النص المفهرس

صفحات 421-440

والجواب : إن هذا ليس بحجة لوجوه ؛ الأول : إنه ليس بصريح في
الجهر ، ويمكن أنها سمعته سرا في بيتها ، لقربها منه .
الثاني : إن مقصودها الإخبار بأنه كان يرتل قراءته ، ولا يسردها .
الثالث : إن المحفوظ فيه والمشهور أنه ليس في الصلاة ، وإنما قوله :
((في الصلاة)) زيادة من عمر بن هارون ، وهو مجروح تكلم فيه غير واحد
من الأئمة . قال أحمد بن حنبل : لا أروي عنه شيئاً . وقال ابن معين :
ليس بشيء ، وكذبه ابن المبارك . وقال النسائي : متروك الحديث . وسئل
عنه ابن المديني فضعفه جدا .
ومنها : ما رواه الحاكم في ((مستدركه)) (١)، والدارقطني في
((سننه)) (٢) من حديث محمد بن المتوكل (٣) بن أبي السرى ، قال :
((صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها : الصبح ،
والمغرب ، فكان يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قبل فاتحة الكتاب،
وبعدها ، وقال المعتمر : ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي ، وقال أبي : ما آلو
أن أقتدي بصلاة أنس ، وقال أنس : ما آكو أن أقتدي بصلاة رسول الله
-عليه السلام - )) . قال الحاكم : رواته كلهم ثقات.
والجواب: إن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في ((مختصره)) (٤)،
والطبراني في ((معجمه)) ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس:
(( أن رسول الله كان يسر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الصلاة ،
وأبو بكر، وعمر))، ((وفي الصلاة))، زادها ابن خزيمة .
ومنها : ما رواه الحاكم (٥) من طريق آخر عن محمد بن أبي السرى :
(٢) (٣٠٨/١) .
(١) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤) .
(٣) في الأصل: ((محمد بن أبي المتوكل)) خطأ ، وانظر : تهذيب الكمال
(٥٥٧٨/٢٦) .
(٤) (١/ ٢٥٠) كتاب الصلاة، من طريق عمران القصير، عن الحسن، عن أنس به.
(٥) (٢٣٤/١) .
- ٤٢١ -

ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، ثنا مالك ، عن حميد ، عن أنس ، قال :
((صليت خلف النبي، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، فكلهم
كانوا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)).
قال الحاكم: وإنما ذكرته شاهداً. وقال الذهبي في ((مختصره)): أَمَا
استحَى الحاكمُ ؟! يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع ! فأنا أشهد
بالله والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه (( لا)).
ومنها : ما رواه الخطيب ، عن ابن أبي داود ، عن ابن أخي ابن
وهب، عن عمه ، عن العمري ، ومالك ، وابن عيينة ، عن حميد ،
عن أنس (( أن رسول الله كان يجهر بـ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في
الفريضة)) .
والجواب: ما قاله ابن عبد الهادي: سقط منه ((لا))، كما رواه
الباغندي ، وغيره ، عن ابن أخي ابن وهب ، هذا هو الصحيح ، وأما
الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط ، ويوضحه أن مالكاً رواه في
((الموطأ)) (١): عن حميد، عن أنس، قال: ((قمت وراء أبي بكر
الصديق ، وعمر ، وعثمان ، فكلهم لا يقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾
إذا افتتحوا الصلاة)) .
قال ابن عبد البر في ((التقصي)) : هكذا رواه جماعة موقوفاً ، ورواه
ابن أخي ابن وهب ، عن مالك ، وابن عيينة ، والعمري ، عن حميد ،
عن أنس مرفوعاً ، فقال: ((إن النبي - عليه السلام - وأبا بكر ، وعمر،
وعثمان لم يكونوا يقرءون)) ، قال : وهذا خطأ من ابن أخي ابن وهب
في رفعه ذلك ، عن عمه ، عن مالك ، فصار هذا الذي رواه الخطيب
خطأ على خطإ ، والصواب فيه عدم الرفع وعدم الجهر .
(١) كتاب الصلاة، باب: العمل في القراءة (٣١)، وأخرجه مسلم في كتاب
الصلاة ، باب : حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٣٩٩/ ٥٠) من طريق قتادة
عن أنس به .
- ٤٢٢ -

ومنها: ما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١): عن عبد الله بن عثمان بن
خثيم ، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره ، أن أنس بن مالك قال :
((صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ بـ ﴿ بسم الله
الرحمن الرحيم ﴾ لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى
تلك الصلاة ، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم
ناداه من سمع ذاك من المهاجرين ، والأنصار ، ومن كان على مكان :
يا معاوية ، أسرقت الصلاة ، أم نسيت ؟ أين ﴿ بسم الله الرحمن
الرحيم﴾؟ وأين التكبير إذا خفضت ، وإذا رفعت ؟ فلما صلى بعد ذلك
قرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ للسورة التي بعد أم القرآن ، وكبر حين
يهوي ساجداً)) . قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم.
ورواه الدارقطني (٢)، وقال: رواته / كلهم ثقات، وقد اعتمد [٢٦٥/١ -ب]
الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر . وقال الخطيب : هو
أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب . والجواب عنه من وجوه ؛ الأول : أن
مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم ، وهو وإن كان من رجال مسلم ،
لكنه متكلم فيه ، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال : أحاديثه غير قوية.
وقال النسائي : لين الحديث ، ليس بالقوي فيه . وقال الدارقطني : لَّيَّنُوه.
وقال ابن المديني : منكر الحديث . وبالجملة فهو مختلف فيه ، فلا يقبل ما
تفرَّد به ، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه ، وهو أيضاً من أسباب
الضعف ، أما في إسناده فإن ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص ،
عن أنس ، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، وقد
رجح البيهقي الأولى في ((المعرفة)) ، لجلالة رواتها ، وهو ابن جريج ،
ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية .
ورواه ابن خثيم أيضاً عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، عن
جده ، فزاد ذكر الجد ، كذلك رواه عن إسماعيل بن عياش ،
(١) (١/ ٢٣٣) .
(٢) (٣١١/١).
- ٤٢٣ -

وهي عند الدارقطني ، والأولى عنده ، وعند الحاكم ، والثانية عند
الشافعي .
وأما الاضطراب في متنه فتارة يقول: ((صلى فبدأ بـ ﴿بسم الله الرحمن
الرحيم﴾ لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها)) كما تقدم عند
الحاكم، وتارة يقول: (( فلم يقرأ بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ حين
افتتح القرآن ، وقرأ بأم الكتاب )) ، كما هو عند الدارقطني في رواية
إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: (( فلم يقرأ ﴿ بسم الله الرحمن
الرحيم﴾ لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها)) كما هو عند الدارقطني في
رواية ابن جريج ، ومثل هذا الاضطراب في السند ، والمتن مما يوجب
ضعف الحديث ؛ لأنه مشعر بعدم ضبطه .
الوجه الثاني : إن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا ، ولا معللاً،
وهذا شاذ ومعلل ، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات ، عن أنس ،
وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجا به وهو مخالف لما رواه ،
عن النبي - عليه السلام - وعن خلفائه الراشدين ؟ ولم يعرف أحد من
أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك ، ومما يرد حديث
معاوية هذا أن أنساً كان مقيماً بالبصرة ، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر
أحد علمناه أن أنساً كان معه ، بل الظاهر أنه لم يكن معه .
الوجه الثالث : إن مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها ،
ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً . قال عروة بن الزبير - أحد الفقهاء
السبعة - : (( أدركت الأئمة ، وما يستفتحون القراءة إلا بـ ﴿ الحمد لله رب
العالمین ﴾ » .
وقال عبد الرحمن بن القاسم : ما سمعت القاسم يقرأ بها . وقال
عبد الرحمن الأعرج : أدركت الأئمة ، وما يستفتحون القراءة إلا
بـ﴿الحمد لله رب العالمين)، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد
صحيح أنه كان يجهر بها إلا شيء يسير وله محمل ، وهذا عملهم يتوارثه
آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل .
- ٤٢٤ -

الرابع : إن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة ، كما نقلوه لكان هذا
معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ، ولم ينقل ذلك عنهم ،
بل الشاميون كلهم : خلفاؤهم ، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها ،
وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل ، لا أصل له ،
والأوزاعي إمام الشام ، ومذهبه في ذلك مذهب مالك : لا يقرأها سرا
ولا جهراً ، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية ، ومعلوم أن معاوية قد
صلى مع النبي - عليه السلام - فلو سمع النبي - عليه السلام - يجهر
بالبسملة لما تركها حين يُنكر عليه رعيتُه أنه لا يحسن يصلي ، وهذه الوجوه
من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل ، ومغير عن وجهه ، وقد يتمحل
فيه ، ويقال : إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظاً فإنما هو إنكار لترك
إتمام التكبير / لا لترك الجهر بالبسملة ، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان [٢٦٦/١-١]
مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد ، حتى أنه كان مذهب
عمر بن عبد العزيز وهو : عدم التكبير حين يهوي ساجداً بعد الركوع ،
وحين يسجد بعد القعود ، وإلا فلا وجه لإنكارهم عليه ترك الجهر
بالبسملة، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ، وغيرهم من أكابر الصحابة ،
ومذهب أهل المدينة أيضاً ، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح
صحيح ، بل فيها عَدَمُهما ، أو عدَمُ أحدهما وكيف تكون صحيحة
وليست مخرجة في الصحيح ، ولا المسانيد ، ولا السنن المشهورة ، وفي
رواتها : الكذابون ، والضعفاء ، والمجاهيل الذين لا يوجدون في
التواريخ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمرو بن شمر ، وجابر الجعفي،
وحصين بن مخارق ، وعمر بن حفص المكي ، وعبد الله بن عمرو بن
حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي الملقب (( بجراب الكذاب)) ،
وعمر بن هارون البلخي ، وعيسى بن ميمون المدني ، وآخرون وكيف
يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري ، ومسلم في ((صحيحيهما))
من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات ، ومنهم :
قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في
- ٤٢٥ -

الحديث ، وتلقاه الأئمة بالقبول ، ولم يضعفه أحد بحجة إلا ركب هواه ،
وحمله فرط التعصب على أن علله ، ورده باختلاف ألفاظه ، مع أنها
ليست مختلفة ، بل يصدق بعضها بعضاً - كما بيناه - وعارضه بمثل
حديث ابن عمر الموضوع ، أو بمثل حديث عليّ الضعيف ، ومتى وصل
الأمر إلى مثل هذا ، فجعل الصحيح ضعيفاً ، والضعيف صحيحاً ،
والمعلل سالماً من التعليل ، والسالم من التعليل معللاً سقط الكلام ، وهذا
ليس بعدل ، والله أمر بالعدل ، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد ،
والغرض الكاسد ، وهذا تَمْشِيةٌ للباطل ، والله يحق الحق ويبطل الباطل،
ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة ،
والسنن المعروفة ، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم ،
ومسائل الدين ، فالبخاري مع شدة تعصبه ، وفرط تحمله على مذهب
أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثاً واحداً ، والله تعالى يدري ، ويعلم
ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر ، حتى يخرجه في
((صحيحه)) فما ظفر به ، ولو ظفر به ما تركه أصلاً ، وكذلك مسلم
- رحمه الله - لم يذكر شيئاً من ذلك ، ولم يذكرا في هذا الباب إلا
حديث أنس الدال على الإخفاء .
فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في (( صحيحيهما )) كل حديث
صحيح ، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث
الصحيحة . قلت : هذا لا يقوله إلا كل سخيف ، أو مكابر ، فإن مسألة
الجهر بالبسملة من أعلام المسائل ، ومعضلات الفقه ، ومن أكثرها دوراناً
في المناظرة ، وجولاناً في المصنفات ، والبخاري كثيراً ما يتتبع لما يرد على
أبي حنيفة من السّنّة ، فيذكر الحديث ، ثم يعرض بذكره فيقول : قال
رسول الله كذا وكذا ، ثم يقول : وقال بعض الناس كذا وكذا ، يشير به
إليه ، ويشنع به عليه ، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة وهو
يقول في أول كتابه: ((باب الصلاة من الإيمان))، ثم يسوق أحاديث
الباب ، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: (( إن الأعمال ليست من
- ٤٢٦ -

الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء ؟ ومسألة الجهر يعرفها
عوام الناس ، ورعاعهم ، ولو حلف الشخص بالله أيماناً مؤكدة أنه لو
اطلع على حديث منها موافق لشرطه ، أو قريب من شرطه لم يخل منه
كتابه ، ولا كذلك مسلم ، ولئن سلمنا فهذا أبو داود ، والترمذي ، وابن
ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة ، والأسانيد الضعيفة لم
يخرجوا / منها شيئاً ، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها ، وقد [٢٦٦/١ -ب]
تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة ، وهو أقوى ما فيها عندهم ، وقد
بينا ضعفه من وجوه ، وأخرج الحاكم منها حديث عليّ ، ومعاوية ، وقد
عرف تساهله ، وباقيها عند الدارقطني في ((سننه)) التي هي مجمع
الأحاديث المعلولة ، ومنبع الأحاديث الغريبة ، وقد بيناها حديثاً حديثاً .
* الآثار في ذلك :
منها : ما رواه البيهقي في ((الخلافيات))، والطحاوي في كتابه من
حديث عمر بن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ،
عن أبيه، قال: (( صليت خلف عمر - رضي الله عنه - فجهر بـ ﴿ بسم
الله الرحمن الرحيم﴾ ، وكان أبي يجهر بها )).
والجواب عنه : إن هذا الأثر مخالف للصحيح الثابت ، عن عمر أنه
كان لا يجهر ، كما رواه أنس ، فإن ثبت هذا عن عمر فيحمل على أنه
فعله مرة ، أو بعض أحيان ، لأحد الأسباب المتقدمة .
ومنها : ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده ، عن عثمان بن
عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: ((إن أبا بكر ،
وعمر ، وعثمان ، وعليا، كانوا يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم﴾)).
والجواب : إن هذا باطل ، وعثمان بن عبد الرحمن ، هو : الوقاصي
أجمعوا على ترك الاحتجاج به . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ؟
فقال : كذاب ، ذاهب الحديث . وقال ابن حبان : يروي عن الثقات
الأشياء الموضوعات ، لا يحل الاحتجاج به . وقال النسائى : متروك
الحديث .
- ٤٢٧ -

ومنها: ما أخرجه الخطیب أيضاً، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح،
عن أبيه ، قال: (( صليت خلف عليّ بن أبي طالب ، وعدة من أصحاب
رسول الله، كلهم يجهرون بـ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم﴾» .
والجواب : إن هذا لا يثبت ، وعطاء بن أبي رباح لم يلحق عليا ، ولا
صلى خلفه قط ، والحمل فيه على ابنه يعقوب ، فقد ضعفه غير واحد من
الأئمة . قال أحمد : منكر الحديث . وقال أبو زرعة ، وابن معين :
ضعيف . وأما شيخ الخطيب فيه فهو أبو الحسين محمد بن [ الحسن بن ]
أحمد الأصبهاني الأهوازي ، ويعرف بابن أبي عليّ ، فقد تكلموا فيه ،
وذكروا أنه كان يُركبُ الأسانيد ، ونقل الخطيب عن أحمد بن عليّ
الجصاص ، قال : كنا نسمي ابن أبي علي الأصفهاني: ((جراب الكذب)).
ومنها : ما أخرجه الخطيب أيضاً من طريق الدارقطني عن الحسن بن
[محمد بن ] عبد الواحد، ثنا الحسن بن الحسين ، ثنا إبراهيم بن
أبي يحيى ، عن صالح بن نبهان، قال: (( صليت خلف أبي سعيد
الخدري ، وابن عباس ، وأبي قتادة ، وأبي هريرة ، فكانوا يجهرون
بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)).
والجواب : إن هذا لا يثبت ، والحسن بن الحسين هو : العرني إن شاء
الله ، وهو شيعي ضعيف ، أو هو : حسين بن الحسن الأشقر ، وانقلب
اسمه ، وهو أيضاً شيعي ، ضعيف مجهول ، وإبراهيم بن أبي يحيى قد
رمي بالرفض والكذب ، وصالح بن نبهان مولى التوأمة قد تكلم فيه
مالك، وغيره من الأئمة ، وفي إدراكه للصلاة خلف أبي قتادة نظر ، وهذا
الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على
النبي - عليه السلام - وأصحابه ؛ لأن الشيعة ترى الجهر ، وهم أكذب
الطوائف ، فوضعوا في الجهر بها ما صار من شعار الروافض ، وغالب
أحاديث الجهر تجد في رواتها من هو منسوب إلى التشيع .
- ٤٢٨ -

ومنها : ما أخرجه الخطيب أيضاً ، عن محمد بن أبي السرى ، ثنا
المعتمر ، عن حميد الطويل ، عن بكر بن عبد الله المزني ، قال : ((صليت
خلف عبد الله بن الزبير فكان يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وقال:
ما يمنع أمراءكم أن يجهروا بها إلا الكبر )).
[٢٦٧/١-أ]
قال ابن عبد الهادي : إسناده صحيح ، لكنه يحمل على الإعلام بأن
قراءتها سُنَّة ، فإن الخلفاء الراشدين كانوا (١) يسرونها ، فظن كثير من
الناس أن قراءتها بدعة ، فجهر بها من جهر بالصحابة ليُعْلِموا الناس أن
قراءتها سُنَّة ، لا أنه فعلها دائماً ، وقد ذكر ابن المنذر ، عن ابن الزبير
ترك الجهر ، والله تعالى أعلم / ، وأما أقوال التابعين في ذلك فليست
بحجة ، مع أنها اختلفت ، فروي عن غير واحد منهم الجهر ، وروي عن
غير واحد منهم تركه ، وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب ،
ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة ، والواجب في
مثل هذا الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال ، وقد نقل الجهر عن غير
واحد من الصحابة ، والتابعين ، والمشهور عنهم غيره ، كما نقل الخطيب
الجهر عن الخلفاء الراشدين الأربعة ، ونقله البيهقي ، وابن عبد البر ، عن
عمر ، وعليّ ، والمشهور عنهم تركه ، كما ثبت ذلك عنهم . قال
الترمذي في ترك الجهر : والعمل على هذا عند أهل العلم من
الصحابة، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وغيرهم ومَن
بعدهم من التابعين ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ،
وكذلك قال ابن عبد البر : لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر ، وهو
الصحيح عن ابن عباس ، قال : ولا أعلم أنه اختلف في الجهر بها
عن ابن عمر ، وشداد بن أوس ، وابن الزبير ، وقد ذكر الدارقطني ،
والخطيب ، عن ابن عمر عدم الجهر ، وكذلك روى الطحاوي ،
والخطيب، وغيرهما ، عن ابن عباس عدم الجهر ، وكذلك ذكر ابن
(١) في الأصل: ((كان)).
- ٤٢٩ -

المنذر، عن ابن الزبير عدم الجهر ، وذكر ابن عبد البر ، والخطيب ، عن
عمار بن ياسر الجهر ، وذكر ابن المنذر عنه عدمه ، وذكر البيهقي ، وابن
عبد البر ، والخطيب ، عن عكرمة الجهر ، وذكر الأثرم عنه عدمه ، وذكر
الخطيب وغيره عن ابن المبارك وإسحاق : الجهر ، وذكر الترمذي عنهما
تركه كما ذكرناه ، وذكر الأثرم ، عن إبراهيم النخعي ، أنه قال: (( ما
أدركت أحداً يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ والجهر بها بدعة))،
وذكر الطحاوي، عن عروة قال: (( أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة
إلا بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. قال وكيع: كان الأعمش ، وابن
أبي خالد، وابن أبي ليلى، وسفيان، والحسن بن صالح، وعليّ بن صالح،
ومن أدركنا من مشايخنا: (( لا يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم﴾)).
وروى سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا خالد ، عن حصين،
عن أبي وائل ، قال: ((كانوا يسرون البسملة ، والتعوذ في الصلاة)).
حدَّثنا حماد بن زيد ، عن كثير بن شنظير ، أن الحسن سئل عن الجهر
بالبسملة ؟ فقال: ((إنما يفعل ذلك الأعراب)).
حدَّثنا عتاب بن بشير ، أنا حصين ، عن سعيد بن جبير، قال: ((إذا
صلیت فلا تجهر بـ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ، واجھر ب ﴿ الحمد لله
رب العالمين ﴾)) .
فإن قيل : أحاديث الجهر تُقدمُ على أحاديث الإخفاء بأشياء ، منها :
كثرة الرواة ، فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة : أنس بن
مالك ، وعبد الله بن مغفل ، وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابيا .
ومنها : أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي ، وأحاديث الجهر شهادة
على إثبات ، والإثبات مقدم على النفي .
ومنها : أن أنساً قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة ، فروى أحمد ،
والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد (١) أبي مسلمة ، قال : سألت أنساً:
(١) في الأصل: ((سعيد بن زيد)) خطأ، وانظر: تهذيب الكمال (٢٣٨١/١١).
- ٤٣٠ -

« أکان رسول الله يقرأ : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أو ﴿ الحمد لله رب
العالمين ﴾؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه ، أو ما سألني أحد
قبلك)). قال الدارقطني: إسناده صحيح (١) .
قلنا : الجواب عن الأول : إن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد
صحة الدليلين ، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح ، بخلاف
حديث الإخفاء ، فإنه صحيح صريح ، ثابت ، مخرج في الصحيح ،
والمسانيد المعروفة ، والسنن المشهورة ، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون
الترجيح بكثرة الرواة ، وأحاديث الجهر - وإن كثرت رواتها - لكنها كلها
ضعيفة ، وكم من حديث كثرت رواته ، وتعددت طرقه وهو ضعيف ؟
كحديث ((الطير))، وحديث ((الحاجم، والمحجوم))، وحديث: ((من
كنت مولاه فعلي مولاه ))، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً ،
وأحاديث الجهر لم يروها إلا الحاكم ، والدارقطني ، فالحاكم عرف
تساهله، وتصحيحه الأحاديث الضعيفة ، بل الموضوعة ، والدارقطني قد
ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة ، والغريبة ، والشاذة، / والمعللة ، وكم [٢٦٧/١ -ب]
فيه من حديث لا يوجد في غيره ، وقد حكي : أن الدارقطني لما دخل
مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة ، فصنف فيه جزءاً
فأتاه بعض المالكية ، فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك ، فقال :
((كل ما روي عن النبي - عليه السلام - في الجهر فليس بصحيح ، وأما
عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف )) .
وعن الثاني : إن هذه الشهادة - وإن ظهرت في صورة النفي - فمعناها
الإثبات ، على أن هذا مختلف فيه ، فالأكثرون على تقديم الإثبات ،
وعند البعض هما سواء ، وعند البعض النافي مقدم على المثبت ، وإليه
ذهب الآمدي ، وغيره .
وعن الثالث : إن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه
(١) أحمد (١٦٦/٣، ١٩٠)، والدارقطني (٣١٦/١)، وأخرجه كذلك أحمد
(٢٧٣/٣) من طريق قتادة ، عن أنس به .
- ٤٣١ -

في الصحيح ، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال لكبره ، وقد
وقع مثل ذلك كثيراً ، كما سئل يوماً عن مسألة ، فقال : عليكم بالحسن
فاسألوه ، فإنه حفظ ونسينا ، وكم ممن حدث ونسي ، ويحتمل أنه إنما
سأله عن ذكرها في الصلاة أصلاً ، لا عن الجهر بها وإخفائها .
فإن قيل : يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده ، وأنه
كان صبيا يومئذ . قلت : هذا مردود ؛ لأنه - عليه السلام - هاجر إلى
المدينة ، ولأنس يومئذ عشر سنين ، ومات وله عشرون سنة ، فكيف
يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوماً من الدهر يجهر ؟ هذا
بعيد ، بل مستحيل ، ثم قد روي هذا في زمن رسول الله ، فكيف وهو
رجل في زمن أبي بكر ، وعمر ، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في
زمانهم، وروايته للحديث ؟ وقد روى أنس، قال: ((كان رسول الله
يحب أن يليه المهاجرون ، والأنصار ، ليأخذوا عنه )) .
ورواه النسائي، وابن ماجه (١). وقال النووي في ((الخلاصة)):
إسناده على شرط البخاري ، ومسلم)) (٢). وقد ذهب البعض إلى أن
أحاديث الجهر منسوخة لما نبينه عن قريب ، إن شاء الله تعالى .
٧٦١ - ص - نا مسدد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن
بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة، قالت: (( كان رسولُ الله
يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ ، والقراءةَ بـ ﴿الحمدُ لله ربِّ العَالمينَ﴾، وكان إذاَ
ركعَ لم يُشخصْ رأسَهَ، ولم يُصوَّهُ ، ولكن بينَّ ذلك ، وكان إذا رفعَ رأسَه
من الركوعِ لم يسجدْ حتى يستويَ قائماً ، وكان إذا رفعَ رأسَه من السجودِ لم
يسجدْ حتى يستويَ قاعداً ، وكان (٣) إذا جَلَسَ يَفرِشُ رِجلَه اليُسرَى ،
(١) النسائي في الكبرى ، كتاب المناقب ، باب : مناقب المهاجرين والأنصار
(٨٣١١/٥)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب : من يستحب أن يلي
الإمام (٩٧٧) .
(٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٣) في سنن أبي داود أتى قوله: ((وكان إذا جلس ... اليمنى)) بعد قوله :
((وكان يقول في كل ركعتين: التحيات)).
- ٤٣٢ -

ويَنصبُ رجله اليُمْنى، وكان يقولُ في كُلِّ ركعتين: (( التحياتُ ))، وكان
يَنْهَى عنَ عَقْبِ الشيطانِ ، وعن فرشةِ السّبْعِ ، وكان يختمُ الصلاةَ
بالتسليمٍ))(١) .
ش - أبو الجوزاء بالجيم والزاي : أوس بن عبد الله البصري ، وقد
ذكرناه .
قوله: (( كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾
فيه حجة لأبي حنيفة ، ومالك أن البسملة ليست من الفاتحة ، وفيه حجة
لأبي حنيفة أن البسملة لا يجهر بها ؛ لأنه صرح أنه - عليه السلام - كان
يفتتح الصلاة بالتكبير ، ثم بفاتحة الكتاب ، وقد ثبت أنه - عليه السلام -
كان له سكتتان : سكتة بعد التكبير ، وكان فيها البسملة ، ودعاء الاستفتاح
على ما ذكرناه مفصلاً ، وفيه إثبات التكبير في أول الصلاة . وقال الشيخ
محيي الدين (٢): ((وفيه إثبات التكبير ، وأنه يتعين لفظ التكبير ؛ لأنه
ثبت أنه - عليه السلام - كان يفعله ، وأنه - عليه السلام - قال: (( صلوا
كما رأيتموني أصلي)» (٣) ، وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول
مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وجمهور العلماء من السلف والخلف )).
قلت : اشتراط التعيين أمر زائد ؛ لأن المراد من التكبير التعظيم ، وبكل
لفظ حصل التعظيم يجوز الافتتاح به ، وقد مر الخلاف في قوله - عليه
السلام -: ((تحريمها التكبير))، ثم إن تكبيرة الافتتاح من أركان الصلاة،
أو من شروطها ؟ فيه خلاف ، فقال أصحابنا : هي من الشروط . وقال
مالك ، والشافعي ، وأحمد : من الأركان ، وثمرة الاختلاف تظهر في
-
(١) مسلم : كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة (٤٩٨/٢٤٠)، ابن
ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : افتتاح القراءة (٨١٢) ، وباب : الركوع
في الصلاة (٨٦٢) .
(٢) شرح صحيح مسلم (٢١٤/٤) .
(٣) البخاري: كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ...
(٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث .
٢٨ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٤٣٣ -

جواز بناء النفل على تحريمة الفرض ، فعندنا يجوز خلافاً لهم ، وكذا على
[٢٦٨/١-١] الخلاف لو بنى التطوع بلا تحريمة جديدة يصير / شارعاً في الثاني، وكذا
على الخلاف إذا كبر مقارباً لزوال الشمس . وقال ابن المنذر : قال
الزهري: تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير . قال أبو بكر : ولم يقل به
غيره . وقال ابن بطال : ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة
الإحرام، وذهبت طائفة إلى أنها سُنَّة ، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب،
والحسن ، والحكم ، والزهري ، والأوزاعي ، وقالوا : إن تكبير الركوع
يجزئه من تكبير الإحرام ، ورُوي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه
سُنَّة ، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد
منهما، وأن من نسيها يستأنف الصلاة، وفي (( المغني )) لابن قدامة :
التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به ، سواء تركه سهواً ، أو عمداً ، قال:
وهذا قول ربيعة ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبي ثور
وحكى أبو الحسن الكرخي الحنفي ، عن ابن علية والأصم كقول الزهري
5
في انعقاد الصلاة بمجرد النية بغير تكبير . وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن
بزيزة : قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله ، وعكس آخرون فقالوا :
كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقاً ، منهم : ابن شهاب وابن
المسيب ، وغيرهما ، ثم تكبيرة الافتتاح مرة واحدة عند جمهور العلماء ،
وعند الرافضة ثلاث مرات ، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث ، من
حديث أبي أمامة: (( كان - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث
مرات )) رواه أبو نعيم الدكيني ، عن شريك ، عن يعلى بن عطاء ، عن
رجل، عنه، وفي (( العلل)) لابن أبي حاتم : قال أبي : هذا حديث
كذب ، لا أصل له .
قوله: ((بالحمدُ لله )) برفع الدال على الحكاية ، والحكاية أن تجيء بالقول
بعد نقله على استبقاء صورته الأولى، كقولك: (( دعني من تمرتان )» في
جواب من قال: ((تكفيك تمرتان))، وبدأت ((بالحمدُ لله)) وبدأت
بـ((سورةٌ أنزلناها))، ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول : رأيت
زيداً : من زيداً ؟
- ٤٣٤ -

قوله: ((وكان إذا ركع لم يشخص رأسه)) من أشخص رأسه إذا رفعها ،
وأشخص الرامي إذا جاوز سهمه الغرض من أعلاه .
قوله: (( ولم يصوبه)) أي: لم يخفضه، مِن ((صوَّب)) بالتشديد ،
وفيه من السُّنَّة للراكع أن يسوي ظهره ، بحيث يستوي رأسه مع مؤخره .
قوله: ((ولكن بين ذلك)) أي : بين الإشخاص والتصويب ، والمعنى :
استواء رأسه مع ظهره - كما ذكرنا - .
قوله: (( حتى يستوي قائماً)) أي: حال كونه قائماً، وفيه سُنَّة الاعتدال
في الانتصاب ، وكذلك سُنَّة الاعتدال في ما إذا رفع رأسه من السجدة
يعتدل قاعداً ، ثم يسجد ، ومن هذا أخذ الشافعي وجوب الطمأنينة في
الركوع والسجود ، وهو قول مالك ، وأحمد ، وأبي يوسف ، وهو
خلاف مشهور ، وفيه وجوب الجلوس بين السجدتين .
قوله : ( وكان إذا جلس یفرش رجله اليسرى ، وينصب رجله اليمنى ))
فيه حجة لأبي حنيفة ، سواء كان في القعدة الأولى ، أو الثانية ، وهو
حجة على مالك في رؤيته التورك سُنَّة فيهما ، وعلى الشافعي في رؤيته
التورك في القعدة الثانية .
قوله: (( وكان يقول في كل ركعتين التحيات)) فيه : أن قراءة التشهد في
كل ركعتين سُنَّة . وقال أحمد : هما واجبان . وقال الشافعي : الأول
سُنَّة ، والثاني : واجب ، وقول مالك كقول أبي حنيفة . وقال الشيخ
محيي الدين : فيه حجة لأحمد بن حنبل ، ومَن وافقه من فقهاء أصحاب
الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان .
قلت : الوجوب لا يستفاد من هذا الحديث ، فافهم .
قوله: (( وكان ينهى عن عقب الشيطان )) بفتح العين ، وكسر القاف ،
وفي رواية: ((عن عقبة الشيطان ))، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين
السجدتين ، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء ، وقيل : هو أن يترك
عقبيه غير مغسولين في الوضوء .
- ٤٣٥ -

قوله: (( وعن فرشة السبع)) وهو أن يبسط ذراعيه في السجود ، ولا
يرفعهما عن الأرض ، كما يبسط السبع ، والكلب ، والذئب ذراعيه .
قوله: (( وكان يختم الصلاة بالتسليم)) فيه دليل على أن السلام سُنَّة.
وقال الخطابي (١): ((وفي قولها: ((كان يفتتح الصلاة بالتكبير ،
[٢٦٨/١ -ب] ويختمها بالتسليم)) دليل على / أنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا تجزئ
إلا بهما )) .
قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأن ما فيه شيء يدل على الفرضية ، وفرضية
التكبير في أول الصلاة ليس بهذا الحديث ، بل بقوله : ﴿وَرَبَّكَ
فَكَبِّرْ﴾(٢) ولئن سلمنا ذلك ، فلا يلزم من كون التكبير فرضاً أن يكون
التسليم فرضاً مثله ، بدليل حديث الأعرابي ، حيث لم يعلمه - عليه
السلام - حين علمه الواجبات ، غاية ما في الباب يكون إصابة لفظ
السلام واجباً، وقد مر ما يشابهه في قوله - عليه السلام -: (( تحريمها
التكبير ، وتحليلها التسليم ))، والحديث أخرجه : مسلم ، وابن ماجه
بنحوه .
٧٦٢ - ص - نا هناد بن السّري ، نا ابن فضيل ، عن المختار بن فُلْفُل ،
قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رسولُ اللهِوَلِهِ: ((أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنفاً
سُورةٌ فقراً: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَّ الكَوْثَرَ﴾ حتى خَتَمَهَاَ،
قال : هل تدرُونَ ما الكوثرُ ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أَعلمُ ، قال : فإنه نَھرٌ
وَعَدَنِيْهِ ربي في الجنةِ)) (٣).
ش - ابن فضيل هو : محمد بن فضيل الكوفي .
قوله: (( آنفاً)) أي : قريباً ، وهو بالمد ، ويجوز القصر ، وهو لغة قليلة
وأصله من الائتناف ، وهو الاستئناف ، ومعناه : الابتداء . وقال ابن
(١) معالم السنن (١/ ١٧٢).
(٢) سورة المدثر : (٣) .
(٣) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : حجة من قال : البسملة آية من أول كل سورة
سوى براءة (٥٣/٤٠٠)، وكتاب الفضائل (٢٣٠٤/ ٤٠)، النسائي: كتاب
الافتتاح ، باب : قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (١٣٣/٢).
- ٤٣٦ -

الأثير (١): ((وفعلت الشيء آنفاً، أي: في أول وقت يقرب مني)).
وقال في ((الصحاح)): وقلت كذا آنفاً، وسالفاً .
قلت : انتصابه على الظرفية ؛ لأنه بمعنى : الآن ، وهو من الظروف
الزمانية .
قوله: ((الكوثر )) وزنه فوعل من الكثرة ، كنوفل من النفل ، وجوهر
من الجهر بمعنى : الخير الكثير ، وقد فسره - عليه السلام - بقوله: (( فإنه
نهر وعدنيه ربي في الجنة)) . وقد اختلف المفسرون في تفسيره ، فقال
أبو بكر بن عياش : كثرة الأمة . وقال الحسن : القرآن . وقال عكرمة :
النبوة. وقال المغيرة مرفوعاً : الإسلام . وقال ابن عمر ، وأنس مرفوعاً :
نهر في الجنة ، ترده طير خضر ، قيل : ما أنعم هذا الطائر ! قال - عليه
السلام - : (( ألا أخبركم بأنعم منه ؟ من أكل الطائر ، وشرب الماء ،
وفاز برضوان الله )) .
وعن عائشة : من أراد أن يسمع خريره فليدخل إصبعيه في أذنيه . وقال
عطاء : هو حوضه لكثرة وارديه . وقال الفضل : الشفاعة في أكثر الأمة.
وقيل : الصلاة وأكثر المصلين ، وقيل : الذكر وكثرة الذاكرين ، وقيل :
معجزاته - عليه السلام - وقيل : الفقه ، وكثرة الفقهاء ، وقيل : نور في
قلبك قطعك عما سوى ربك ، وقيل : قول : لا إله إلا الله ، محمد
رسول الله ، فَصَلِّ الفجر بالمزدلفة ، وانحر الهدي . وقال عطاء : صَلِّ
العيد وانحر الأضحية . وعن ابن عباس : ضع يمينك على شمالك عند
نحرك في الصلاة . وقال سليمان التيمي : ارفع يديك بالدعاء لا تحرك .
وقال ذو النون : اذبح هواك في قلبك ، إن شانئك مبغضك . قال ابن
عباس : عدوك الأبتر الحقير الذليل ، ويقال : المنقطع عن بلوغ أمله فيك.
واستدل به بعض من يقول بالجهر بالبسملة ، واستدلاله غير صحيح ؛ لأنه
(١) النهاية (٧٦/١).
- ٤٣٧ -

ليس فيه ذكر الصلاة ، واستدل به أيضاً من يقول : إن البسملة [ آية ] من
أول كل سورة سوى براءة .
والجواب : إن قراءته - عليه السلام - تدل على أنها آية مفردة بذاتها ،
ولا يدل على أنها من أول كل سورة ، والدليل على ذلك ما ورد في
حديث بدء الوحي : فجاءه الملك ، فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ
ثلاث مرات ، ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) ، فلو
كانت البسملة من أول كل سورة لقال : اقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾
اقرأ باسم ربك ﴾ ، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أصحاب السنن
الأربعة ، عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي (٢) ، عن أبي هريرة،
عن النبي - عليه السلام - قال: ((إن سورة من القرآن شفعت لرجل
حتى غفر له ، وهي ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بَيَدِه الْمُلْكُ﴾ . وقال الترمذي:
حديث حسن، ورواه أحمد في (( مسنده )) (٣) ، وابن حبان في ((صحيحه))
والحاكم في ((مستدركه)) (٤) وصحَّحه، وعباس الجشمي (٢)، يقال: إنه
عباس (٥) بن عبد الله، ذكره ابن حبان في (( الثقات)) ، ولم يتكلم فيه
أحد - فيما علمنا - ولو كانت البسملة في أول كل سورة لافتتحها - عليه
[٢٦٩/١-١] السلام - بها ، وقد قلنا : إن مذهب المحققين / أنها من القرآن حيث
كتبت ، وأنها مع ذلك ليست من السور ، بل كتبت آية في كل سورة ،
وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة كما تلاها النبي - عليه
السلام - حين أنزلت عليه: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾، وهذا قول ابن
(١) البخاري: كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَله
(٣)، مسلم: كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَليه
(٢٥٢/١٦٠) .
(٢) في الأصل: (( عياش الجهني )) خطأ .
(٤) (٢ / ٤٩٧ - ٤٩٨) .
(٣) (٢٩٩/٢، ٣٢١).
(٥) في الأصل: (( عياش )) خطأ.
- ٤٣٨ -

ابن المبارك ، وداود ، وهو المنصوص عن أحمد ، وبه قالت جماعة من
الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة .
قلت : ولذلك قال الشيخ حافظ الدين النسفي : وهي آية من القرآن ،
أنزلت للفصل بين السور ، وهذا القول فيه الجمع بين الأدلة ، وعن ابن
عباس : (( كان النبي - عليه السلام - لا يعرف فصل السورة حتى نزل
عليه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وفي رواية: ((لا يعرف انقضاء
السورة)) رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين (١)،
وحديث أنس : أخرجه مسلم ، والنسائي .
٧٦٣ - ص - نا قَطَنُ بنُ نُسَير، نا جعفر ، ثنا حميد الأعرج المكي ، عن
ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، وذكر الإفك ، قالت: ((جَلسَ رسولُ الله
* وكشفَ عن وجهه ، وقال : أعوذُ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم :
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بالإِفْكِ﴾ الآية (٢))) (٣) .
ش - قَطَن - بالقاف والنون - : ابن نُسَير - بالنون في أوله - الغُبَري-
بالغين المعجمة ، والباء الموحدة - أبو عباد البصري ، يعرف بالذارع .
روى عن بشر بن منصور ، وعدي بن أبي عمارة ، وجعفر . روى عنه :
مسلم ، وأبو داود ، والبغوي . وروى الترمذي عن رجل عنه (٤) .
وجعفر ابن سليمان الضبعي .
وحميد بن قيس الأعرج أبو صفوان الأسدي ، مولاهم المكي . سمع :
عطاء بن أبي رباح ، ومجاهداً ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : جعفر
ابن سليمان ، وجعفر الصادق ، ومالك ، والثوري ، وابن عيينة ،
(١) يأتي بعد ثلاثة أحاديث .
(٢) سورة النور : (١١).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٨٨٦/٢٣).
- ٤٣٩ -

وغيرهم . وقال أحمد : ثقة ، وكذا قال يحيى بن معين . روى له
الجماعة (١) .
قوله: ((وذكر الإفك)) أي: قضية الإفك ، والإفك : الكذب ،
والافتراء ، والمراد به : ما أفك به على عائشة - رضي الله عنها - حين
استصحبها - عليه السلام - في بعض الغزوات وهي قصة مشهورة ، فأنزل
الله تعالى ثماني عشرة آية في براءتها ، وتعظيم شأنها ، وتهويل الوعيد
لمن تكلم فيها ، والثناء على من ظن بها خيراً ، وقد اختلف العلماء كيف
التعوذ قبل القراءة، فعند الجمهور: (( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ))
دون غيره ، وذلك لموافقته الكتاب والسُّنَّة . أما الكتاب : فقوله - عَزَّ
وجلَّ - : ﴿فَإِذَا قَرَأتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) .
وأما السُّنَّة : فما رواه نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن النبي
-عليه السلام - أنه استعاذ قبل القراءة بهذا اللفظ بعينه (٣) ، وهو قول
عاصم وأبي عمرو ويعقوب، وعند أهل المدينة والشام يقول: ((أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم ، إن الله هو السميع العليم )) ، وهو قول عليّ ،
وعند أهل مكة: (( أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم))، وعند
حمزة: ((أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، إن الله هو السميع العليم))،
وعند سهل: (( أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم )) ، وعن
الصِّدِّيق: ((استعذت بالله من الشيطان الرجيم))، وعند ابن الحنفية :
(١) المصدر السابق (١٥٣٥/٧).
(٢) سورة النحل : (٩٨).
(٣) قال الشيخ الألباني في ((الإرواء)) (٢/ ٥٣): صحيح لكن بزيادتين ، وأما
بدونهما فلا أعلم له أصلاً ... وقد ورد بلفظ: ((أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الرجيم ، من همزه ، ونفخه ، ونفثه)) ، وقد روي من حديث
جبير ابن مطعم ، وأبي سعيد الخدري ، وابن مسعود ، وعمر بن الخطاب ،
وأبي أمامة : فأما حديث جبير فرواه أبو داود (٩٤٧)، وابن ماجه (٧٦٤) ،
وغيرهما)). ا هـ بتصرف . وانظر: الإرواء لباقي التخريجات .
- ٤٤٠ -