبراهيم ، وجماعةٌ آخرون كثيرةٌ ، وروى عنه : ابن المبارك ، ووكيع ، ويزيد بن هارون ، وعليّ بن عاصم ، والقاضي أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وعبد الرزاق ، وأبو نعيم ، وهشيم ، وجعفر الصادق ، وسفيان الثوري ، وشعبةُ ، وعبد الكريم الجزري ، إمام أهل الجزيرة ، وكان يفتي بقوله ، (١) كذا بالتكرار . - ٤٩٨ - والأحوص بن حكيم ، والحكم بن هشام ، ومعمر بن راشد ، وشريك النخعي ، والمغيرة بن موسى ، ومقاتل بن حيَّان ، وجماعة آخرون ، ذكرتهم في ((تاريخي))، مقدار سبعمائة وثلاثين رجلاً ، من العلماء الأجلاء ، والثقات الأثبات ، وأما عُدَّة مشائخه الذين روى عنهم تبلغ أربعة آلاف نفس ، فإذا كان الرجل بهذه المثابة ، كيف لا يستحيي الدارقطني ، وأمثاله ، مثل البخاري ، وابن الجوزي ، والبيهقي ، حتى يحطون على مثل هذا الإمام ، ويتكلمون في عِرْضِهِ، لأجل حظ الأنفس، وارتكاب الهَوى الباطل ، ولقد صدق الشاعر في قوله : حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأْوَهَ والقوم أعداءٌ له وخصوم وفي المثل السائر : البحر لا يكدره وقع الذباب ، ولا ينجسه ولوغ الكلاب . وأما محمد بن الحسن فإنه أخذ العلم عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وسمع منهما (١) ، وكذلك سمع من مِسْعر ، والثوري ، ومالك ، والأوزاعي ، وغيرهم ، وأثنى عليه غير واحد من أهل العلم ، وأكثرهم ثناءً الشافعي ، وكتب عنه الشافعي ببغداد ، وبالغ الشافعي في الثناء عليه. وقال محمد : ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم ، فأنفقت خمسة عشرة ألفاً على النحو ، والشعر ، وخمسة عشر ألفاً على الحديث والفقه ، وقال : أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسْراً . وأما موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي ، فإنه من الثقات الأثبات. روى عنه : أبو حنيفة ، والثوري ، وغيرهما . وقال ابن عيينة : كان من الثقات . وقال ابن معين : ثقةٌ . وروى له الجماعة . / وأمَّا عبد الله بن شدَّاد فهو من كبار التابعين، وثقاتهم، كما ذكرناه [١/ ٢٨٠ -ب] في ترجمته ، فإذا كان الأمر كذلك ؛ يكون ما رواه محمد بن الحسن في (موطئه)) عن أبي حنيفة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبد الله بن (١) غير واضحة في الأصل . - ٤٩٩ - شَدَّاد ، عن جابر - رضي الله عنه - حديثاً صحيحاً ، بإسناد صحيح ، مسلسلٍ بسلسلة الذهَب ، فبطل بهذا قول الدارقطني ، ومن تبعه . ومنها: ما رواه الدارقطني في ((سننه))، والطبراني في «معجمه الوسط)) (١) ، عن سهل بن عباس المروزي ، ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر، قال: قال رسول الله: (( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءةٌ)) . قال الدارقطني : هذا حديث منكر ، وسهل بن عباس متروك ، وليس بثقة . وقال الطبراني : لم يرفعه أحد عن ابن عُلَيَّة إلا سهل بن عباس ، ورواه غيره (٢) موقوفاً . ومنها : ما رواه أحمد، في ((مسنده)) (٣) عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام: ((من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءةٌ)). وفي ((المصنف)): ثنا مالك بن إسماعيل ، عن حسن بن صالح ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( كل من كان له إمامٌ فقراءته له قراءة )» هذا سند صحيح ، وكذا رواه أبو نعيم ، عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير، ولم يذكر جابراً ، كذا في (( أطراف المزي )) . ومنها : ما رواه الدارقطني في ((سنته)) (٤) ، عن محمد بن الفضل بن عطية ، عن أبيه ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه عبد الله بن عمر ، عن النبي - عليه السلام -، قال: (( من كان له إمامٌ فقراءته له قراءة ))، قال الدارقطني : محمد بن الفضل متروك ، ثم أخرجه عن حارثة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعاً ، أنه قال في القراءة خلف الإمام: يكفيك قراءة الإمام ، قال : وهو الصواب . (١) (٧٩٠٣/٨) بلفظ: ((من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة)). (٣) (٣٣٩/٣) . (٢) فى الأصل: ((غير)) خطأ. (٤) (٣٢٥/١ - ٣٢٦) . - ٥٠٠ -