النص المفهرس
صفحات 401-420
الشافعي أنها ليست من الفاتحة عند أبي حنيفة وأصحابه ، ولا من رأس كل سورة . وقال الشافعي : إنها من الفاتحة قولاً واحداً ، وله في كونها من رأس كل سورة قولان ، وعن أحمد روايتان ، إحديهما : إنها من الفاتحة دون غيرها ، تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة، والثانية وهي الأصح: إنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك ، وإن قراءتها في أول الفاتحة كقراءتها في أول السور . والرابع : أنه يجهر بها عند الشافعي حيث يجهر بالفاتحة . وقال أبو حنيفة : لا يجهر بها ، وهو قول جمهور أهل الحديث ، وفقهاء الأمصار ، وجماعة من أصحاب الشافعي ، وقيل : يخير بينهما ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وابن حزم ، ثم الحديث الذي رواه أبو داود وغيره يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة ، وهو حجة على من يجعلها من الفاتحة ، وهذا الحديث أيضاً من أقوى الحجج لمنع الجهر بالبسملة ، والحديث أخرجه جماعة من أصحاب الصحاح ، والحسان . ومنها: ما رواه النسائي في ((سننه))، وأحمد في ((مسنده)) ، وابن حبان في ((صحيحه))، والدارقطني في ((سننه))، وقالوا فيه: ((فكانوا لا يجهرون بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم﴾)» كما ذكرناه . وفي لفظ للطبراني في ((معجمه))، وأبي نعيم في ((الحلية ))، وابن خزيمة في (مختصر المختصر))، والطحاوي في ((شرح الآثار)): (( فكانوا يسرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)). ولحديث أنس طرق أخرى دون ذلك في الصحة ، ومنها ما لا يحتج به، وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضاً ، وهي سبعة ألفاظ، فالأول: ((كانوا لا يستفتحون القراءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ) . والثاني: (( فلم أسمع أحداً يقول ، أو يقرأ : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم﴾» . ٢٦ • شرح سنن أبي داوود ٣ - ٤٠١ - والثالث : « فلم يكونوا يقرءون ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ » والرابع : ((فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم﴾)). والخامس: ((فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)). والسادس: (( فكانوا يسرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)). والسابع: ((فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين))). وهذا اللفظ هو الذي صححه الخطيب ، وضعف ما سواه ، لرواية الحفاظ له عن قتادة ، ولمتابعة غير قتادة له عن أنس فيه ، وجعل اللفظ المحكم عن أنس ، وجعل غيره متشابهاً ، وحمله على الافتتاح بالسورة ، لا بالآية ، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه ، فكيف يجعل مناقضاً لها ؟! فإن حقيقة هذا اللفظ الافتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهراً ، أو سرا ، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ؟ ويؤكده قوله في رواية مسلم: (( لا يذكرون ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها )» ، لكنه محمول على نفي الجهر ؛ لأن أنساً إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتفائه ، فإنه إذا لم يسمع مع القرب علم أنهم لم يجهروا ، وأما كون الإمام لم يقرأها فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن فيها القراءة سرا ، ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها من لم يرَ هاهنا سكوتاً كمالك وغيره ، لكن ثبت في ((الصحيحين))، عن أبي هريرة، أنه قال: (( يا رسول الله ، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال: أقول ... )) كذا وكذا إلى [٢٦١/١-) آخره، على ما ذكرنا ، وإذا كان له سكوت لم يمكن / لأنس أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت ، فيكون نفيه للذكر ، والاستفتاح ، والسماع ، مراداً به الجهر بذلك ، يدل عليه قوله: (( فكانوا لا يجهرون)) ، وقوله : (( فلم أسمع أحداً منهم يجهر )) ، ولا تعرض فيه للقراءة سرا ولا على نفيها، إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها ، أو ينفيها ، ولذلك قال لمن سأله: (( إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه))، فإن العلم بالقراءة السرية إنما - ٤٠٢ - يحصل بإخبار ، أو سماع عن قرب ، وليس في الحديث شيء منهما ، ورواية من روى: ((فكانوا يسرون)) كأنها مروية بالمعنى من لفظ: ((لا يجهرون))، وأيضاً فحمل الافتتاح بـ ﴿الحمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ﴾ على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة ، وتمجه الأفهام الصحيحة ؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص ، كما يعلمون أن الفجر ركعتان ، وأن الظهر أربع ، وأن الركوع قبل السجود ، والتشهد بعد الجلوس إلى غير ذلك ، فليس في نقل مثل هذا فائدة ، فكيف يجوز أن نظن أن أنساً قصد تعريفهم بهذا ، وأنهم سألوه عنه ؟ وإنما مثل هذا مثل من يقول : فكانوا يركعون قبل السجود ، أو فكانوا يجهرون في العشاءين والفجر ، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر ، وأيضاً فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل : كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن ، أو بفاتحة الكتاب ، أو سورة الحمد ، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم ، وأما تسميتها بـ ﴿الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ﴾ فلم ينقل عن النبي - عليه السلام - ولا عن الصحابة والتابعين ، ولا عن أحد يحتج بقوله ، وأما تسميتها بالحمد فقط فعُرْفٌ متأخر ، يقولون : فلان قرأ الحمد ، وأين هذا من قوله: (( فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿ الحمدُ لله ربِّ العالمينَ ﴾؟ فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح . فإن قيل : فقد روى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن ، وهذا يدل على إرادة السورة . قلنا : هذا مروي بالمعنى ، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم عن الوليد بن مسلم ، عنه ، عن قتادة ، عن أنس ، قال (١) : ((صليتُ خلف أبي بكر، وعمرَ ، وعثمانَ ، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الحمدُ لله ربِّ العَالمينَ﴾، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها )) . (١) مكررة في الأصل. - ٤٠٣ - ء ثم أخرجه مسلم ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك ، هكذا رواه مسلم في (( صحيحه )) عاطفاً له على حديث قتادة ، وهذا اللفظ المخرج في ((الصحيح)) هو الثابت عن الأوزاعي ، واللفظ الآخر إن كان محفوظاً فهو مَروي بالمعنى، فيجب حمله على (١) الافتتاح بأم القرآن . ورواه الطبراني في ((معجمه)) بهذا الإسناد: ((أن النبي - عليه السلام- وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، كانوا لا يجهرون بـ ﴿بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمٍ﴾)) . ومن الأحاديث التي فيها منع الجهر حديث قيس بن عباية الذي ذكرناه عن قريب . قال الترمذي فيه : حديث حسن ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وغيرهم ، ومَن بعدهم من التابعين ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق : لا يرون الجهر بـ ﴿بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ﴾ في الصلاة ، ويقولها في نفسه . وقال النووي في ((الخلاصة)) : وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث ، وأنكروا على الترمذي تحسينه ، كابن خزيمة ، وابن عبد البر ، والخطيب ، وقالوا : إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل ، وهو مجهول . قلت : رواه أحمد في (( مسنده )) من حديث أبي نعامة ، والطبراني في ((معجمه)) من طريقين: طريق من عبد الله بن بريدة ، وطريق من أبي سفيان ، فالطرق الثلاثة عن ابن عبد الله بن مغفل ، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة كما ذكرناه ، وقد رواه من طريق ابن عبد الله . وقال الخطيب : عبد الله بن بريدة أشهر من أن يثنى عليه ، وأبو سفيان السعدي (١) مكررة في الأصل . - ٤٠٤ - وإن تُكلم فيه ، ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات ، وهو الذي يسمى ابن عبد الله بن مغفل . قلت : فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة الأجلاء عنه ، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة، وهو وإن لم يكن / من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة [٢٦١/١- ب] الحسن ، وقد حسّنه الترمذي ، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده ، وكثرت متابعاته ، والذين تكلموا فيه ، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل ، واحتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه ، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع ، ولم يُحْسِن البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذ قال بعد أن رواه في كتاب ((المعرفة )) من حديث أبي نعامة : تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية ، وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل ، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح . قلت : قوله: (( تفرد به أبو نعامة)) ليس بصحيح ، فقد تابعه عبد الله ابن بريدة ، وأبو سفيان السعدي . وقوله : (( وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح )) ليس بلازم في صحة الإسناد ، ولئن سلمنا فقد قلنا : إنه حسن، والحسن يحتج به ، وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثاً عن نبيهم - عليه السلام - يتوارثونه خلفُهم عن سلِفهم، وهذا وجه كان في المسألة ؛ لأن الصواب الجهرية دائمة صباحاً ومساء ، فلو كان - عليه السلام - يجهر بها دائماً لما وقع فيه اختلاف ولا اشتباه ، ولكان معلوماً بالاضطرار ، ولما قال أنس: (( لم يجهر بها -عليه السلام - ولا خلفاؤه الراشدون)» ، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضاً، وسماه حَدَثاً ، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي -عليه السلام- ومقامه على ترك الجهر ، فتوارثه آخرُهم عن أولهم ، وذلك جار عندهم مجرى الصاع والمد ، بل أبلغ من ذلك ، لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة ، ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة ، وكم من إنسان لا يحتاج - ٤٠٥ - إلى صاع ولا مد ، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه ، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين ، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله - عليه السلام - يفعله . ومنها: ما أخرجه مسلم في «صحيحه » (١) ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (( كان رسول الله - وَيه - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ﴾)) انتھی . وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة ، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة ، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل . فإن قيل : هذا الحديث معلول بأمرين ؛ الأول : أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة . والثاني: أنه يروى عن عائشة: ((أنه - عليه السلام - كان يجهر)). قلنا : يكفينا أنه حديث أودعه مسلم في (( صحيحه )) ، وأبو الجوزاء اسمه: أوس بن عبد الله الرَّبعي ، ثقة كبير ، لا ينكر سماعه من عائشة ، وقد احتج به الجماعة . وبديل بن ميسرة تابعي ، مُجمع على عدالته وثقته ، وقد حدث بهذا الحديث عنه الأئمة الكبار ، وتلقاه العلماء بالقبول ولم يتكلم فيه أحد منهم، وما رُوي عن عائشة من الجهر فكذب بلا شك ، فيه الحكم بن عبد الله بن سعد ، وهو كذاب دجال ، لا يحل الاحتجاج به ، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح والاحتجاج بالباطل . ومنها : ما رواه الإمام أبو بكر الرازي في (( أحكام القرآن )) : أخبرنا أبو الحسن الكرخي ، ثنا الحضرمي ، ثنا محمد بن العلاء ، ثنا معاوية بن هشام ، عن محمد بن جابر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، (١) كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة ... (٤٩٨/ ٢٤٠). - ٤٠٦ - قال: (( ما جهر رسولُ الله في صلاة مكتوبة بـ ﴿بسم الله الرحمنِ الرحيم﴾، ولا أبو بكر، ولا عمرُ)). انتهى . قلت : هذا الحديث وإن لم يقم به حجة ، ولكنه شاهد لغيره من الأحاديث ، فإن محمد بن جابر تكلم فيه غيرُ واحد من الأئمة ، وإبراهيم لم يلق عبد الله بن مسعود ، فهو ضعيف ومنقطع ، والحضرمي هو : محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين ، وشيخه محمد بن العلاء أبو كريب الحافظ ، روى عنه الأئمة الستة بلا واسطة ، وللقائلين بالجهر أحاديث ، أجودها حديث نعيم المجمر، قال: (( صليت وراء أبي هريرة فقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ثم قرأ بأم القرآن، حتى قال: ﴿غير الَغْضُوب عليهم ولا الضَّالين﴾ قال: آمين /، وفي آخره: ((فلما سلم [٢٦٢/١-١] قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله وَ ط لير)) رواه النسائي في ((سننه))، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم في ((مستدركه))، وقال : إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والدارقطني في ((سننه))، وقال: حديث صحيح ، ورواته كلهم ثقات ، والبيهقي في (( سننه))، وقال : إسناد صحيح ، وله شواهد (١) . وقال في ((الخلافيات)) : رواته كلهم ثقات ، مجمع على عدالتهم ، محتج بهم في الصحيح ، والجواب عنه من وجوه ، الأول : أنه معلول ، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة ، وهم ثمانمائة ما بين صاحب ، وتابع ، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة ، أنه - عليه السلام - كان يجهر بالبسملة في الصلاة ، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة: (( كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها )) الحديث ؟ (١) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: قراءة ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ (١٣٤/٢)، وابن خزيمة (٢٥١/١): كتاب الصلاة، وابن حبان (١٧٩٧/٥)، والحاكم (٢٣٢/١)، والدارقطني (٣٠٥/١ - ٣٠٦)، والبيهقي (٤٦/٢). - ٤٠٧ - فإن قيل : قد رواها نعيم المجمر وهو ثقة ، والزيادة من الثقة مقبولة . قلنا : ليس ذلك مجمعاً عليه ، بل فيه خلاف مشهور ، فمنهم من يقبلها مطلقاً ، ومنهم من لا يقبلها ، والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع ، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة ، حافظاً ، ثبتاً ، والذي لم يذكرها مثله ، أو دونه في الثقة ، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: (( من المسلمين)) في صدقة الفطر ، واحتج بها أكثر العلماء ، ومن حكم في ذلك حكماً عاما فقد غلط ، بل كل (١) زيادة لها حكم يخصها ، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك ، وفي موضع يغلب على الظن صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: (( جُعلت لي الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً)). وفي موضع يجزم بخطإ الزيادة كزيادة معمر ومن وافقه قوله: ((وإن كان مائعاً فلا تقربوه))، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث: (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين)) ، وإن كان معمر ثقة ، وعبد الله بن زياد ضعيفاً ، فإن الثقة قد يغلط ، وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز: (( الصلاة عليه )) ، رواه البخاري في (( صحيحه ))، وسئل هل رواها غير معمر ؟ فقال : لا ، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: ((ولم يصل عليه )) فقد اختلف على معمر في ذلك ، والراوي عن معمر هو : عبد الرزاق ، وقد اختلف عليه أيضاً ، والصواب أنه قال: (( ولم يصل عليه)). وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة ، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه ، بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قال بالجهر ؛ لأنه قال : (فقرأ)) أو ((فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾))، وذلك أعم من قراءتها سرا أو جهراً ، وإنما هو حجة على من لا يرى قراءتها . فإن قيل : لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة ، ثم جهر بالفاتحة لم يعبر (١) في الأصل: ((كان)) خطأ، وما أثبتناه من نصب الراية (٣٣٦/١). - ٤٠٨ - عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة والبسملة تناولاً واحداً ، ولقال: ((فأسر بالبسملة ، ثم جهر بالفاتحة ))، والصلاة کانت جهرية بدلیل تأمينه، وتأمين المأمومين . قلنا : ليس الجهر فيه بصريح ولا ظاهر يوجب الحجة ، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار ، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن، فإنه قال: ((فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ثم قرأ أم القرآن))، والعطف يقتضي المغايرة. الوجه الثاني: أن قوله: ((فقرأ)) أو ((قال)) ليس بصريح أنه سمعها منه إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيماً بأنه قرأها سرا ، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه ، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في : قيامه ، وقعوده ، وركوعه ، وسجوده ، ولم يكن ذلك منه دليلاً على الجهر . الوجه الثالث : أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه ، بل يكفي في غالب الأفعال ، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة ، فإن التكبير وغيره / من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة ، وكان [٢٦٢/١ -ب] مقصوده الرد على من تركه ، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره ، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ ؛ لأن الشافعي روى : أخبرنا ابن محمد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان ، عن صالح بن أبي صالح ، أنه سمع أبا هريرة: ((وهو يؤم الناس ، رافعاً صوته في المكتوبة ، إذا فرغ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم)). فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة مستدلين بما في ((الصحيحين)) عنه ((فما أسمعنا - عليه السلام - أسمعناكم وما أخفانا أخفيناكم)) (١)، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي - عليه السلام - قال: يقول الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين (١) يأتي برقم (٧٧٤)، وعندهم: ((وما أخفى علينا أخفينا عليكم)). - ٤٠٩ - عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله: حمدني عبدي ، وإذا قال : ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يومِ الدِّينِ ﴾ قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إياكَ نعبدُ وإياكَ نَستَعِينُ﴾ قال الله : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : ﴿اهْدِنَا الصراطَ المستقيمَ * صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ ﴾ قال الله: هذا لعبدي ، ولعبدي ما سألَ)) أخرجه مسلم في ((صحيحه))، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكره (١) . وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب(٢)، عن أبي هريرة (٣) ، وعن ابن جريج ، عن العلاء بن عبد الرحمن [به](٤)، وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لا بتدأ بها ؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة ، حتى إنه لم يخل منها بحرف ، والحاجة إلى قراءة البسملة أَمَسُّ ليرتفع الإشكال . قال ابن عبد البر : حديث العلاء هذا قاطعُ تعلُّقِ المتنازعين ، وهو نص لا يحتمل التأويل ، ولا أعلم حديثاً في سقوط البسملة أبين منه ، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين ، أحدهما : لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم ، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين ، فقال : ليس حديثه بحجة ، مضطرب الحديث ليس بذاك ، هو ضعيف ، رُوي عنه هذه الألفاظ جميعها . وقال ابن عدي : ليس بالقوي ، وقد انفرد بهذا الحدیث فلا يحتج به . (١) مسلم : كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... (٣٨/٣٩٥) . (٢) في الأصل: ((عن أبيه))، وما أثبتناه من صحيح مسلم . (٣) مسلم (٣٩/٣٩٥). (٤) زيادة من نصب الراية (٣٣٩/١)، وانظره في صحيح مسلم (٤٠/٣٩٥). - ٤١٠ - الثاني : قال : وعلى تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية ، كما أخرجه الدارقطني ، عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ((قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها له ، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فيذكرني عبدي ، ثم يقول : ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فأقول : حمدني عبدي ... )) إلى آخره (١)، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ، ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية . قلت : هذا القائل حمله الجهل ، وفرط التعصب ، ورداءة الرأي والفكر ، على أنه ترك الحديث الصحيح ، وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه وقال : لا يعتبر بكونه في مسلم ، مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمةُ الثقات الأثبات : كمالك ، وسفيان بن عيينة ، وابن جريج ، وشعيب ، وعبد العزيز الدراوردي ، وإسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن إسحاق ، والوليد بن كثير ، وغيرهم ، والعلاء نفسه ثقة صدوق ، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان وهو كذاب ، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولا في المصنفات المشهورة ، ولا المسانيد المعروفة ، وإنما رواه الدارقطني في « سننه » التي يروي فيها غرائب الحديث . وقال عمر ابن عبد الواحد : سألت مالكاً عنه ، أي : عن ابن سمعان ، فقال : كان كذاباً . وقال يحيى بن بكير: قال هشام بن عروة / فيه: لقد كذب [٢٦٣/١-١] عليّ، وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها ، وعن أحمد بن حنبل : متروك الحديث ، وسئل ابن معين عنه ؟ فقال : كان كذاباً ، وقيل لابن إسحاق : إن ابن سمعان يقول : سمعت مجاهداً ، فقال: لا إله إلا الله، أنا والله أكبر منه ، ما رأيت مجاهداً ولا سمعت منه . وقال ابن حبان : كان يروي عمن لم يره ، ويحدث بما لم يسمع . وقال أبو داود : متروك الحديث ، كان من الكذابين . وقال النسائي : متروك . (١) سنن الدار قطني (٣١٢/١). - ٤١١ - وكيف يعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه » بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني عن كذاب متروك لا شيء ؟! وهلا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم موجباً لرده ؟ إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح ، كما فعلنا نحن . ومنها : ما أخرجه الخطيب ، عن أبي أويس ، واسمه : عبد الله بن أويس ، قال : أخبرني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا أم الناس جهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾) . ورواه الدارقطني في ((سننه)) (١)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢) فقالا فيه: ((قرأ)) عوض ((جهر))، وكأنه رواه بالمعنى ، والجواب : أن هذا غير محتج به ؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به ، وكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه ؟! مع أنه متكلم فيه ، فوثقه جماعة ، وضعفه. آخرون ، وممن ضعفه : أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم الرازي، وممن وثّقه : الدارقطني ، وأبو زرعة . وقال ابن عدي : يكتب حديثه . فإن قيل: أبو أويس قد أخرج ه مسلم في ((صحيحه )). قلت : صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما توبع عليه ، وظهرت شواهده ، وعلم أن له أصلاً ، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات ، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على ((الصحيحين))، فتساهلوا في استدراكهم ، وفي أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه ((المستدرك)) فإنه يقول : هذا على شرط الشيخين ، أو أحدهما ، وفيه هذه العلة ، إذ لا يلزم من كون (١) (١/ ٠٦ ٣) . (٢) (٣٠١/٥) ترجمة عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر أبي أويس. - ٤١٢ - الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في كتابه (( العلم المشهور)) : ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله ، فإنه كثير الغلط ، ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده ، وقلده في ذلك ، والمقصود أن حديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه ، بل لتفرده به ، ومخالفة الثقات له ، وعدم إخراج أصحاب المسانيد، والكتب المشهورة ، والسنن المعروفة ، ولرواية مسلم الحديث في ((صحيحه)) من طريقه ، وليس فيه ذكر البسملة . فإن قيل : قد جاء من طريق آخر ، أخرجه الدار قطني (١) ، عن خالد ابن إلياس ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله: ((علمني جبريل الصلاة ، فقام فكبر لنا ، ثم قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فيما يجهر به في كل ركعة)). قلت : هذا إسناد ساقط ، فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه . قال البخاري ، عن أحمد : إنه منكر الحديث . وقال ابن معين : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه . وقال ابن أبي حاتم ، عن أبيه : منكر الحديث وقال النسائي : متروك الحديث . وقال البخاري : ليس بشيء . وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات . وقال الحاكم : روى عن المقبري، ومحمد بن المنكدر ، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة . فإن قيل : قد جاء آخر رواه الدار قطني (٢) أيضاً ، عن جعفر بن مكرم، نا أبو بكر الحنفي ، نا عبد الحميد بن جعفر ، أخبرني نوح بن أبي بلال ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - عليه السلام -: ((إذا قرأتم الحمد ، فاقرءوا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إنها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، و ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أحد آياتها)). قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحاً / فحدثني [٢٦٣/١ -ب] عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة مثله ، ولم يرفعه . (١) (٣٠٧/١) . (٢) (٣١٢/١) . - ٤١٣ - فإن قيل: قال عبد الحق في ((أحكامه الكبرى )) : رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة ، وثَّقه ابن معين . قلت : كان سفيان الثوري يضعفه ، ويحمل عليه ، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر ، ولئن سلم ، فالصواب فيه الوقف كما قال الدارقطني : اختلف فيه على نوح بن أبي بلال ، فرواه عبد الحميد عنه ، واختلف عنه ، فرواه المعافى بن عمران ، عن عبد الحميد ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعاً ، ورواه أسامة بن زيد ، وأبو بكر الحنفي ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة موقوفاً ، وهو الصواب . فإن قيل : هذا موقوف ، في حكم المرفوع ، إذ لا يقول الصحابي : إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف ، أو دليل قوي ظهر له ، وح (١) يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر ، والإسرار . قلت : لعل أبا هريرة سمع النبي - عليه السلام - يقرأها فظنها من الفاتحة ، فقال: إنها إحدى آياتها ، ونحن لا ننكر أنها من القرآن ، ولكن النزاع في موضعين ، أحدهما : أنها آية من الفاتحة ، والثانية : أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسرا ، ونحن نقول : إنها آية مستقلة قبل السورة ، وليست منها ، جمعاً بين الأدلة ، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - عليه السلام - أنه قال : هي إحدى آياتها ، وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك ، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي - عليه السلام - لها وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع ، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة ، وأيضاً فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في ((صحيحه)) من حديث ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ( الحمد لله ) هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم))، ورواه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حسن صحيح (٢) على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه ، ولكن وثَّقه أكثر (١) أي: ((وحينئذ)). (٢) يأتي برقم (١٤٢٧). - ٤١٤ - العلماء ، واحتج به مسلم في (( صحيحه )) ، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه ، ولكن الثقة قد يغلط ، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث ، والله أعلم . ومنها: ما رواه الحاكم في ((مستدركه)) (١): عن سعيد بن عثمان الخراز ثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن ، ثنا فطر بن خليفة ، عن أبي الطفيل ، عن عليّ، وعمار: (( أن النبي - عليه السلام - كان يجهر في المكتوبات بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾))، وقال: صحيح الإسناد ، لا أعلم في راويه منسوباً إلى الجرح، والجواب: قال الذهبي في ((مختصره )): هذا خبر واهي ، كأنه موضوع ؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير ، ضعفه ابن معين ، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف ، وإلا فهو مجهول . وعن الحاكم رواه البيهقي في (( المعرفة )) بسنده ومتنه ، وقال : إسناده ضعيف ، إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفي . قلت : وفطر بن خليفة قال السعدي : غير ثقة ، روى له البخاري مقروناً بغيره والأربعة ، وتصحيح الحاكم لا يعتد به سيما في هذا الموضع ، فقد عرف تساهله في ذلك . قال ابن عبد الهادي : هذا حديث باطل ، ولعله أدخل عليه . وروى الدارقطني هذا الحديث في «سننه )) (٢) ، عن أسيد بن زيد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، عن عليّ وعمار نحوه، وعمرو بن شمر ، وجابر الجعفيان كلاهما لا يجوز الاحتجاج به ، لكنَّ عمراً أضعف من جابر . قال الحاكم : عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره . وقال الجوزجاني : عمرو بن شمر زائغ كذاب . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال النسائي ، والدارقطني ، والأزدي : متروك الحديث . وقال ابن حبان : كان رافضيا يسب الصحابة، وكان يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب . وأما جابر الجعفي فقال فيه الإمام أبو حنيفة : ما رأيت أكذب (١) (٤٣٩/١) كتاب العيدين. (٢) (٣٠٢/١) . - ٤١٥ - من جابر الجعفي ، ما أتيته بشيء من رأي إلا أتاني فيه بأثر ، وكذبه أيضاً: أيوب ، وزائدة ، وليث بن أبي سليم ، والجُوزجاني ، وغيرهم . ورواه [٢٦٤/١-١] الدارقطني (١) أيضاً / عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب ، حدَّثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن عليّ ، قال : قال: ((كان - عليه السلام - يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في السورتين جميعاً الفاتحة )). والجواب : أن عيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر . قال ابن حبان ، والحاكم : روى عن آبائه أحاديث موضوعة ، لا يحل الاحتجاج به . ومنها : ما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢) ، عن عبد الله بن عمرو ابن حسان ، ثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله يجهر بـ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم﴾ . قال الحاكم : إسناده صحيح وليس له علة . والجواب : أن هذا الحديث غير صريح ولا صحيح ، أما كونه غير صريح فإنه ليس فيه أنه في الصلاة ، وأما غير صحيح فإن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث ؛ قاله إمام الصنعة عليّ بن المديني . وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ليس بشيء ، كان يكذب . وقال ابن عدي : أحاديثه مقلوبات . ورواه الدارقطني (٣) عن أبي الصلت الهروي ، واسمه : عبد السلام بن صالح ، ثنا عباد بن العوام ، ثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: ((كان النبي - عليه السلام - يجهر في الصلاة بـ (بسم الله الرحمن (١) (٣٠٢/١) . (٢) (٢٠٨/١)، وقال الذهبي في ((مختصره)): صحيح وليس له علة ! كذا قال المصنف ! وابن حسان كذبه غير واحد ، ومثل هذا لا يخفى على المصنف . (٣) سنن الدار قطني (٣٠٣/١). - ٤١٦ - الرحيم ﴾ ، وهذا أضعف من الأول ؛ فإن أبا الصلت متروك . قال أبو حاتم : ليس عندي بصدوق . وقال الدارقطني : رافضي خبيث . ومنها : ما رواه البزار في (( مسنده )) عن المعتمر بن سليمان ، ثنا إسماعيل، عن أبي خالد ، عن ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - كان يجهر بـ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الصلاة . قال البزار : وإسماعيل لم يكن بالقوي في الحديث . قلت: هذا الحديث رواه أبو داود في (( سننه )) (١) ، والترمذي في ((جامعه)) بهذا السند (٢)، والدارقطني في «سننه)) (٣)، وكلهم قالوا فيه: (( كان يفتتح صلاته بـ (بسم الله الرحمن الرحيم﴾)) قال الترمذي : ليس إسناده بذاك . وقال أبو داود : حديث ضعيف . ورواه العقيلي في ((كتابه)) (٤)، وأعله بإسماعيل هذا ، وقال : حديثه غير محفوظ ، ويرويه عن مجهول ، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند . انتهى . ورواه ابن عدي ، وقال : حديث غير محفوظ ، وأبو خالد مجهول(٥) وله طريق آخر عند الدار قطني (٦) ، عن عمر بن حفص المكي ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - لم يزل يجهر في السورتين بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ حتى قبض)). انتهى. وهذا لا يجوز الاحتجاج به ، فإن عمر بن حفص ضعيف . قال ابن الجوزي في (( التحقيق )) : أجمعوا على ترك حديثه . ومنها : ما رواه الدارقطني (٧) : ثنا عمر بن الحسن بن عليّ الشيباني ، ثنا جعفر بن محمد بن مروان ، ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى ، ثنا ابن (١) ذكره الحافظ المزي في التحفة (٦٥٣٧/٥)، وعزاه إلى أبي داود ، وقال : حديث (( د)) في رواية أبي الطيب بن الأشناني ، ولم يذكره أبو القاسم. اهـ. (٢) كتاب الصلاة، باب: من رأى الجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (٢٤٥). (٤) (١ / ٨٠ - ٨١) . (٣) (٣٠٤/١) . (٥) الكامل (٥٠٥/١ - ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان) . (٧) (٣٠٥/١) . (٦) (٣٠٤/١) . ٢٧ • شرح سنن أبي داوود ٣ - ٤١٧ - أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ((صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر ، وعمر ، فكانوا يجهرون بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾)). والجواب : إن هذا باطل من هذا الوجه ، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الهاشمي، وقد كذَّبه الدارقطني ، فيكون كاذباً في روايته عن مثل هذا الثقة ، وعمر ابن الحسن شيخ الدارقطني ، تكلم فيه الدارقطني أيضاً ، وقال : هو ضعيف ، وقال الخطيب : سألت الحسن بن محمد الخلال عنه ، فقال : ضعيف ، وجعفر بن محمد بن مروان ليس بمشهور بالعدالة ، وقد تكلم فيه الدارقطني أيضاً ، وقال : لا يحتج به ، وله طريق آخر عند الخطيب ، عن عبادة بن زياد الأسدي ، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي ، عن المعتمر ابن سليمان ، عن ابن أبي عبيدة ، عن مسلم بن حبان، قال: (( صليت خلف ابن عمر ، فجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في السورتين ، فقيل له ، فقال : صليت خلف رسول الله حتى قبض ، وخلف أبي بكر ، حتى قبض ، وخلف عمر حتى قبض ، فكانوا يجهرون بها في السورتين ، فلا أدع الجهر بها حتى أموت )) . انتهى . وهذا أيضاً باطل ، وعبادة بن زياد بفتح العين . قال أبو حاتم : كان [٢٦٤/١ - ب] من رؤساء الشيعة. / وقال الحافظ محمد النيسابوري: هو مجمع على كذبه ، وشيخه يونس بن أبي يعفور فيه مقال ، ضعَّفْه النسائي ، وابن معين . وقال ابن حبان : يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج عندي بما انفرد به ، ومسلم بن حبان غير معروف . ومنها : ما رواه الدارقطني في (( سننه )) (١) ، عن يعقوب بن يوسف ابن زياد الضبي ، ثنا أحمد بن حماد الهمداني ، عن فطر بن خليفة ، عن أبي الضحى ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله - عليه (١) (٣٠٩/١) . - ٤١٨ - السلام -: (( أمني جبريل - عليه السلام - عند الكعبة ، فجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾)) . والجواب : إن هذا حديث منكر ، بل موضوع . وقال الشيخ جمال الدين الزيلعي : يعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور ، وقد فتشت عليه في عدة كتب من الجرح والتعديل فلم أر له ذكراً أصلاً ، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني ، وسكوت الدارقطني ، والخطيب ، وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا . ومنها : ما رواه الدارقطني (١): ثنا أبو القاسم الحسن (٣) بن محمد ابن بشر الكوفي ، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار ، ثنا إبراهيم ابن حبيب ، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي ، عن الحكم بن عمير ، وكان بدريا، قال: ((صليت خلف النبي - عليه السلام - فجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في صلاة الليل ، وصلاة الغداة ، وصلاة الجمعة)). والجواب : إن هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة ، بل هو حديث باطل لوجوه ؛ الأول : أن الحكم بن عمير ليس بدريا ، ولا في البدريين أحد اسمه الحکم بن عمیر، بل لا يعرف له صحبة، فإن موسی بن [أبي] حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا ، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه . وقال ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل)): الحكم بن عمير روى عن النبي - عليه السلام - أحاديث منكرة ، لا يذكر سماعاً ولا لقاء . روى عنه : ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو ضعيف الحديث ، سمعت أبي يذكر ذلك ، وقد ذكر الطبراني في (( معجمه الكبير )) الحكم بن عمير ، وقال في نسبته الثمالي ، ثم روى له بضعة عشر حديثاً منكراً ، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه. وروى له ابن عدي في (( الكامل )) قريباً من عشرين حديثاً ، ولم يذكرا فيها هذا الحديث ، والراوي عن موسى هو : إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي . قال الدارقطني : متروك الحديث ، (١) (١/ ٣١٠) . (٢) في الأصل: (( الحسين)) خطأ. - ٤١٩ - ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته ، فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم ، لم يذكروا هذا الحديث فيها ، كبقي بن مخلد ، وابن عدي ، والطبراني ، وإنما رواه فيما علمنا الدارقطني ، ثم الخطيب ، ووهم الدارقطني ، فقال : إبراهيم بن حبيب ، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق ، وتبعه الخطيب ، وزاد وهماً ثانياً ، فقال الضبي - بالضاد المعجمة والباء الموحدة وإنما هو الصيني - بالصاد المهملة والنون - . ومنها : ما رواه الدارقطني (١) : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، ثنا أحمد بن رشد بن خثيم ، ثنا عمي سعيد بن خثيم ، ثنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن سالم، عن ابن عمر: (( أنه كان يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، وذكر أن رسول الله كان يجهر بها )). والجواب : إن هذا لا يصح ، وسعيد بن خثيم تكلم فيه ابن عدي وغيره ، والحمل فيه على ابن أخيه أحمد بن رشد بن خثيم ، فإنه متهم ، وله أحاديث بواطيل ، ذكرها الطبراني وغيره ، والراوي عنه هو : ابن عبدة الحافظ ، وهو كثير الغرائب والمناكير ، روى في الجهر أحاديث كثيرة عن ضعفاء ، وكذابين ، ومجاهيل ، والحمل فيها عليهم لا عليه ، وروى له الخطيب في أول ((تاريخه )) حديثاً موضوعاً ، هو الذي صنعه بسنده إلى العباس، أنه - عليه السلام - قال له: (( أنت عمي ، وصنو أبي ، وابنك هذا أبو الخلفاء من بعدي ، منهم السفاح ، ومنهم المنصور ، ومنهم المهدي )) . ومنها: ما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢) ، عن عمر بن هارون ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة (( أن رسول الله -عليه السلام - قرأ في الصلاة : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فعدها آية / ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آيتين، (الرحمن الرحيم﴾ ثلاث آيات)) إلى آخره . [٢٦٥/١-٢) (١) (٣٠٤/١ - ٣٠٥) . (٢) (٢٣٢/١)، والدارقطني في «سننه)) (٣٠٧/١). - ٤٢٠ -